خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً
٨٢
وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً
٨٣
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً
٨٤
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٥
وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً
٨٦
إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
٨٧
قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
٨٨
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً
٨٩
وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً
٩٠
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً
٩١
أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً
٩٢
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً
٩٣
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً
٩٤
قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً
٩٥
قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
٩٦
وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً
٩٧
ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً
٩٨
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً
٩٩
قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً
١٠٠
-الإسراء

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
رجوع بعد رجوع إلى حديث القرآن وكونه آيه للنبوة وما يصحبه من الرحمة والبركة، وقد افتتح الكلام فيه بقوله فيما تقدم: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ثم رجع إليه بقوله: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} الخ وقوله: {وإذا قرأت القرآن} الخ وقوله: {وما منعنا أن نرسل بالآيات} الخ.
فبين في هذه الآيات أن القرآن شفاء ورحمة وبعبارة أخرى مصلح لمن صلحت نفسه ومخسر للظالمين وأنه آية معجزه للنبوة ثم ذكر ما كانوا يقترحونه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الآيات والجواب عنه وما يلحق بذلك من الكلام.
وفي الآيات ذكر سؤالهم عن الروح والجواب عنه.
قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} من بيانية تبين الموصول أعني قوله: {ما هو شفاء} الخ أي وننزل ما هو شفاء ورحمة وهو القرآن.
وعد القرآن شفاء والشفاء إنما يكون عن مرض دليل على أن للقلوب أحوالاً نسبة القرآن إليها نسبة الدواء الشافي إلى المرض، وهو المستفاد من كلامه سبحانه حيث ذكر أن الدين الحق فطرى للإِنسان فكما أن للبنية الإِنسانية التي سويت على الخلقة الأصلية قبل أن يلحق بها أحوال منافية وآثار مغايرة للتسوية الأولية استقامة طبيعية تجري عليها في أطوار الحياة كذلك لها بحسب الخلقة الأصلية عقائد حقة في المبدأ والمعاد وما يتفرع عليهما من أصول المعارف، وأخلاق فاضلة زاكية تلائمها ويترتب عليها من الأحوال والأعمال ما يناسبها.
فللإِنسان صحة واستقامة روحية معنوية كما أن له صحة واستقامه جسمية صورية، وله أمراض وأدواء روحية باختلال أمر الصحة الروحية كما أن له أمراضاً وأدواء جسميه باختلال أمر الصحة الجسمية ولكل داء دواء ولكل مرض شفاء.
وقد ذكر الله سبحانه في أُناس من المؤمنين أن في قلوبهم مرضاً وهو غير الكفر والنفاق الصريحين كما يدل عليه قوله:
{ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم } [الأحزاب: 60] وقوله: { وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ما ذا أراد الله بهذا مثلاً } [المدثر: 31]. وليس هذا المسمى مرضاً إلا ما يختل به ثبات القلب واستقامة النفس من أنواع الشك والريب الموجبة لاضطراب الباطن وتزلزل السر والميل إلى الباطل واتباع الهوى مما يجامع إيمان عامة المؤمنين من أهل أدنى مراتب الإِيمان ومما هو معدود نقصاً وشركاً بالإِضافة إلى مراتب الإِيمان العالية، وقد قال تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } [يوسف: 106] وقال: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } [النساء: 65]. والقرآن الكريم يزيل بحججه القاطعة وبراهينه الساطعة أنواع الشكوك والشبهات المعترضة في طريق العقائد الحقة والمعارف الحقيقية ويدفع بمواعظه الشافيه وما فيه من القصص والعبر والأمثال والوعد والوعيد والإِنذار والتبشير والأحكام والشرائع عاهات الأفئدة وأفاتها فالقرآن شفاء للمؤمنين.
وأما كونه رحمة للمؤمنين - والرحمه إفاضة ما يتم به النقص ويرتفع به الحاجة - فلأن القرآن ينور القلوب بنور العلم واليقين بعدما يزيل عنها ظلمات الجهل والعمى والشك والريب، ويحليها بالملكات الفاضلة والحالات الشريفة الزاكية بعدما يغسل عنها أوساخ الهيآت الردية والصفات الخسيسة.
فهو بما أنه شفاء يزيل عنها أنواع الأمراض والأدواء، وبما أنه رحمة يعيد إليها ما افتقدته من الصحة والاستقامة الأصلية الفطرية فهو بكونه شفاء يطهر المحل من الموانع المضادة للسعادة ويهيئها لقبولها، وبكونه رحمة يلبسه لباس السعادة وينعم عليه بنعمة الاستقامة.
فالقرآن شفاء ورحمة للقلوب المريضة كما أنه هدى ورحمة للنفوس غير الآمنة من الضلال، وبذلك يظهر النكتة في ترتب الرحمة على الشفاء في قوله: {ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} فهو كقوله:
{ هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [النحل: 64] وقوله: { ومغفرة ورحمة } [النساء: 96]. فمعنى قوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} وننزل إليك أمراً يشفي أمراض القلوب ويزيلها ويعيد إليها حالة الصحة والاستقامة فتتمتع من نعمة السعادة والكرامة.
وقوله: {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} السياق دال على أن المراد به بيان ما للقرآن من الأثر في غير المؤمنين قبال ما له من الأثر الجميل في المؤمنين فالمراد بالظالمين غير المؤمنين وهم الكفار دون المشركين خاصة كما يظهر من بعض المفسرين وإنما علق الحكم بالوصف أعني الظلم ليشعر بالتعليل أي أن القرآن إنما يزيدهم خساراً لمكان ظلمهم بالكفر.
والخسار هو النقص في رأس المال فللكفار رأس مال بحسب الأصل وهو الدين الفطري تلهم به نفوسهم الساذجة ثم إنهم بكفرهم بالله وآياتة خسروا فيه ونقصوا. ثم إن كفرهم بالقرآن وإعراضهم عنه بظلمهم يزيدهم خساراً على خسار ونقصاً على نقص إن كانت عندهم بقية من موهبة الفطرة، وإلى هذه النكتة يشير سياق النفي والاستثناء حيث قيل: {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} ولم يقل: ويزيد الظالمين خساراً.
وبه يظهر أن محصل معنى الآية أن القرآن يزيد المؤمنين صحة واستقامة على صحتهم واستقامتهم بالإِيمان وسعادة على سعادتهم وإن زاد الكافرين شيئاً فإنما يزيدهم نقصاً وخساراً.
وللمفسرين في معنى صدر الآية وذيلها وجوه أُخر أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع مسفوراتهم.
ومما ذكروه فيها أن المراد بالشفاء في الآية أعم من شفاء الأمراض الروحية من الجهل والشبهة والريب والملكات النفسانية الرذيلة وشفاء الأمراض الجسميه بالتبرك بآياته الكريمة قراءة وكتابة هذا.
ولا بأس به لكن لو صح التعميم فليصح في الصدر والذيل جميعاً فإنه كما يستعان به على دفع الأمراض والعاهات بقراءة أو كتابة كذلك يستعان به على دفع الأعداء ورفع ظلم الظالمين وإبطال كيد الكافرين فيزيد بذلك الظالمين خساراً كما يفيد المؤمنين شفاء هذا، ونسبة زيادة خسارهم إلى القرآن مع أنها مستندة بالحقيقة إلى سوء اختيارهم وشقاء أنفسهم إنما هي بنوع من المجاز.
قوله تعالى: {وإذا أنعمنا على الإِنسان أعرض وَنَئَا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوساً} قال في المفردات: العرض خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها - إلى أن قال - وأعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل: أعرض لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض عني فمعناه ولى مبدياً عرضه. انتهى موضع الحاجة.
والنأي البعد ونآى بجانبه أي اتخذ لنفسه جهة بعيدة منا، ومجموع قوله: {أعرض ونآى بجانبه} يمثل حال الإِنسان في تباعده وانقطاعه من ربه عندما ينعم عليه. كمن يحول وجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقفاً بعيداً منه، وربما ذكر بعض المفسرين أن قوله: {نآى بجانبه} كناية عن الاستكبار والاستعلاء.
وقوله: {وإذا مسه الشر كان يئوساً} أي وإذا أصابه الشر إصابة خفيفة كالمس كان آيساً منقطع الرجاء عن الخير وهو النعمة، ولم ينسب الشر إليه تعالى كما نسب النعمة تنزيهاً له تعالى من أن يسند إليه الشر، ولأن وجود الشر أمر نسبي لا نفسي فما يتحقق من الشر في العالم كالموت والمرض والفقر والنقص وغير ذلك إنما هو شر بالنسبة إلى مورده، وأما بالنسبة إلى غيره وخاصة النظام العام الجاري في الكون فهو من الخير الذي لا مناص عنه في التدبير الكلي فما كان من الخير فهو مما تعلقت به بعينه العناية الإِلهية وهو مراد بالذات، وما كان من الشر فهو مما تعلقت به العناية لغيره وهو مقتضي بالعرض.
فالمعنى إنا إذا أنعمنا على الإِنسان هذا الموجود الواقع في مجرى الأسباب اشتغل بظواهر الأسباب وأخلد إليها فنسينا فلم يذكرنا ولم يشكرنا، وإذا ناله شيء يسير من الشر فسلب منه الخير وزالت عنه أسبابه ورأى ذلك كان شديد اليأس من الخير لكونه متعلقاً بأسبابه وهو يرى بطلان أسبابه ولا يرى لربه في ذلك صنعاً.
والآية تصف حال الإِنسان العادي الواقع في المجتمع الحيوى الذي يحكم فيه العرف والعاده فهو إذا توالت عليه النعم الإِلهية من المال والجاه والبنين وغيرها ووافقته على ذلك الأسباب الظاهرية اشتغل بها وتعلق قلبه بها فلم تدع له فراغاً يشتغل فيه بذكر ربه وشكره بما أنعم عليه، وإذا مسه الشر وسلب عنه بعض النعم الموهوبة أيس من الخير ولم يتسل بالرجاء لأنه لا يرى للخير إلا الأسباب الظاهرية التي لا يجد وقتئذ شيئاً منها في الوجود.
وهذه الحال غير حال الإِنسان الفطري غير المشوب ذهنه بالرسوم والآداب ولا الحاكم فيه العرف والعادة إما بتأييد إلهي يلازمه ويسدده وإما بعروض اضطرار ينسيه الأسباب الظاهرية فيرجع إلى سذاجة فطرته ويدعو ربه ويسأله كشف ضره فللإِنسان حالان حال فطرية تهديه إلى الرجوع إلى ربه عند مس الضر ونزول الشر وحال عاديه تحول فيها الأسباب بينه وبين ربه فتشغله وتصرفه عن الرجوع إليه بالذكر والشكر، والآية تصف حاله الثانية دون الأولى.
ومن هنا يظهر أن لا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على أن الإِنسان إذا مسه الضر رجع إلى ربه كقوله تعالى فيما تقدم: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} الآية وقوله:
{ وإذا مس الإِنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً } [يونس: 12] الآية إلى غير ذلك.
ويظهر أيضاً وجه اتصال الآية بما قبلها وأنها متصلة بالآية السابقة من جهة ذيلها أعني قوله: {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} والمحصل أن هذا الخسار غير بعيد منهم فإن من حال الإِنسان أن يشغله الأسباب الظاهرية عند نزول النعم الإِلهية فينصرف عن ربه ويعرض وينآى، بجانبه وييأس عند مس الشر.
(بحث فلسفي)
ذكروا أن الشرور داخلة في القضاء الإِلهي بالعرض، وقد أوردوا في بيانه ما يأتي:
نقل عن أفلاطون أن الشر عدم وقد بين ذلك بالأمثلة فإن في القتل بالسيف مثلاً شراً وليس هو في قدرة الضارب على مباشرة الضرب ولا في شجاعته ولا في قوة عضلات يده فإن ذلك كله كمال له، ليس من الشر في شيء، وليس هو في حدة السيف ودقة ذبابه وكونه قطاعاً فإن ذلك من كماله وحسنه، وليس هو في انفعال رقبة المقتول عن الآلة القطاعه فإن من كماله أن يكون كذلك فلا يبقى للشر إلا زهاق روح المقتول وبطلان حياته وهو عدمي، وعلى هذا سائر الأمثلة فالشر عدم.
ثم إن الشرور التي في العالم لما كانت مرتبطة بالحوادث الواقعة مكتنفة بها كانت أعداماً مضافة لا عدماً مطلقاً فلها حظ من الوجود والوقوع كأنواع الفقد والنقص والموت والفساد الواقعة في الخارج الداخله في النظام العام الكوني، ولذلك كان لها مساس بالقضاء الإِلهي الحاكم في الكون لكنها داخلة في القضاء بالعرض لا بالذات.
وذلك أن الذي تتصوره من العدم إما عدم مطلق وهو عدم النقيض للوجود وإما مضاف إلى ملكة وهو عدم كمال الوجود عما من شأنه ذلك كالعمى الذي هو عدم البصر مما من شأنه أن يكون بصيراً.
والقسم الأول إما عدم شيء مأخوذ بالنسبه إلى ماهيته كعدم زيد مثلاً مأخوذاً بالنسبه إلى ماهية نفسه، وهذا اعتبار عقلي ليس من وقوع الشر في شيء إذ لا موضوع مشترك بين النقيضين، نعم ربما يقيد العدم فيقاس إلى الشيء فيكون من الشر كعدم زيد بعد وجوده، وهو راجع في الحقيقة إلى العدم المضاف إلى الملكة الآتي حكمه.
وأما عدم شيء مأخوذ بالنسبه إلى شيء آخر كفقدان الماهيات الإِمكانيه كمال الوجود الواجبي وكفقدان كل ماهيه وجود الماهيه الأخرى الخاص بها مثل فقدان النبات وجود الحيوان وفقدان البقر وجود الفرس، وهذا النوع من العدم من لوازم الماهيات وهي اعتبارية غير مجعولة.
والقسم الثاني وهو العدم المضاف إلى الملكة فقدان أمر ما شيئاً من كمال وجوده الذي من شأنه أن يوجد له ويتصف به كأنواع الفساد العارضة للأشياء والنواقص والعيوب والعاهات والأمراض والأسقام والآلام الطارئة عليها، وهذا القسم من الشرور إنما يتحقق في الأمور المادية ويستند إلى قصور الاستعدادات على اختلاف مراتبها لا إلى إفاضة مبدء الوجود فإن علة العدم عدم كما أن علة الوجود وجود.
فالذي تعلقت به كلمة الإِيجاد والإِرادة الإِلهية وشمله القضاء بالذات في الأمور التي يقارنها شيء من الشر إنما هو القدر الذي تلبس به من الوجود حسب استعداده ومقدار قابليته وأما العدم الذي يقارنه فليس إلا مستنداً إلى عدم قابليته وقصور استعداده نعم ينسب إليه الجعل والإِفاضة بالعرض لمكان نوع من الاتحاد بينه وبين الوجود الذي يقارنه هذا.
وببيان آخر الأمور على خمسة أقسام: ما هو خير محض، وما خيره أكثر من شره، وما يتساوى خيره وشره، وما شره أكثر من خيره، وما هو شر محض، ولا يوجد شيء من الثلاثة الأخيرة لاستلزامه الترجيح من غير مرجح أو ترجيح المرجوح على الراجح، ومن الواجب بالنظر إلى الحكمه الإِلهية المنبعثة عن القدرة والعلم الواجبيين والجود الذي لا يخالطه بخل أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتم وأن يوجد ما هو خير محض وما خيره أكثر من شره لأن في ترك الأول شراً محضاً وفي ترك الثاني شراً كثيراً.
فما يوجد من الشر نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير وإنما وجد الشر القليل بتبع الخير الكثير.
وعن الإِمام الرازي أنه لا محل لهذا البحث منهم بناء على ما ذهبوا إليه من كونه تعالى علة تامة للعالم واستحالة انفكاك العلة التامة عن معلولها فهو موجب في فعله لا مختار، فعليه أن يوجد ما هو علة له من خير أو شر من غير خيرة في الترجيح.
وقد خفي عليه أن هذا الوجوب إنما هو قائم بالمعلول تلقاه من قبل العله مثل ما يتلقى وجوده من قبله، ومن المحال أن يعود ما يفيضه العلة فيقهر العلة فيضطرها على الفعل ويغلبها بتحديده.
ولقد أنصف صاحب روح المعاني حيث أشار أولاً إلى نظير ما تقدم من البحث فقال: ولا يخفى أن هذا إنما يتم على القول بأنه تعالى لا يمكن أن تكون إرادته متساوية النسبة إلى الشيء ومقابله بلا داع ومصلحة كما هو مذهب الأشاعرة وإلا فقد يقال: إن الفاعل للكل إذا كان مختاراً فله أن يختار أيما شاء من الخيرات والشرور لكن الحكماء وأساطين الإِسلام قالوا: إن اختياره تعالى أرفع من هذا النمط، وأمور العالم منوطة بقوانين كلية، وأفعاله تعالى مربوطة بحكم ومصالح جلية وخفية.
ثم قال: وقول الإِمام: "إن الفلاسفة لما قالوا بالإِيجاب والجبر في الأفعال فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول والضلال لأن السؤال بلم عن صدورها غير وارد كصدور الإِحراق من النار لأنه يصدر عنها لذاتها".
ناش من التعصب لأن محققيهم يثبتون الاختيار، وليس صدور الأفعال من الله تعالى عندهم صدور الإِحراق من النار، وبعد فرض التسليم بحثهم عن كيفية وقوع الشر في هذا العالم لأجل أن الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم ولا يجوزون الشر عما لا جهة شرية فيه أصلاً فيلزم عليهم في بادئ النظر ما افترته الثنوية من مبدئين خيري وشري فتخلصوا عن ذلك البحث فهو فضل لا فضول. انتهى.
قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً} المشاكلة - على ما في المفردات - من الشكل وهو تقييد الدابة، ويسمى ما يقيد به شكالاً بكسر الشين، والشاكلة هي السجية سمي بها لتقييدها الإِنسان أن يجرى على ما يناسبها وتقتضيه.
وفي المجمع: الشاكلة الطريقة والمذهب يقال: هذا طريق ذو شواكل أي ينشعب منه طرق جماعة انتهى. وكأن تسميتهما بها لما فيها من تقييد العابرين والمنتحلين بالتزامهما وعدم التخلف عنهما وقيل: الشاكلة من الشكل بفتح الشين بمعنى المثل وقيل: إنها من الشكل بكسر الشين بمعنى الهيئة.
وكيف كان فالآية الكريمة ترتب عمل الإِنسان على شاكلتة بمعنى أن العمل يناسبها ويوافقها، فهي بالنسبه إلى العمل كالروح السارية في البدن الذي يمثل بأعضائه وأعماله هيآت الروح المعنوية وقد تحقق بالتجارب والبحث العلمي أن بين الملكات والأحوال النفسانية وبين الأعمال رابطة خاصة فليس يتساوى عمل الشجاع الباسل والجبان إذا حضرا موقفاً هائلاً، ولا عمل الجواد الكريم والبخيل اللئيم في موارد الانفاق وهكذا، وأن بين الصفات النفسانية ونوع تركيب البنية الإِنسانية رابطة خاصة فمن الأمزجة ما يسرع إليه الغضب وحب الانتقام بالطبع ومنها ما تغلي وتفور فيه شهوة الطعام أو النكاح أو غير ذلك بحيث تتوق نفسه بأدنى سبب يدعوه ويحركه، ومنها غير ذلك فيختلف انعقاد الملكات بحسب ما يناسب المورد سرعة وبطءاً.
ومع ذلك كله فليس يخرج دعوة المزاج المناسب لملكة من الملكات أو عمل من الأعمال من حد الاقتضاء إلى حد العلية التامة بحيث يخرج الفعل المخالف لمقتضى الطبع عن الإِمكان إلى الاستحالة ويبطل الاختيار فالفعل باق على اختياريته وإن كان في بعض الموارد صعباً غاية الصعوبة.
وكلامه سبحانه يؤيد ما تقدم على ما يعطيه التدبر فهو سبحانه القائل:
{ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً } [الأعراف: 58] وانضمام الآية إلى الآيات الدالة على عموم الدعوة كقوله: { لأنذركم به ومن بلغ } [الأنعام: 19] يفيد أن تأثير النبى الإِنسانية في الصفات والأعمال على نحو الاقتضاء دون العلية التامة كما هو ظاهر.
كيف وهو تعالى يعد الدين فطرياً تهتف به الخلقة التي لا تبديل لها ولا تغيير قال:
{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } [الروم: 30] وقال: { ثم السبيل يسره } [عبس: 20] ولا تجامع دعوة الفطرة إلى الدين الحق والسنة المعتدلة دعوة الخلقة إلى الشر والفساد والانحراف عن الاعتدال بنحو العلية التامة.
وقول القائل: إن السعادة والشقاوة ذاتيتان لا تتخلفان عن ملزومهما كزوجية الأربعة وفردية الثلاثة أو مقضيتان بقضاء أزلي لازم، وأن الدعوة لإِتمام الحجة لا لإِمكان التغيير ورجاء التحول من حال إلى حال فالأمر مفروغ عنه قال تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة}.
مدفوع بأن صحة إقامة الحجة بعينها حجة على عدم كون سعادة السعيد وشقاوة الشقي لازمة ضرورية فإن السعادة والشقاوة لو كانتا من لوازم الذوات لم تحتاجا في لحوقهما إلى حجة إذ لا حجة في الذاتيات فتلغو الحجة، وكذا لو كانتا لازمتين للذوات بقضاء لازم أزلي لا لاقتضاء ذاتي من الذوات كانت الحجة للناس على الله سبحانه فتلغو الحجة منه تعالى فصحة إقامة الحجة من قبله سبحانه تكشف عن عدم ضرورية شيء من السعادة والشقاوة بالنظر إلى ذات الإِنسان مع قطع النظر عن أعماله الحسنة والسيئة واعتقاداته الحقة والباطلة.
على أن توسل الإِنسان بالفطرة إلى مقاصد الحياة بمثل التعليم والتربية والإِنذار والتبشير والوعد والوعيد والأمر والنهي وغير ذلك أوضح دليل على أن الإِنسان في نفسه على ملتقى خطين ومنشعب طريقين: السعادة والشقاوة وفي إمكانه أن يختار أياً منهما شاء وأن يسلك أياً منهما أراد ولكل سعي جزاء يناسبه قال تعالى:
{ وأن ليس للإِنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى } [النجم: 39-41]. فهذا نوع من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الذوات، وهناك نوع آخر من الارتباط مستقر بين الأعمال والملكات وبين الأوضاع والأحوال والعوامل الخارجة عن الذات الإِنسانية المستقرة في ظرف الحياة وجو العيش كالآداب والسنن والرسوم والعادات التقليدية فإنها تدعو الإِنسان إلى ما يوافقها وتزجره عن مخالفتها ولا تلبث دون أن تصوره صورة جديدة ثانية تنطبق أعمالة على الأوضاع والأحوال المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته.
وهذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالباً غير أنها ربما يستقر استقراراً لا مطمع في زوالها من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في نفس الإِنسان وفي كلامه تعالى ما يشير إلى ذلك كقوله:
{ إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } [البقرة: 6] إلى غير ذلك.
ولا يضر ذلك صحة إقامة الحجة عليهم بالدعوة والإِنذار والتبشير لأن امتناع تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
فقد تبين بما قدمناه على طوله أن للإِنسان شاكلة بعد شاكلة فشاكلة يهيؤها نوع خلقته وخصوصية تركيب بنيته، وهي شخصية خلقية متحصلة من تفاعل جهازاته البدنية بعضها مع بعض كالمزاج الذي هو كيفية متوسطة حاصلة من تفاعل الكيفيات المتضادة بعضها في بعض.
وشاكلة أخرى ثانية وهي شخصية خلقية متحصلة من وجوه تأثير العوامل الخارجية في النفس الإِنسانية على ما فيها من الشاكلة الأولى إن كانت.
والإِنسان على أي شاكلة متحصلة وعلى أي نعت نفساني وفعليه داخلية روحية كان فإن عمله يجري عليها وأفعاله تمثلها وتحكيها كما أن المتكبر المختال يلوح حاله في تكلمه وسكوته وقيامه وقعوده وحركته وسكونه، والذليل المسكين ظاهر الذلة والمسكنة في جميع أعماله وكذا الشجاع والجبان والسخي والبخيل والصبور والوقور والعجول وهكذا: وكيف لا والفعل يمثل فاعله والظاهر عنوان الباطن والصورة دليل المعنى.
وكلامه سبحانه يصدق ذلك ويبني عليه حججه في موارد كثيرة كقوله تعالى:
{ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات } [فاطر: 19-22] وقوله: { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } [النور: 26] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقوله تعالى: {كل يعمل على شاكلته} محكم في معناه على أي معنى حملنا الشاكلة غير أن اتصال الآية بقوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً} ووقوعها في سياق أن الله سبحانه يربح المؤمنين ويشفيهم بالقرآن الكريم والدعوة الحقة ويخسر به الظالمين لظلمهم يقرب كون المراد بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني وهي الشخصيه الخلقية الحاصلة للإِنسان من مجموع غرائزه والعوامل الخارجية الفاعلة فيه.
كأنه تعالى لما ذكر استفادة المؤمنين من كلامه الشفاء والرحمة وحرمان الظالمين من ذلك وزيادتهم في خسارهم اعترضه معترض في هذه التفرقة وأنه لو سوى بين الفريقين في الشفاء والرحمة كان ذلك أو في لغرض الرسالة وأنفع لحال الدعوة فأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم في ذلك.
فقال: قل: كل يعمل على شاكلته أي إن أعمالكم تصدر على طبق ما عندكم من الشاكلة والفعلية الموجودة فمن كانت عنده شاكلة عادلة سهل اهتداؤه إلى كلمة الحق والعمل الصالح وانتفع بالدعوة الحقة، ومن كانت عنده شاكلة ظالمة صعب عليه التلبس بالقول الحق والعمل الصالح ولم يزد من استماع الدعوة الحقة إلا خساراً، والله الذي هو ربكم العليم بسرائركم المدبر لأمركم أعلم بمن عنده شاكلة عادلة وهو أهدى سبيلاً وأقرب إلى الانتفاع بكلمة الحق، والذي علمه وأخبر به أن المؤمنين أهدى سبيلاً فيختص بهم الشفاء والرحمة بالقرآن الذي ينزله، ولا يبقى للكافرين أهل الظلم إلا مزيد الخسار إلا أن ينتزعوا عن ظلمهم فينتفعوا به.
ومن هنا يظهر النكتة في التعبير بصيغة التفضيل في قوله: {أهدى سبيلاً} وذلك لما تقدم أن الشاكلة غير ملزمة في الدعوة إلى ما يلائمها فالشاكلة الظالمة وإن كانت مضلة داعية إلى العمل الطالح غير أنها لا تحتم الضلال ففيها أثر من الهدى وإن كان ضعيفاً، والشاكلة العادلة أهدى منها فافهم.
وذكر الإِمام الرازي في تفسيره ما ملخصه: أن الآية تدل على كون النفوس الناطقة الإِنسانية مختلفه بالماهية وذلك أنه تعالى بين في الآية المتقدمه أن القرآن بالنسبة إلى بعض النفوس يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى بعض آخر يفيد الخسار والخزي ثم أتبعه بقوله: {قل كل يعمل على شاكلته} ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها منه آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسوِّد وجهه.
وهذا إنما يتم إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفه بماهياتها فبعضها مشرقة صافيه يظهر فيها من القرآن نور على نور، وبعضها كدرة ظلمانيه يظهر فيها منه ضلال على ضلال ونكال على نكال. انتهى.
وفيه أنه لو أقام الحجة على اختلاف ماهيات النفوس بعد رسوخ ملكاتها وتصورها بصورها لكان له وجه، وأما النفوس الساذجة قبل رسوخ الملكات فلا تختلف بالآثار اختلافاً ضرورياً حتى تجري فيها الحجة، وقد عرفت أن الآية إنما تتعرض لحال الإِنسان بعد حصول شاكلته وشخصيته الخلقية الحاصلة من مجموع غرائزه والعوامل الخارجية الفاعلة فيه الداعية إلى نوع من العمل دعوة على نحو الاقتضاء فتبصر.
(بحث فلسفي)
ذكر الحكماء أن بين الفعل وفاعله ويعنون به المعلول وعلته الفاعلة سنخية وجودية ورابطة ذاتية يصير بها وجود الفعل كأنه مرتبة نازلة من وجود فاعله ووجود الفاعل كأنه مرتبة عالية من وجود فعله بل الأمر على ذلك بناء على أصاله الوجود وتشكيكه.
وبينوا ذلك بأنه لو لم يكن بين الفعل المعلول وعلته الفاعلة له مناسبة ذاتية وخصوصية واقعية بها يختص أحدهما بالآخر كانت نسبة الفاعل إلى فعله كنسبته إلى غيره كما كانت نسبة الفعل إلى فاعله كنسبته إلى غيره فلم يكن لاستناد صدور الفعل إلى فاعله معنى، ونظير البرهان يجري في المعلول بالنسبة إلى سائر العلل ويثبت الرابطة بينه وبينها غير أن العلة الفاعلة لما كانت هي المقتضية لوجود المعلول ومعطي الشيء غير فاقده كانت العلة الفاعلة واجدة لكمال وجود المعلول والمعلول ممثلاً لوجودها في مرتبة نازلة.
وقد بين ذلك صدر المتألهين بوجه أدق وألطف وهو أن المعلول مفتقر في وجوده إلى العلة الفاعلة متعلق الذات بها، وليس من الجائز أن يتأخر هذا الفقر والتعلق عن مرتبة ذاته ويكون هناك ذات ثم فقر وتعلق وإلا استغنى بحسب ذاته عن العلة واستقل بنفسه عنها فلم يكن معلولاً هف فذاته عين الفقر والتعلق فليس له من الوجود إلا الرابط غير المستقل وما يتراءى فيه من استقلال الوجود المفروض معه أولاً إنما هو استقلال علته فوجود المعلول يحاكي وجود علته ويمثله في مرتبته التي له من الوجود.
(تعقيب البحث السابق من جهة القرآن)
التدبر في الآيات القرآنية لا يدع ريباً في أن القرآن الكريم يعد الأشياء على اختلاف وجوهها وتشتت أنواعها آيات له تعالى دالة على أسمائه وصفاته فما من شيء إلا وهو آية في وجوده وفي أي جهة مفروضة في وجوده له تعالى مشيرة إلى ساحة عظمته وكبريائه، والآية وهي العلامة الدالة من حيث إنها آية وجودها مرآتي فإن في ذي الآية الذي هو مدلولها غير مستقله دونه إذ لو استقلت في وجوده أو في جهة من جهات وجوده لم تكن من تلك الجهة مشيرة إليه دالة عليه آية له هف.
فالأشياء بما هي مخلوقة له تعالى أفعاله، وهي تحاكي بوجودها وصفات وجودها وجوده سبحانه وكرائم صفاته وهو المراد بمسانخة الفعل لفاعله لا أن الفعل واجد لهوية الفاعل مماثل لحقيقة ذاته فإن الضرورة تدفعه.
قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً} الروح على ما يعرف في اللغة هو مبدء الحياة الذي به يقوى الحيوان على الإِحساس والحركة الإِرادية ولفظه يذكر ويؤنث وربما يتجوز فيطلق على الأمور التي يظهر بها آثار حسنه مطلوبة كما يعد العلم حياة للنفوس قال تعالى:
{ أو من كان ميتاً فأحييناه } [الأنعام: 122] أي بالهداية إلى الإِيمان وعلى هذا المعنى حمل جماعة مثل قوله: { ينزل الملائكة بالروح من أمره } [النحل: 2] أي بالوحي وقوله: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [الشورى: 52] أي القرآن الذي هو وحي فذكروا أنه تعالى سمى الوحي أو القرآن روحاً لأن به حياة النفوس الميتة كما أن الروح المعروف به حياة الأجساد الميتة.
وكيف كان فقد تكرر في كلامه تعالى ذكر الروح في آيات كثيرة مكية ومدنية، ولم يرد في جميعها المعنى الذي نجده في الحيوان وهو مبدء الحياة الذي يتفرع عليه الإِحساس والحركة الإِرادية كما في قوله:
{ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } [النبأ: 38]، وقوله { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } [القدر: 4] ولا ريب أن المراد به في الآية غير الروح الحيواني وغير الملائكة وقد تقدم الحديث عن علي عليه السلام أنه احتج بقوله تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده } [النحل: 2] على أن الروح غير الملائكة، وقد وصفه تارة بالقدس وتارة بالأمانة كما سيأتي لطهارته عن الخيانة وسائر القذارات المعنوية والعيوب والعاهات التي لا تخلو عنها الأرواح الإِنسية.
وهو وإن كان غير الملائكة غير أنه يصاحبهم في الوحي والتبليغ كما يظهر من قوله: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} الآية فقد قال تعالى:
{ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } [البقرة: 97] فنسب تنزيل القرآن على قلبه صلى الله عليه وآله وسلم إلى جبريل ثم قال: { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين } [الشعراء: 193-195] وقال: { قل نزله روح القدس من ربك } [النحل: 102] فوضع الروح وهو غير الملائكة بوجه مكان جبريل وهو من الملائكة فجبريل ينزل بالروح والروح يحمل هذا القرآن المقرو المتلو.
وبذلك تنحل العقدة في قوله تعالى:
{ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [الشورى: 52] ويظهر أن المراد من وحي الروح في الآية هو إنزال روح القدس إليه صلى الله عليه وآله وسلم وإنزاله إليه وهو وحي القرآن إليه لكونه يحمله على ما تبين فلا موجب لما ذكره بعضهم على ما نقلناه آنفاً أن المراد بالروح في الآية هو القرآن.
وأما نسبة الوحي وهو الكلام الخفي إلى الروح بهذا المعنى وهو من الموجودات العينية والأعيان الخارجية فلا ضير فيه فإن هذه الموجودات الطاهرة كما أنها موجودات مقدسة من خلقه تعالى كذلك هي كلمات منه تعالى كما قال في عيسى بن مريم عليه السلام:
{ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } [النساء: 171]. فعد الروح كلمة دالة على المراد فمن الجائز أن يعد الروح وحياً كما عد كلمة وإنما سماه كلمة منه لأنة إنما كان عن كلمة الإِيجاد من غير أن يتوسط فيه السبب العادي في كينونة الناس بدليل قوله: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]. وقد زاد سبحانه في إيضاح حقيقة الروح حيث قال: {قل الروح من أمر ربي} وظاهر {من} أنها لتبيين الجنس كما في نظائرها من الآيات { يلقي الروح من أمره } [غافر: 15] {ينزل الملائكة بالروح من أمره} {أوحينا إليك روحاً من أمرنا} {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} فالروح من سنخ الأمر.
ثم عرف أمره في قوله:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 82-83] فبين أولاً أن أمره هو قوله للشيء: {كن} وهو كلمة الإِيجاد التي هي الإِيجاد والإِيجاد هو وجود الشيء لكن لا من كل جهة بل من جهة استناده إليه تعالى وقيامه به فقوله فعله.
ومن الدليل على أن وجود الأشياء قول له تعالى من جهة نسبته إليه مع إلغاء الأسباب الوجودية الأُخر قوله تعالى:
{ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر } [القمر: 50] حيث شبه أمره بعد عده واحدة بلمح بالبصر وهذا النوع من التشبيه لنفي التدريج وبه يعلم أن في الأشياء المكونة تدريجاً الحاصلة بتوسط الأسباب الكونية المنطبقة على الزمان والمكان جهة معراة عن التدريج خارجة عن حيطة الزمان والمكان هي من تلك الجهة أمره وقوله وكلمته، وأما الجهة التي هي بها تدريجية مرتبطة بالأسباب الكونية منطبقة على الزمان والمكان فهي بها من الخلق قال تعالى: { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54] فالأمر هو وجود الشيء من جهة استناده إليه تعالى وحده والخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسط الأسباب الكونية فيه.
ويستفاد ذلك أيضاً من قوله: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} الآية حيث ذكر أولاً خلق آدم وذكر تعلقه بالتراب وهو من الأسباب ثم ذكر وجوده ولم يعلقه بشيء إلا بقوله: {كن} فافهم ذلك ونظيره قوله:
{ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } [المؤمنون: 13-14] إلى أن قال { ثم أنشأناه خلقاً آخر } [المؤمنون: 14] فعد إيجاده المنسوب إلى نفسه من غير تخلل الأسباب الكونية إنشاء خلق آخر.
فظهر بذلك كله أن الأمر هو كلمة الإِيجاد السماوية وفعله تعالى المختص به الذي لا تتوسط فيه الأسباب، ولا يتقدر بزمان أو مكان وغير ذلك.
ثم بين ثانياً أن أمره في كل شيء هو ملكوت ذلك الشيء - والملكوت أبلغ من الملك - فلكل شيء ملكوت كما أن له أمراً قال تعالى:
{ أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } [الأعراف: 185] وقال: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } [الأنعام: 75]، وقال: { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } [القدر: 4] الآية.
فقد بان بما مر أن الأمر هو كلمة الإِيجاد وهو فعله تعالى الخاص به الذي لا يتوسط فيه الأسباب الكونية بتأثيراتها التدريجية وهو الوجود الأرفع من نشأة المادة وظرف الزمان، وأن الروح بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت.
وقد وصف تعالى أمر الروح في كلامه وصفاً مختلفاً فأفرده بالذكر في مثل قوله:
{ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } [النبأ: 38]، وقوله: { تعرج الملائكة والروح إليه } [المعارج: 4] الآية.
ويظهر من كلامه أن منه ما هو مع الملائكة كقوله في الآيات المنقولة آنفاً: {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك} {نزل به الروح الأمين على قلبك} {قل نزله روح القدس} وقوله:
{ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً } [مريم: 17]. ومنه ما هو منفوخ في الإِنسان عامة قال تعالى: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه } [السجدة: 9] وقال: { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } [ص: 72]. ومنه ما هو مع المؤمنين كما يدل عليه قوله تعالى: { أُولئك كتب في قلوبهم الإِيمان وأيدهم بروح منه } [المجادلة: 22] ويشعر به بل يدل عليه أيضاً قوله: { أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس } [الأنعام: 122] فإن المذكور في الآية حياة جديدة والحياة فرع الروح.
ومنه ما نزل إلى الأنبياء عليه السلام كما يدل عليه قوله:
{ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا } [النحل: 2] الآية وقوله: { وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } [البقرة: 253] وقوله: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [الشورى: 52] إلى غير ذلك.
ومن الروح ما تشعر به الآيات التي تذكر أن في غير الإِنسان من الحيوان حياة وأن في النبات حياة، والحياة متفرعة على الروح ظاهراً.
فقد تبين بما قدمناه على طوله معنى قوله تعالى: {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} وأن السؤال إنما هو عن حقيقة مطلق الروح الوارد في كلامه سبحانه، وأن الجواب مشتمل على بيان حقيقة الروح وأنه من سنخ الأمر بالمعنى الذي تقدم، وأما قوله: {وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً} أي ما عندكم من العلم بالروح الذي آتاكم الله ذلك قليل من كثير فإن له موقعاً من الوجود وخواص وآثاراً في الكون عجيبة بديعه أنتم عنها في حجاب.
وللمفسرين في المراد من الروح المسؤول عنه والمجاب عنه أقوال:
فقال بعضهم: إن المراد بالروح المسؤول عنه هو الروح الذي يذكره الله في قوله {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً} وقوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} الآية، ولا دليل لهم على ذلك.
وقال بعضهم: إن المراد به جبريل فإن الله سماه روحاً في قوله: {نزل به الروح الأمين على قلبك} وفيه أن مجرد تسميته روحاً في بعض كلامه لا يستلزم كونه هو المراد بعينه أينما ذكر على أن لهذه التسمية معنى خاصاً أومأنا إليه في سابق الكلام، ولولا ذلك لكان عيسى وجبريل واحداً لأن الله سمى كلاً منهما روحاً.
وقال بعضهم: إن المراد به القرآن لأن الله سماه روحاً في قوله: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} الآية فيكون محصل السؤال والجواب أنهم يسألونك عن القرآن أهو من الله أو من عندك؟ فأجبهم أنه من أمر ربي لا يقدر على الإِتيان بمثله غيره فهو آية معجزه دالة على صحة رسالتي وما أوتيتم من العلم به إلا قليلاً من غير أن تحيطوا به فتقدروا على الإِتيان بمثله قالوا: والآية التالية: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} يؤيد هذا المعنى.
وفيه أن تسميته في بعض كلامه روحاً لا تستلزم كونه هو المراد كلما أُطلق كما تقدم آنفاً. على أنك قد عرفت ما في دعوى هذه التسمية. على أن الآية التالية لا تتعين تأييداً لهذا الوجه بل تلائم بعض الوجوه الأُخر أيضاً.
وقال بعضهم: إن المراد به الروح الإِنساني فهو المتبادر من إطلاقه وقوله: {قل الروح من أمر ربي} ترك للبيان ونهي عن التوغل في فهم حقيقة الروح فإنه من أمر الله الذي استأثر بعلمه ولم يطلع على حقيقته أحداً ثم اختلفوا في حقيقته بين قائل بأنه جسم هوائي متردد في مخارق البدن، وقائل بأنه جسم هوائي في هيئة البدن حال فيه وخروجه موته، وقائل بأنه أجزاء أصلية في القلب، وقائل بأنه عرض في البدن، وقائل بأنه نفس البدن إلى غير ذلك.
وفيه أن التبادر في كلامه تعالى ممنوع، والتدبر في الآيات المتعرضة لأمر الروح كما قدمناه يدفع جميع ما ذكروه.
وقال بعضهم: إن المراد به مطلق الروح الواقع في كلامه والسؤال إنما هو عن كونه قديماً أو محدثاً فأجيب بأنه يحدث عن أمره وفعله تعالى، وفعله محدث لا قديم.
وفيه أن تعميم الروح لجميع ما وقع منه في كلامه تعالى وإن كان في محله لكن إرجاع السؤال إلى حدوث الروح وقدمه وتوجيه الجواب بما يناسبه دعوى لا دليل عليها من جهة اللفظ.
ثم إن لهم اختلافاً في معنى قوله: {الروح من أمر ربي} أهو جواب مثبت أو ترك للجواب وصرف عن السؤال على قولين، والوجوه المتقدمة في معنى الروح مختلفة في المناسبة مع هذين القولين فالمتعين في بعضها القول الأول وفي بعضها الثاني، وقد أشرنا إلى ذلك في ضمن الأقوال.
ثم إن لهم اختلافاً آخر في المخاطبين بقوله: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} أهم اليهود أو قريش لو كانوا هم السائلين بتعليم من اليهود أو هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغير النبي من الناس؟ والأنسب بالسياق أن يكون الخطاب متوجهاً إلى السائلين والكلام من تمام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن السائلين هم اليهود لأنهم كانوا معروفين يومئذ بالعلم وفي الكلام إثبات علم ما لهم دون قريش وكفار العرب وقد عبر تعالى عنهم في بعض كلامه بالذين لا يعلمون.
قوله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً} الكلام متصل بما قبله فإن الآية السابقة وإن كانت متعرضة لأمر مطلق الروح وهو ذو مراتب مختلفة إلا أن الذي ينطبق عليه منه بحسب سياق الآيات السابقة المسوقة في أمر القرآن هو الروح السماوي النازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الملقي إليه القرآن.
فالمعنى - والله أعلم - الروح النازل عليك الملقي بالقرآن إليك من أمرنا غير خارج من قدرتنا، وأقسم لئن شئنا لنذهبن بهذا الروح الذي هو كلمتنا الملقاة إليك ثم لا تجد أحداً يكون وكيلاً به لك علينا يدافع عنك ويطالبنا به ويجبرنا على رد ما أذهبنا به.
وبذلك يظهر أولاً: أن المراد بالذي أوحينا إليك الروح الإِلهي الذي هي كلمة ملقاة من الله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حد قوله:
{ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } [الشورى: 52]. وثانياً: أن المراد بالوكيل للمطالبة والرد لما أذهبه الله دون الوكيل في حفظ القرآن وتلاوته على ما فسره بعض المفسرين وهو مبني على تفسير قوله: {الذي أوحينا إليك} بالقرآن دون الروح النازل به كما قدمنا.
قوله تعالى: {إلا رحمة من ربك أن فضله كان عليك كبيراً} استثناء من محذوف يدل عليه السياق، والتقدير فما اختصصت بما أختصصت به ولا أعطيت ما أعطيت من نزول الروح وملازمته إياك إلا رحمة من ربك، ثم علله بقوله: {إن فضله كان عليك كبيراً} وهو وارد مورد الامتنان.
قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً} الظهير هو المعين مأخوذ من الظهر كالرئيس من الرأس وقوله: {بمثله} من وضع الظاهر موضع المضمر وضميره عائد إلى القرآن.
وفي الآية تحد ظاهر، وهي ظاهرة في أن التحدي بجميع ما للقرآن من صفات الكمال الراجعة إلى لفظه ومعناه لا بفصاحته وبلاغته وحدها فإن انضمام غير أهل اللسان إليهم لا ينفع في معارضة البلاغه شيئاً وقد اعتنت الآية باجتماع الثقلين وإعانه بعضهم لبعض.
على أن الآية ظاهرة في دوام التحدي وقد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة والبلاغه اليوم فلا أثر منهم، والقرآن باق على إعجازه متحد بنفسه كما كان.
قوله تعالى: {ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} تصريف الأمثال ردها وتكرارها وتحويلها من بيان إلى بيان ومن اسلوب إلى أسلوب، والمثل هو وصف المقصود بما يمثله ويقربه من ذهن السامع و {من} في قوله: {من كل مثل} لابتداء الغاية، والمراد من كل مثل يوضح لهم سبيل الحق ويمهد لهم طريق الإِيمان والشكر بقرينة قوله: {فأبى أكثر الناس إلا كفوراً} والكلام مسوق للتوبيخ والملامة.
وفي قوله: {أكثر الناس} وضع الظاهر موضع المضمر والأصل أكثرهم ولعل الوجه فيه الإِشارة إلى أن ذلك مقتضى كونهم ناساً كما مر في قوله:
{ وكان الإِنسان كفوراً } [الإسراء: 67]. والمعنى: واقسم لقد كررنا للناس في هذا القرآن من كل مثل يوضح لهم الحق ويدعوهم إلى الإِيمان بنا والشكر لنعمنا فأبى أكثر الناس إلا أن يكفروا ولا يشكروا.
قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} إلى قوله {كتاباً نقرؤه} الفجر الفتح والشق وكذلك التفجير إلا أنه يفيد المبالغة والتكثير، والينبوع العين التي لا ينضب ماؤها، وخلال الشيء وسطه واثناؤه، والكسف جمع كسفة كقطع جمع قطعه وزناً ومعنى، والقبيل هو المقابل كالعشير والمعاشر، والزخرف الذهب، والرقي الصعود والارتقاء.
والآيات تحكي الآيات المعجزة التي اقترحتها قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلقوا إيمانهم به عليها مستهينة بالقرآن الذي هو معجزة خالدة.
والمعنى {وقالوا} أي قالت قريش {لن نؤمن لك} يا محمد {حتى تفجر} وتشق {لنا من الأرض} أرض مكة لقلة مائها {ينبوعاً} عيناً لا ينضب ماؤها {أو تكون} بالإِعجاز {لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار} أي تشقها أو تجريها {خلالها} أي وسط تلك الجنة واثناءها {تفجيراً} {أو تسقط السماء كما زعمت} أي مماثلاً لما زعمت يشيرون به إلى قوله تعالى:
{ أو نسقط عليهم كسفاً من السماء } [سبأ: 9] {علينا كسفاً} وقطعاً {أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} مقابلا نعاينهم ونشاهدهم {أو يكون لك بيت من زخرف} وذهب {أو ترقى} وتصعد {في السماء ولن نؤمن لرقيك} وصعودك {حتى تنزل علينا} منها {كتاباً نقرؤه} ونتلوه.
قوله تعالى: {قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً} فيه أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب عما اقترحوه عليه وينبههم على جهلهم ومكابرتهم فيما لا يخفى على ذي نظر فإنهم سألوه أموراً عظاماً لا يقوى على أكثرها إلا القدرة الغيبية الإِلهية وفيها ما هو مستحيل بالذات كالإِتيان بالله والملائكة قبيلا، ولم يرضوا بهذا المقدار ولم يقنعوا به دون أن جعلوه هو المسؤول المتصدي لذلك المجيب لما سألوه فلم يقولوا لن نؤمن لك حتى تسأل ربك أن يفعل كذا وكذا بل قالوا: {لن نؤمن لك حتى تفجر} الخ {أو تكون لك} الخ {أو تسقط السماء} الخ {أو تأتي بالله} الخ {أو يكون لك} الخ {أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه}.
فإن أرادوا منه ذلك بما أنه بشر فأين البشر من هذه القدرة المطلقة غير المتناهية المحيطة حتى بالمحال الذاتي، وإن أرادوا منه ذلك بما أنه يدعي الرسالة فالرسالة لا تقتضي إلا حمل ما حمله الله من أمره وبعثه لتبليغه بالإِنذار والتبشير لا تفويض القدرة الغيبية إليه وإقداره أن يخلق كل ما يريد، ويوجد كل ما شاؤا، وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يدعي لنفسه ذلك فاقتراحهم ما اقترحوه مع ظهور الأمر من عجيب الاقتراح.
ولذلك أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يبادر في جوابهم أولاً إلى تنزيه ربه مما يلوح إليه اقتراحهم هذا من المجازفة وتفويض القدرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يبعد أن يستفاد منه التعجب فالمقام صالح لذلك.
وثانياً: إلى الجواب بقوله في صورة الاستفهام: {هل كنت إلا بشراً رسولاً} وهو يؤيد كون قوله: {سبحان ربي} واقعاً موقع التعجب أي إن كنتم اقترحتم علي هذه الأُمور وطلبتموها مني بما أنا محمد فإنما أنا بشر ولا قدره للبشر على شيء من هذه الأُمور، وإن كنتم اقترحتموها لأني رسول أدعي الرسالة فلا شأن للرسول إلا حمل الرسالة وتبليغها لا تقلد القدرة الغيبية المطلقة.
وقد ظهر بهذا البيان أن كلاً من قوله: {بشراً} و {رسولاً} دخيل في استقامة الجواب عن اقتراحهم أما قوله: {بشراً} فليرد به اقتراحهم عليه أن يأتي بهذه الآيات عن قدرته في نفسه، وأما قوله: {رسولاً} فليرد به اقتراح ايتائها عن قدرة مكتسبة من ربه.
وذكر بعضهم ما محصله أن معتمد الكلام هو قوله: {رسولاً} وقوله: {بشراً} توطئة له رداً لما أنكروه من جواز كون الرسول بشراً، ودلالة على أن من قبله من الرسل كانوا كذلك، والمعنى على هذا هل كنت الا بشراً رسولاً كسائر الرسل وكانوا لا يأتون إلا بما أجراه على أيديهم من غير أن يفوض إليهم أو يتحكموا على ربهم بشيء.
قال: وجعل {بشراً} و {رسولاً} كليهما معتمدين مخالف لما يظهر من الأثار أولاً فإن الذي ورد في الآثار أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسال ربه أن يفعل كذا وكذا، ولم يسألوه أن يأتيهم بشيء من قبل نفسه حتى يشار إلى رده بإثبات بشريته، ومستلزم لكون رسولاً خبراً بعد خبر وكونهما خبرين لكان يأباه الذوق السليم. انتهى محصلاً.
وفيه أولاً: أن أخذ قوله: {بشراً} رداً على زعمهم عدم جواز كون الرسول بشراً مع عدم اشتمال الآيات على مزعمتهم هذه لا تصريحاً ولا تلويحاً تحميل من غير دليل.
وثانياً: أن الذي ذكره في معنى الآية "هل كنت إلا بشراً رسولاً كسائر الرسل وكانوا لا يأتون إلا كذا وكذا" معتمد الكلام فيه هو التشبيه الذي في قوله: {كسائر الرسل} لا قوله: {رسولاً} وفي حذف معتمد الكلام إفساد السياق فافهم ذلك.
وثالثاً: أن اشتمال الآثار على أنهم إنما سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل ربه الإِتيان بتلك الآيات من غير أن يسألوه نفسه أن يأتي بها، لا يعارض نص الكتاب بخلافه، والذي حكاه الله عنهم أنهم قالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا "الخ" فتفجر الأنهار "الخ" أو تسقط السماء "الخ" وهذا من عجيب المغالاة في حق الآثار وتحكيمها على كتاب الله وتقديمها عليه حتى في صورة المخالفة.
ورابعاً: أن اباء الذوق السليم عن تجويز كون {رسولاً} خبراً بعد خبر لا يظهر له وجه.
قوله تعالى: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جائهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً} الاستفهام في قوله: {أبعث الله بشراً رسولاً} للإِنكار، وجملة {قالوا أبعث الله} "الخ" حكاية حالهم بحسب الاعتقاد وان لم يتكلموا بهذه الكلمة بعينها.
وإنكار النبوة والرسالة مع إثبات الإِله من عقائد الوثنية، وهذه قرينة على أن المراد بالناس الوثنيون، والمراد بالإِيمان الذي منعوه هو الإِيمان بالرسول.
فمعنى الآية وما منع الوثنيين - وكانت قريش وعامة العرب يومئذ منهم - أن يؤمنوا بالرسالة أو - برسالتك - إلا إنكارهم لرسالة البشر، ولذلك كانوا يردون على رسلهم دعوتهم - كما حكاه الله - بمثل قولهم:
{ لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أُرسلتم به كافرون } } [فصلت: 14]. قوله تعالى: {قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم قولهم وإنكارهم لرسالة البشر ونزول الوحي بأن العناية الإِلهية قد تعلقت بهداية أهل الأرض ولا يكون ذلك إلا بوحي سماوي لا من عند أنفسهم فالبشر القاطنون في الأرض لا غنى لهم عن وحي سماوي بنزول ملك رسول إليهم ويختص بذلك نبيهم.
وهذه خاصة الحياة الأرضية والعيشة المادية المفتقرة إلى هداية إلهية لا سبيل إليها إلا بنزول الوحي من السماء حتى لو أن طائفة من الملائكة سكنوا الأرض وأخذوا يعيشون عيشة أرضية مادية لنزَّلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً كما ننزل على البشر ملكاً رسولاً.
والعناية في الآية الكريمة. كما ترى - متعلقة بجهتين إحداهما كون الحياه أرضية مادية، والأخرى كون الهداية الواجبة بالعناية الإِلهية بوحي نازل من السماء برسالة ملك من الملائكة.
والأمر على ذلك، فهاتان الجهتان أعني كون حياة النوع أرضية مادية ووجوب هدايتهم بواسطة سماوية وملك علوي هما المقدمتان الأصليتان في البرهان على وجود الرسالة ولزومها.
وأما ما أصر عليه المفسرون من تقييد معنى الآية بوجوب كون الرسول من جنس المرسل إليهم ومن أنفسهم كالإِنسان للانسان والملك للملك فليس بتلك الأهمية، ولذلك لم يصرح به في الآية الكريمة.
وذلك أن كون الرسول إلى البشر وهو الذي يعلمهم ويربيهم من أنفسهم من لوازم كون حياتهم أرضية، وكون الوحي النازل عليهم بواسطة الملك السماوي فإن اختلاف أفراد النوع المادية بالسعادة والشقاء والكمال والنقص وطهارة الباطن وقذارته ضروري والملك الملقي للوحي وما تحمله منه طاهر زكي لا يمسه الا المطهرون، فالملك النازل بالوحي وإن نزل على النوع لكن لا يمسه الا آحاد منهم مطهرون من قذارات المادة وألواثها مقدسون من مس الشيطان وهم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم.
وتوضيح المقام: أن مقتضى العناية الإِلهية هداية كل نوع من أنواع الخليقة إلى كماله وسعادته، والإِنسان الذي هو أحد هذه الأنواع غير مستثنى من هذه الكلية، ولا تتم سعادته في الحياة إلا بأن يعيش عيشة اجتماعية تحكم فيها قوانين وسنن تضمن سعادة حياته في الدنيا وبعدها، وترفع الاختلافات الضرورية الناشئة بين الأفراد، وإذ كانت حياته حياة شعورية فلا بد أن يجهز بما يتلقى به هذه القوانين والسنن ولا يكفي في ذلك ما جهز به من العقل المميز بين خيره وشره فإن العقل بعينه يهديه إلى الاختلاف فلا بد أن يجهز بشعور آخر يتلقى به ما يفيضه الله من المعارف والقوانين الرافعة للاختلاف الضامنة لسعادته وكماله وهو شعور الوحي والإِنسان المتلبس به هو النبي.
وهذا برهان عقلي تام مأخوذ من كلامه وقد أوردناه وفصلنا القول فيه في مباحث النبوة من الجزء الثاني وفي ضمن قصص نوح في الجزء العاشر من الكتاب.
وأما الآية التي نحن فيها أعني قوله: {قل لو كان في الأرض ملائكة} الخ فإنها تزيد على مر من معنى البرهان بشيء وهو أن إلقاء الوحي إلى البشر يجب أن يكون بنزول ملك من السماء إليهم.
وذلك أن محصل مضمون الآية وما قبلها هو أن الذي يمنع الناس أن يؤمنوا برسالتك أنهم يحيلون رسالة البشر من جانب الله سبحانه. وقد أخطئوا في ذلك فإن مقتضى الحياة الأرضية وعناية الله بهداية عبادة أن ينزل إلى بعضهم ملكاً من السماء رسولاً حتى أن الملائكة لو كانوا كالإِنسان عائشين في الأرض لنزل الله إلى بعضهم وهو رسولهم ملكاً من السماء رسولاً حاملاً لوحيه.
وهذا كما ترى يعطي أولاً: معنى الرسالة البشرية وهو أن الرسول إنسان ينزل عليه ملك من السماء بدين الله ثم هو يبلغه الناس بأمر الله.
ويشير ثانياً: إلى برهان الرسالة أن حياة الإِنسان الأرضية والعناية الربانية متعلقة بهداية عباده وإيصالهم إلى غاياتهم لا غنى لها عن نزول دين سماوي عليهم، والملائكة وسائط نزول البركات السماوية إلى ارض فلا محالة ينزل الدين على الناس بوساطة الملك وهو رسالته، والذي يشاهده ويتلقى ما ينزل به - ولا يكون إلا بعض الناس لا جميعهم لحاجته إلى طهارة باطنية وروح من أمر الله - هو الرسول البشري.
وكان المترقب من السياق أن يُقال: {لبعث الله فيهم ملكاً رسولاً} بحذاء قولهم المحكي في الآية السابقة: {أبعث الله بشراً رسولاً} لكنه عدل إلى مثل قوله: {لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً} ليكون أولاً أحسم للشبهة وأقطع للتوهم فإن عامة الوثنيين من البرهمانية والبوذية والصابئة كما يشهد به ما في كتبهم المقدسة لا يتحاشون ذاك التحاشي عن النبوة بمعنى انبعاث بشر كامل لتكميل الناس ويعبرون عنه بظهور المنجي أو المصلح ونزول الإِله إلى الأرض وظهوره على أهلها في صورة موجود أرضي وكان بوذه ويوذاسف - على ما يُقال - منهم والمعبود عندهم على أي حال هو الملك أو الجن أو الإِنسان المستغرق فيه دون الله سبحانه.
وإنما يمتنعون كل الامتناع عن رسالة الملك وهو من الآلهة المعبودين عندهم إلى البشر بدين يعبد فيه الله وحده وهو اله غير معبود عندهم ففي التصريح برسالة الملك السماوي إلى البشر الأرضي من عند الله النص على كمال المحالفة لهم.
وليكون ثانياً إشارة إلى أن رسالة الملك بالحقيقة إلى عامة الإِنسان غير أن الذي يصلح لتلقي الوحي منه هو الرسول منهم، وأما غيره فهم محرومون عن ذلك لعدم استعدادهم لذلك فالفيض عام وإن كان المستفيض خاصاً قال تعالى:
{ وما كان عطاء ربك محظوراً } [الإسراء: 20] وقال: { قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام 124]. والآية بما تعطي من معنى الرسالة يؤيد ما ورد عن أئمه أهل البيت عليه السلام في الفرق بين الرسول والنبي أن الرسول هو الذي يرى الملك ويسمع منه، والنبي يرى المنام ولا يعاين، وقد أوردنا بعض هذه الأخبار في خلال أبحاث النبوة في الجزء الثاني من الكتاب.
ومن ألطف التعبير في الآية وأوجزه تعبيره عن الحياة الأرضية بقوله: {في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين} فإن الانتقال المكاني على الأرض مع الوقوع تحت الجاذبة الأرضية من أوضح خواص الحياة المادية الأرضية.
قوله تعالى: {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} لما احتج عليهم بما احتج وبين لهم ما بين في أمر معجزة رسالته وهي القرآن الذي تحدى به وهم على عنادهم وجحودهم وعنتهم لا يعتنون به ويقترحون عليه بأُمور جزافية أُخرى ولا يحترمون لحق ولا ينقطعون عن باطل أمر أن يرجع الأمر إلى شهادة الله فهو شهيد بما وقع منه ومنهم فقد بلغ ما أُرسل به ودعا واحتج وأعذر وقد سمعوا وتمت عليهم الحجة واستكبروا وعتوا فالكلام في معنى اعلام قطع المحاجة وترك المخاصمة ورد الأمر إلى مالك الأمر فليقض ما هو قاض.
وقيل المراد بالآية الاستشهاد بالله سبحانه على حقية الدعوة وصحة الرسالة كأنه يقول: كفاني حجة أن الله شهيد على رسالتي فهذا كلامه يصرح بذلك فإن قلتم: ليس بكلامه بل مما افتريته فأتوا بمثله ولن تأتوا بمثله ولو كان الثقلان أعواناً لكم وأعضاداً يمدونكم.
وهذا في نفسه جيد غير أن ذيل الآية كما قيل لا يلائمه أعني قوله: {بيني وبينكم} وقوله: {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} بل كان الأقرب أن يقال: شهيداً لي عليكم أو على رسالتي أو نحو ذلك.
وهذه الآية والآيتان قبلها مسجعة بقوله: {رسولاً} وهو المورد الوحيد في القرآن الذي اتفقت فيه ثلاث آيات متوالية في سجع واحد على ما نذكر.
قوله تعالى: {ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه} الخ هو - على ما يشعر به السياق - من تتمة الخطاب الأخير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم} فهو كناية عن أنه تمت عليهم الحجة وحقت عليهم الضلالة فلا مطمع في هدايتهم.
ومحصل المعنى: خاطبهم باعلام قطع المحاجة فإن الهداية لله تعالى لا يشاركه فيها أحد فمن هداه فهو المهتدي لا غير ومن أضله ولم يهده فلن تجد يا محمد له أولياء من دونه يهدونه والله لا يهدي هؤلاء فانقطع عنهم ولا تكلف نفسك في دعوتهم رجاء أن يؤمنوا.
ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: إن الآية كلام مبتدأ غير داخل في حيز {قل} في غير محله.
وإنما أتى بأولياء بصيغة الجمع مع كون المفرد أبلغ وأشمل إشارة إلى أنه لو كان له ولي من دون الله لكان ذلك إما آلهتهم وهي كثيرة وإما سائر الأسباب الكونية وهي أيضاً كثيرة.
وفي قوله: {ومن يهد الله فهو المهتد} الخ التفات من التكلم بالغير إلى الغيبة فقد كان السياق سياق التكلم بالغير ولعل الوجه فيه أنه لو قيل: ومن نهد ومن نضلل على التكلم بالغير أوهم تشريك الملائكة في أمر الهداية والإِضلال فأوهم التناقض في قوله: {فلن تجد له أولياء من دونه} فإن الأولياء عندهم الملائكة وهم يتخذونهم آلهة ويعبدونهم.
قوله: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} إلى آخر الآيتين العمي والبكم والصم جمع أعمى وأبكم وأصم، وخبوّ النار وخبوها سكون لهبها، والسعير لهب النار، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم} إلى آخر الآية، الكفور الجحود، احتجاج منه تعالى على البعث بعد الموت فقد كان قولهم: {ءاذا كنا عظاماً ورفاتاً ءإنا لمبعوثون خلقاً جديداً} استبعاداً مبنياً على إحالة أن يعود هذا البدن الدنيوي بعد تلاشيه وصيرورته عظاماً ورفاتاً إلى ما كان عليه بخلق جديد فاحتج عليهم بأن خلق البدن أولاً يثبت القدرة عليه وعلى مثله الذي هو الخلق الجديد للبعث فحكم الأمثال واحد.
فالمماثلة إنما هي من جهة مقايسة البدن الجديد من البدن الأول مع قطع النظر عن النفس التي هي الحافظة لوحدة الإِنسان وشخصيته، ولا ينافي ذلك كون الإِنسان الأخروي عين الإِنسان الدنيوي لا مثله لأن ملاك الوحدة والشخصية هي النفس الإِنسانية وهي محفوظة عند الله سبحانه غير باطلة ولا معدومة، وإذا تعلقت بالبدن المخلوق جديداً كان هو الإِنسان الدنيوي كما أن الإِنسان في الدنيا واحد شخصي باق على وحدته الشخصية مع تغير البدن بجميع أجزائه حيناً بعد حين.
والدليل على أن النفس التي هي حقيقة الإِنسان محفوظة عند الله مع تفرق أجزاء البدن وفساد صورته قوله تعالى:
{ وقالوا ءإذا ضللنا في الأرض ءإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 10-11] حيث استشكلوا في المعاد بأنه تجديد للخلق بعد فناء الإِنسان بتفرق أجزاء بدنه فأجيب عنه بأن ملك الموت يتوفى الإِنسان ويأخذه تاماً كاملاً فلا يضل ولا يتلاشى، وإنما الضال بدنه ولا ضير في ذلك فإن الله يجدده.
والدليل على أن الإِنسان المبعوث هو عين الإِنسان الدنيوي لا مثله جميع آيات القيامة الدالة على رجوع الإِنسان إليه تعالى وبعثه وسؤاله وحسابه ومجازاته بما عمل.
فهذا كله يشهد على أن المراد بالمماثلة ما ذكرناه، وإنما تعرض لأمر البدن حتى ينجر إلى ذكر المماثلة محاذاة لمتن ما استشكلوا به من قولهم: {ءإذا كنا عظاماً ورفاتاً ءإنا لمبعوثون خلقاً جديداً} فلم يضمنوا قولهم إلا شؤون البدن لا النفس المتوفاة منه، وإذا قطع النظر عن النفس كان البدن مماثلاً للبدن، وإن كان مع اعتبارها عيناً.
وذكر بعضهم: أن المراد بمثلهم نفسهم فهو من قبيل قولهم: مثلك لا يفعل هذا أي أنت لا تفعله. وللمناقشة إليه سبيل والظاهر أن العناية في هذا التركيب أن مثلك لاشتماله على مثل ما فيك من الصفة لا يفعل هذا فأنت لا تفعله لمكان صفتك ففيه نفي الفعل بنفي سببه على سبيل الكناية، وهو آكد من قولنا: أنت لا تفعله.
وقوله: {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} الظاهر أن المراد بالأجل هو زمان الموت فإن الأجل إما مجموع مدة الحياة الدنيا وهي محدودة بالموت وإما آخر زمان الحياة ويقارنه الموت وكيف كان فالتذكير بالموت الذي لا ريب فيه ليعتبروا به ويكفوا عن الجرأة على الله وتكذيب آياته فهو قادر على بعثهم والانتقام منهم بما صنعوا.
فقوله: {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} ناظر إلى قوله في صدر الآية السابقة: {ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} فهو نظير قوله:
{ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [الأعراف: 182] إلى أن قال { أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } [الأعراف: 185] إلى أن قال { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون } [الأعراف: 185]. وجوّز بعضهم أن يكون المراد بالأجل هو يوم القيامة، وهو لا يلائم السياق فإن سابق الكلام يحكي إنكارهم للبعث ثم يحتج عليهم بالقدرة فلا يناسبه أخذ البعث مسلماً لا ريب فيه.
ونظيره تقرير بعضهم قوله: {وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه} حجة أُخرى مسوقة لإِثبات يوم القيامة على كل من تقديري كون المراد بالأجل هو يوم الموت أو يوم القيامة، وهو تكلف لا يعود إلى جدوى البتة فلا موجب للاشتغال به.
قوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإِنفاق وكان الإِنسان قتوراً} فسر القتور بالبخيل المبالغ في الإِمساك وقال في المجمع: القتر التضييق والقتور فعول منه للمبالغة، ويقال: قتر يقتر وتقتر وأقتر وقترَّ إذا قدّر في النفقة. انتهى.
وهذا توبيخ لهم على منعهم رسالة البشر المنقول عنهم سابقاً بقوله: {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ملكاً رسولاً} ومعنى الآية ظاهر.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما الشفاء في علم القرآن لقوله: {ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} الحديث.
وفي الكافي بإسناده عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله عليه السلام؛ قال: قال: النية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل ثم قرأ قوله عز وجل: {قل كل يعمل على شاكلته} يعني على نيته.
أقول: وقوله: إن النية هي العمل يشير إلى اتحادهما اتحاد العنوان ومعنونه.
وفيه بإسناده عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبداً فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء. ثم تلا قوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} قال: على نيته.
أقول: إشارة إلى رسوخ الملكات بحيث يبطل في النفس استعداد ما يقابلها وروى الرواية العياشي أيضاً في تفسيره عن أبي هاشم عنه عليه السلام.
وفي الدر المنثور: في قوله تعالى: {يسألونك عن الروح} الآية أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل فقالوا: سلوه عن الروح فسألوه فنزلت: {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أُوتيتم من العلم إلا قليلاً}.
قالوا: أُوتينا علماً كثيراً أُوتينا التوراة ومن أُوتي التوراة فقد أُوتي خيراً كثيراً فأنزل الله: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً}.
أقول: وروى بطرق أُخرى عن عبد الله بن مسعود وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن أم الحكم أن السؤال إنما كان من اليهود بالمدينة وبها نزلت الآية وكون السورة مكية واتحاد سياق آياتها لا يلائم ذلك.
وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب في قوله: {ويسألونك عن الروح} قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة يسبح الله تعالى بتلك اللغات كلها يخلق الله تعالى من كل تسبيحة ملكاً يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.
أقول: كون الروح من الملائكة لا يوافق ظاهر عدة من آيات الكتاب كقوله:
{ ينزل الملائكة بالروح من أمره } [النحل: 2] وغيره من الآيات، وقد تقدم في ذيل قوله تعالى: {ينزل الملائكة بالروح من أمره} من سورة النحل حديث علي عليه السلام وفيه إنكاره أن يكون الروح ملكاً واحتجاجه على ذلك بالآية فالعبرة في أمر الروح بما يأتي.
وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} قال: خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مع الأئمة وهو من الملكوت.
أقول: وفي معناه روايات أُخر، والرواية توافق ما تقدم توضيحه من مدلول الآيات.
وفي تفسير العياشي عن زرارة وحمران عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله {يسألونك عن الروح} قال: إن الله تبارك وتعالى أحد صمد والصمد الشيء الذي ليس له جوف فإنما الروح خلق من خلقه له بصر وقوة وتأييد يجعله في قلوب الرسل والمؤمنين.
أقول: وإنما تعرض في صدر الرواية بما تعرض دفعاً لما يتوهم من مثل قوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} أن هناك جوفاً ونفساً منفوخاً.
وفيه عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن قوله: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} ما الروح؟ قال: التي في الدواب والناس قلت: وما هي؟ قال: من الملكوت من القدرة.
أقول: وهذه الروايات تؤيد ما تقدم في بيان الآية أن الروح المسؤول عنه حقيقة وسيعة ذات مراتب مختلفة، وأيضاً ظاهر هذه الرواية كون الروح الحيواني مجرداً من الملكوت.
وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب ورجلا من بني عبد الدار وأبا البحتري أخا بني أسد والأسود بن المطلب وربيعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أُمية وامية بن خلف والعاص بن وائل ونبيهاً ومنبهاً ابني الحجاج السهميين اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه.
فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سريعاً وهو يظن أنهم قد بدا لهم في أمره بدء، وكان عليهم حريصاً يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم.
فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذرك، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا وقد جئت فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه ونعذر فيك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا فيئكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"
]. فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلاداً ولا أقل مالاً ولا أشد عيشاً منا فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من قد مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخاً صدوقاً فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"
]. قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخر لنفسك فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وتسأله أن يجعل لك جناناً وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف منزلتك من ربك أن كنت رسولاً كما تزعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم"
]. قالوا: فاسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل فقال رسول الله ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك.
قالوا: يا محمد قد علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم اليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبداً فقد أعذرنا إليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا، وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً.
فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم وقام معهم عبد الله بن أبي أُمية فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أُمورا ليعرفوا بها منزلتك عند الله فلم تفعل ذلك ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فوالله ما اؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك.
ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهله حزيناً أسفاً لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من متابعتهم إياه وأنزل عليه فيما قال له عبد الله بن أبي أُمية: {وقالوا لن نؤمن لك} إلى قوله {بشراً رسولاً} الحديث.
أقول: والذي ذكر في الرواية من محاورتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسؤالاتهم لا ينطبق على ظاهر الآيات ولا ما فيها من الجواب على ظاهر ما فيها من الجواب. وقد تقدمت الإِشارة إلى ذلك في بيان الآيات.
وقد تكررت الرواية من طرق الشيعة وأهل السنة أن الذي ألقى إليه صلى الله عليه وآله وسلم القول من بين القوم وسأله هذه المسائل هو عبد الله بن أبي أُمية المخزومي أخو أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي الدر المنثور: في قوله تعالى: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال:
" قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال:[الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيه على وجوههم"
]. أقول: وفي معناه روايات أُخر.