خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ
٣١
قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ
٣٢
قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
٣٣
-البقرة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات تنبىء عن غرض إنزال الإِنسان إلى الدنيا وحقيقة جعل الخلاقة في الأرض وما هو آثارها وخواصها، وهي على خلاف سائر قصصه لم يقع في القرآن إلاَّ في محل واحد وهو هذا المحل.
قوله تعالى: {وإذ قال ربك} الخ، سيأتي الكلام في معنى القول منه تعالى وكذا القول من الملائكة والشيطان إن شاء الله.
قوله تعالى: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}، إلى قوله: {ونقدس لك}. مشعر بأنهم إنما فهموا وقوع الإِفساد وسفك الدماء من قوله سبحانه: إني جاعل في الأرض خليفة، حيث أن الموجود الأرضي بما أنه مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار التزاحم، محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، مركباتها في معرض الانحلال، وانتظاماتها وإصلاحاتها في مظنة الفساد ومصب البطلان، لا تتم الحياة فيها إلاَّ بالحياة النوعية، ولا يكمل البقاء فيها إلاَّ بالاجتماع والتعاون، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء، ففهموا من هناك أن الخلافة المرادة لا تقع في الأرض إلاَّ بكثرة من الأفراد ونظام اجتماعي بينهم يفضي بالآخرة إلى الفساد والسفك، والخلافة وهي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلاَّ بكون الخليفة حاكياً للمستخلف في جميع شؤونه الوجودية وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمى بالأسماء الحسنى متصف بالصفات العليا، من أوصاف الجمال والجلال، منزه في نفسه عن النقص ومقدس في فعله عن الشر والفساد جلّت عظمته، والخليفة الأرضي بما هو كذلك لا يليق بالاستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكل نقص وشين الوجود الإِلهي المقدس المنزه عن جميع النقائص وكل الأعدام، فأين التراب ورب الأرباب، وهذا الكلام من الملائكة في مقام تعرف ما جهلوه واستيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة، وليس من الاعتراض والخصومة في شيء، والدليل على ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: {إنك أنت العليم الحكيم}، حيث صدر الجملة بإن التعليلية المشعرة بتسلم مدخولها فافهم؛ فملخص قولهم يعود إلى أن جعل الخلافة إنما هو لأجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده، والأرضية لا تدعه يفعل ذلك بل تجره إلى الفساد والشر، والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس بالمعنى الذي مرّ من الحكاية حاصلة بتسبيحنا بحمدك وتقديسنا لك، فنحن خلفائك أو فاجعلنا خلفاء لك، فما فائدة جعل هذه الخلافة الأرضية لك؟ فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها}.
وهذا السياق: يشعر أولاً: بأن الخلافة المذكورة إنما كانت خلافة الله تعالى، لا خلافة نوع من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإِنسان وانقرضوا ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإِنسان كما احتمله بعض المفسرين، وذلك لأن الجواب الذي أجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الأسماء لا يناسب ذلك، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدم عليه السلام بل بنوه يشاركونه فيها من غير اختصاص، ويكون معنى تعليم الأسماء إيداع هذا العلم في الإِنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجاً دائماً ولو اهتدى إلى السبيل أمكنه أن يخرجه من القوة إلى الفعل، ويؤيد عموم الخلافة قوله تعالى:
{ إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح } [الأعراف: 69]، وقوله تعالى { ثم جعلناكم خلائف في الأرض } [يونس: 14]، وقوله تعالى: { ويجعلكم خلفاء الأرض } [النمل: 62]. وثانياً: إنه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، ولا كذَّب الملائكة في دعواهم التسبيح والتقديس، وقررهم على ما ادعوا، بل إنما أبدى شيئاً آخر وهو أن هناك أمراً لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحمله، ويتحمله هذا الخليفة الأرضي فإنه يحكي عن الله سبحانه أمراً ويتحمل منه سراً ليس في وسع الملائكة، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدماء، وقد بدّل سبحانه قوله: {قال إني أعلم ما لا تعلمون}، ثانياً بقوله: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض}، والمراد بهذا الغيب هو الأسماء لا علم آدم بها فإنها الملائكة ما كانت تعلم أن هناك أسماء لا يعلمونها، لا أنهم كانوا يعلمون وجود أسماء كذلك ويجهلون من آدم أنه يعلمها، وإلاَّ لما كان لسؤاله تعالى إيّاهم عن الأسماء وجه وهو ظاهر بل كان حق المقام أن يقتصر بقوله: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم}، حتى يتبيّن لهم أن آدم يعلمها لا أن يسئل الملائكة عن ذلك، فإن هذا السياق يعطي أنهم ادعوا الخلافة وأذعنوا بانتفائها عن آدم وكان اللازم أن يعلم الخليفة بالأسماء فسألهم عن الأسماء فجهلوها وعلمها آدم، فثبت بذلك لياقته لها وانتفائها عنهم، وقد ذيّل سبحانه السؤال بقوله: {إن كنتم صادقين}، وهو مشعر بأنهم كانوا ادعوا شيئاً كان لازمه العلم بالأسماء.
وقوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم}، مشعر بأن هذه الأسماء أو أن مسمياتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب وأن العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلاَّ كانت الملائكة بإنباء آدم إياهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلك إكرام لآدم ولا كرامة حيث علمه الله سبحانه أسماء ولم يعلمهم، ولو عملهم إيّاها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجتهم، وأي حجة تتم في أن يعلم الله تعالى رجلاً علم اللغة ثم يباهي به ويتم الحجة على ملائكة مكرمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأن هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟ ويقول تعالى أنبئوني باللغات التي سوف يضعها الآدميون بينهم للإِفهام والتفهيم إن كنتم صادقين في دعواكم أو مسألتكم خلافتي، على أن كمال اللغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلم، وإنما تتلقى المقاصد من غير واسطة، فلهم كمال فوق كمال التكلم، وبالجملة فما حصل للملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالأسماء هو غير ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالأسماء بتعليم الله تعالى فأحد الأمرين كان ممكناً في حق الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر، وآدم إنما استحق الخلافة الإِلهية بالعلم بالأسماء دون إنبائها إذ الملائكة إنما قالوا في مقام الجواب: {سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا}، فنفوا العلم.
فقد ظهر مما مرّ أن العلم بأسماء هؤلاء المسميات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، دون مجرد ما يتكفله الوضع اللغوي من إعطاء المفهوم فهؤلاء المسميات المعلومة حقائق خارجية، ووجودات عينية وهي مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السماوات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان أولاً ميسوراً ممكناً لموجود أرضي لا ملك سماوي، وثانياً: دخيلاً في الخلافة الإِلهية.
والأسماء في قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}، جمع محلى باللام وهو يفيد العموم على ما صرحوا به، مضافاً إلى أنه مؤكد بقوله: كلها، فالمراد بها كل اسم يقع لمسمى ولا تقييد ولا عهد، ثم قوله: عرضهم، دال على كون كل اسم أي مسماه ذا حياة وعلم وهو مع ذلك تحت حجاب الغيب، غيب السماوات والأرض. وإضافة الغيب إلى السماوات والأرض وإن أمكن أن يكون في بعض الموارد إضافة من، فيفيد التبعيض لكن المورد وهو مقام إظهار تمام قدرته تعالى وإحاطته وعجز الملائكة ونقصهم يوجب كون إضافة الغيب إلى السماوات والأرض إضافة اللام، فيفيد أن الأسماء أُمور غائبة عن العالم السماوي والأرضي، خارج محيط الكون، وإذا تأمّلت هذه الجهات أعني عموم الأسماء وكون مسمياتها أولي حياة وعلم وكونها غيب السماوات والأرض قضيت بانطباقها بالضرورة على ما أُشير إليه في قوله تعالى:
{ وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَّ بقدر معلوم } [الحجر: 21]، حيث أخبر سبحانه بأنه كل ما يقع عليه اسم شيء فله عنده تعالى خزائن مخزونة باقية عنده غير نافده، ولا مقدّرة بقدر، ولا محدودة بحد، وأن القدر والحد في مرتبة الانزال والخلق، وأن الكثرة التي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدد المراتب والدرجات، وسيجيء بعض الكلام فيها في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.
فتحصّل أن هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كل اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها، وأنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، ولا يتفاوتون تفاوت الأشخاص، وإنما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء إنما هو بهذا القسم من النزول.
وقوله تعالى: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}، وكأن هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض، ولذلك قوبل به قوله: {أعلم غيب السماوات والأرض}، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير الخارج عنه.
وقوله تعالى: {كنتم تكتمون}، تقييد الكتمان بقوله: كنتم، مشعر بأن هناك أمراً مكتوماً في خصوص آدم وجعل خلافته، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية:
{ فسجدوا إلاَّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } [البقرة: 34]. فيظهر أن إبليس كان كافراً قبل ذلك الحين، وأن إبائه عن السجدة كان مرتبطاً بذلك فقد كان أضمره هذا.
ويظهر بذلك أن سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى: {قال إني أعلم ما لا تعلمون}، وبين قوله: {أعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}، ويظهر السر أيضاً في تبديل قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}، ثانياً بقوله: {إني أعلم غيب السماوات والأرض}.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام، قال: ما علم الملائكة بقولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}، لولا أنهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء.
أقول: يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الأخبار، ولا ينافي ذلك ما مرّ أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}، بل لا يتم الخبر بدون ذلك، وإلاَّ كان هذا القول قياساً من الملائكة مذموماً كقياس إبليس.
وفي تفسير العياشي أيضاً عنه عليه السلام قال زرارة: دخلت على أبي جعفر عليه لسلام فقال: أي شيء عندك من أحاديث الشيعة؟ فقلت: إن عندي منها شيئاً كثيراً فقد هممت أن أوقد لها ناراً فأحرقها فقال عليه السلام: وارها تنس ما أنكرت منها فخطر على بالي الآدميون، فقال: ما كان علم الملائكة حيث قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}؟ قال: وكان يقول أبو عبد الله عليه السلام: إذا حدث بهذا الحديث: هو كسرٌ على القدرية، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إن آدم عليه السلام كان له في السماء خليل من الملائكة، فلما هبط آدم من السماء إلى الأرض استوحش الملك وشكى إلى الله تعالى وسأله أن يأذن له، فأذن له فهبط عليه فوجده قاعداً في قفرة من الأرض، فلما رآه آدم وضع يده على رأسه وصاح صيحة، قال أبو عبد الله عليه السلام: يروون انه أسمع عامة الخلق فقال له الملك: يا آدم ما أراك إلاَّ وقد عصيت ربك وحملت على نفسك ما لا تطيق، أتدري ما قال لنا الله فيك فرددنا عليه؟ قال: لا، قال: {قال إني جاعل في الأرض خليفة} قلنا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}؟ فهو خلقك أن تكون في الأرض أيستقيم أن تكون في السماء؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: والله عزّى بها آدم ثلاثاً.
أقول: ويستفاد من الرواية أن جنة آدم كانت في السماء وسيجيء فيه روايات أُخر أيضاً.
وفي تفسير العياشي أيضاً عن أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن قول الله: {وعلم آدم الأسماء كلها}، ماذا علّمه؟ قال: الأرضين والجبال والشعاب والأودية، ثم نظر إلى بساط تحته، فقال وهذا البساط مما علمه.
وفي التفسير أيضاً عن الفضيل بن العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: {وعلم آدم الأسماء كلها}، ما هي؟ قال: أسماء الأودية والنبات والشجر والجبال من الأرض.
وفي التفسير أيضاً عن داود بن سرحان العطار، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدعا بالخوان فتغذينا ثم دعا بالطست والدَّست سنانه فقلت: جعلت فداك، قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها}، الطست والدست سنانه منه، فقال عليه السلام: الفجاج والأودية وأهوى بيده كذا وكذا.
وفي المعاني عن الصادق عليه السلام: إِنَّ الله عز وجل علّم آدم أسماء حججه كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} بأنكم أحق بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم فقالوا: {سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم}. قال الله تبارك وتعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} فلما أنبأهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عزّ ذكره، فعلموا أنهم أحق بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريَّته، ثم غيّبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبَّتهم، وقال لهم: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}.
أقول: وبالرجوع إلى ما مرّ من البيان تعرف معنى هذه الروايات وأن لا منافاة بين هذه وما تقدمها، إذ قد تقدم أن قوله تعالى:
{ وإن من شيء إلاَّ عندنا خزائنه } [الحجر: 21]، تعطي أنه ما من شيء إلاَّ وله في خزائن الغيب وجود، وأن هذه الأشياء التي قبلنا إنما وجدت بالنزول من هناك، وكل اسم وضع بحيال مسمى من هذه المسميات فهي اسمٌ لما في خزائن الغيب، فسواء قيل: أن الله علم آدم ما في خزائن غيبه من الأشياء وهي غيب السماوات والأرض، أو قيل: إنه علّم آدم أسماء كل شيء وهي غيب السماوات والأرض كان المؤدى والنتيجة واحداً وهو ظاهر.
ويناسب المقام عدة من أخبار الطينة كما رواه في البحار
"عن جابر بن عبد الله قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أول شيء خلق الله ما هو؟ فقال نور نبيّك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله، ثم جعله أقساماً، فخلق العرش من قسم، والكرسي من قسم، وحملة العرش وسكنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله، ثم جعله أقساماً، فخلق القلم من قسم، واللوح من قسم، والجنة من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله، ثم جعله أجزاء فخلق الملائكة من جزء، والشمس من جزء والقمر من جزء، وأقام القسم الرَّابع في مقام الرجاء ما شاء الله، ثم جعله أجزاء، فخلق العقل من جزء والعلم والحلم من جزء، والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين" .
أقول: والأخبار في هذه المعاني كثيرة، متظافرة، وأنت إذا أجلت نظرة التأمل والإِمعان فيها وجدتها شواهد على ما قدمناه، وسيجيء شطرٌ من الكلام في بعضها. وإيَّاك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ومنابع الحكمة بأنها من اختلاقات المتصوفة وأوهامهم، فللخلقة أسرارٌ، وهوذا العلماء من طبقات أقوام الإِنسان لا يألون جهداً في البحث عن أسرار الطبيعة، منذ أخذ البشر في الانتشار، وكلما لاح لهم معلوم واحدٌ بان لهم مجاهيل كثيرة، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسها فما ظنك بما ورائها، وهي عوالم النور والسعة.