خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً
٨٣
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
٨٤
فَأَتْبَعَ سَبَباً
٨٥
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
٨٦
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً
٨٧
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً
٨٨
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
٨٩
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً
٩٠
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً
٩١
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
٩٢
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً
٩٣
قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً
٩٤
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
٩٥
آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
٩٦
فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً
٩٧
قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً
٩٨
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً
٩٩
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً
١٠٠
ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
١٠١
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً
١٠٢
-الكهف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تشتمل على قصة ذي القرنين، وفيها شيء من ملاحم القرآن:
قوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً} أي يسألونك عن شأن ذي القرنين. والدليل على ذلك جوابه عن السؤال بذكر شأنه لا تعريف شخصه حتى اكتفى بلقبه فلم يتعد منه إلى ذكر اسمه.
والذكر إما مصدر بمعنى المفعول والمعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي القرنين شيئاً مذكوراً، وإما المراد بالذكر القرآن - وقد سماه الله في مواضع من كلامه بالذكر والمعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي القرنين أو من الله قرآناً وهو ما يتلو هذه الآية من قوله: {إنا مكنا له} إلى آخر القصة، والمعنى الثاني أظهر.
قوله تعالى: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً} التمكين الإِقدار يقال: مكنته ومكنت له أي أقدرته فالتمكن في الأرض القدرة على التصرف فيه بالملك كيفما شاء وأراد. وربما يقال: إنه مصدر مصوغ من المكان بتوهم أصالة الميم فالتمكين إعطاء الاستقرار والثبات بحيث لا يزيله عن مكانه أي مانع مزاحم.
والسبب الوصلة والوسيلة فمعنى إيتائه سبباً من كل شيء أن يؤتى من كل شيء يتوصل به إلى المقاصد الهامة الحيوية ما يستعمله ويستفيد منه كالعقل والعلم والدين وقوة الجسم وكثرة المال والجند وسعة الملك وحسن التدبير وغير ذلك وهذا امتنان منه تعالى على ذي القرنين وإعظام لأمره بأبلغ بيان، وما حكاه تعالى من سيرته وفعله وقوله المملوءة حكمة وقدرة يشهد بذلك.
قوله تعالى: {فأتبع سبباً} الإِتباع اللحوق أي لحق سبباً واتخذ وصلة وسيلة يسير بها نحو مغرب الشمس.
قوله تعالى: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوماً} تدل {حتى} على فعل مقدر وتقديره "فسار حتى إذا بلغ" والمراد بمغرب الشمس آخر المعمورة يومئذ من جانب الغرب بدليل قوله: {ووجد عندها قوماً}.
وذكروا أن المراد بالعين الحمئة العين ذات الحمأة وهي الطين الأسود، وأن المراد بالعين البحر فربما تطلق عليه، وأن المراد بوجدان الشمس تغرب في عين حمئة أنه وقف على ساحل بحر لا مطمع في وجود بر وراءه فرأى الشمس كأنها تغرب في البحر لمكان انطباق الأفق عليه قيل: وينطبق هذه العين الحمئة على المحيط الغربي وفيه الجزائر الخالدات التي كانت مبدء الطول سابقاً ثم غرقت.
وقرئ "في عين حامية" أي حارة، وينطبق على النقاط القريبة من خط الاستواء من المحيط الغربي المجاورة لإِفريقية ولعل ذا القرنين في رحلته الغربية بلغ سواحل إفريقية.
قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} القول المنسوب إليه تعالى في القرآن يستعمل في الوحي النبوي وفي الإِبلاغ بواسطة الوحي كقوله تعالى:
{ وقلنا يا آدم اسكن } [البقرة: 35] وقوله: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58]، ويستعمل في الالهام الذي ليس من النبوة كقوله { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } [القصص: 7]. وبه يظهر أن قوله: {قلنا يا ذا القرنين} الخ لا يدل على كونه نبياً يوحى إليه لكون قوله تعالى أعم من الوحي المختص بالنبوة ولا يخلو قوله: {ثم يرد إلى ربه فيعذبه} الخ حيث أورد في سياق الغيبة بالنسبة إليه تعالى من إشعار بأن مكالمته كانت بتوسط نبي كان معه فملكه نظير ملك طالوت في بني إسرائيل بإشارة من نبيهم وهدايته.
وقوله: {إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} أي إما أن تعذب هؤلاء القوم وإما أن تتخذ فيهم أمراً ذا حسن، فحسناً مصدر بمعنى الفاعل قائم مقام موصوفه أو هو وصف للمبالغة، وقد قيل: إن في مقابلة العذاب باتخاذ الحسن إيماء إلى ترجيحه والكلام ترديد خبري بداعي الإِباحة فهو إنشاء في صورة الإِخبار، والمعنى لك أن تعذبهم ولك أن تعفو عنهم كما قيل، لكن الظاهر أنه استخبار عما سيفعله بهم من سياسة أو عفو، وهو الأوفق بسياق الجواب المشتمل على التفصيل بالتعذيب والإِحسان {أما من ظلم فسوف نعذبه} الخ إذ لو كان قوله: {إما أن نعذب} الخ حكماً تخييرياً لكان قوله: {أما من ظلم} الخ تقريراً له وإيذاناً بالقبول ولا كثير فائدة فيه.
ومحصل المعنى: استخبرناه ماذا تريد أن تفعل بهم من العذاب والإِحسان وقد غلبتهم واستوليت عليهم؟ فقال: نعذب الظالم؟ منهم ثم يرد إلى ربه فيعذ به العذاب النكر، ونحسن إلى المؤمن الصالح ونكلفه بما فيه يسر.
ولم يذكر المفعول في قوله: {إما أن نعذب} بخلاف قوله: {إما أن تتخذ فيهم حسناً} لأن جميعهم لم يكونوا ظالمين، وليس من الجائز تعميم العذاب لقوم هذا شأنهم بخلاف تعميم الإِحسان لقوم فيهم الصالح والطالح.
قوله تعالى: {أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً} النكر والمنكر غير المعهود أي يعذبه عذاباً لا عهد له به، ولا يحتسبه ويترقبه.
وقد فسر الظلم بالإِشراك. والتعذيب بالقتل فمعنى {أما من ظلم فسوف نعذبه} أما من أشرك ولم يرجع عن شركه فسوف نقتله، وكأنه مأخوذ من مقابلة {من ظلم} بقوله: {من آمن وعمل صالحاً} لكن الظاهر من المقابلة أن يكون المراد بالظالم أعم ممن أشرك ولم يؤمن بالله أو آمن ولم يشرك لكنه لم يعمل صالحاً بل أفسد في الأرض، ولولا تقييد مقابله بالإِيمان لكان ظاهر الظلم هو الإِفساد من غير نظر إلى الشرك لأن المعهود من سيرة الملوك إذا عدلوا أن يطهروا أرضهم من فساد المفسدين، وكذا لا دليل على تخصيص التعذيب بالقتل.
قوله تعالى: {وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى} الخ {صالحاً} وصف أقيم مقام موصوفه وكذا الحسنى، و {جزاء} حال أو تمييز أو مفعول مطلق والتقدير: وأما من آمن وعمل عملاً صالحاً فله المثوبة الحسنى حال كونه مجزياً أو من حيث الجزاء أو نجزيه جزاء.
وقوله: {وسنقول له من أمرنا يسراً} اليسر بمعني الميسور وصف أُقيم مقام موصوفه والظاهر أن المراد بالأمر الأمر التكليفي وتقدير الكلام: وسنقول له قولاً ميسوراً من أمرنا أي نكلفه بما يتيسر له ولا يشق عليه.
قوله تعالى: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ مطلع الشمس} الخ أي ثم هيأ سبباً للسير فسار نحو المشرق حتى إذا بلغ الصحراء من الجانب الشرقي فوجد الشمس تطلع على قوم بدويين لم نجعل لهم من دونها ستراً.
والمراد بالستر ما يستتر به من الشمس، وهو البناء واللباس أو خصوص البناء أي كانوا يعيشون على الصعيد من غير أن يكون لهم بيوت يأوون إليها ويستترون بها من الشمس وعراة لا لباس عليهم، وإسناد ذلك إلى الله سبحانه في قوله: {لم نجعل لهم} الخ إشارة إلى أنهم لم ينتبهوا بعد لذلك ولم يتعلموا بناء البيوت واتخاذ الخيام ونسج الأثواب وخياطتها.
قوله تعالى: {كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً} الظاهر أن قوله: {كذلك} إشارة إلى وصفهم المذكور في الكلام، وتشبيه الشيء بنفسه مبنياً على دعوى المغايرة يفيد نوعاً من التأكيد، وقد قيل في المشار إليه بذلك وجوه أُخر بعيدة عن الفهم.
وقوله: {وقد أحطنا بما لديه خبراً} الضمير لذي القرنين، والجملة حالية والمعنى أنه اتخذ وسيلة السير وبلغ مطلع الشمس ووجد قوماً كذا وكذا في حال أحاط فيها علمنا وخبرنا بما عنده من عدة وعدة وما يجري أو يجري عليه، والظاهر أن إحاطة علمه تعالى بما عنده كناية عن كون ما اختاره وأتى به بهداية من الله وأمر، فما كان يرد ولا يصدر إلا عن هداية يهتدي بها وأمر يأتمره كما أشار إلى مثل هذا المعنى عند ذكر مسيره إلى المغرب بقوله: {قلنا يا ذا القرنين} الخ.
فالآية أعني قوله: {وقد أحطنا} الخ في معناها الكنائي نظيرة قوله:
{ واصنع الفلك بأعيننا ووحينا } [هود: 37]، وقوله: { أنزله بعلمه } [النساء: 166]، وقوله: { وأحاط بما لديهم } [الجن: 28]. وقيل: إن الآية لإِفادة تعظيم أمره وأنه لا يحيط بدقائقه وجزئياته إلا الله أو لتهويل ما قاساه ذو القرنين في هذا المسير وأن ما تحمله من المصائب والشدائد في علم الله لم يكن ليخفى عليه، أو لتعظيم السبب الذي اتبعه، وما قدمناه أوجه.
قوله تعالى: {ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين} إلى آخر الآية. السد الجبل وكل حاجز يسد طريق العبور وكأن المراد بهما الجبلان، وقوله: {وجد من دونهما قوماً} أي قريباً منهما، وقوله: {لا يكادون يفقهون قولاً} كناية عن بساطتهم وسذاجة فهمهم، وربما قيل كناية عن غرابة لغتهم وبعدها عن اللغات المعروفة عندهم، ولا يخلو عن بعد.
قوله تعالى: {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون} الخ الظاهر أن القائلين هم القوم الذين وجدهم من دون الجبلين، ويأجوج ومأجوج جيلان من الناس كانوا يأتونهم من وراء الجبلين فيغيرون عليهم ويعمونهم قتلاً وسبياً ونهباً والدليل عليه السياق بما فيه من ضمائر أولي العقل وعمل السد بين الجبلين وغير ذلك.
وقوله: {فهل نجعل لك خرجاً} الخرج ما يخرج من المال ليصرف في شيء من الحوائج عرضوا عليه أن يعطوه مالاً على أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً يمنع من تجاوزهم وتعديهم عليهم.
قوله تعالى: {قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً} أصل {مكني} مكنني ثم أدغمت إحدى النونين في الأُخرى، والردم السد وقيل السد القوي، وعلى هذا فالتعبير بالردم في الجواب وقد سألوه سداً إجابة ووعد بما هو فوق ما استدعوه وأملوه.
وقوله: {قال ما مكني فيه ربي خير} استغناء من ذي القرنين عن خرجهم الذي عرضوه عليه على أن يجعل لهم سداً يقول: ما مكنني فيه وأقرني عليه ربي من السعة والقدرة خير من المال الذي تعدونني به فلا حاجه لي إليه.
وقوله: {فأعينوني بقوة} الخ القوة ما يتقوى به على الشيء والجملة تفريع على ما يتحصل من عرضهم وهو طلبهم منه أن يجعل لهم سداً، ومحصل المعنى أما الخرج فلا حاجة لي إليه، وأما السد فإن أردتموه فأعينوني بما أتقوى به على بنائه كالرجال وما يستعمل في بنائه - وقد ذكر منها زبر الحديد والقطر والنفخ بالمنافخ - أجعل لكم سداً قوياً.
وبهذا المعنى يظهر أن مرادهم بما عرضوا عليه من الخرج الأجر على عمل السد.
قوله تعالى: {آتوني زبر الحديد} إلى آخر الآية، الزبر بالضم فالفتح جمع زبرة كغرف وغرفة وهي القطعة، وساوى بمعنى سوى على ما قيل وقرئ "سوى" والصدفين تثنية الصدف وهو أحد جانبي الجبل ذكر بعضهم أنه لا يقال إلا إذا كان هناك جبل آخر يوازيه بجانبه فهو من الأسماء المتضائفة كالزوج والضعف وغيرهما والقطر النحاس أو الصفر المذاب وإفراغه صبه على الثقب والخلل والفرج.
وقوله: {آتوني زبر الحديد} أي أعطوني إياها لأستعملها في السد وهي من القوة التي استعانهم فيها، ولعله خصها بالذكر ولم يذكر الحجارة وغيرها من لوازم البناء لأنها الركن في استحكام بناء السد فجملة {آتوني زبر الحديد} بدل البعض من الكل من جملة {فأعينوني بقوة} أو الكلام بتقدير قال، وهو كثير في القرآن.
وقوله: {حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا} في الكلام إيجاز بالحذف والتقدير فاعانوه بقوة وآتوه ما طلبه منهم فبنى لهم السد ورفعه حتى إذا سوى بين الصدفين قال: انفخوا.
وقوله: {قال انفخوا} الظاهر أنه من الإِعراض عن متعلق الفعل للدلالة على نفس الفعل والمراد نصب المنافخ على السد لإِحماء ما وضع فيه من الحديد وإفراغ القطر على خلله وفرجه.
وقوله: {حتى إذا جعله ناراً قال} الخ في الكلام حذف وإيجاز، والتقدير فنفخ حتى إذا جعله أي المنفوخ فيه أو الحديد ناراً أي كالنار في هيئته وحرارته فهو من الاستعارة.
وقوله: {قال آتوني أفرغ عليه قطراً} أي آتوني قطراً أفرغه واصبه عليه ليسد بذلك خلله ويصير السد به مصمتاً لا ينفذ فيه نافذ.
قوله تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً} اسطاع واستطاع واحد، والظهور العلو والاستعلاء، والنقب الثقب، قال الراغب في المفردات: النقب في الحائط والجلد كالثقب في الخشب انتهى وضمائر الجمع ليأجوج ومأجوج. وفي الكلام حذف وإيجاز، والتقدير فبنى السد فما استطاع يأجوج ومأجوج أن يعلوه لارتفاعه وما استطاعوا ان ينقبوه لاستحكامه.
قوله تعالى: {قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً} الدكاء الدك وهو أشد الدق مصدر بمعنى اسم المفعول، وقيل: المراد الناقة الدكاء وهي التي لا سنام لها وهو على هذا من الاستعارة والمراد به خراب السد كما قالوا.
وقوله: {قال هذا رحمة من ربي} أي قال ذو القرنين - بعدما بنى السد - هذا أي السد رحمة من ربي أي نعمة ووقايه يدفع به شر يأجوج ومأجوج عن أُمم من الناس.
وقوله: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} في الكلام حذف وإيجاز والتقدير وتبقى هذه الرحمة إلى مجيء وعد ربي فإذا جاء وعد ربي جعله مدكوكاً وسوى به الأرض.
والمراد بالوعد إما وعد منه تعالى خاص بالسد أنه سيندك عند اقتراب الساعة فيكون هذا ملحمة أخبر بها ذو القرنين، وإما وعده تعالى العام بقيام الساعة الذي يدك الجبال ويخرب الدنيا، وقد أكد القول بجملة {وكان وعد ربي حقاً}.
قوله تعالى: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} الخ ظاهر السياق أن ضمير الجمع للناس ويؤيده رجوع ضمير {فجمعناهم} إلى الناس قطعاً لأن حكم الجمع عام.
وفي قوله: {بعضهم يومئذ يموج في بعض} استعارة، والمراد أنهم يضطربون يومئذ من شدة الهول اضطراب البحر باندفاع بعضه إلى بعض فيرتفع من بينهم النظم ويحكم فيهم الهرج والمرج ويعرض عنهم ربهم فلا يشملهم برحمته، ولا يصلح شأنهم بعنايته.
فالآية بمنزلة التفصيل للإِجمال الذي في قول ذي القرنين: {فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء} ونظيرة قوله تعالى في موضع آخر:
{ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين } [الأنبياء: 96-97]. وهي على أي حال من الملاحم.
وقد بان مما مر أن الترك في الآية بمعناه المتبادر منه وهو خلاف الأخذ ولا موجب لما ذكره بعضهم: أن الترك بمعنى الجعل وهو من الأضداد انتهى.
والآية من كلام الله سبحانه وليست من تمام كلام ذى القرنين والدليل عليه تغيير السياق من الغيبة إلى التكلم مع الغير الذي هو سياق كلامه السابق {إنا مكنا له} {قلنا يا ذا القرنين}، ولو كان من تمام كلام ذي القرنين لقيل: وترك بعضهم على حذاء قوله: {جعله دكاء}.
وقوله: {ونفخ في الصور} الخ هي النفخة الثانية التي فيها الإِحياء بدليل قوله {فجمعناهم جمعاً وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً}.
قوله تعالى: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً} تفسير للكافرين وهؤلاء هم الذين ضرب الله بينهم وبين ذكره سداً حاجزاً - وبهذه المناسبة تعرض لحالهم بعد ذكر سد يأجوج ومأجوج - فجعل أعينهم في غطاء عن ذكره وأخذ استطاعة السمع عن آذانهم فانقطع الطريق بينهم وبين الحق وهو ذكر الله.
فإن الحق إنما ينال إما من طريق البصر بالنظر إلى آيات الله سبحانه والاهتداء إلى ما تدل عليه وتهدي إليه، وإما من طريق السمع باستماع الحكمة والموعظة والقصص والعبر، ولا بصر لهؤلاء ولا سمع.
قوله تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} الخ الاستفهام للإِنكار قال في المجمع: معناه أفحسب الذين جحدوا توحيد الله أن يتخذوا من دوني أرباباً ينصرونهم ويدفعون عقابي عنهم قال: ويدل على هذا المحذوف قوله: {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً} انتهى.
وهناك وجه ثان منقول عن ابن عباس وهو أن المعنى أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا من دوني آلهة وأنا لا أغضب لنفسي عليهم ولا أعاقبهم.
ووجه ثالث: وهو أن {أن يتخذوا} الخ مفعول أول لحسب بمعنى ظن ومفعوله الثاني محذوف، والتقدير أفحسب الذين كفروا اتخاذهم عبادي من دوني أولياء نافعاً لهم أو دافعاً للعقاب عنهم، والفرق بين هذا الوجه والوجهين السابقين أن {أن} وصلته قائمة مقام المفعولين فيهما والمحذوف بعض الصلة فيهما بخلاف الوجه الثالث فأن وصلته فيه مفعول أول لحسب، والمفعول الثاني محذوف.
ووجه رابع: وهو أن يكون أن وصلته سادة مسد المفعولين وعناية الكلام متوجهة إلى إنكار كون الاتخاذ اتخاذاً حقيقة على معنى أن ذلك ليس من الاتخاذ في شيء إذ الاتخاذ إنما يكون من الجانبين والمتخذون متبرؤون منهم لقولهم: {سبحانك أنت ولينا من دونهم}.
والوجوه الأربعة مترتبة في الوجاهة وأوجهها أولها وسياق هذه الآيات يساعد عليه فإن هذه الآيات بل عامة آيات السورة مسوقة لبيان أنهم فتنوا بزينة الحياه الدنيا واشتبه عليهم الأمر فاطمأنوا إلى ظاهر الأسباب فاتخذوا غيره تعالى أولياء من دونه فهم يظنون أن ولايتهم تكفيهم وتنفعهم وتدفع عنهم الضر والحال أن ما سيلقونه بعد النفخ والجمع يناقض ذلك فالآية تنكر عليهم هذا الظن والحسبان بعدما كان مآل أمرهم ذلك. ثم إن إمكان قيام أن وصلته مقام مفعولي حسب وقد ورد في كلامه تعالى كثيراً كقوله:
{ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا } [الجاثية: 21] وغيره يغني عن تقدير مفعول ثان محذوف وقد منع عنه بعض النحاة.
وتؤيده الآيات التالية: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً} الخ وكذا القراءة المنسوبة إلى علي عليه السلام وعدة منهم {أفحسب} بسكون السين وضم الباء والمعنى أفاتخاذ عبادي من دوني أولياء كاف لهم.
والمراد بالعباد في قوله: {أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} كل من يعبده الوثنيون من الملائكة والجن والكملين من البشر.
وأما ما ذكره المفسرون أن المراد بهم المسيح عليه السلام والملائكة ونحوهم من المقربين دون الشياطين لأن الأكثر في مثل هذا اللفظ {عبادي} أن تكون الإِضافة لتشريف المضاف.
ففيه أولاً أن المقام لا يناسب التشريف. وهو ظاهر. وثانياً أن قيد {من دوني} في الكلام صريح في أن المراد بالذين كفروا هم الوثنيون الذين لا يعبدون الله مع الاعتراف بالوهيته وإنما يعبدون الشركاء الشفعاء؟ وأما أهل الكتاب مثلاً النصارى في اتخاذهم المسيح ولياً فإنهم لا ينفون ولاية الله بل يثبتون الولايتين معاً ثم يعدونهما واحداً فافهم ذلك فالحق أن قوله: {عبادي} لا يعم المسيح ومن كان مثله من البشر بل يختص بآلهة الوثنيين والمراد بقوله: {الذين كفروا} الوثنيون فحسب.
وقوله: {إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلاً} أي شيئاً يتمتعون به عند أول نزولهم الدار الآخرة شبه الدار الآخرة بالدار ينزلها الضيف وجهنم بالنزل الذي يكرم به الضيف النزيل لدى أول وروده، ويزيد هذا التشبيه لطفاً وجمالاً ما سيأتي بعد آيتين أنهم لا يقام لهم وزن يوم القيامة فكأنهم لا يلبثون دون أن يدخلوا النار، وفي الآية من التهكم ما لا يخفى، وكأنما قوبل به ما سيحكى من تهكمهم في الدنيا بقوله: {واتخذوا آياتي ورسلي هزواً}.
(بحث روائي)
في تفسير القمي: فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخبر موسى وفتاه والخضر قالوا له فأخبرنا عن طائف طاف الأرض: المشرق والمغرب من هو؟ وما قصته؟ فأنزل الله: {ويسألونك عن ذي القرنين} الآيات.
أقول: وقد تقدم في الكلام على قصة أصحاب الكهف تفصيل هذه الرواية وروي أيضاً ما في معناه في الدر لمنثور عن ابن أبي حاتم عن السدي وعن عمر مولى غفرة.
واعلم أن الروايات المروية من طرق الشيعة وأهل السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن طرق الشيعه عن أئمه أهل البيت عليهم السلام وكذا الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين ويعامل معها أهل السنة معاملة الأحاديث الموقوفة في قصة ذي القرنين مختلفة اختلافاً عجيباً متعارضة متهافتة في جميع خصوصيات القصه وكافة أطرافها وهي مع ذلك مشتملة على غرائب يستوحش منها الذوق السليم أو يحيلها العقل وينكرها الوجود لا يرتاب الباحث الناقد إذا قاس بعضها إلى بعض وتدبر فيها أنها غير سليمة عن الدس والوضع ومبالغات عجيبة في وصف القصة وأغربها ما روي عن علماء اليهود الذين أسلموا كوهب بن منبه وكعب الأحبار أو ما يشعر القرائن أنه مأخوذ منهم فلا يجدينا والحال هذه نقلها بالاستقصاء على كثرتها وطولها، وإنما نشير بعض الإِشارة إلى وجوه اختلافها، ونقتصر على نقل ما يسلم عن الاختلاف في الجملة.
فمن الاختلاف اختلافها في نفسه فمعظم الروايات على أنه كان بشراً، وقد ورد في بعضها أنه كان ملكاً سماوياً أنزله الله إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً. وفي خطط المقريزي عن الجاحظ في كتاب الحيوان أن ذا القرنين كانت أُمة آدمية وأبوه من الملائكة.
ومن ذلك الاختلاف في سمته ففي أكثر الروايات أنه كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه، وفي بعضها أنه كان محدثاً يأتيه الملك فيحدثه وفي بعضها أنه كان نبياً.
ومن ذلك الاختلاف في اسمه ففي بعضها أن اسمه عياش، وفي بعضها اسكندر، وفي بعضها مرزيا بن مرزبة اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح، وفي بعضها مصعب بن عبد الله من قحطان وفي بعضها صعب بن ذي المراثد أول التبابعة وكأنه التبع أبو كرب، وفي بعضها عبد الله بن ضحاك بن معد إلى غير ذلك وهي كثيرة.
ومن ذلك الاختلاف في وجه تسميته بذي القرنين ففي بعضها أنه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الأيمن فغاب عنهم زماناً ثم جاءهم ودعاهم إلى الله ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر فغاب عنهم زماناً ثم آتاه الله الأسباب فطاف شرق الأرض وغربها فسمي بذلك ذا القرنين وفي بعضها أنهم قتلوه بالضربة الأُولى ثم أحياه الله فجاءهم ودعاهم فضربوه وقتلوه ثانياً ثم أحياه الله ورفعه إلى السماء الدنيا ثم أنزله إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً.
وفي بعضها أنه نبت له بعد الإِحياء الثاني قرنان في موضعي الشجتين وسخر الله له النور والظلمة ثم لما نزل إلى الأرض سار فيها ودعا إلى الله وكان يزأر كالأسد ويبرق ويرعد قرناه وإذا استكبر عن دعوته قوم سلط عليهم الظلمة فأعيتهم حتى اضطروا إلى إجابتها.
وفي بعضها أنه كان له قرنان في رأسه وكان يتعمم عليهما يواريهما بذلك وهو أول من تعمم وقد كان يخفيهما عن الناس ولم يكن يطلع على ذلك أحد إلا كاتبه وقد نهاه أن يخبر به أحداً فضاق صدر الكاتب بذلك فأتى الصحراء فوضع فمه بالأرض ثم نادى ألا إن للملك قرنين فأنبت الله من كلمته قصبتين فمر بهما راع فأعجبهما فقطعهما واتخذهما مزماراً فكان إذا زمر خرج من القصبتين: ألا إن للملك قرنين فانتشر ذلك في المدينة فأرسل إلى الكاتب واستنطقه وهذه بالقتل إن لم يصدق فقص عليه القصه فقال ذو القرنين هذا أمر أراد الله أن يبديه فوضع العمامة عن رأسه.
وقيل: سمي ذا القرنين لأنه ملك قرني الأرض وهما المشرق والمغرب وقيل: لأنه رأى في المنام أنه أخذ بقرني الشمس فعبر له بملك الشرق والغرب وسمي بذي القرنين، وقيل: لأنه كان له عقيصتان في رأسه، وقيل لأنه ملك الروم وفارس، وقيل: لأنه كان له في رأسه شبه قرنين وقيل لأنه كان على تاجه قرنان من الذهب إلى غير ذلك مما قيل.
ومن ذلك اختلافها في سيره إلى المغرب والمشرق وفيه أشد الاختلاف فقد روي أنه سخر له السحاب فكان يركب السحاب ويسير في الأرض غرباً وشرقاً. وروي أنه بلغ جبل قاف وهو جبل اخضر محيط بالدنيا منه خضرة السماء. وروي أنه طلب عين الحياة فاشير عليه أنها في الظلمات فدخلها وفي مقدمته الخضر فلم يرزق ذو القرنين أن يشرب منها وشرب الخضر واغتسل منها فكان له البقاء المؤبد وفي هذه الروايات أن الظلمات في جانب المشرق.
ومن ذلك اختلافها في موضع السد الذي بناها ففي بعضها أنه في المشرق وفي بعضها أنه في الشمال، وقد بلغ من مبالغه بعض الروايات أن ذكرت أن طول السد وهو مسافة ما بين الجبلين مائة فرسخ وعرضه خمسون فرسخاً وارتفاعه ارتفاع الجبلين وقد حفر له أساساً حتى بلغ الماء وقد جعل حشوه الصخور وطينه النحاس ثم علاه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر.
ومن ذلك اختلافها في وصف يأجوج ومأجوج فروي أنهم من الترك ومن ولد يافث بن نوح كانوا يفسدون في الأرض فضرب السد دونهم. وروي أنهم من غير ولد آدم وفي عدة من الروايات أنهم قوم ولود لا يموت الواحد منهم من ذكر أو اُنثى حتى يولد له ألف من الأولاد وأنهم أكثر عدداً من سائر البشر حتى عدوا في بعض الروايات تسعة أضعاف البشر، وروي أنهم من الشدة والبأس بحيث لا يمرون ببهيمة أو سبع أو إنسان إلا افترسوه وأكلوه ولا على زرع أو شجر إلا رعوه ولا على ماء نهر إلا شربوه ونشفوه، وروي أنهم أمتان كل منهما أربعمائه ألف أُمة كل أُمة لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه.
وروي أنهم طوائف ثلاث فطائفة كالارز وهو شجر طوال، وطائفه يستوي طولهم وعرضهم: أربعة أذرع في أربعه أذرع وطائفة وهم أشدهم للواحد منهم أذنان يفترش بإحداهما ويلتحف بالأُخرى يشتو في أحداهما لابساً له وهي وبرة ظهرها وبطنها ويصيف في الأُخرى وهي زغبة ظهرها وبطنها، وهم صلب على أجسادهم من الشعر ما يواريها، وروي أن الواحد منهم شبر أو شبران أو ثلاثة، وروي أن الذين كانوا يقاتلونهم كان وجوههم وجوه الكلاب.
ومن ذلك اختلافها في زمان ملكه ففي بعضها أنه كان بعد نوح، وروي أنه كان في زمن إبراهيم ومعاصره وقد حجّ البيت ولقيه وصافحه وهي أول مصافحة على وجه الأرض، وروي أنه كان في زمن داود.
ومن ذلك اختلافها في مدة ملكه فروي ثلاثون سنة وروي اثنتا عشرة سنة إلى غير ذلك من جهات الاختلاف التي يعثر عليها من راجع أخبار القصة من جوامع الحديث وخاصة الدر المنثور والبحار والبرهان ونور الثقلين.
وفي كتاب كمال الدين بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قام ابن الكواء إلى علي عليه السلام وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ذي القرنين أنبياً كان أم ملكاً؟ وأخبرني عن قرنيه أمن ذهب أم من فضة؟ فقال له: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولم يكن قرناه من ذهب ولا فضة ولكن كان عبداً أحب الله فأحبه الله ونصح الله فنصحه الله وإنما سمي ذا القرنين لأنه دعا قومه إلى الله عز وجل فضربوه على قرنه فغاب عنهم حيناً ثم عاد إليهم فضرب على قرنه الآخر، وفيكم مثله.
أقول: الظاهر أن "الملك" في الرواية بفتح اللام لا بكسرها لاستفاضة الروايات عنه وعن غيره عليه السلام بملك ذي القرنين فنفيه عليه السلام أن يكون ذو القرنين نبياً أو ملكاً بفتح اللام إنكار منه لصحة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الروايات أنه كان نبياً وفى بعضها الآخر أنه كان ملكاً من الملائكة وبه كان يقول عمر بن الخطاب كما تقدمت الإِشارة إليه.
وقوله: "وفيكم مثله" أي مثل ذي القرنين في شجتيه يشير عليه السلام إلى نفسه فإنه أُصيب بضربة من عمرو بن ود وبضربة من عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله فاستشهد بها، ولروايه مستفيضة عنه عليه السلام روته عنه الشيعه وأهل السنة بألفاظ مختلفة، وأبسط ألفاظها ما أوردناه، وقد لعبت به يد النقل بالمعنى فأظهرته في صور عجيبة وبلغ بها التحريف غايته.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل علي عن ذي القرنين أنبي هو؟ فقال سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"هو عبد ناصح الله فنصحه"
]. وفي احتجاج الطبرسي عن الصادق عليه السلام في حديث طويل وفيه قال السائل أخبرني عن الشمس أين تغيب؟ قال: إن بعض العلماء قال: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبداً إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها.
يعني أنها تغيب في عين حمئة ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بطلوع ويسلب نورها كل يوم وتتجلل نوراً أحمر.
أقول: قوله: "إذا انحدرت أسفل القبة" إلى قوله: "مطلعها" بيان لسير الشمس من حين غروبها إلى إبان طلوعها في مدارها السماوي على ما تفرضه هيئة بطلميوس الدائرة في تلك الأعصار المبنية على سكون الكرة الأرضية وحركة الأجرام السماوية حولها، ولذا نسبه عليه السلام إلى بعض العلماء.
وقوله: "يعني أنها تغيب في عين حمئة ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها" من كلام بعض رواة الخبر لا من كلامه عليه السلام فالراوي لقصور منه في الفهم فسر قوله تعالى: {تغرب في عين حمئةٍ} بسقوط القرص في العين وغيبوبته فيها ثم سبحه فيها كالسمكة في الماء وخرقه الأرض حتى يبلغ المطلع ثم ذهابه إلى تحت العرش وهو على زعمه سماء فوق السماوات السبع أو جسم نوراني كأعظم ما يكون موضوع فوق السماء السابعة ومكثه هناك حتى يؤذن له في الطلوع فيكسى نوراً أحمر ويطلع.
والراوي يشير بقوله: "فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها" الخ إلى رواية أُخرى مأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
"أن الملائكة تذهب بالشمس بعد غروبها فتوقفها تحت العرش وهي مسلوبة النور فتمكث هناك وهي لا تدري ما تؤمر به غداً حتى تكسى نوراً وتؤمر بالطلوع" ، الرواية. وقد ارتكب فهمه في تفسير العرش هناك نظير ما ارتكبه في تفسير الغروب ها هنا فزاد عن الحق بعداً على بعد.
ولم يرد تفسير العرش في كتاب ولا سنة قابلة للاعتماد بالفلك التاسع أو يجسم نوراني علوي كهيئة السرير التي اختلقها فهمه وقد قدمنا معظم روايات العرش في أوائل الجزء الثامن من هذا الكتاب.
وفي النسبة أعني قوله: "قال بعض العلماء" بعض الإِشارة إلى أن هذا القول لم يكن مرضياً عنده عليه السلام ومع ذلك لم يسعه أن يسمح بحق القول في المسألة كيف؟ وإذا ساقتهم سذاجة الفهم في فرضية سهلة التصور عند أهله في تلك الأعصار هذا المساق فما ظنك بهم لو أُلقي إليهم ما لا يصدقه ظاهر حسهم ولا يسعه ظرف فكرهم.
وفي الدر المنثور أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف {تغرب في عين حامية} قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلا حمئة فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤه؟ فقال عبد الله: كما قرأتها.
قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب. قال ابن أبي حاضر: لو أني عندكما أيدتك بكلام تزداد به بصيرة في حمئة. قال ابن عباس: وما هو؟ قلت: فيما نأثر قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في كلفه بالعلم واتباعه إياه:

قــد كان ذو القرنين عمر مسلما ملكــاً تديــن لــه الملوك وتحشد
فأتـى المشارق والمغارب يبتغي أسبـــــــاب ملك من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها فــي عيــن ذي خلب وثأط حرمد

فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود فدعا ابن عباس غلاماً فقال له: اكتب ما يقول هذا الرجل.
أقول: والحديث لا يلائم ما ذهبوا إليه من تواتر القراءات تلك الملائمة وعن التيجان لابن هشام الحديث وفيه أن ابن عباس أنشد هذه الأشعار لمعاوية وان معاوية سأله عن معنى الخلب والثأط والحرمد قال: الخلب الحماة والثأط ما تحتها من الطين والحرمد ما تحته من الحصى والحجر، وقد أورد القصيدة، وهذا الاختلاف يؤذن بشيء في الرواية.
في تفسير العياشي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: {لم نجعل لهم من دونها ستراً} قال: لم يعلموا صنعة البيوت.
وفي تفسير القمي في الآية قال: لم يعلموا صنعة الثياب.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {حتى إذا بلغ بين السدين} قال: الجبلين أرمينيه وآذربيجان.
وفي تفسير العياشي عن المفضل قال: سألت الصادق عليه السلام عن قوله: {أجعل بينكم وبينهم ردماً} قال: التقية {فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً} إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سداً لا يستطيعون له نقباً.
وفيه أيضاً عن جابر عنه عليه السلام في الآية قال: التقية.
أقول: الروايتان من الجري وليستا بتفسير.
وفي تفسير العياشي عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام: {وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} يعني يوم القيامة.
أقول: ظاهر الآية بحسب السياق أنه من أشراط الساعة، ولعله المراد بيوم القيامة فربما تطلق على ظهور مقدماتها.
وفيه عن محمد بن حكيم قال: كتبت رقعة إلى أبي عبد الله عليه السلام فيها: أتستطيع النفس المعرفة؟ قال: فقال لا فقلت: يقول الله: {الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً} قال: هو كقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} قلت: فعابهم؟ قال لم يعبهم بما صنع هو بهم ولكن عابهم بما صنعوا، ولو لم يتكلفوا لم يكن عليهم شيء.
أقول: يعني أنهم تسببوا لهذا الحجاب فرجع إليهم تبعته.
وفي تفسير القمي في الآية قال: كانوا لا ينظرون إلى ما خلق الله من الآيات والسماوات والأرض.
أقول: وفي العيون عن الرضا عليه السلام تطبيق الآية على منكري الولاية وهو من الجري.
(كلام حول قصة ذي القرنين)
وهو بحث قرآني وتاريخي في فصول:
1 - قصة ذي القرنين في القرآن: لم يعترض لاسمه ولا لتاريخ زمان ولادته وحياته ولا لنسبه وسائر مشخصاته على ما هو دأبه في ذكر قصص الماضين بل اكتفى على ذكر ثلاث رحلات منه فرحلة أُولى إلى المغرب حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة (أو حامية) ووجد عندها قوماً، ورحلة ثانيه إلى المشرق حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دونها ستراً، ورحله ثالثة حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج في الأرض وعرضوا عليه أن يجعلوا له خرجاً على أن يجعل بين القوم وبين يأجوج ومأجوج سداً فأجابهم إلى بناء السد ووعدهم أن يبني لهم فوق ما يأملون وأبى أن يقبل خرجهم وإنما طلب منهم أن يعينوه بقوة وقد أُشير منها في القصة إلى الرجال وزبر الحديد والمنافخ والقطر.
والخصوصيات والجهات الجوهرية التي تستفاد من القصة هي أولاً أن صاحب القصة كان يسمى قبل نزول قصته في القرآن بل حتى في زمان حياته بذي القرنين كما يظهر في سياق القصة من قوله: {يسألونك عن ذي القرنين} {قلنا يا ذا القرنين} {و قالوا يا ذا القرنين}.
وثانياً: أنه كان مؤمناً بالله واليوم الآخر ومتديناً بدين الحق كما يظهر من قوله: {هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء و كان وعد ربي حقاً} وقوله: {أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً وأما من آمن وعمل صالحاً} الخ ويزيد في كرامته الدينية أن قوله تعالى: {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} يدل على تأييده بوحي أو إلهام أو نبي من أنبياء الله كان عنده يسدده بتبليغ الوحي.
وثالثاً: أنه كان ممن جمع الله له خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا فالملك العظيم الذي بلغ به مغرب الشمس ومطلعها فلم يقم له شيء وقد ذلت له الأسباب، وأما خير الآخرة فبسط العدل وإقامة الحق والصفح والعفو والرفق وكرامة النفس وبث الخير ودفع الشر، وهذا كله مما يدل عليه قوله تعالى: {إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً} مضافاً إلى ما يستفاد من سياق القصة من سيطرته الجسمانية والروحانية.
ورابعاً: أنه صادف قوماً ظالمين بالمغرب فعذبهم.
وخامساً: أن الردم الذي بناه هو في غير مغرب الشمس ومطلعها فإنه بعد ما بلغ مطلع الشمس أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين. ومن مشخصات ردمه مضافاً إلى كونه واقعاً في غير المغرب والمشرق أنه واقع بين جبلين كالحائطين، وأنه ساوى بين صدفيهما وأنه استعمل في بنائه زبر الحديد والقطر، ولا محالة هو في مضيق هو الرابط بين ناحيتين من نواحي الأرض المسكونة.
2 - ذكرى ذي القرنين والسد ويأجوج ومأجوج: في أخبار الماضين، لم يذكر القدماء من المؤرخين في أخبارهم ملكاً يسمى في عده بذي القرنين أو ما يؤدي معناه من غير اللفظ العربي ولا يأجوج ومأجوج بهذين اللفظين ولا سداً ينسب إليه باسمه نعم ينسب إلى بعض ملوك حمير من اليمنيين أشعار في المباهاة يذكر فيها ذا القرنين وأنه من أسلافه التبابعة، وفيها ذكر سيره إلى المغرب والمشرق وسد يأجوج ومأجوج وسيوافيك نبذة منها في بعض الفصول الآتية.
وورد ذكر "مأجوج" و "جوج ومأجوج" في مواضع من كتب العهد العتيق ففي الإِصحاح العاشر من سفر التكوين من التوراة. "وهذه مواليد بني نوح: سام وحام ويافث. وولد لهم بنون بعد الطوفان. بنو يافث جومر ومأجوج وماداي وباوان ونوبال وما شك ونبراس".
وفي كتاب حزقيال الإِصحاح الثامن والثلاثون "وكان إلى كلام الرب قائلاً: يا بن آدم أجعل وجهك على جوج أرض مأجوج رئيس روش ماشك ونوبال، وتنبأ عليه وقل: هكذا قال السيد الرب: ها أنا ذا عليك يا جوج رئيس روش وماشك ونوبال وأرجعك وأضع شكائم في فكيك وأُخرجك أنت وكل جيشك خيلاً وفرساناً كلهم لابسين أفخر لباس جماعة عظيمة مع أتراس ومجان كلهم ممسكين السيوف. فارس وكوش وفوط معهم كلهم بمجن وخوذة، وجومر وكل جيوشه وبيت نوجرمه من أقاصي الشمال مع كل جيشه شعوباً كثيرين معك".
قال: "لذلك تنبأ يا ابن آدم وقل لجوج: هكذا قال السيد الرب في ذلك اليوم عند سكنى شعب إسرائيل آمنين أفلا تعلم وتأتي من موضعك من أقاصي الشمال" الخ.
وقال في الإِصحاح التاسع والثلاثين ماضياً في الحديث السابق: وأنت يا ابن آدم تنبأ على جوج وقل: هكذا قال السيد الرب ها أنا ذا عليك يا جوج رئيس روش ماشك ونوبال وأردك وأقودك وأصعدك من أقاصي الشمال. وآتي بك على جبال إسرائيل وأضرب قوسك من يدك اليسرى واسقط سهامك من يدك اليمنى فتسقط على جبال إسرائيل أنت وكل جيشك والشعوب الذين معك أبذلك مأكلا للطيور الكاسرة من كل نوع ولو حوش الحفل، على وجه الحفل تسقط لأني تكلمت بقول السيد الرب، وأرسل ناراً على مأجوج وعلى الساكنين في الجزائر آمنين فيعلمون أني أنا الرب" الخ.
وفي رؤيا يوحنا في الإِصحاح العشرين: "ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده فقبض على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان، وقيده ألف سنة، وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكيلا يضل الأُمم فيما بعد حتى تتم الألف سنة، وبعد ذلك لا بد أن يحل زماناً يسيراً".
قال: "ثم متى تمت الألف سنة لن يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأُمم الذين في أربع زوايا الأرض جوج ومأجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر فصعدوا على عرض الأرض، وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم، وإبليس الذي كان يضلهم طرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبي الكذاب وسيعذبون نهاراً وليلاً إلى أبد الآبدين".
ويستفاد منها أن "مأجوج" أو "جوج ومأجوج" أُمة أو أُمم عظيمة كانت قاطنه في أقاصي شمال آسيا من معمورة الأرض يومئذ، وأنهم كانوا أُمماً حربية معروفة بالمغازي والغارات.
ويقرب حينئذ أن يحدس أن ذا القرنين هذا هو أحد الملوك العظام الذين سدوا الطريق على هذه الأُمم المفسدة في الأرض، وأن السد المنسوب إليه يجب أن يكون فاصلاً بين منطقة شمالية من قارة آسيا وجنوبها كحائط الصين أو سد باب الأبواب أو سد "داريال" أو غير هذه.
وقد تسلمت تواريخ الأُمم اليوم من أن ناحية الشمال الشرقي من آسيا وهي الأحداب والمرتفعات في شمال الصين كانت موطناً لأُمة كبيره بدوية همجيه لم تزل تزداد عدداً وتكثر سواداً فتكر على الأُمم المجاورة لها كالصين وربما نسلت من أحدابها وهبطت إلى بلاد آسيا الوسطى والدنيا وبلغت إلى شمال أوروبا فمنهم من قطن في أراض أغار عليها كأغلب سكنة أوروبا الشمالية فتمدين بها واشتغل بالزراعة والصناعة، ومنهم من رجع ثم عاد وعاد.
وهذا أيضاً مما يؤيد ما استقربناه آنفاً أن السد الذي نبحث عنه هو أحد الاسداد الموجودة في شمال آسيا الفاصلة بين الشمال وجنوبه.
3 - من هو ذو القرنين؟ وأين سده؟ للمؤرخين وأرباب التفسير في ذلك أقوال بحسب اختلاف أنظارهم في تطبيق القصة.
أ - ينسب إلى بعضهم أن السد المذكور في القرآن هو حائط الصين، وهو حائط طويل يحول بين الصين وبين منغوليا بناه "شين هوانك تي" أحد ملوك الصين لصد هجمات المغول عن الصين، طوله ثلاثة آلاف كيلو متر في عرض تسعة أمتار وارتفاع خمسة عشر متراً، وقد بني بالأحجار شرع في بنائه سنه 264 ق م وقد تم بناؤه في عشر أو عشرين وعلى هذا فذو القرنين هو الملك المذكور.
ويدفعه أن الأوصاف والمشخصات المذكورة في القرآن لذي القرنين وسدة لا تنطبق على هذا الملك وحائط الصين الكبير فلم يذكر من هذا الملك أنه سار من أرضه إلى المغرب الأقصى، والسد الذي يذكره القرآن يصفه بأنه ردم بين جبلين وقد استعمل فيه زبر الحديد والقطر وهو النحاس المذاب والحائط الكبير يمتد ثلاثه آلاف كيلو متر يمر في طريقه على السهول والجبال، وليس بين جبلين وهو مبنى بالحجارة لم يستعمل فيه حديد ولا قطر.
ب - نسب إلى بعضهم أن الذي بنى السد هو أحد ملوك آشور وقد كان يهجم في حوالي القرن السابع قبل الميلاد أقوام سيت من مضيق جبال قفقاز إلى أرمينستان ثم غربي إيران وربما بلغوا بلاد آشور وعاصمتها نينوا فأحاطوا بهم قتلاً وسبياً ونهباً فبني ملك آشور السد لصدهم، وكأن المراد به سد باب الأبواب المنسوب تعميره أو ترميمه إلى كسرى أنو شيروان من ملوك الفرس هذا. ولكن الشأن في انطباق خصوصيات القصة عليه.
ج - قال في روح المعاني: وقيل: هو يعني ذا القرنين فريدون بن أثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشدادية، وكان ملكاً عادلاً مطيعاً لله تعالى، وفي كتاب صور الأقاليم لأبي زيد البلخي: أنه كان مؤيداً بالوحي وفي عامة التواريخ أنه ملك الأرض وقسمها بين بنيه الثلاثة: إيرج وسلم وتور فأعطى إيرج العراق والهند والحجاز وجعله صاحب التاج، وأعطى سلم الروم وديار مصر والمغرب، وأعطى تور الصين والترك والمشرق، ووضع لكل قانوناً يحكم به، وسميت القوانين الثلاثة "سياسة" وهي معربة "سي أيسا" أي ثلاثه قوانين.
ووجه تسميته ذا القرنين أنه ملك طرفي الدنيا أو طول أيام سلطنته فإنها كانت على ما في روضة الصفا خمسمائة سنة، أو عظم شجاعته وقهره الملوك انتهى.
وفيه أن التاريخ لا يعترف بذلك.
د - وقيل: إن ذا القرنين هو الإِسكندر المقدوني وهو المشهور في الألسن وسد الإِسكندر كالمثل السائر بينهم وقد ورد ذلك في بعض الروايات كما في رواية قرب الأسناد عن موسى بن جعفر عليهما السلام ورواية عقبه بن عامر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورواية وهب بن منبه المرويتين في الدر المنثور.
وبه قال بعض قدماء المفسرين من الصحابة والتابعين كمعاذ بن جبل على ما في مجمع البيان، وقتادة على ما رواه في الدر المنثور، ووصفه الشيخ أبو علي بن سينا عندما ذكره في كتاب الشفاء بذي القرنين، وأصر على ذلك الإِمام الرازي في تفسيره الكبير.
قال فيه ما ملخصه: إن القرآن دل على أن ملك الرجل بلغ إلى أقصى المغرب وأقصى المشرق وجهة الشمال، وذلك تمام المعمورة من الأرض، ومثل هذا الملك يجب أن يبقى اسمه مخلداً، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أن ملكه بلغ هذا المبلغ ليس إلا الإِسكندر.
وذلك أنه بعد موت أبيه جمع ملوك الروم والمغرب وقهرهم، وانتهى إلى البحر الأخضر ثم إلى مصر، وبنى الاسكندرية ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس، وذبح في مذبحه. ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب، ودان له العراقيون والقبط والبربر، واستولى على إيران، وقصد الهند والصين وغزا الأُمم البعيدة، ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ثم رجع إلى العراق ومات في شهر زور أو رومية المدائن وحمل إلى اسكندرية ودفن بها، وعاش ثلاثاً وثلاثين سنة، ومدة ملكه اثنتا عشرة سنة.
فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين ملك أكثر المعمورة، وثبت بالتواريخ أن الذي هذا شأنه هو الإِسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإِسكندر. انتهى.
وفيه أولاً: أن الذي ذكره من انحصار ملك معظم المعمورة في الإِسكندر المقدوني غير مسلم في التاريخ ففي الملوك من يماثله أو يزيد عليه ملكاً.
وثانياً: أن الذي يذكره القرآن من أوصاف ذي القرنين لا يتسلمه التاريخ للإِسكندر أو ينفيه عنه فقد ذكر القرآن أن ذا القرنين كان مؤمناً بالله واليوم الآخر وهو دين التوحيد وكان الإِسكندر وثنياً من الصابئين كما يحكى أنه ذبح ذبيحته للمشتري، وذكر القرآن أن ذا القرنين كان من صالحي عباد الله ذا عدل ورفق والتاريخ يقص للإِسكندر خلاف ذلك.
وثالثاً: أنه لم يرد في شيء من تواريخهم أن الإِسكندر المقدوني بنى سد يأجوج ومأجوج على ما يذكره القرآن.
وقال في البداية والنهاية في خبر ذي القرنين: وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة قال: إسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة، وكان من ولد سام بن نوح. فأما ذو القرنين الثاني فهو إسكندر بن فيلبس (وساق نسبه إلى عيص بن إسحاق بن إبراهيم) المقدوني اليونانى المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم، وكان متأخراً عن الأول بدهر طويل.
وكان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان أرسطا طاليس الفيلسوف وزيره، وهو الذي قتل دارا بن دارا، وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم.
قال: وإنما نبهنا عليه لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحد وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرسطا طاليس وزيره فيقع بسبب ذلك خطأ كبير، وفساد عريض طويل كثير فإن الأول كان عبداً مؤمناً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر، وقد كان نبياً على ما قررناه قبل هذا، وأما الثاني فكان مشركاً، وقد كان وزيره فيلسوففا، وقد كان بين زمانيهما، أزيد من ألفي سنة فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبي لا يعرف حقائق الأُمور انتهى.
وفيه تعريض بالإِمام الرازي في مقاله السابق لكنك لو أمعنت فيما نقلنا من كلامه ثم راجعت كتابه فيما ذكره من قصة ذي القرنين وجدته لا يرتكب من الخطأ أقل مما ارتكبه الإِمام الرازي فلا أثر في التاريخ عن ملك كان قبل المسيح بأكثر من ألفين وثلاثمائة سنة ملك الأرض من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق وجهة الشمال وبنى السد وكان مؤمناً صالحاً بل نبياً ووزيره الخضر ودخل الظلمات في طلب ماء الحياة سواء كان اسمه الاسكندر أو غير ذلك.
هـ - ذكر جمع من المؤرخين أن ذا القرنين أحد التبابعة الأذواء اليمنيين من ملوك حمير باليمن كالأصمعي في تاريخ العرب قبل الإِسلام، وابن هشام في السيرة والتيجان وأبي ريحان البيروني في الآثار الباقية ونشوان بن سعيد الحميري في شمس العلوم - على ما نقل عنهم - وغيرهم.
وقد اختلفوا في اسمه فقيل اسمه مصعب بن عبد الله، وقيل: صعب بن ذي المرائد وهو أول التبابعة، وهو الذي حكم لإِبراهيم في بئر السبع، وقيل: تبع الأقرن واسمه حسان، وذكر الأصمعي أنه أسعد الكامل الرابع من التبابعة بن حسان الأقرن ملكي كرب تبع الثاني ابن الملك تبع الأول، وقيل: اسمه "شمر يرعش".
وقد ورد ذكر ذي القرنين والافتخار به في عدة من أشعار الحميريين وبعض شعراء الجاهلية ففي البداية والنهاية: أنشد ابن هشام للأعشى:

والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا بالجنــــو فـــــي جدث أشم مقيما

وقد مر في البحث الروائي السابق أن عثمان بن أبي الحاضر أنشد لابن عباس قول بعض الحميريين:

قد كان ذو القرنين جدي مسلمـــا ملكــاً تديـــن له الملوك وتحشــد
بلـغ المشارق والمغـــارب يبتغي أسبـــاب أمر مــن حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عيــن ذي خلــب وثأط حرمد

قال المقريزي في الخطط: اعلم أن التحقيق عند علماء الأخبار أن ذا القرنين الذي ذكره الله في كتابه العزيز فقال: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً} الآيات عربي قد كثر ذكره في أشعار العرب.
وأن اسمه الصعب بن ذي مرائد بن الحارث الرائش بن الهمال ذي سدد بن عاد ذي منح بن عار الملطاط بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
وأنه ملك من ملوك حمير وهم العرب العاربة، ويقال لهم أيضاً العرب العرباء، وكان ذو القرنين تبعاً متوجاً، ولما ولي الملك تجبر ثم تواضع لله، واجتمع بالخضر، وقد غلط من ظن أن الإِسكندر بن فيلبس هو ذو القرنين الذي بنى السد فإن لفظة ذو عربيه، وذو القرنين من ألقاب العرب ملوك اليمن، وذاك رومي يوناني.
قال أبو جعفر الطبري: وكان الخضر في أيام أفريدون الملك بن الضحاك في قول عامة علماء أهل الكتاب الأول، وقيل: موسى بن عمران عليه السلام، وقيل: إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر الذي كان على أيام إبراهيم الخليل عليه السلام وإن الخضر بلغ مع ذي القرنين أيام مسيره في البلاد نهر الحياة فشرب من مائه وهو لا يعلم به ذو القرنين ولا من معه فخلد وهو حي عندهم إلى الآن، وقال آخرون إن ذا القرنين الذي كان على عهد إبراهيم الخليل عليه السلام هو أفريدون بن الضحاك وعلى مقدمته كان الخضر.
وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتاب التيجان في معرفة ملوك الزمان بعد ما ذكر نسب ذي القرنين الذي ذكرناه: وكان تبعاً متوجاً لما ولي الملك تجبر ثم تواضع واجتمع بالخضر ببيت المقدس، وسار معه مشارق الأرض ومغاربها وأُوتي من كل شيء سبباً كما أخبر الله تعالى، وبنى السد على يأجوج ومأجوج ومات بالعراق.
وأما الإِسكندر فإنه يوناني، ويعرف بالإِسكندر المجدونى (ويقال: المقدوني) سئل ابن عباس عن ذي القرنين: ممن كان؟ فقال: من حمير وهو الصعب بن ذي مرائد الذي مكنه الله في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً فبلغ قرني الشمس ورأس الأرض وبنى السد على يأجوج ومأجوج. قيل له: فالاسكندر؟ قال: كان رجلاً صالحاً رومياً حكيماً بنى على البحر في أفريقية مناراً، وأخذ أرض رومة، وأتى بحر العرب، وأكثر عمل الآثار في العرب من المصانع والمدن.
وسئل كعب الأحبار عن ذي القرنين فقال: الصحيح عندنا من أحبارنا وأسلافنا أنه من حمير وأنه الصعب بن ذي مرائد، والاسكندر كان رجلاً من يونان من ولد عيصو بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام، ورجال الاسكندر أدركوا المسيح ابن مريم منهم جالينوس وأرسطا طاليس.
وقال الهمداني في كتاب الأنساب: وولد كهلان بن سبأ زيداً، فولد زيد عريباً ومالكاً وغالباً وعميكرب، وقال الهيثم: وعميكرب بن سبا أخو حمير وكهلان فولد عميكرب أبا مالك فدرحا ومهيليل ابني عميكرب، وولد غالب جنادة بن غالب وقد ملك بعد مهيليل بن عميكرب بن سبا، وولد عريب عمرا، فولد عمرو زيداً والهميسع ويكنى أبا الصعب وهو ذو القرنين الأول، وهو المساح والبناء، وفيه يقول النعمان ابن بشير:

فمن ذا يعادونا من الناس معشراً كرامـــاً فــذو القرنين منا وحاتم

وفيه يقول الحارثي:

سمــوا لنـــا واحـداً منكم فنعرفه في الجاهلية لاسم الملك محتملاً
كالتبعين وذي القـــرنين يقبلــــه أهل الحجى فأحق القول ما قبلا

وفيه يقول ابن أبي ذئب الخزاعي:

ومنـــا الــــذي بالخافقيـــن تغربـــا واصعــد فـــي كـــل البلاد وصوبا
فقد نال قرن الشمس شرقاً ومغربـاً وفــــي ردم يأجــوج بنـى ثم نصبا
وذلـــك ذو القرنيــــن تفخـر حمير بعسكــر فيـل ليس يحصى فيحسبا

قال الهمداني: وعلماء همدان تقول: ذو القرنين الصعب بن مالك بن الحارث الأعلى ابن ربيعة بن الحيار بن مالك، وفي ذي القرنين أقاويل كثيرة. انتهى كلام المقريزي.
وهو كلام جامع، ويستفاد منه أولاً أن لقب ذي القرنين تسمى به أكثر من واحد من ملوك حمير وأن هناك ذا القرنين الأول (الكبير) وغيره.
وثانياً: أن ذا القرنين الأول وهو الذي بنى سد يأجوج ومأجوج قبل الاسكندر المقدوني بقرون كثيرة سواء كان معاصراً للخليل عليه السلام أو بعده كما هو مقتضى ما نقله ابن هشام من ملاقاته الخضر ببيت المقدس المبني بعد إبراهيم بعدة قرون في زمن داود وسليمان عليهما السلام فهو على أي حال قبله مع ما في تاريخ ملوك حمير من الإِبهام.
ويبقى الكلام على ما ذكره واختاره من جهتين:
أحدهما: أنه أين موضع هذا السد الذي بناه تبع الحميري؟. وثانياً: أنه من هم هذه الأُمة المفسدة في الأرض التي بنى السد لصدهم فهل هذا السد أحد الأسداد المبنية في اليمن أو ما والاها كسد مأرب وغيره فهي أسداد مبنية لادخار المياه للشرب والسقي لا للصد على أنها لم يعمل فيها زبر الحديد والقطر كما ذكره الله في كتابه، أو غيرها؟ وهل كان هناك أُمة مفسده مهاجمة، وليس فيما يجاورهم إلا أمثال القبط والآشور وكلدان وغيرهم وهم أهل حضارة ومدنية؟.
وذكر بعض أجلة المحققين من معاصرينا في تأييد هذا القول ما محصله: أن ذا القرنين المذكور في القرآن قبل الاسكندر المقدوني بمئات من السنين فليس هو هو بل هو أحد الملوك الصالحين من التبابعة الأذواء من ملوك اليمن، وكان من شيمة طائفه منهم التسمي بذي كذي همدان وذي غمدان وذي المنار وذي الأذعار وذي يزن وغيرهم.
وكان مسلماً موحداً وعادلاً حسن السيرة وقوياً ذا هيبة وشوكه سار في جيش كثيف نحو المغرب فاستولى على مصر وما وراءها ثم لم يزل يسير على سواحل البحر الأبيض حتى بلغ ساحل المحيط الغربي فوجد الشمس تغيب في عين حمئة أو حامية.
ثم رجع سائراً نحو المشرق وبنى في مسيره "أفريقية" وكان شديد الولع وذا خبرة في البناء والعمارة ولم يزل يسير حتى مر بشبه جزيرة وبراري آسيا الوسطى وبلغ تركستان وحائط الصين ووجد هناك قوماً لم يجعل الله لهم من دون الشمس ستراً.
ثم مال إلى الجانب الشمالي حتى بلغ مدار السرطان، ولعله الذي شاع في الألسن أنه دخل الظلمات، فسأله أهل تلك البلاد أن يبني لهم سداً يصد عنهم يأجوج ومأجوج لما أن اليمنيين - وذو القرنين منهم - كانوا معروفين بعمل السد والخبرة فيه فبنى لهم السد.
فإن كان هذا السد هو الحائط الكبير الحائل بين الصين ومنغوليا فقد كان ذلك ترميماً منه لمواضع تهدمت من الحائط بمرور الأيام وإلا فأصل الحائط إنما بناه بعض ملوك الصين قبل ذلك، وإن كان سداً آخر غير الحائط فلا إشكال. ومما بناه ذو القرنين واسمه الأصلي "شمر يرعش" في تلك النواحي مدينة سمرقند على ما قيل.
وأيد ذلك بأن كون ذي القرنين ملكاً عربياً صالحاً يسأل عنه الأعراب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويذكره القرآن الكريم للتذكر والاعتبار أقرب للقبول من أن يذكر قصة بعض ملوك الروم أو العجم أو الصين، وهم من الأُمم البعيدة التي لم يكن للأعراب هوى في أن يسمعوا أخبارهم أو يعتبروا بآثارهم، ولذا لم يتعرض القرآن لشيء من أخبارهم. انتهى ملخصاً.
والذي يبقى عليه أن كون حائط الصين هو سد ذي القرنين لا سبيل إليه فإن ذا القرنين قبل الاسكندر بعدة قرون على ما ذكره وقد بنى حائط الصين بعد الاسكندر بما يقرب من نصف قرن وأما غير الحائط الكبير ففي ناحية الشمال الغربي من الصين بعض أسداد أُخر لكنها مبنية من الحجارة على ما يذكر لا أثر فيها من زبر الحديد والقطر.
وقال في تفسير الجواهر بعد ذكر مقدمة ملخصها أن المعروف من دول اليمن بمعونة من النقوش المكشوفة في خرائب اليمن ثلاث دول:
دولة معين وعاصمتها قرناء وقد قدر العلماء أن آثار دولة معين تبتدئ من القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى القرن السابع أو الثامن قبله، وقد عثروا على بعض ملوك هذه الدولة وهم ستة وعشرون ملكاً مثل "أب يدع" و "أب يدع ينيع" أي المنقذ.
ودولة سبا وهم من القحطانيين كانوا أولاً أذواء فأقيالا، والذي نبغ منهم "سبا" صاحب قصر صرواح شرقي صنعاء فاستولى على الجميع، ويبتدئ ملكهم من 850 ق. م إلى 115 ق. م والمعروف من ملوكهم سبعة وعشرون ملكاً خمسة عشر منهم يسمى مكرباً كالمكرب "يثعمر" والمكرب "ذمر على"، واثنا عشرة منهم يسمى ملكاً فقط كالملك "ذرح" والملك "يريم أيمن".
ودولة الحميريين وهم طبقتان الأُولى ملوك سبا وريدان من سنة 115 ق. م إلى سنة 275 ق. م وهؤلاء ملوك فقط، والطبقة الثانية ملوك سبا وريدان وحضرموت وغيرها، وهؤلاء أربعه عشر ملكاً أكثرهم تبابعه أولهم "شمر يرعش" وثانيهم "ذو القرنين" وثالثهم "عمرو" زوج بلقيس وينتهي إلى ذي جدن ويبتدئ ملكهم من سنة 275 م إلى سنة 525 م.
ثم قال: فقد ظهرت صلة الاتصاف بلقب "ذي" بملوك اليمن ولا نجد في غيرهم كملوك الروم مثلاً من يلقب بذي، فذو القرنين من ملوك اليمن، وقد تقدم من ملوكهم من يسمى بذي القرنين، ولكن هل هذا هو ذو القرنين المذكور في القرآن؟.
نحن نقول: كلا لأن هذا مذكور في ملوك قريبي العهد منا جداً، ولم ينقل ذلك عنهم اللهم إلا في روايات ذكرها القصاصون في التاريخ مثل أن "شمر يرعش" وصل إلى بلاد العراق وفارس وخراسان والصغد وبنى مدينة سمرقند وأصله شمر كند، وأن أسعد أبو كرب غزا آذربيجان، وبعث حساناً ابنه إلى الصغد، وابنه يعفر إلى الروم، وابن أخيه إلى الفرس، وأن من الحميريين من بقوا في الصين لهذا العهد بعد غزو ذلك الملك لها.
وكذب ابن خلدون وغيره هذه الأخبار، ووسموها بأنها مبالغ فيها، ونقضوها بأدلة جغرافية وأُخرى تاريخية.
إذن يكون ذو القرنين من أُمة العرب ولكنه في تاريخ قديم قبل التاريخ المعروف. انتهى ملخصاً.
و - وقيل: إن ذا القرنين هو كورش أحد ملوك الفرس الهخامنشيين (539 - 560 ق م) وهو الذي أسس الامبراطورية الإِيرانية، وجمع بين مملكتي الفارس وماد، وسخر بابل وأذن في رجوع اليهود من بابل إلى أورشليم وساعد في بناء الهيكل وسخر مصر ثم اجتاز إلى يونان فغلبهم وبلغ المغرب ثم سار إلى أقاصي المعمورة في المشرق.
ذكره بعض من قارب عصرنا ثم بذل الجهد في إيضاحه وتقريبه بعض محققي الهند في هذه الأواخر بيان ذلك إجمالاً أن الذي ذكره القرآن من وصف ذي القرنين منطبق على هذا الملك العظيم فقد كان مؤمناً بالله بدين التوحيد عادلاً في رعيته سائراً بالرأفة والرفق والإِحسان سائساً لأهل الظلم والعدوان، وقد آتاه الله من كل شيء سبباً فجمع بين الدين والعقل وفضائل الأخلاق والعدة والقوة والثروة والشوكة ومطاوعة الأسباب.
وقد سار كما ذكره الله في كتابه مرة نحو المغرب حتى استولى علي ليديا وحواليها ثم سار ثانياً نحو المشرق حتى بلغ مطلع الشمس ووجد عنده قوماً بدويين همجيين يسكنون في البراري ثم بنى السد وهو على ما يدل عليه الشواهد السد المعمول في مضيق داريال بين جبال قفقاز بقرب "مدينة تفليس" هذا إجمال الكلام ودونك التفصيل.
إيمانه بالله واليوم الآخر: يدل على ذلك ما في كتب العهد العتيق ككتاب عزرا (الإِصحاح 1) وكتاب دانيال (الإِصحاح 2) وكتاب أشعياء (الإِصحاح 44 و 45) من تجليله وتقديسه حتى سماه في كتاب الأشعياء "راعي الرب" وقال في الإِصحاح الخامس والأربعين: "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أُمماً وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي. لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك. لقبتك وأنت لست تعرفني".
ولو قطع النظر عن كونه وحياً فاليهود على ما بهم من العصبية المذهبية لا يعدون رجلاً مشركاً مجوسياً أو وثنياً - لو كان كورش كذلك - مسيحاً إلهياً مهدياً مؤيداً وراعياً للرب.
على أن النقوش والكتابات المخطوطة بالخط المسماري المأثور عن داريوش الكبير وبينهما من الفصل الزماني ثماني سنين ناطقة بكونه موحداً غير مشرك، وليس من المعقول أن يتغير ما كان عليه كورش في هذا الزمن القصير.
وأما فضائله النفسانية فيكفي في ذلك الرجوع إلى المحفوظ من أخباره وسيرته وما قابل به الطغاة والجبابرة الذين خرجوا عليه أو حاربهم كملوك "ماد" و "ليديا" و "بابل" و "مصر" وطغاة البدو في أطراف "بكتريا" وهو البلخ وغيرهم، وكان كلما ظهر على قوم عفا عن مجرميهم، وأكرم كريمهم ورحم ضعيفهم وساس مفسدهم وخائنهم.
وقد أثنى عليه كتب العهد القديم، واليهود يحترمه أعظم الاحترام لما نجاهم من أسارة بابل وأرجعهم إلى بلادهم وبذل لهم الأموال لتجديد بناء الهيكل ورد إليهم نفائس الهيكل المنهوبة المخزونة في خزائن ملوك بابل، وهذا في نفسه مؤيد آخر لكون ذي القرنين هو كورش فإن السؤال عن ذي القرنين إنما كان بتلقين من اليهود على ما في الروايات.
وقد ذكره مؤرخو يونان القدماء كهرودت وغيره فلم يسعهم إلا أن يصفوه بالمروة والفتوة والسماحة والكرم والصفح وقلة الحرص والرحمة والرأفة ويثنوا عليه بأحسن الثناء.
وأما تسميته بذي القرنين فالتواريخ وإن كانت خاليه عما يدل على شيء في ذلك لكن اكتشاف تمثاله الحجري أخيراً في مشهد مرغاب في جنوب إيران يزيل الريب في اتصافه بذي القرنين فإنه مثل فيه ذا قرنين نابتين من أُم رأسه من منبت واحد أحد القرنين مائل إلى قدام والآخر آخذ جهة الخلف. وهذا قريب من قول من قال من القدماء في وجه تسمية ذي القرنين أنه كان له تاج أو خوذة فيه قرنان.
وقد ورد في كتاب دانيال ذكر رؤيا رأى كورش فيه في صورة كبش ذي قرنين قال فيه:
"في السنة الثالثة من ملك "بيلشاصر" الملك ظهرت لي أنا دانيال رؤيا بعد التي ظهرت لي في الابتداء. فرأيت في الرؤيا وكأن في رؤياي وأنا في "شوشن" القصر الذي في ولاية عيلام. ورأيت في الرؤيا وأنا عند نهر "أولاي" فرفعت عيني وإذا بكبش واقف عند النهر وله قرنان والقرنان عاليان والواحد أعلى من الآخر والأعلى طالع أخيراً. رأيت الكبش ينطح غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقف حيوان قدامه ولا منفذ من يده وفعل كمرضاته وعظم.
وبينما كنت متأملاً إذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كل الأرض ولم يمس الأرض وللتيس قرن معتبر بين عينيه. وجاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفاً عند النهر وركض إليه بشدة قوته ورأيته قد وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه وضرب الكبش وكسر قرنيه فلم تكن للكبش قوة على الوقوف أمامه وطرحه على الأرض وداسه ولم يكن للكبش منفذ من يده. فتعظم تيس المعز جداً".
ثم ذكر بعد تمام الرؤيا أن جبرئيل تراءى له وعبر رؤياه بما ينطبق فيه الكبش ذو القرنين على كورش، وقرناه مملكتا الفارس وماد، والتيس ذو القرن الواحد على الاسكندر المقدوني.
وأما سيره نحو المغرب والمشرق فسيره نحو المغرب كان لدفع طاغية "ليديا" وقد سار بجيوشه نحو كورش ظلماً وطغياناً من غير أي عذر يجوز له ذلك فسار إليه وحاربه وهزمه ثم عقبه حتى حاصره في عاصمة ملكه ثم فتحها وأسره ثم عفا عنه وعن سائر أعضاده وأكرمه وإياهم وأحسن إليهم وكان له أن يسوسهم ويبيدهم وانطباق القصة على قوله تعالى: {حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة} ولعلها الساحل الغربي من آسيا الصغرى {ووجد عندها قوماً قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً} وذلك لاستحقاقهم العذاب بطغيانهم وظلمهم وفسادهم.
ثم إنه سار نحو الصحراء الكبير بالمشرق حوالي بكتريا لإِخماد غائلة قبائل بدوية همجية انتهضوا هناك للمهاجمة والفساد وانطباق قوله تعالى: {حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً} عليه ظاهر.
وأما بناؤه السد: فالسد الموجود في مضيق جبال قفقاز الممتدة من بحر الخزر إلى البحر الأسود، ويسمى المضيق "داريال" وهو واقع بلدة "تفليس" وبين "ولادي كيوكز".
وهذا السد واقع في مضيق بين جبلين شاهقين يمتدان من جانبيه وهو وحده الفتحة الرابطة بين جانبي الجبال الجنوبي والشمالي والجبال مع ما ينضم إليها من بحر الخزر والبحر الأسود حاجز طبيعي في طول الوف من الكيلو مترات يحجز جنوب آسيا من شمالها.
وكان يهجم في تلك الاعصار أقوام شريرة من قاطني الشمال الشرقي من آسيا من مضيق جبال قفقاز إلى ما يواليها من الجنوب فيغيرون على ما دونها من أرمينستان ثم إيران حتى الآشور وكلده، وهجموا في حوالي المائة السابعة قبل الميلاد فعمموا البلاد قتلاً وسبياً ونهباً حتى بلغوا نينوى عاصمة الآشور وكان ذلك في القرن السابق على عهد كورش تقريباً.
وقد ذكر المؤرخون من القدماء كهرودوت اليوناني سير كورش إلى شمال إيران لإِخماد نوائر فتن اشتعلت هناك، والظاهر أنه بنى السد في مضيق داريال في مسيره هذا لاستدعاء من أهل الشمال وتظلم منهم، وقد بناه بالحجارة والحديد وهو الردم الوحيد الذي استعمل فيه الحديد، وهو بين سدين جبلين، وانطباق قوله تعالى: {فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً آتوني زبر الحديد} الآيات عليه ظاهر.
ومما أُيد به هذا المدعى وجود نهر بالقرب منه يسمى "سايروس" وهو اسم كورش عند الغربيين، ونهر آخر يمر بتفليس يسمى "كر" وقد ذكر هذا السد "يوسف" اليهودي المؤرخ عند ذكر رحلته إلى شمال قفقاز وليس هو الحائط الموجود في باب الأبواب على ساحل بحر الخزر فإن التاريخ ينسب بناءه إلى كسرى أنو شيروان وكان يوسف قبله.
على أن سد باب الأبواب غير سد ذي القرنين المذكور في القرآن قطعاً إذ لم يستعمل فيه حديد قط.
وأما يأجوج ومأجوج فالبحث عن التطورات الحاكمة على اللغات يهدينا إلى أنهم المغول فإن الكلمة بالتكلم الصيني "منكوك" أو "منجوك" ولفظتا يأجوج ومأجوج كأنهما نقل عبراني وهما في التراجم اليونانية وغيرها للعهد العتيق "كوك" و "مأكوك" والشبه الكامل بين "ماكوك" و "منكوك" يقضي بأن الكلمة متطورة من التلفظ الصيني "منكوك" كما اشتق منه "منغول" و "مغول" ولذلك في باب تطورات الألفاظ نظائر لا تحصى.
فيأجوج ومأجوج هما المغول وكانت هذه الأُمة القاطنة بالشمال الشرقي من آسيا من أقدم الأعصار أُمة كبيرة مهاجمة تهجم برهة إلى الصين وبرهة من طريق داريال قفقاز إلى أرمينستان وشمال إيران وغيرها وبرهة وهي بعد بناء السد إلى شمال أوروبا وتسمى عندهم بسيت ومنهم الأُمة الهاجمة على الروم وقد سقطت في هذه الكرة دولة رومان، وقد تقدم أيضاً أن المستفاد من كتب العهد العتيق أن هذه الأُمة المفسدة من سكنة أقاصي الشمال.
هذه جملة ما لخصناه من كلامه، وهو وإن لم يخل عن اعتراض ما في بعض أطرافه لكنه أوضح انطباقاً على الآيات وأقرب إلى القبول من غيره.
ز - ومما قيل في ذي القرنين ما سمعته عن بعض مشايخي أنه من أهل بعض الأدوار السابقة على هذه الدورة الإِنسانية وهو غريب ولعله لتصحيح ما ورد في الأخبار من عجائب حالات ذي القرنين وغرائب ما وقع منه من الوقائع كموته وحياته مرة بعد مرة ورفعه إلى السماء ونزوله إلى الأرض وقد سخر له السحاب يسير به إلى المغرب والمشرق، وتسخير النور والظلمة والرعد والبرق له، ومن المعلوم أن تاريخ هذه الدورة لا يحفظ شيئاً من ذلك فلا بد أن يكون ذلك في بعض الأدوار السابقة هذا، وقد بالغ في حسن الظن بتلك الأخبار.
4 - أمعن أهل التفسير والمؤرخون في البحث حول القصة، وأشبعوا الكلام في أطرافها، وأكثرهم على أن يأجوج ومأجوج أُمة كبيرة في شمال آسيا، وقد طبق جمع منهم ما أخبر به القرآن من خروجهم في آخر الزمان وإفسادهم في الأرض على هجوم التتر في النصف الأول من القرن السابع الهجري على غربي آسيا، وإفراطهم في إهلاك الحرث والنسل بهدم البلاد وإبادة النفوس ونهب الأموال وفجائع لم يسبقهم إليها سابق.
وقد أخضعوا أولاً الصين ثم زحفوا إلى تركستان وإيران والعراق والشام وقفقاز إلى آسيا الصغرى، وأفنوا كل ما قاومهم من المدن والبلاد والحصون كسمرقند وبخارا وخوارزم ومرو ونيسابور والري وغيرها؛ فكانت المدينة من المدن تصبح وفيها مئات الأُلوف من النفوس، وتمسي ولم يبق من عامة أهلها نافخ نار، ولا من هامة أبنيتها حجر على حجر.
ثم رجعوا إلى بلادهم ثم عادوا وحملوا على الروس ودمروا أهل بولونيا وبلاد المجر وحملوا على الروم وألجأوهم على الجزية كل ذلك في فجائع يطول شرحها.
لكنهم أهملوا البحث عن أمر السد من جهة خروجهم منه وحل مشكلته فإن قوله تعالى: {فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض} الآيات ظاهره على ما فسروه أن هذه الأُمة المفسدة محبوسون فيما وراءه لا مخرج لهم إلى سائر الأرض ما دام معموراً قائماً على ساقه حتى إذا جاء وعد الله سبحانه جعله دكاء مثلماً أو منهدماً فخرجوا منه إلى الناس وساروا بالفساد والشر.
فكان عليهم - على هذا - أن يقرروا للسد وصفه هذا فإن كانت هذه الأُمة المذكورة هي التتر وقد ساروا من شمال الصين إلى إيران والعراق والشام وقفقاز إلى آسيا الصغرى فأين كان هذا السد الموصوف في القرآن الذي وطؤوه ثم طلعوا منه إلى هذه البلاد وجعلوا عاليها سافلها؟.
وإن لم تكن هي التتر أو غيرها من الأُمم المهاجمة في طول التاريخ فأين هذا السد المشيد بالحديد ومن صفته أنه يحبس أُمة كبيرة منذ أُلوف من السنين من أن تهجم على سائر أقطار الأرض ولا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السد المضروب دونهم وقد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البرية والبحرية والهوائية وليس يحجز حاجز طبيعي كجبل أو بحر أو صناعي كسد أو سور أو خندق أُمة من أُمة فأي معنى لانصداد قوم عن الدنيا بسد بين جبلين بأي وصف وصف وعلى أي نحو فرض؟.
والذي أرى في دفع هذه الإِشكال - والله أعلم - أن قوله: {دكاء} من الدك بمعنى الذلة قال في لسان العرب: وجبل دك: ذليل. انتهى. والمراد بجعل السد دكاء جعله ذليلاً لا يعبأ بأمره ولا ينتفع به من جهة اتساع طرق الارتباط وتنوع وسائل الحركة والانتقال براً وبحراً وجواً.
فحقيقة هذا الوعد هو الوعد برقي المجتمع البشري في مدنيته، واقتراب شتى أُممه إلى حيث لا يسده سد ولا يحوطه حائط عن الانتقال من أي صقع من أصقاع الأرض إلى غيره ولا يمنعه من الهجوم والزحف إلى أي قوم شاؤا.
ويؤيد هذا المعنى سياق قوله تعالى في موضع آخر يذكر فيه هجوم يأجوج ومأجوج {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون} حيث عبر بفتح يأجوج ومأجوج ولم يذكر السد.
وللدك معنى آخر وهو الدفن بالتراب ففي الصحاح: دككت الركي - وهو البئر - دفنته بالتراب انتهى، ومعنى آخر وهو صيرورة الجبل رابية من طين، قال في الصحاح وتدكدكت الجبال أي صارت روابي من طين واحدتها دكاء انتهى. فمن الممكن أن يحتمل أن السد من جملة أبنية العهود القديمة التي ذهبت مدفونة تحت التراب عن رياح عاصفة أو غريقة بانتقال البحار أو اتساع بعضها على ما تثبتها الأبحاث الجيولوجية، وبذلك يندفع الإِشكال لكن الوجه السابق أوجه والله أعلم.