خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٢
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
٣
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ
٤
يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ
٥
ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٦
ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ
٧
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ
٨
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
٩
وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ
١٠
قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
١١
وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
١٢
وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
١٣
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
١٤
-السجدة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
غرض السورة تقرير المبدأ والمعاد وإقامة الحجة عليهما ودفع ما يختلج القلوب في ذلك مع إشارة إلى النبوة والكتاب ثم بيان ما يتميز به الفريقان المؤمنون بآيات الله حقاً والفاسقون الخارجون عن زيّ العبودية ووعد أُولئك بما هو فوق تصوّر المتصورين من الثواب ووعيد هؤلاء بالانتقام الشديد بأليم العذاب المخلّد وأنهم سيذوقون عذاباً أدنى دون العذاب الأكبر، وتختتم السورة بتأكيد الوعيد وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالانتظار كما هم منتظرون.
وهي مكية إلا ثلاث آيات نزلت - كما قيل - بالمدينة وهي قوله تعالى: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً} إلى تمام ثلاث آيات.
والذي أوردناه من آياتها يتضمّن الفصل الأول من فصلي غرض السورة الذي أشرنا إليه.
قوله تعالى: {تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين}، أي هذا تنزيل الكتاب، والتنزيل مصدر بمعنى اسم المفعول وإضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: هذا هو الكتاب المنزَّل لا ريب فيه.
وقوله: {من رب العالمين} فيه براعة استهلال لما في غرض السورة أن يتعاطى بيانه من الوحدانية والمعاد اللذين ينكرهما الوثنية لما مرّ مراراً أنهم لا يقولون برب العالمين بل يثبتون لكل عالم إلهاً ولمجموع الآلهة إلهاً هو الله تعالى عما يقولون علوا كبيراً.
قوله تعالى: {أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} الخ، أم منقطعة، والمعنى: بل يقولون افترى القرآن على الله وليس من عنده فردَّه بقوله: {بل هو الحق من ربك لتنذر} الخ.
وقوله: {لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك} قيل: يعني قريشاً فإنهم لم يأتهم نبي قبله صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف غيرهم من قبائل العرب فإنهم أتاهم بعض الأنبياء كخالد بن سنان العبسي وحنظلة على ما في الروايات.
وقيل: المراد به أهل الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة وفيه أن معنى الفترة هو عدم انبعاث نبي له شريعة وكتاب وأما الفترة عن مطلق النبوة فلا نسلم تحققها وخلو جميع الزمان وهو قريب من ستة قرون من النبي مطلقاً.
وقوله: {لعلهم يهتدون} غاية رجائية لإِرسال الرسول والترجي قائم بالمقام أو بالمخاطب دون المتكلم كما تقدم في نظائره.
قوله تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض} إلى قوله {أفلا تتذكرون} تقدم الكلام في تفسير قوله: {خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش} في نظائره من الآيات وتقدم أيضاً أن الاستواء على العرش كناية عن مقام تدبير الموجودات بنظام عام إجمالي يحكم على الجميع ولذا أتبع العرش في أغلب ما وقع فيه من الموارد بما فيه معنى التدبير كقوله:
{ ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار } [الرعد: 2] وقوله: { ثم استوى على العرش يدبر الأمر } [يونس: 3]، وقوله: { ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض } [الحديد: 4]، وقوله: { ذو العرش المجيد فعَّال لما يريد } } [البروج: 15ـ16]. والوجه في ذكر الاستواء على العرش، بعد ذكر خلق السماوات والأرض إن الكلام في اختصاص الربوبية والألوهية بالله وحده ومجرد استناد الخلقة إليه تعالى لا ينفع في إبطال ما يقول به الوثنية شيئاً فإنهم لا ينكرون استناد الخلقة إليه وحده وإنما يقولون باستناد التدبير وهو الربوبية للعالم إلى آلهتهم ثم اختصاص الألوهية وهي المعبودية بآلهتهم ولله تعالى من الشأن أنه رب الأرباب وإله الآلهة.
فكان من الواجب عند إقامة الحجة لإِبطال قولهم أن يذكر أمر الخلقة ثم يتعقب بأمر التدبير لمكان تلازمهما وعدم انفكاك أحدهما من الآخر حتى يكون موجد الأشياء وخالقها هو الذي يربها ويدبر أمرها فيكون رباً وحده وإلهاً وحده كما أنه موجد خالق وحده.
ولذلك بعينه ذكر أمر التدبير بعد ذكر الخلقة في الآية التي نحن فيها إذ قيل: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} فالولاية والشفاعة كالاستواء على العرش من شؤون التدبير.
وقوله: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} الولي هو الذي يملك تدبير أمر الشيء ومن المعلوم أن أُمورنا والشؤون التي تقوم به حياتنا قائمة بالوجود محكومة مدبرة للنظام العام الحاكم في الأشياء عامة وما يخص بنا من نظام خاص، والنظام أياً ما كان من لوازم خصوصيات خلق الأشياء والخلقة كيفما كانت مستندة إليه تعالى فهو تعالى وليّنا القائم بأمرنا المدبّر لشؤوننا وأُمورنا، كما هو وليّ كل شيء كذلك وحده لا شريك له.
والشفيع - على ما تقدم في مباحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب - هو الذي ينضم إلى سبب ناقص فيتمم سببيته وتأثيره، والشفاعة تتميم السبب الناقص في تأثيره وإذا طبقناها على الأسباب والمسببات الخارجية كانت أجزاء الأسباب المركبة وشرائطها بعضها شفيعاً لبعض لتتميم حصة من الأثر منسوبة إليه كما أن كلاً من السحاب والمطر والشمس والظل وغيرها شفيع للنبات.
وإذ كان موجد الأسباب وأجزائها والرابط بينها وبين المسببات هو الله سبحانه فهو الشفيع بالحقيقة الذي يتمّم نقصها ويقيم صلبها فالله سبحانه هو الشفيع بالحقيقة لا شفيع غيره.
وببيان آخر أدق قد تقدم في البحث عن الأسماء الحسنى في الجزء الثامن من الكتاب أن أسماءه تعالى الحسنى وسائط بينه وبين خلقه في إيصال الفيض إليهم فهو تعالى يرزقهم مثلاً بما أنه رازق جواد غني رحيم ويشفي المريض بما أنه شاف معاف رؤوف رحيم ويهلك الظالمين بما أنه شديد البطش ذو انتقام عزيز وهكذا.
فما من شيء من المخلوقات المركبة الوجود إلا ويتوسط لوجوده عدة من الأسماء الحسنى بعضها فوق بعض وبعضها في عرض بعض وكل ما هو أخص منها يتوسط بين الشيء وبين الأعم منها كما أن الشافي يتوسط بين المريض وبين الرؤوف الرحيم والرحيم يتوسط بينه وبين القدير وهكذا.
والتوسط المذكور في الحقيقة تتميم لتأثير السبب فيه وإن شئت فقل هو تقريب للشيء من السبب لفعلية تأثيره وينتج منه أنه تعالى شفيع ببعض أسمائه عند بعض فهو الشفيع ليس من دونه شفيع في الحقيقة فافهم.
وقد تبين بما مر أن لا إشكال في إطلاق الشفيع عليه تعالى بمعنى كونه شفيعاً بنفسه عند نفسه وحقيقته توسط صفة من صفاته الكريمة بين الشيء وصفة من صفاته كما يستعاذ من سخطه إلى رحمته ومن عدله إلى فضله، وأما كونه تعالى شفيعاً بمعنى شفاعته لشيء عند غيره فهو مما لا يجوز البتة.
والقوم لتقريبهم إشكال إطلاق الشفيع عليه تعالى على المعنى الثاني أي بمعنى كونه شفيعاً عند غيره اختلفوا في تفسير الآية على أقوال:
فقال بعضهم: إن دون في قوله: {ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع} بمعنى عند و {من دونه} حال من ضمير {لكم} والمعنى: ما لكم حال كونكم مجاوزين دونه ومن عنده ولي ولا شفيع أي لا ولي لكم ولا شفيع ففيه نفي الولى والشفيع لهم عند الله.
وفيه أن دون وإن صح كونه بمعنى عند لكن وجود {من} قرينة على أنه بمعنى غير، ولا معنى لأخذ المجاوزة ورجوع {ما لكم من دونه} إلى معنى {ما لكم عنده}.
قال بعضهم: إن الشفيع في الآية بمعنى الناصر مجازاً ودون بمعنى غير و {من دونه} حال من {وليّ} والمعنى: ما لكم ولي ولا ناصر غيره، وفيه أنه تجوز من غير موجب.
وقال بعضهم إن إطلاق الشفيع هنا من قبيل المشاكلة التقديرية لما أن المشركين المنذرين كثيراً ما كانوا يقولون في آلهتهم: هؤلاء شفعاؤنا ويزعمون أن كل واحد منهم شفيع لهم والمعنى: على هذا لو فرض وقدر أن الإِله وليّ شفيع ما لكم وليّ ولا شفيع غير الله سبحانه.
وقال بعضهم: إن دون بمعنى عند والضمير في {من دونه} للعذاب، والمعنى: ليس لكم من دون عذابه وليّ، أي قريب ينفعكم ويرد عذابه عنكم ولا شفيع يشفع لكم.
وفيه أن إرجاع الضمير إلى العذاب تحكّم من غير دليل، ويرد على جميع هذه الوجوه أنها تكلفات ناشئة من أخذ الشفيع غير المشفوع عنده وقد عرفت أن المعنى تحليلي والشفيع والمشفوع عنده واحد.
وقوله: {أفلا تتذكرون} استفهام توبيخي يوبخهم على استمرارهم على الإِعراض عن أدلة العقول حتى يتذكروا أن الملك والتدبير لله سبحانه وهو المعبود بالحق ليس لهم دونه ولي ولا شفيع كما يزعمون ذلك لآلهتهم.
قوله تعالى: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون} تتميم لبيان أن تدبير أمر الموجودات قائم به سبحانه وهذا هو القرينة على أن المراد بالأمر في الآية الشأن دون الأمر المقابل للنهي.
والتدبير وضع الشيء في دابر الشيء والإِتيان بالأمر بعد الأمر فيرجع إلى إظهار وجود الحوادث واحداً بعد واحد كالسلسلة المتصلة بين السماء والأرض وقد قال تعالى:
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [الحجر: 21]، وقال: { إنا كل شيء خلقناه بقدر } } [القمر: 49]. وقوله: {ثم يعرج إليه} بعد قوله: {يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} لا يخلو من إشعار بأن {يدبّر} مضمن معنى التنزيل والمعنى: يدبر الأمر منزلاً أو ينزله مدبراً - من السماء إلى الأرض ولعله الأمر الذي يشير إليه قوله: { فسوّاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها } } [فصلت: 12]. وفي قوله: {يعرج إليه} إشعار بأن المراد بالسماء مقام القرب الذي تنتهي إليه أزمة الأُمور دون السماء بمعنى جهة العلو أو ناحية من نواحي العالم الجسماني فإن الأمر قد وصف قبل العروج بالنزول فظاهر العروج أنه صعود من الطريق التي نزل منها، ولم يذكر هناك إلا علو هو السماء، وسفل هو الأرض ونزول وعروج فالنزول من السماء والعروج إلى الله يشعر بأن السماء هو مقام الحضور الذي يصدر منه تدبير الأمر أو أن موطن تدبير الأمر الأرضي هو السماء والله المحيط بكل شيء ينزّل التدبير الأرضي من هذا الموطن، ولعل هذا هو الأقرب إلى الفهم بالنظر إلى قوله: {وأوحى في كل سماء أمرها}.
وقوله: {في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون} معناه على أي حال أنه في ظرف لو طبّق على ما في الأرض من زمان الحوادث ومقدار حركتها انطبق على ألف سنة مما نعدّه فإن من المسلم أن الزمان الذي يقدّره ما نعدّه من الليل والنهار والشهور والسنين لا يتجاوز العالم الأرضي.
وإذ كان المراد بالسماء هو عالم القرب والحضور وهو مما لا سبيل للزمان إليه كان المراد أنه وعاء لو طبّق على مقدار حركة الحوادث في الأرض كان مقداره ألف سنة مما تعدّون.
وأما أن هذا المقدار هل هو مقدار النزول واللبث والعروج أو مقدار مجموع النزول والعروج دون اللبث أو مقدار كل واحد من النزول والعروج أو مقدار نفس العروج فقط بناء على أن {في يوم} قيد لقوله: {يعرج إليه} فقط كما وقع في قوله:
{ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } } [المعارج: 4]. ثم على تقدير كون الظرف قيداً للعروج هل العروج مطلق عروج الحوادث إلى الله أو العروج يوم القيامة وهو مقدار يوم القيامة، وأما كونه خمسين ألف سنة فهو بالنسبة إلى الكافر من حيث الشقة أو أن الألف سنة مقدار مشهد من مشاهد يوم القيامة وهو خمسون موقفاً كل موقف مقداره ألف سنة.
ثم المراد بقوله: {مقداره ألف سنة} هل هو التحديد حقيقة أو المراد مجرد التكثير كما في قوله:
{ يودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة } [البقرة: 96]، أي يعمّر عمراً طويلاً جداً وإن كان هذا الاحتمال بعيداً من السياق.
والآية - كما ترى - تحتمل الاحتمالات جميعاً ولكل منها وجه والأقرب من بينها إلى الذهن كون {في يوم} قيداً لقوله: {ثم يعرج إليه} وكون المراد بيوم عروج الأمر مشهداً من خمسين مشهداً من مشاهد يوم القيامة، والله أعلم.
قوله تعالى: {ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم} تقديم تفسير مفردات الآية، ومناسبة الأسماء الثلاثة الكريمة للمقام ظاهرة.
قوله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه} قال الراغب: الحسن عبارة عن كل مبهج - بصيغة الفاعل - مرغوب فيه وذلك ثلاثة أضرب: مستحسن من جهة العقل ومستحسن من جهة الهوى ومستحسن من جهة الحس. انتهى. وهذا تعريف له من جهة خاصته وانقسامه بانقسام الإِدراكات الإِنسانية.
وحقيقته ملاءمة أجزاء الشيء بعضها لبعض والمجموع للغرض والغاية الخارجة منه فحسن الوجه تلاؤم أجزائه من العين والحاجب والأنف والفم وغيرها، وحسن العدل ملاءمته للغرض من الاجتماع المدني وهو نيل كل ذي حق حقه، وهكذا.
والتدبر في خلقة الأشياء وكل منها في نفسه متلائم الأجزاء بعضها لبعض والمجموع من وجوده مجهز بما يلائم كماله وسعادته تجهيزاً لا أتم ولا أكمل منه يعطي أن كلاً منها حسن في نفسه حسناً لا أتم وأكمل منه بالنظر إلى نفسه.
وأما ما نرى من المساءة والقبح في الأشياء فلأحد أمرين: إما لكون الشيء السيئ ذا عنوان عدمي يعود إليه المساءة لا لوجوده في نفسه كالظلم والزنا فإن الظلم ليس بسيئ قبيح بما أنه فعل من الأفعال بل بما أنه مبطل لحق ثابت والزنا ليس بسيئ قبيح من جهة نفس العمل الخارجي الذي هو مشترك بينه وبين النكاح بل بما أن فيه مخالفة للنهي الشرعي أو للمصلحة الاجتماعية.
أو بقياسه إلى شيء آخر فيعرضه المساءة والقبح من طريق المقايسة كقياس الحنظل إلى البطيخ وقياس الشوك إلى الورد وقياس العقرب إلى الإِنسان فإن المساءة إنما تطرأ هذه الأشياء من طريق القياس إلى مقابلاتها ثم قياسها إلى طبعنا، ويرجع هذا الوجه من المساءة إلى الوجه الأول بالحقيقة.
وكيف كان فالشيء بما أنه موجود مخلوق لا يتصف بالمساءة ويدل عليه الآية {الذي أحسن كل شيء خلقه} إذا انضمّ إلى قوله:
{ الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] فينتجان أولاً: أن الخلقة تلازم الحسن فكل مخلوق حسن من حيث هو مخلوق.
وثانياً: أن كل سيىء وقبيح ليس بمخلوق من حيث هو سيئ قبيح كالمعاصي والسيئات من حيث هي معاصٍ وسيئات والأشياء السيئة من جهة القياس.
قوله تعالى: {وبدء خلق الإِنسان من طين} المراد بالإِنسان النوع فالمبدو خلقه من طين هو النوع الذي ينتهي أفراده إلى من خلق من طين من غير تناسل من أب وأُم كآدم وزوجه عليهما السلام، والدليل على ذلك قوله بعده: {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} فالنسل الولادة بانفصال المولود عن الوالدين والمقابلة بين بدء الخلق وبين النسل لا يلائم كون المراد ببدء الخلق بدء خلق الإِنسان المخلوق من ماء مهين، ولو كان المراد ذلك لكان حق الكلام أن يُقال: ثم جعله سلالة من ماء مهين فافهمه.
وقوله: {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} السلالة كما في المجمع الصفوة التي تنسل أي تنزع من غيرها ويسمى ماء الرجل سلالة لانسلاله من صلبه، والمهين من الهون وهو الضعف والحقارة وثم للتراخي الزماني.
والمعنى: ثم جعل ولادته بطريق الانفصال من صفوة من ماء ضعيف أو حقير.
قوله تعالى: {ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه} التسوية التصوير وتتميم العمل، وفي قوله: {نفخ فيه من روحه} استعارة بالكناية بتشبيه الروح بالنفَس الذي يتنفس به ثم نفخه في قالب من سوّاه، وإضافة الروح إليه تعالى إضافة تشريفية، والمعنى: ثم صوَّر الإِنسان المبدو خلقه من الطين والمجعول نسله من سلالة من ماء مهين ونفخ فيه من روح شريف منسوب إليه تعالى.
قوله تعالى: {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون} امتنان بنعمة الإِدراك الحسي والفكري فالسمع والبصر للمحسوسات والقلوب للفكريات أعم من الإِدراكات الجزئية الخيالية والكلية العقلية.
وقوله: {قليلاً ما تشكرون} أي تشكرون شكراً قليلاً، والجملة اعتراضية في محل التوبيخ وقيل: الجملة حالية، والمعنى: جعل لكم الأبصار والأفئدة والحال أنكم تشكرون قليلاً، والجملة على أي حال مسوقة للبث والشكوى والتوبيخ.
والالتفات في قوله: {وجعل لكم} الخ، من الغيبة إلى خطاب الجمع لتسجيل أن الإِنعام الإِلهي الشامل للجميع يربو على شكرهم فهم قاصرون أو أكثرهم مقصرون.
قوله تعالى: {وقالوا ءإذا ضللنا في الأرض ءإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون} حجة من منكري البعث مبنية على الاستبعاد. والضلال في الأرض قيل: هو الضيعة كما يُقال: ضلّت النعمة أي ضاعت، وقيل: هو بمعنى الغيبة، وكيف كان فمرادهم به ءإنا إذا متنا وانتشرت أجزاء أبداننا في الأرض وصرنا بحيث لا تميّز لأجزائنا من سائر أجزاء الأرض ولا خبر عنا نقع في خلق جديد ونخلق ثانياً خلقناً الأول؟.
والاستفهام للإِنكار، والخلق الجديد هو البعث.
وقوله: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} إضراب عن فحوى قولهم: {ءإذا ضللنا في الأرض} كأنه قيل: إنهم لا يجحدون الخلق الجديد لجحدهم قدرتنا على ذلك أو لسبب آخر بل هم كافرون بالرجوع إلينا ولقائنا ولذا جيء في الجواب عن قولهم بما يدلُّ على الرجوع.
قوله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} توفي الشيء أخذه تاماً كاملاً كتوفي الحق وتوفي الدَّين من المديون.
وقوله: {ملك الموت الذي وكل بكم} قيل: أي وكل بإماتتكم وقبض أرواحكم والآية مطلقة ظاهرة في أعم من ذلك.
وقد نسب التوفي في الآية إلى ملك الموت، وفي قوله:
{ والله يتوفى الأنفس حين موتها } } [الزمر: 42] إليه تعالى، وفي قوله: { حتى إذا جاء أحدهم الموت توفّته رسلنا } [الأنعام: 61]، وقوله: { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم } [النحل: 28]،إلى الرسل والملائكة نظراً إلى اختلاف مراتب الأسباب فالسبب القريب الملائكة الرسل أعوان ملك الموت وفوقهم ملك الموت الآمر بذلك المجري لأمر الله والله من ورائهم محيط وهو السبب الأعلى ومسبّب الأسباب فذلك بوجه كمثل كتابة الإِنسان بالقلم فالقلم كاتب واليد كاتبة والإِنسان كاتب.
وقوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} هو الرجوع الذي عبر عنه في الآية السابقة باللقاء وموطنه البعث المترتب على التوفي والمتراخي عنه، كما يدلّ عليه العطف بثم الدالة على التراخي.
والآية - على أي تقدير - جواب عن الاحتجاج بضلال الموتى في الأرض على نفي البعث ومن المعلوم أن إماتة ملك الموت لهم ليس يحسم مادة الإِشكال فيبقى قوله: {ثم إلى ربكم ترجعون} دعوى خالية عن الدليل في مقابل دعواهم المدالة والكلام الإِلهي أنزه ساحة أن يتعاطى هذا النوع من المحاجة.
لكنه تعالى أمر رسوله أن يجيب عن حجتهم المبنية على الاستبعاد بأن حقيقة الموت ليس بطلاناً لكم وضلالاً منكم في الأرض بل ملك الموت الموكل بكم يأخذكم تامين كاملين من أجسادكم أي ينزع أرواحكم من أبدانكم بمعنى قطع علاقتها من الأبدان وأرواحكم تمام حقيقتكم فأنتم أي ما يعني بلفظه {كم} محفوظون لا يضل منكم شيء في الأرض وإنما يضل الأبدان وتتغير من حال إلى حال وقد كانت في معرض التغير من أول كينونتها. ثم إنكم محفوظون حتى ترجعوا إلى ربكم بالبعث ورجوع الأرواح إلى أجسادها.
وبهذا يندفع حجتهم على نفي المعاد بضلالهم سواء قررت على نحو الاستبعاد أو قررت على أن تلاشي البدن يبطل شخصية الإِنسان فينعدم ولا معنى لإِعادة المعدوم فإن حقيقة الإِنسان هي نفسه التي يحكي عنها بقول {أنا} وهي غير البدن والبدن تابع لها في شخصيته وهي لا تتلاشى بالموت ولا تنعدم بل محفوظة في قدرة الله حتى يؤذن في رجوعها إلى ربها للحساب والجزاء فيبعث على الشريطة التي ذكر الله سبحانه.
وظهر بما تقدم أولاً وجه اتصال قوله: {قل يتوفاكم} الخ بقوله: {ءإذا ضللنا في الأرض} الخ وأنه جواب حاسم للإِشكال قاطع للشبهة، وقد أشكل الأمر على بعض من فسر التوفي بمطلق الإِماتة من غير التفات إلى نكتة التعبير بلفظ التوفي فتكلف في توجيه اتصال الآيتين بما لا يرتضيه العقل السليم.
وثانياً: أن الآية من أوضح الآيات القرآنية الدالة على تجرد النفس بمعنى كونها غير البدن أو شيء من حالات البدن.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون} نكس الرأس إطراقه وطأطأته، والمراد بالمجرمين بقرينة ذيل الآية خصوص المنكرين للمعاد فاللام فيه لا تخلو من معنى العهد أي هؤلاء الذين يجحدون المعاد ويقولون: {ءإذا ضللنا في الأرض} الخ.
وفي التعبير عن البعث بقوله: {عند ربهم} محاذاة لما تقدم من قوله: {بل هم بلقاء ربهم كافرون} أي واقفون موقفاً من اللقاء لا يسعهم إنكاره، وقولهم: {أبصرنا وسمعنا} ومسألتهم الرجوع للعمل الصالح لما ينجلي لهم أن النجاة في الإِيمان والعمل الصالح وقد حصل لهم الإِيمان اليقيني وبقي العمل الصالح ولذا يعترفون باليقين ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً فيتم لهم سببا النجاة.
والمعنى: ولو ترى إذ هؤلاء الذين يجرمون بإنكار لقاء الله مطرقو رؤوسهم عند ربهم في موقف اللقاء من الخزي والذل والندم يقولون ربنا أبصرنا بالمشاهدة وسمعنا بالطاعة فارجعنا نعمل عملاً صالحاً إنا موقنون والمحصل أنك تراهم يجحدون اللقاء ولو تراهم إذ أحاط بهم الخزي والذل فنكسوا رؤسهم واعترفوا بما ينكرونه اليوم وسألوا العود إلى ها هنا ولن يعودوا.
قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} إلى آخر الآية أي لو شئنا أن نعطي كل نفس أعم من المؤمنة والكافرة الهدى الذي يختص بها ويناسبها لأعطيناه لها بأن نشاء من طريق اختيار الكافر وإرادته أن يتلبّس بالهدى فيتلبس بها من طريق الاختيار والإِرادة كما شئنا في المؤمن كذلك فتلبس بالهدى باختيار منه وإرادة من دون أن ينجر إلى الإِلجاء والاضطرار فيبطل التكليف ويلغو الجزاء.
وقوله: {ولكن حق القول مني لأملأَن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي ولكن هناك قضاء سابق مني محتوم وهو إملاء جهنم من الجنة والناس أجمعين وهو قوله لإِبليس لما امتنع من سجدة آدم وقال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}:
{ فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ص: 84ـ85]، فقضى أن يدخل متَّبعي إبليس العذاب المخلَّد.
ولازم ذلك أن لا يهديهم لظلمهم وفسقهم بالخروج عن زي العبودية كما قال: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}
{ والله لا يهدى القوم الفاسقين } [الصف: 5]، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم} إلى آخر الآية، تفريع على قوله: {ولكن حقَّ القول مني} والنسيان ذهول صورة الشيء عن الذاكرة ويكنّى به عن عدم الاعتناء بما يهمّ الشيء وهو المراد في الآية.
والمعنى: فإذا كان من القضاء إذاقة العذاب لمتبعي إبليس فذوقوا العذاب بسبب عدم اعتنائكم بلقاء هذا اليوم حتى جحدتموه ولم تعملوا صالحاً تثابون به فيه لأنا لم نعتن بما يهمّكم في هذا اليوم من السعادة والنجاة، وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} تأكيد وتوضيح لسابقه أي إن الذوق الذي أمرنا به ذوق عذاب الخلد ونسيانهم لقاء يومهم هذا أعمالهم السيئة.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة السجدة بمكة سوى ثلاث آيات {أفمن كان مؤمناً} إلى تمام الآيات الثلاث.
وفيه أخرج سعيد بن منصور وابن شيبة عن علي قال: عزائم سجود القرآن الم تنزيل السجدة، وحم تنزيل السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك الذي خلق.
وفي الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العزائم أربع: اقرأ باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد قال:
"أبصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً قد أسبل إزاره فقال له: ارفع إزارك، فقال: يا رسول الله إني أحنف تصطك ركبتاي. قال: ارفع إزارك كل خلق الله حسن"
]. وفي الفقيه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: {الله يتوفى الأنفس حين موتها} وعن قول الله عزّ وجلّ: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكِّل بكم} وعن قول الله عزّ وجلّ: {الذين يتوفاهم الملائكة طيبين} {والذين يتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} وعن قول الله عزّ وجلّ: {توفته رسلنا} وعن قوله عزّ وجلّ: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} وقد يموت في الدنيا في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله عزّ وجلّ، فكيف هذا؟.
فقال: إن الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإِنس يبعثهم في حوائجه فيتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو، ويتوفاها الله تعالى من ملك الموت.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي قال:
"دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من الأنصار يعوده فإذا ملك الموت عند رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال: أبشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق.
واعلم يا محمد أني لأقبض روح ابن آدم فيصرخ أهله فأقوم في جانب من الدار فأقول: والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر وما خلق الله من أهل بيت ولا مدر ولا شعر ولا وبر في بر ولا بحر إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى أني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم. والله يا محمد إني لا أقدر أن أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يأمر بقبضه"
]. وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} قال: لو شئنا أن نجعلهم كلهم معصومين لقدرنا.
أقول: العصمة لا تنافي الاختيار فلا تنافي بين مضمون الرواية وما قدمناه في تفسير الآية.
(كلام في كينونة الإِنسان الأولى)
تقدم في تفسير أول سورة النساء كلام في هذا المعنى وكلامنا هذا كالتكملة له.
قدمنا هناك أن الآيات القرآنية ظاهرة ظهوراً قريباً من الصراحة في أن البشر الموجودين اليوم - ونحن منهم - ينتهون بالتناسل إلى زوج أي رجل وامرأة بعينهما وقد سمي الرجل في القرآن بآدم وهما غير متكونين من أب وأُم بل مخلوقان من تراب أو طين أو صلصال أو الأرض على اختلاف تعبيرات القرآن.
فهذا هو الذي يفيده الآيات ظهوراً معتداً به وإن لم تكن نصة صريحة لا تقبل التأويل ولا المسألة من ضروريات الدين نعم يمكن عدّ انتهاء النسل الحاضر إلى آدم ضرورياً من القرآن وأما أن آدم هذا هل أُريد به آدم النوعي أعني الطبيعة الإِنسانية الفاشية في الأشخاص أو عدّة معدودة من الأفراد هم أُصول النسب والأباء والأُمهات الأولية أو فرد إنساني واحد بالشخص؟.
وعلى هذا التقدير هل هو فرد من نوع الإِنسان تولد من نوع آخر كالقردة مثلاً على طريق تطوّر الأنواع وظهور الأكمل من الكامل والكامل من الناقص وهكذا أو هو فرد من الإِنسان كامل بالكمال الفكري تولّد من زوج من الإِنسان غير المجهّز بجهاز التعقل فكان مبدأ لظهور النوع الإِنساني المجهز بالتعقل القابل للتكليف وانفصاله من النوع غير المجهز بذلك فالبشر الموجودون اليوم نوع كامل من الإِنسان ينتهي أفراده إلى الإِنسان الأول الكامل الذي يسمى بآدم، وينشعب هذا النوع الكامل بالتولد تطوراً من نوع آخر من الإِنسان ناقص فاقد للتعقل وهو يسير القهقري في أنواع حيوانية مترتبة حتى ينتهي إلى أبسط الحيوان تجهيزاً وأنقصها كمالاً وإن أخذنا من هناك سائرين لم نزل ننتقل من ناقص إلى كامل ومن كامل إلى أكمل حتى ننتهي إلى الإِنسان غير المجهز بالتعقل ثم إلى الإِنسان الكامل كل ذلك في سلسلة نسبية متصلة مؤلفة من آباء وأعقاب.
أو أن سلسلة التوالد والتناسل تنقطع بالاتصال بآدم وزوجه وهما متكونان من الأرض من غير تولد من أب وأُم فليس شيء من هذه الصور ضرورياً.
وكيف كان فظاهر الآيات القرآنية هو الصورة الأخيرة وهي انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه المتكونين من الأرض من غير أب وأُم.
غير أن الآيات لم تبين كيفية خلق آدم من الأرض وأنه هل عملت في خلقه علل وعوامل خارقة للعادة؟ وهل تمت خلقته بتكوين إلهي آني من غير مهل فتبدل الجسد المصنوع من طين بدناً عادياً ذا روح إنساني أو أنه عاد إنساناً تاماً كاملاً في أزمنة معتدّ بها يتبدل عليه فيها استعداد بعد استعداد وصورة وشكل بعد صورة وشكل حتى تم الاستعداد فنفخ فيه الروح وبالجملة اجتمعت عليه من العلل والشرائط نظير ما تجتمع على النطفة في الرحم.
ومن أوضح الدليل عليه قوله تعالى:
{ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } [آل عمران: 59]، فإن الآية نزلت جواباً عن احتجاج النصارى على بنوة عيسى بأنه ولد من غير أب بشرى، ولا ولد إلا بوالد فأبوه هو الله سبحانه، فرد في الآية بما محصله أن صفته كصفة آدم حيث خلقه الله من أديم الأرض بغير والد يولده فلمَ لا يقولون بأن آدم ابن الله؟.
ولو كان المراد بخلقه من تراب انتهاء خلقته كسائر المتكونين من النطف إلى الأرض كان المعنى: أن صفة عيسى ولا أب له كمثل آدم حيث تنتهي خلقته كسائر الناس إلى الأرض، ومن المعلوم أن لا خصوصية لآدم على هذا المعنى حتى يؤخذ ويقاس إليه عيسى فيفسد معنى الآية في نفسه ومن حيث الاحتجاج به على النصارى.
وبهذا يظهر دلالة جميع الآيات الدالة على خلق آدم من تراب أو طين أو نحو ذلك، على المطلوب كقوله:
{ إني خالق بشراً من طين } [ص: 71]،وقوله: { وبدأ خلق الإِنسان من طين } } [السجدة: 7]. وأما قول من قال: إن المراد بآدم هو آدم النوعي دون الشخصي بمعنى الطبيعة الإِنسانية الخارجية الفاشية في الأفراد، والمراد ببنوّة الأفراد له تكثّر الأشخاص منه بانضمام القيود إليه وقصة دخوله الجنة وإخراجه منها لمعصيته بإغواء من الشيطان تمثيل تخييلي لمكانته في نفسه ووقوفه موقف القرب ثم كونه في معرض الهبوط باتّباع الهوى وطاعة إبليس.
ففيه أنه مدفوع بالآية السابقة وظواهر كثير من الآيات كقوله:
{ الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً } [النساء: 1]، فلو كان المراد بالنفس الواحدة آدم النوعي لم يبق لفرض الزوج لها محل ونظير الآية الآيات التي تفيد أن الله أدخله وزوجه الجنة وأنه وزوجه عصيا الله بالأكل من الشجرة.
على أن أصل القول بآدم النوعي مبني على قدم الأرض والأنواع المتأصلة ومنها الإِنسان وأن أفراده غير متناهية من الجانبين والأُصول العلمية تبطل ذلك بتاتاً.
وأما القول بكون النسل منتهياً إلى أفراد معدودين كأربعة أزواج مختلفين ببياض اللون وسواده وحمرته وصفرته أو أزواج من الإِنسان ناشئين بعضهم بالدنيا القديمة وبعضهم بالدنيا الحديثة والأراضي المكشوفة أخيراً وفيها بشر قاطنون كأمريكا واستراليا.
فمدفوع بجميع الآيات الدالة على انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه فإن المراد بآدم فيها إما شخص واحد إنساني وإما الطبيعة الإِنسانية الفاشية في الأفراد وهو آدم النوعي وأما الأفراد المعدودون فلا يحتمل لفظ الآيات ذلك البتة.
على أنه مبني على تباين الأصناف الأربعة من الإِنسان: البيض والسود والحمر والصفر وكون كل من هذه الأصناف نوعاً برأسه ينتهي إلى زوج غير ما ينتهي إليه الآخر أو كون قارات الأرض منفصلاً بعضها عن بعض انفصالاً أبدياً غير مسبوق بالعدم، وقد ظهر بطلان هذه الفرضيات اليوم بطلاناً كاد يلحقها بالبديهيات.
وأما القول بانتهاء النسل إلى زوج من الإِنسان أو أزيد انفصلا أو انفصلوا من نوع آخر هو أقرب الأنواع إليه كالقرد مثلاً انفصال الأكمل من الكامل تطوراً.
ففيه أن الآيات السابقة الدالة على خلق الإِنسان الأول من تراب من غير أب وأُم تدفعه.
على أن ما أُقيم عليه من الحجة العلمية قاصر عن إثباته كما سنشير إليه في الكلام على القول التالي.
وأما القول بانتهاء النسل إلى فردين من الإِنسان الكامل بالكمال الفكري من طريق التولد ثم انشعابهما وانفصالهما بالتطور من نوع آخر من الإِنسان غير الكامل بالكمال الفكري ثم انقراض الأصل وبقاء الفرع المتولد منهما على قاعدة تنازع البقاء وانتخاب الأصلح.
فيدفعه قوله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} على التقريب المتقدم وما في معناه من الآيات.
على أن الحجة التي أُقيمت على هذا القول قاصرة عن إثباته، فإنها شواهد مأخوذة من التشريح التطبيقي وأجنَّة الحيوان والآثار الحفرية الدالة على التغير التدريجي في صفات الأنواع وأعضائها وظهور الحيوان تدريجاً آخذاً من الناقص إلى الكامل وخلق ما هو أبسط من الحيوان قبل ما هو أشد تركيباً.
وفيه أن ظهور النوع الكامل من حيث التجهيزات الحيوية بعد الناقص زماناً لا يدل على أزيد من تدرج المادة في استكمالها لقبول الصور الحيوانية المختلفة فهي قد استعدت لظهور الحياة الكاملة فيها بعد الناقصة والشريفة بعد الخسيسة وأما كون الكامل من الحيوان منشعباً من الناقص بالتولد والاتصال النسبي فلا ولم يعثر هذا الفحص والبحث على غزارته وطول زمانه على فرد نوع كامل متولد من فرع نوع آخر على أن يقف على نفس التولد دون الفرد والفرد.
وما وجد منها شاهداً على التغير التدريجي فإنما هو تغير في نوع واحد بالانتقال من صفة لها إلى صفة أُخرى لا يخرج بذلك عن نوعيته والمدّعى خلاف ذلك.
فالذي يتسلم أن نشأة الحياة ذات مراتب مختلفة بالكمال والنقص والشرف والخسة وأعلى مراتبها الحياة الإِنسانية ثم ما يليها ثم الأمثل فالأمثل وأما أن ذلك من طريق تبدّل كل نوع مما يجاوره من النوع الأكمل، فلا يفيده هذا الدليل على سبيل الاستنتاج.
نعم يوجب حدساً ما غير يقيني بذلك فالقول بتبدل الأنواع بالتطور فرضية حدسية تبتني عليها العلوم الطبيعية اليوم ومن الممكن أن يتغير يوماً إلى خلافها بتقدّم العلوم وتوسع الأبحاث.
وربما استدل على هذا القول بقوله تعالى:
{ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]، بتقريب أن الاصطفاء هو انتخاب صفوة الشيء وإنما يصدق الانتخاب فيما إذا كان هناك جماعة يختار المصطفى من بينهم ويؤثر عليهم كما اصطفى كل من نوح وآل إبراهيم وآل عمران من بين قومهم ولازم ذلك أن يكون مع آدم قوم غيره فيصطفى من بينهم عليهم، وليس إلا البشر الأولي غير المجهز بجهاز التعقل فاصطفى آدم من بينهم فجهز بالعقل فانتقل من مرتبة نوعيتهم إلى مرتبة الإِنسان المجهّز بالعقل الكامل بالنسبة إليهم ثم نسل وكثر نسله وانقرض الإِنسان الأولي الناقص.
وفيه أن {العالمين} في الآية جمع محلى باللام وهو يفيد العموم ويصدق على عامة البشر إلى يوم القيامة فهم مصطفون على جميع المعاصرين لهم والجائين بعدهم كمثل قوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} فما المانع من كون آدم مصطفى مختاراً من بين أولاده ما خلا المذكورين منهم في الآية؟.
وعلى تقدير اختصاص الاصطفاء بما بين المعاصرين وعليهم ما هو المانع من كونه مصطفى مختاراً من بين أولاده المعاصرين له ولا دلالة في الآية على كون اصطفائه أول خلقته قبل ولادة أولاده.
على أن اصطفاء آدم لو كان على الإِنسان الأولي كما يذكره المستدل كان ذلك بما أنه مجهز بالعقل وكان ذلك مشتركاً بينه وبين بني آدم جميعاً على الإِنسان الأولي فكان تخصيص آدم في الآية بالذكر تخصيصاً من غير مخصص.
وربما استدل بقوله:
{ ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } [الأعراف: 11] الآية، بناء على أن {ثم} تدل على التراخي الزماني فقد كان للنوع الإِنساني وجود قبل خلق آدم وأمر الملائكة بالسجدة له.
وفيه أن {ثم} في الآية للترتيب الكلامي وهو كثير الورود في كلامه تعالى على أن هناك معنى آخر أشرنا إليه في تفسير الآية في الجزء الثامن من الكتاب.
وربما استدل بقوله: {وبدأ خلق الإِنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه} الآيات وتقريبه أن الآية الأُولى المتعرضة لأول خلق الإِنسان تذكر خلقته الأولية من تراب التي يشترك فيها جميع الأفراد، والآية الثالثة تذكر تسويته ونفخ الروح فيه وبالجملة كماله الإِنساني والعطف بثم تدل على توسط زمان معتد به بين أول خلقته من تراب وبين ظهوره بكماله.
وليس هذا الزمان المتوسط إلا زمان توسط الأنواع الأُخرى التي تنتهي بتغيرها التدريجي إلى الإِنسان الكامل وخاصة بالنظر الى تنكر {سلالة} المفيد للعموم.
وفيه أن قوله: {ثم سواه} عطف على قوله {بدأ} والآيات في مقام بيان ظهور النوع الإِنساني بالخلق وأن بدأ خلقه وهو خلق آدم كان من طين ثم بدّل سلالة من ماء في ظهور أولاده، ثم تمَّت الخلقة سواء كان فيه أو في أولاده بالتسوية ونفخ الروح.
وهذا معنى صحيح يقبل الانطباق على اللفظ ولا يلزم منه حمل قوله: {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين} على أنواع متوسطة بين الخلق من الطين وبين التسوية ونفخ الروح، وكون {سلالة} نكرة لا يستلزم العموم فإن إفادة النكرة للعموم إنما هو فيما إذا وقعت في سياق النفي دون الإِثبات.
وقد استدل بآيات أُخرى مربوطة بخلقه الإِنسان وآدم بنحو مما مر يعلم الجواب عنها بما قدمناه فلا موجب لنقلها وإطالة الكلام بالجواب عنها.