خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٢٧
فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٢٨
لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
٢٩
قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
٣٠
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٣١
وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٣٢
وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٣
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ
٣٤
-النور

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
أحكام وشرائع متناسبة ومناسبة لما تقدَّم.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلِّموا على أهلها} الخ، الأنس بالشيء وإليه الإِلفة وسكون القلب إليه، والاستيناس طلب ذلك بفعل يؤدّي إليه كالاستيناس لدخول بيت بذكر الله والتنحنح ونحو ذلك ليتنبَّه صاحب البيت أن هناك من يريد الدخول عليه فيستعدّ لذلك فربما كان في حال لا يحب أن يراه عليها أحد أو يطَّلع عليها مطَّلع.
ومنه يظهر أن مصلحة هذا الحكم هو الستر على عورات الناس والتحفظ على كرامة الإِيمان فإذا استأنس الداخل عند إرادة الدخول على بيت غير بيته فأخبر باستيناسه صاحب البيت بدخوله ثم دخل فسلَّم عليه فقد أعانه على ستر عورته، وأعطاه الأمن من نفسه.
ويؤدّي الاستمرار على هذا السيرة الجميلة إلى استحكام الأخوَّة والإِلفة والتعاون العام على إظهار الجميل والستر على القبيح وإليه الإِشارة بقوله: {ذلكم خير لكم لعلكّم تذكرون} أي لعلكم بالاستمرار على هذه السيرة تتذكرون ما يجب عليكم رعايته وإحياؤه من سنة الاخوّة وتألّف القلوب التي تحتها كل سعادة اجتماعية.
وقيل: إن قوله: {لعلكم تذكّرون} تعليل لمحذوف والتقدير قيل لكم كذا لعلكم تتذكرون مواعظ الله فتعملوا بموجبها، ولا بأس به.
وقيل: إن في قوله: {حتى تستأنسوا وتسلّموا} تقديماً وتأخيراً والأصل حتى تسلّموا وتستأنسوا. وهو كما ترى.
قوله تعالى: {فإن لم تجدو فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم}... الخ، أي إن علمتم بعدم وجود أحد فيها - وهو الذي يملك الإِذن - فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم من قبل من يملك الإِذن، وليس المراد به أن يتطلع على البيت وينظر فيه فإن لم يرَ فيه أحداً كفَّ عن الدخول فإن السياق يشهد على أن المنع في الحقيقة عن النظر والإِطّلاع على عورات الناس.
وهذه الآية تبين حكم دخول بيت الغير وليس فيه من يملك الإِذن، والآية السابقة تبين حكم الدخول وفيه من يملك الإِذن ولا يمنع، وأما دخوله وفيه من يملك الإِذن ويمنع ولا يأذن فيه فيبين حكمه قوله تعالى: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم}.
قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم} الخ، ظاهر السياق كون قوله: {فيها متاع لكم} صفة بعد صفة لقوله: {بيوتاً} لا جملة مستأنفة معلّلة لقوله: {ليس عليكم جناح}، والظاهر أن المتاع بمعنى الاستمتاع.
ففيه تجويز الدخول في بيوت معدَّة لأنواع الاستمتاع وهي غير مسكونة بالطبع كالخانات والحمامات والأرحية ونحوها فإن كونها موضوعة للاستمتاع إذن عام في دخولها.
وربما قيل: إن المراد بالمتاع المعنى الاسمي وهو الأثاث والأشياء الموضوعة للبيع والشرى كما في بيوت التجارة والحوانيت فإنها مأذونة في دخولها إذناً عاماً ولا يخلو من بعد لقصور اللفظ.
قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} الغضّ إطباق الجفن على الجفن، والأبصار جمع بصر وهو العضو الناظر، ومن هنا يظهر أن {من} في {من أبصارهم} لابتداء الغاية لا مزيدة ولا للجنس ولا للتبعيض كما قال بكل قائل، والمعنى يأتوا بالغضّ آخذاً من أبصارهم.
فقوله: {قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم} لما كان {يغضّوا} مترتباً على قوله: {قل} ترتَّب جواب الشرط عليه دلّ ذلك على كون القول بمعنى الأمر والمعنى مرهم يغضّوا من أبصارهم والتقدير مرهم بالغضّ إنك إن تأمرهم به يغضوا، والآية أمر بغض الأبصار وإن شئت فقل: نهي عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه من الأجنبي والأجنبية لمكان الإِطلاق.
وقوله: {ويحفظوا فروجهم} أي ومرهم يحفظوا فروجهم، والفرجة والفرج الشق بين الشيئين، وكنّى به عن السوأة، وعلى ذلك جرى استعمال القرآن المليء أدباً وخلقاً ثم كثر استعماله فيها حتى صار كالنص كما ذكره الراغب.
والمقابلة بين قوله: {يغضوا من أبصارهم} و {يحفظوا فروجهم} يعطي أن المراد بحفظ الفروج سترها عن النظر لا حفظها عن الزنا واللواطة كما قيل، وقد ورد في الرواية عن الصادق عليه السلام أن كل آية في القرآن في حفظ الفروج فهي من الزنا إلا هذه الآية فهي من النظر.
وعلى هذا يمكن أن تتقيد أُولى الجملتين بثانيتهما ويكون مدلول الآية هو النهي عن النظر إلى الفروج والأمر بسترها.
ثم أشار إلى وجه المصلحة في الحكم وحثّهم على المراقبة في جنبه بقوله: {ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون}.
قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن} الخ، الكلام في قوله: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} نظير ما مر في قوله: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} فلا يجوز لهن النظر إلى ما لا يجوز النظر إليه ويجب عليهن ستر العورة عن الأجنبي والأجنبية.
وأما قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} فالإِبداء الإِظهار، والمراد بزينتهن مواضع الزينة لأن نفس ما يتزين به كالقرط والسوار لا يحرم إبداؤها فالمراد بإبداء الزينة إبداء مواضعها من البدن.
وقد استثنى الله سبحانه منها ما ظهر، وقد وردت الرواية أن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان والقدمان كما سيجيء إن شاء الله.
وقوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} الخمر بضمتين جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها وينسدل على صدرها، والجيوب جمع جيب بالفتح فالسكون وهو معروف والمراد بالجيوب الصدور، والمعنى وليلقين بأطراف مقانعهن على صدورهن ليسترنها بها.
وقوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} إلى قوله {أو بني أخواتهن} البعولة هم أزواجهن، والطوائف السبع الآخر محارمهن من جهة النسب والسبب، وأجداد البعولة حكمهم حكم آبائهم وأبناء أبناء البعولة حكمهم حكم الأبناء.
وقوله: {أو نسائهن} في الاضافة إشارة إلى أن المراد بهن المؤمنات من النساء فلا يجوز لهن التجرد لغيرهن من النساء وقد وردت به الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وقوله: {أو ما ملكت أيمانهن} إطلاقه يشمل العبيد والإِماء، وقد وردت به الرواية كما سيأتي إن شاء الله، وهذا من موارد استعمال {ما} في اولي العقل.
وقوله: {أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال} الإِربة هي الحاجة، والمراد به الشهوة التي تحوج إلى الازدواج، {من الرجال} بيان للتابعين، والمراد بهم كما تفسره الروايات البله المولى عليهم من الرجال ولا شهوة لهم.
وقوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} أي جماعة الأطفال - واللام للاستغراق - الذين لم يقووا ولم يظهروا - من الظهور بمعنى الغلبة - على أمور يسوء التصريح بها من النساء، وهو - كما قيل - كناية عن البلوغ.
وقوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} ذلك بتصوت أسباب الزينة كالخلخال والعقد والقرط والسوار.
وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} المراد بالتوبة - على ما يعطيه السياق - الرجوع إليه تعالى بامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه وبالجملة اتّباع سبيله.
قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} الإِنكاح التزويج، والأيامى جمع أيم بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة وهو الذكر الذي لا انثى معه والأنثى التى لا ذكر معها وقد يقال في المرأة أيمة، والمراد بالصالحين الصالحون للتزويج لا الصالحون في الأعمال.
وقوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} وعد جميل بالغنى وسعة الرزق وقد أكده بقوله: {والله واسع عليم} والرزق يتبع صلاحية المرزوق بمشية من الله سبحانه، وسيوافيك إن شاء الله في تفسير قوله تعالى:
{ فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون } [الذاريات: 23] كلام في معنى سعة الرزق.
قوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} الاستعفاف والتعفف قريبا المعنى، والمراد بعدم وجدان النكاح عدم القدرة على المهر والنفقة، ومعنى الآية الأمر بالتعفف لمن لا يقدر على النكاح والتحرز عن الوقوع في الزنا حتى يغنيه الله من فضله.
قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} الخ المراد بالكتاب المكاتبة، وابتغاء المكاتبة أن يسأل العبد مولاه أن يكاتبه على إيتائه المولى مالاً على أن يعتقه، وفي الآية أمر للموالي بإجابتهم إن علموا فيهم خيراً وهو كناية عن إحراز صلاحيتهم لذلك.
وقوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} إشارة إلى إيتائهم مال المكاتبة من الزكاة المفروضة فسهم من سهام الزكاة لهم، كما قال تعالى:
{ وفي الرقاب } [التوبة: 60] أو إسقاط شيء من مال المكاتبة.
وفي هذه الآية والآيات السابقة مباحث فقهية جمة ينبغي أن يراجع فيها كتب الفقه.
قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً} الفتيات الإِماء والولائد، والبغاء الزنا وهو مفاعلة من البغي، والتحصن والتعفف والازدواج وابتغاء عرض الحياة الدنيا طلب المال، والمعنى ظاهر.
وإنما اشترط النهي عن الإِكراه بإرادة التحصن لأن الإِكراه لا يتحقق فيمن لا يريد التحصن، ثم وعدهن المغفرة على تقدير الإِكراه بقوله: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} ومعناه ظاهر.
قوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين} المثل الصفة، ومن الممكن أن يكون قوله: {ولقد أنزلنا} الخ، حالاً من فاعل قوله: {توبوا} في الآية السابقة أو استينافاً والمعنى وأُقسم لقد أنزلنا إليكم آيات تبين لكم من معارف الدين ما تفلحون به، وصفة من السابقين أخيارهم وأشرارهم يتميز بها لكم ما ينبغي أن تأخذوا به مما ينبغي لكم أن تجتنبوا، وموعظة للمتقين منكم.
(بحث روائي)
في تفسير القمي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} قال: الاستيناس وقع النعل والتسليم.
أقول: ورواه الصدوق في معاني الأخبار عن محمد بن الحسن مرفوعاً عن عبد الرحمن عنه عليه السلام.
وفي المجمع
" عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا: يا رسول الله ما الاستيناس؟ قال يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح على أهل البيت"
]. وعن سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه مدرى يحك رأسه: "لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك إنما الاستيذان من النظر"
]. وروي "أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أستأذن على أُمي؟ فقال: نعم. قال: إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن عليها"
]. وروي أن رجلاً استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنحنح فقال عليه السلام لامرأة يقال لها: روضة: قومي إلى هذا فعلميه وقولي له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها فقال: ادخل.
أقول: وروي في الدر المنثور عن جمع من أصحاب الجوامع الرواية الأولى عن أبي أيوب، والثانية عن سهل بن سعد والرابعة عن عمرو بن سعد الثقفي.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الاستيذان في البيوت فقال:
"من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فقد عصى الله ولا إذن له"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم}، قال: معناه وإن لم تجدوا فيها أحداً يأذن لكم فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم.
وفيه في قوله تعالى: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم} قال الصادق عليه السلام: هي الحمامات والخانات والأرحية تدخلها بغير إذن.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه اللسلام في حديث يذكر فيه ما فرض الله على الجوارح. قال: وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرّم الله عليه، وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله وهو من الإِيمان.
فقال تبارك وتعالى: {قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} فنهاهم أن ينظروا إلى عوراتهم وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه أن ينظر إليه، وقال: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} من أن تنظر إحداهن إلى فرج أختها وتحفظ فرجها من أن ينظر إليه.
وقال: كل شيء في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية فهو من النظر.
أقول: وروى القمي في تفسيره ذيل الحديث عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي بصير عنه عليه السلام، وروي مثله عن أبي العالية وابن زيد.
وفي الكافي بإسناده عن سعد الإِسكاف عن أبي جعفر عليه السلام قال: استقبل شاب من الأنصار امرأة بالمدينة وكان النساء يتقنعن خلف آذانهن فنظر إليها وهي مقبلة فلما جازت نظر إليها ودخل في زقاق قد سماه ببني فلان، وجعل ينظر خلفها، واعترض وجهه عظم في الحائط أو زجاجة فشق وجهه فلما مضت المرأة نظر فإذ الدماء تسيل على ثوبه وصدره فقال: والله لآتينّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولاخبرنّه.
قال: فأتاه فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ما هذا؟ فأخبره فهبط جبرئيل بهذه الآية {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون}.
أقول: ورواه في الدر المنثور عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب مثله، وظاهر الحديث أن المراد بالأمر بالغض في الآية النهي عن مطلق النظر إلى الأجنبية، كما أن ظاهر بعض الروايات السابقة أنه نهي عن النظر إلى فرج الغير خاصة.
وفيه بإسناده عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما يحل أن يرى من المرأة إذا لم يكن محرماً؟ قال: الوجه والكفّان والقدمان.
أقول: ورواه في الخصال عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام ولفظه: الوجه والكفين والقدمين.
وفي قرب الأسناد للحميري عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل ما يصلح له أن ينظر إليه من المرأة التي لا تحل له؟ قال: الوجه والكف وموضع السوار.
وفي الكافي بإسناده عن عبّاد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة له والأعراب وأهل السواد والعلوج لأنهم إذا نهوا لا ينتهون.
قال: والمجنونة والمغلوبة على عقلها، ولا بأس بالنظر إلى شعرها وجسدها ما لم يتعمد ذلك.
أقول: كأنه عليه السلام يريد بقوله: ما لم يتعمد ذلك، الريبة.
وفي الخصال وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام:
"يا علي أول نظرة لك والثانية عليك لا لك"
]. أقول: وروى مثله في الدر المنثور عن عدة من أصحاب الجوامع عن بُريدة عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: "لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة"
]. وفي جوامع الجامع عن أُم سلمة قالت: "كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟"
أقول: ورواه في الدر المنثور عن أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي عنها.
وفي الفقيه وروى حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينبغي للمرأة أن تنكشف بين يدي اليهودية والنصرانية فإنهن يصفن ذلك لأزواجهن.
وفي المجمع في قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} وقيل: معناه العبيد والإِماء وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي الكافي بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألته عن غير أُولي الإِربة من الرجال. قال: الأحمق المولى عليه الذي لا يأتي النساء.
وفيه بإسناده عن محمد بن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"من ترك التزويج مخافة العيلة فقد أساء ظنه بالله عز وجل إن الله يقول {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله}"
]. أقول: وفي المعاني سابقة روايات كثيرة جداً عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من أرادها فليراجع كتب الحديث.
وفي الفقيه روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفه.
أقول: وفي معناه روايات أُخر.
وفي الكافي بإسناده عن العلاء بن فضيل عن أبي عبد الله عليه السلام قال في قوله عز وجل: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} قال: تضع عنه من نجومه التي لم تكن تريد أن تنقصه، ولا تزيد فوق ما في نفسك. فقلت: كم؟ فقال: وضع أبو جعفر عليه السلام عن مملوك ألفاً من ستة آلاف.
أقول: وروي في مجمع البيان وكذا في الدر المنثور عن علي عليه السلام ربع المال، والمستفاد من ظواهر الأخبار عدم تعين مقدار معين ذي نسبة.
وقد تقدمت في ذيل قوله:
{ وفي الرقاب } [التوبة: 60] الجزء التاسع من الكتاب رواية العياشي أن المكاتب يؤتى من سهم الرقاب من الزكاة.
وفي التفسير القمي في قوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً}، قال: كانت العرب وقريش يشترون الإِماء ويضعون عليهن الضريبة الثقيلة ويقولون: اذهبن وازنين واكتسبن فنهاهم الله عن ذلك فقال: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} إلى قوله {غفور رحيم} أي لا يؤاخذهن الله تعالى بذلك إذا أكرهن عليه.
وفي المجمع في قوله تعالى: {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} قيل: إن عبد الله بن أُبيّ كانت له ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا، فلما نزل تحريم الزنا أتين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشكون إليه فنزلت الآية.
أقول: أما أنه كان له من الجواري من يكرههن على الزنا فقد وردت فيه روايات رواها في الدر المنثور كما روي هذه الرواية، وأما كون ذلك بعد نزول تحريم الزنا فيضعفة أن الزنا لم يحرم في المدينة بل في مكة قبل الهجرة بل كانت حرمته من ضروريات الإِسلام منذ ظهرت الدعوة الحقة، وقد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن حرمة الفواحش ومنها الزنا من الأحكام العامة التي لا تختص بشريعة دون شريعة.