خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ
١١٤
وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
١١٥
وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ
١١٦
وَآتَيْنَاهُمَا ٱلْكِتَابَ ٱلْمُسْتَبِينَ
١١٧
وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
١١٨
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي ٱلآخِرِينَ
١١٩
سَلاَمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَارُونَ
١٢٠
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١٢١
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٢٢
وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
١٢٣
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ
١٢٤
أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ ٱلْخَالِقِينَ
١٢٥
ٱللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ
١٢٦
فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٢٧
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٢٨
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ
١٢٩
سَلاَمٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ
١٣٠
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١٣١
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٣٢
-الصافات

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
ملخص قصة موسى وهارون وإشارة إلى قصة إلياس عليه السلام. وبيان ما أنعم الله عليهم وعذب مكذبيهم وجانب الرحمة يربو فيها على جانب العذاب والتبشير يزيد على الإِنذار.
قوله تعالى: {ولقد مننا على موسى وهارون} المن الإِنعام ومن المحتمل أن يكون المراد به ما سيعده مما أنعم عليهما وعلى قومهما من التنجية والنصر وإيتاء الكتاب والهداية وغيرها فيكون قوله: {ونجيناهما} الخ من عطف التفسير.
قوله تعالى: {ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم} وهو الغم الشديد من استضعاف فرعون لهم يسومهم سوء العذاب ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
قوله تعالى: {ونصرناهم فكانوا هم الغالبين} وهو الذي أدى إلى خروجهم من مصر وجوازهم البحر وهلاك فرعون وجنوده.
وبذلك يندفع ما توهم أن مقتضى الظاهر أن يذكر النصر قبل التنجية لتوقفها عليه، وذلك أن النصر إنما يكون فيما إذا كان للمنصور قوة مّا لكنها لا تكفي لدفع الشر فتتم بالنصر وكان لبني إسرائيل عند الخروج من مصر بعض القوة فناسب إطلاق النصر على إعانتهم على ذلك بخلاف أصل تخليصهم من يد فرعون فإنهم كانوا أسراء مستعبدين لا قوة لهم فلا يناسب هذا الاعتبار إلا ذكر التنجية دون النصر.
قوله تعالى: {وآتيناهما الكتاب المستبين} أي يستبين المجهولات الخفية فيبينها وهي التي يحتاج إليها الناس في دنياهم وآخرتهم.
قوله تعالى: {وهديناهما الصراط المستقيم} المراد بها الهداية بتمام معنى الكلمة، ولذا خصها بهما ولم يشرك فيها معهما قومهما، ولقد تقدم كلام في معنى الهداية إلى الصراط المستقيم في سورة الفاتحة.
قوله تعالى: {وتركنا عليهما في الآخرين} إلى قوله {المؤمنين} تقدم تفسيرها.
قوله تعالى: {وإن إلياس لمن المرسلين} قيل: إنه عليه السلام من آل هارون كان مبعوثاً إلى بعلبك ولم يذكر في كلامه ما يستشهد به عليه.
قوله تعالى: {إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين} إلى قوله {الأولين} شطر من دعوته عليه السلام يدعو قومه فيها إلى التوحيد ويوبخهم على عبادة بعل - صنم كان لهم - وترك عبادة الله سبحانه.
وكلامه عليه السلام على ما فيه من التوبيخ واللوم يتضمن حجة تامة على توحيده تعالى فإن قوله: {وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين} يوبخهم أولاً على ترك عبادة أحسن الخالقين، والخلق والإِيجاد كما يتعلق بذوات الأشياء يتعلق بالنظام الجاري فيها الذي يسمى تدبيراً فكما أن الخلق إليه تعالى فالتدبير أيضاً إليه فهو المدبر كما أنه الخالق؛ وأشار إلى ذلك بقوله: {الله ربكم} بعد وصفه تعالى بأحسن الخالقين.
ثم أشار إلى أن ربوبيته تعالى لا تختص بقوم دون قوم كالأصنام التي يتخذ كل قوم بعضاً منها دون بعض فيكون صنم رباً لقوم دون آخرين بل هو تعالى رب لهم ولآبائهم الأولين لا يختص ببعض دون بعض لعموم خلقه وتدبيره، وإليه أشار بقوله: {الله ربكم ورب آباؤكم الأولين}.
قوله تعالى: {فكذبوه فإنهم لمحضرون} أي مبعوثون ليحضروا العذاب، وقد تقدم أن الإِحضار إذا أُطلق أفاد معنى الشر.
قوله تعالى: {إلا عباد الله المخلصين} دليل على أنه كان في قومه جمع منهم.
قوله تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين} إلى قوله {المؤمنين} تقدم الكلام في نظائرها.
(بحث روائي)
في تفسير القمي في قوله تعالى: {أتدعون بعلاً} قال: كان لهم صنم يسمونه بعلاً.
وفي المعاني بإسناده إلى قادح عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام في قول الله عز وجل: {سلام على آل يس} قال: يس محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن آل يس.
أقول: وعن العيون عن الرضا عليه السلام مثله، وهو مبني على قراءة آل يس كما قرأه نافع وابن عامر ويعقوب وزيد.
(كلام في قصة الياس عليه السلام)
1- قصته في القرآن: لم يذكر اسمه عليه السلام في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع وفي سورة الأنعام عند ذكر هداية الأنبياء حيث قال:
{ وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وكل من الصالحين } [الأنعام: 85]. ولم يذكر تعالى من قصته في هذه السورة إلا أنه كان يدعو إلى عبادة الله سبحانه قوماً كانوا يعبدون بعلاً فآمن به وأخلص الإِيمان قوم منهم وكذبه آخرون وهم جل القوم وإنهم لمحضرون.
وقد أثنى الله سبحانه عليه في سورة الأنعام بما أثنى به على الأنبياء عامة وأثنى عليه في هذه السورة بأنه من عباده المؤمنين المحسنين وحياه بالسلام بناء على القراءة المشهورة {سلام على آل ياسين}.
2- الاحاديث فيه: ورد فيه عليه السلام أخبار مختلفة متهافتة كغالب الأخبار الواردة في قصص الأنبياء الحاكية للعجائب كالذي روي عن ابن مسعود أن إلياس هو إدريس وما عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الخضر هو إلياس، وما عن وهب وكعب الاحبار وغيرهما أن إلياس حي لا يموت إلى النفخة الأولى، وما عن وهب أن إلياس سأل الله أن يريحه من قومه فأرسل الله إليه دابة كهيئة الفرس في لون النار فوثب إليه فانطلق به فكساه الله الريش والنور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار في الملائكة، وما عن كعب الأحبار أن إلياس صاحب الجبال والبر وأنه الذي سماه الله بذي النون، وما عن الحسن أن إلياس موكل بالفيافي والخضر موكل بالجبال، وما عن أنس أن إلياس لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره فقعدا يتحدثان ثم نزل عليهما مائدة من السماء فأكلا وأطعماني ثم ودعه وودعني ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء إلى غير ذلك.
وفي بعض أخبار الشيعة أنه عليه السلام حي مخلد لكنها ضعاف وظاهر آيات القصة لا يساعد عليه.
وفي البحار في قصة إلياس عليه السلام عن قصص الأنبياء بالإِسناد عن الصدوق بإسناده إلى وهب بن منبه، ورواه الثعلبي في العرائس عن ابن إسحاق وعلماء الأخبار أبسط منه - والحديث طويل جداً، وملخصه - أنه بعد انشعاب ملك بني إسرائيل وتقسمه بينهم سار سبط منهم إلى بعلبك وكان لهم ملك منهم يعبد صنماً اسمه بعل ويحمل الناس على عبادته.
وكانت له امرأة فاجرة قد تزوجت قبله بسبعة من الملوك وولدت تسعين ولداً سوى أبناء الأبناء، وكان الملك يستخلفها إذا غاب فتقضي بين الناس، وكان له كاتب مؤمن حكيم قد خلص من يدها ثلاث مائة مؤمن تريد قتله، وكان في جوار قصر الملك رجل مؤمن له بستان وكان الملك يحترم جواره ويكرمه.
ففي بعض ما غاب الملك قتلت المرأة الجار المؤمن وغصبت بستانه فلما رجع وعلم به عاتبها فاعتذرت إليه وأرضته فآلى الله تعالى على نفسه أن ينتقم منهما إن لم يتوبا فأرسل إليهم إلياس عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وأخبرهما بما آلى الله فاشتد غضبهم عليه وهموا بتعذيبه وقتله فهرب منهم إلى أصعب جبل هناك فلبث فيه سبع سنين يعيش بنبات الأرض وثمار الشجر.
فأمرض الله إبناً للملك يحبه حباً شديداً فاستشفع ببعل فلم ينفعه فقيل له: إنه غضبان عليك إن لم تقتل إلياس فأرسل إليه فئة من قومه ليخدعوه ويقبضوا عليه فأرسل الله إليهم ناراً فأحرقتهم ثم أرسل إليه فئة اخرى من ذوي البأس مع كاتبه المؤمن فذهب معه إلياس صوناً له من غضب الملك لكن الله سبحانه أمات ابنه فشغله حزنه عن إلياس فرجع سالماً.
ثم لما طال الأمر نزل إلياس من الجبل واستخفى عند أم يونس بن متى في بيتها ويونس طفل رضيع ثم خرج بعد ستة أشهر إلى الجبل ثانياً واتفق أن مات بعده يونس ثم أحياه الله بدعاء إلياس بعد ما خرجت أُمه في طلبه فوجدته فتضرعت إليه.
ثم إنه سأل الله أن ينتقم له من بني إسرائيل ويمسك عنهم الأمطار فاجيب وسلط الله عليهم القحط فأجهدوا سنين فندموا فجاؤه فتابوا وأسلموا فدعا الله فأرسل عليهم المطر فسقاهم وأحيا بلادهم.
فشكوا إليه هدم الجدران وعدم البذر من الحبوب فأوحى إليه أن يأمرهم أن يبذروا الملح فأنبت لهم الحمص وأن يبذروا الرمل فأنبت لهم منه الدخن.
ثم لما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد وعادوا إلى أخبث ما كانوا عليه فأمّل ذلك إلياس فدعا الله أن يريحه منهم فأرسل الله إليه فرساً من نار فوثب عليه إلياس فرفعه الله إلى السماء وكساه الريش والنور فكان مع الملائكة.
ثم سلط الله على الملك وامرأته عدواً فقصدهما وظهر عليهما فقتلهما وألقى جيفتهما في بستان ذلك الرجل المؤمن الذي قتلاه وغصبوا بستانه.
وأنت بالتأمل فيما تقصه الرواية لا ترتاب في ضعفها.