خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
١٧
إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ
١٨
وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ
١٩
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ
٢٠
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ
٢١
إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ
٢٢
إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ
٢٣
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ
٢٤
فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ
٢٥
يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ
٢٦
وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ
٢٧
أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ
٢٨
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٢٩

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
لما حكى سبحانه عن المشركين رميهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته الحقة باختلاق وأنها ذريعة إلى التقدم والرئاسة وأنه لا مرجح له عليهم حتى يختص بالرسالة والإِنذار. ثم استهزائهم بيوم الحساب وعذابه الذي ينذرون به؛ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر وأن لا يزلزله هفواتهم ولا توهن عزمه وأن يذكر عدة من عباده الأوابين له الراجعين إليه فيما دهمهم من الحوادث.
وهؤلاء تسعة من الأنبياء الكرام ذكرهم الله سبحانه: داود وسليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذو الكفل عليهم السلام، وبدأ بداود عليه السلام وذكر بعض قصصه.
قوله تعالى: {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} الأيد القوة وكان عليه السلام ذا قوة في تسبيحه تعالى يسبح ويسبح معه الجبال والطير وذا قوة في ملكه وذا قوة في علمه وذا قوة وبطش في الحروب وقد قتل جالوت الملك كما قصه الله في سورة البقرة.
والأواب اسم مبالغة من الأوب بمعنى الرجوع والمراد به كثرة رجوعه إلى ربه.
قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإِشراق} الظاهر أن {معه} متعلق بقوله: {يسبحن} وجملة {معه يسبحن} بيان لمعنى التسخير وقدم الظرف لتعلق العناية بتبعيتها لداود واقتدائها به في التسبيح لكن قوله تعالى في موضع آخر:
{ وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير } [الأنبياء: 39] يؤيد تعلق الظرف بسخرنا، وقد وقع في موضع آخر من كلامه تعالى: { يا جبال أوبي معه والطير } [سبأ: 10]. والعشي والإِشراق الرواح والصباح.
وقوله: {إنا سخرنا} الخ {إن} فيه للتعليل والآية وما عطف عليها من الآيات بيان لكونه عليه السلام ذا أيد في تسبيحه وملكه وعلمه وكونه أوابا إلى ربه.
قوله تعالى: {والطير محشورة كل له أواب} المحشورة من الحشر بمعنى الجمع بإزعاج أي وسخرنا معه الطير مجموعة له تسبح معه.
وقوله: {كل له أواب} استئناف يقرر ما تقدمه من تسبيح الجبال والطير أي كل من الجبال والطير أواب أي كثير الرجوع إلينا بالتسبيح فإن التسبيح من مصاديق الرجوع إليه تعالى. ويحتمل رجوع ضمير {له} إلى داود على بعد.
ولم يكن تأييد داود عليه السلام في أصل جعله تعالى للجبال والطير تسبيحاً فإن كل شيء مسبح لله سبحانه قال تعالى:
{ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } [الإسراء: 44] بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه وقرع تسبيحها أسماع الناس وقد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} الآية وأنه بلسان القال دون لسان الحال.
قوله تعالى: {وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} قال الراغب: الشد العقد القوي يقال: شددت الشيء قويت عقده. انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية والمراد به تقوية الملك وتحكيم أساسه بالهيبة والجنود والخزائن وحسن التدبير وسائر ما يتقوى به الملك.
والحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم والمراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الإِنسان وتكمله، وقيل: المراد النبوة، وقيل الزبور وعلم الشرائع، وقيل غير ذلك وهي وجوه ردية.
وفصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره وتمييز حقه من باطله وينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم.
وقيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلاً ولا بإطنابه مملاً، وقيل: فصل الخطاب قول أما بعد فهو عليه السلام أول من قال: أما بعد، والآية التالية {وهل أتاك نبؤا الخصم} الخ تؤيد ما قدمناه.
قوله تعالى: {وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب} الخصم مصدر كالخصومة أريد به القوم الذي استقر فيهم الخصومة، والتسور الارتقاء إلى أعلى السور وهو الحائط الرفيع كالتسنم بمعنى الارتقاء إلى سنام البعير والتذري بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجيل، وقد فسر المحراب بالغرفة والعلية، والاستفهام للتعجيب والتشويق إلى استماع الخبر.
والمعنى هل أتاك يا محمد خبر القوم المتخاصمين إذ علوا سور المحراب محراب داود عليه السلام.
قوله تعالى: {إذ دخلوا على داود ففزع منهم} إلى آخر الآية لفظة {إن} هذه ظرف لقوله: {تسوروا} كما أن {إذ} الأولى ظرف لقوله: {نبؤا الخصم} ومحصل المعنى أنهم دخلوا على داود وهو في محرابه لا من الطريق العادي بل بتسوره بالارتقاء إلى سوره والورود عليه منه ولذا فزع منهم لما رآهم دخلوا عليه من غير الطريق العادي وبغير إذن.
وقوله: {ففزع منهم} قال الراغب: الفزع انقباض ونفار يعتري الإِنسان من الشيء المخيف وهو من جنس الجزع ولا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه. انتهى.
وقد تقدم أن الخشية تأثير القلب بحيث يستتبع الاضطراب والقلق وهي رذيلة مذمومة إلا الخشية من الله سبحانه ولذا كان الأنبياء عليهم السلام لا يخشون غيره قال تعالى:
{ ولا يخشون أحداً إلا الله } [الأحزاب: 39]. وأن الخوف هو التأثير عن المكروه في مقام العمل بتهيئة ما يتحرز به من الشر ويدفع به المكروه لا في مقام الإِدراك فليس برذيلة مذمومة لذاته بل هو حسن فيما يحسن الاتقاء قال تعالى خطاباً لرسوله: { وإما تخافن من قوم خيانة } [الأنفال: 58]. وإذا كان الفزع هو الانقباض والنفار الحاصل من الشيء المخوف كان أمراً راجعاً إلى مقام العمل دون الإِدراك فلم يكن رذيلة بذاته بل كان فضيلة عند تحقق مكروه ينبغي التحرز منه فلا ضير في نسبته إلى داود عليه السلام في قوله: {ففزع منهم} وهو من الأنبياء الذين لا يخشون إلا الله.
وقوله: {قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} لما رأوا ما عليه داود عليه السلام من الفزع أرادوا تطييب نفسه وإسكان روعه فقالوا: {لا تخف} وهو نهي عن الفزع بالنهي عن سببه الذي هو الخوف {خصمان بغى} الخ أي نحن خصمان أي فريقان متخاصمان تجاوز بعضنا ظلماً على بعض.
وقوله: {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} الخ الشطط الجور أي فاحكم بيننا حكماً مصاحباً للحق ولا تجر في حكمك ودلنا على الوسط العدل من الطريق.
قوله تعالى: {إن هذا أخي} إلى آخر الآية بيان لخصومتهم وقوله: {إن هذا أخي} كلام لواحد من أحد الفريقين يشير إلى آخر من الفريق الآخر بأن هذا أخي له؛ الخ.
وبهذا يظهر فساد ما استدل بعضهم بالآية على أن أقل الجمع اثنان لظهور قوله: {إذ تسوروا} {إذ دخلوا} في كونهم جمعاً ودلالة قوله: {خصمان} {هذا أخي} على الاثنينية.
وذلك لجواز أن يكون في كل واحد من جانبي التثنية أكثر من فرد واحد قال تعالى:
{ هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا } [الحج: 19] الخ وجواز أن يكون أصل الخصومة بين فردين ثم يلحق بكل منهما غيره لإِعانته في دعواه.
وقوله: {له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} النعجة الأنثى من الضأن، و {أكفلنيها} أي اجعلها في كفالتي وتحت سلطتي و {عزني في الخطاب} أي غلبني فيه والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} إلى قوله {وقليل ما هم} جواب داود عليه السلام، ولعله قضاء تقديري قبل استماع كلام المتخاصم الآخر فإن من الجائز أن يكون عنده من القول ما يكشف عن كونه محقاً فيما يطلبه ويقترحه على صاحبه لكن صاحب النعجة الواحدة ألقى كلامه بوجه هيج الرحمة والعطوفة منه عليه السلام فبادر إلى هذا التصديق التقديري فقال: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه}.
فاللام للقسم، والسؤال - على ما قيل - مضمن معنى الإِضافة ولذا عدي إلى المفعول الثاني بإلى، والمعنى اقسم لقد ظلمك بسؤال إضافة نعجتك إلى نعاجه.
وقوله: {وإن كثير من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم} من تمام كلام داود عليه السلام يقرر به كلامه الأول والخلطاء الشركاء المخالطون.
قوله تعالى: {وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب} أي علم داود أنما فتناه بهذه الواقعة أي أنها إنما كانت فتنة فتناه بها والفتنة الامتحان، وقيل: ظن بمعناه المعروف الذي هو خلاف اليقين وذكر استغفاره وتوبته مطلقين يؤيد ما قدمناه ولو كان الظن بمعناه المعروف كان الاستغفار والتوبة على تقدير كونها فتنة واقعاً وإطلاق اللفظ يدفعه، والخر على ما ذكره الراغب سقوط يسمع منه خرير والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو، والركوع - على ما ذكره - مطلق الانحناء.
والإِنابة إلى الله - على ما ذكره الراغب - الرجوع إليه بالتوبة وإخلاص العمل وهي من النوب بمعنى رجوع الشيء مرة بعد أُخرى.
والمعنى: وعلم داود أن هذه الواقعة إنما كانت امتحاناً امتحناه وأنه أخطأ فاستغفر ربه - مما وقع منه - وخر منحنياً وتاب إليه.
وأكثر المفسرين تبعاً للروايات على أن هؤلاء الخصم الداخلين على داود عليه السلام كانوا ملائكة أرسلهم الله سبحانه إليه ليمتحنه وستعرف حال الروايات.
لكن خصوصيات القصة كتسورهم المحراب ودخولهم عليه دخولاً غير عادي بحيث أفزعوه، وكذا تنبهه بأنه إنما كان فتنة من الله له لا واقعة عادية، وقوله تعالى بعد: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى} الظاهر في أن الله ابتلاه بما ابتلى لينبهه ويسدده في خلافته وحكمه بين الناس، كل ذلك يؤيد كونهم من الملائكة وقد تمثلوا له في صورة رجال من الإِنس.
وعلى هذا فالواقعة تمثل تمثل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة واحدة يسألها آخر له تسع وتسعون نعجة وسألوه القضاء فقال لصاحب النعجة الواحدة: {لقد ظلمك} الخ وكان قوله عليه السلام - لو كان قضاء منجّزاً - حكماً منه في ظرف التمثل كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال وحكم فيهم بما حكم ومن المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثل كما لا تكليف في عالم الرؤيا وإنما التكليف في عالمنا المشهود وهو عالم المادة ولم تقع الواقعة فيه ولا كان هناك متخاصمان ولا نعجة ولا نعاج إلا في ظرف التمثل فكانت خطيئة داود عليه السلام في هذا الظرف من التمثل ولا تكليف هناك كخطيئة آدم عليه السلام في الجنة من أكل الشجرة قبل الهبوط إلى الأرض وتشريع الشرائع وجعل التكاليف، واستغفاره وتوبته مما صدر منه كاستغفار آدم وتوبته مما صدر منه وقد صرح الله بخلافته في كلامه كما صرح بخلافة آدم عليه السلام في كلامه وقد مر توضيح ذلك في قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب.
وأما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشراً والقصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله: {لقد ظلمك} الخ قضاء تقديرياً أي إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة، وإنما ذلك للحفظ على ما قامت عليه الحجة من طريقي العقل والنقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من الله لا يجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة.
على أن الله سبحانه صرح قبلاً بأنه آتاه الحكمة وفصل الخطاب ولا يلائم ذلك خطأه في القضاء.
قوله تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} الزلفة والزلفى المنزلة والحظوة، والمآب المرجع، وتنكير {زلفى} و {مآب} للتفخيم، والباقي ظاهر.
قوله تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} إلى آخر الآية الظاهر أن الكلام بتقدير القول والتقدير فغفرنا له ذلك وقلنا يا داود الخ.
وظاهر الخلافة إنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى:
{ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } [البقرة: 30] من شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة من استخلفه في صفاته وأعماله فعلى خليفة الله في الأرض أن يتخلق بأخلاق الله ويريد ويفعل ما يريده الله ويحكم ويقضي بما يقضي به الله - والله يقضي بالحق - ويسلك سبيل الله ولا يتعداها.
ولذلك فرّع على جعل خلافته قوله: {فاحكم بين الناس بالحق} وهذا يؤيد أن المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد الخلافة الشأنية لأن الله أكمله في صفاته وآتاه الملك يحكم بين الناس.
وقول بعضهم: إن المراد بخلافته المجعولة خلافته ممن قبله من الأنبياء وتفريع قوله: {فاحكم بين الناس بالحق} لأن الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل أو أن المترتب هو مطلق الحكم بين الناس الذي هو من آثار الخلافة وتقييده بالحق لأن سداده به، تصرف في اللفظ من غير شاهد.
وقوله: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} العطف والمقابلة بينه وبين ما قبله يعطيان أن المعنى ولا تتبع في قضائك الهوى هوى النفس فيضلك عن الحق الذي هو سبيل الله فتفيد الآية أن سبيل الله هو الحق.
قال بعضهم: إن في أمره عليه السلام بالحكم بالحق ونهيه عن اتباع الهوى تنبيهاً لغيره ممن يلي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق ولا يتبع الباطل وإلا فهو عليه السلام من حيث إنه معصوم لا يحكم إلا بالحق ولا يتبع الباطل.
وفيه أن أمر تنبيه غيره بما وجه إليه من التكليف في محله لكن عصمة المعصوم وعدم حكمه إلا بالحق لا يمنع توجه التكليف بالأمر والنهي إليه فإن العصمة لا توجب سلب اختياره وما دام اختياره باقياً جاز بل وجب توجه التكليف إليه كما يتوجه إلى غيره من الناس، ولولا توجه التكليف إلى المعصوم لم يتحقق بالنسبة إليه واجب ومحرم ولم تتميز طاعة من معصية فلغى معنى العصمة التي هي المصونية عن المعصية.
وقوله: {إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} تعليل للنهي عن اتباع الهوى بأنه يلازم نسيان يوم الحساب وفي نسيانه عذاب شديد والمراد بنسيانه عدم الاعتناء بأمره.
وفي الآية دلالة على أن كل ضلال عن سبيل الله سبحانه بمعصية من المعاصي لا ينفك عن نسيان يوم الحساب.
قوله تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً} إلى آخر الآية، لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه بحجتين إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله: {وما خلقنا السماء} الخ وهو احتجاج من طريق الغايات إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما - وهي أُمور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى - مؤدياً إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلاً والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقق في الأعيان. على أنه مستحيل من الحكيم ولا ريب في حكمته تعالى.
وربما أُطلق الباطل وأُريد به اللعب ولو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى قوله:
{ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق } [الدخان: 38 - 39]. وقيل: الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: ولا تتبع الهوى لأنه يكون سبباً لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتباع الهوى وهو الباطل بل خلقه للتوحيد ومتابعة الشرع.
وفيه أن الآية التالية: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} الخ لا تلائم هذا المعنى.
وقوله: {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} أي خلق العالم باطلاً لا غاية له وانتفاء يوم الحساب الذي يظهر فيه ما ينتجه حساب الأمور ظن الذين كفروا بالمعاد فويل لهم من عذاب النار.
قوله تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} هذه هي الحجة الثانية على المعاد وتقريرها أن للإِنسان كسائر الأنواع كمالاً بالضرورة وكمال الإِنسان هو خروجه في جانبي العلم والعمل من القوة إلى الفعل بأن يعتقد الاعتقادات الحقة ويعمل الأعمال الصالحة اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة وهما الإِيمان بالحق والعمل الصالح اللذين بهما يصلح المجتمع الإِنساني الذي في الأرض.
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم المتقون هم الكاملون من الإِنسان والمفسدون في الأرض بفساد اعتقادهم وعملهم وهم الفجار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيتهم حقيقة، ومقتضى هذا الكمال والنقص أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة وعيش طيب وبإزاء خلافه خلاف ذلك.
ومن المعلوم أن هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب والعوامل المادية ونسبتها إلى الكامل والناقص والمؤمن والكافر على السواء فمن أجاد العمل ووافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش ومن كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء وضنك المعيشة.
فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى الفريقين على السواء ولم تكن هناك حياة تختص بكل منهما وتناسب حاله كان ذلك منافياً للعناية الإِلهية بإيصال كل ذي حق حقه وإعطاء المقتضيات ما تقتضيه.
وإن شئت فقل: تسوية بين الفريقين وإلغاء ما يقتضيه صلاح هذا وفساد ذلك خلاف عدله تعالى.
والآية - كما ترى - لا تنفي استواء حال المؤمن والكافر وإنما قررت المقابلة بين من آمن وعمل صالحاً وبين من لم يكن كذلك سواء كان غير مؤمن أو مؤمناً غير صالح ولذا أتت بالمقابلة ثانياً بين المتقين والفجار.
قوله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أُولوا الألباب} أي هذا كتاب من وصفه كذا وكذا، وتوصيفه بالإِنزال المشعر بالدفعة دون التنزيل الدال على التدريج لأن ما ذكر من التدبر والتذكر يناسب اعتباره مجموعاً لا نجوماً مفرقة.
والمقابلة بين {ليدبروا} و {ليتذكر أُولوا الألباب} تفيد أن المراد بضمير الجمع الناس عامة.
والمعنى: هذا كتاب أنزلناه إليك كثير الخيرات والبركات للعامة والخاصة ليتدبره الناس فيهتدوا به أو تتم لهم الحجة وليتذكر به أُولو الألباب فيهتدوا إلى الحق باستحضار حجته وتلقيها من بيانه.
(بحث روائي)
روى في الدر المنثور بطريق عن أنس وعن مجاهد والسدي وبعدة طرق عن ابن عباس قصة دخول الخصم على داود عليه السلام على اختلاف ما في الروايات وروى مثلها القمي في تفسيره ورواها في العرائس وغيره وقد لخصها في مجمع البيان كما يأتي:
إن داود كان كثير الصلاة فقال: يا رب فضلت علي إبراهيم فاتخذته خليلاً وفضلت عليّ موسى فكلمته تكليماً فقال: يا داود إنا ابتليناهم بما لم نبتلك بمثله فإن شئت ابتليتك فقال: نعم يا رب فابتلني.
فبينا هو في محرابه ذات يوم إذ وقعت حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة المحراب فذهب ليأخذها فاطلع من الكوة فإذا امرأة أُوريا بن حيان تغتسل فهواها وهمّ بتزويجها فبعث بأُوريا إلى بعض سراياه وأمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة ففعل ذلك وقتل.
فلما انقضت عدتها تزوجها وبنى بها فولد له منها سليمان فبينا هو ذات يوم في محرابه إذ دخل عليه رجلان ففزع منهما فقالا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض - إلى قوله - وقليل ما هم، فنظر أحد الرجلين إلى صاحبه ثم ضحك فتنبه داود على إنهما ملكان بعثهما الله إليه في صورة خصمين ليبكتاه على خطيئته فتاب وبكى حتى نبت الزرع من كثرة دموعه.
ثم قال في المجمع - ونعم ما قال -: إنه مما لا شبهة في فساده فإن ذلك مما يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أُمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته وعلى حالة تنفر عن الاستماع إليه والقبول منه.
أقول: والقصة مأخوذة من التوراة غير أن التي فيها أشنع وأفظع فعدلت بعض التعديل على ما سيلوح لك.
ففي التوراة ما ملخصه: وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرآى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جداً.
فأرسل داود وسأل عن المرأة فقيل: إنها بتشَبَع امرأة أُوريا الحثي فأرسل داود رسلاً وأخذها فدخلت عليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود أنها حبلى.
وكان أُوريا في جيش لداود يحاربون بني عمون فكتب داود إلى يوآب أمير جيشه يأمره بإرسال أُوريا إليه ولما أتاه وأقام عنده أياماً كتب مكتوباً إلى يوآب وأرسله بيد أُوريا، وكتب في المكتوب يقول: اجعلوا أُوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت ففعل به ذلك فقتل وأُخبر داود بذلك.
فلما سمعت امرأة أُوريا أنه قد مات ندبت بعلها، ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له إبناً وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب.
فأرسل الرب ناثان النبي إلى داود فجاء إليه وقال له: كان رجلان في مدينة واحدة واحد منهما غني والآخر فقير، وكان للغني غنم وبقر كثيرة جداً وأما الفقير فلم يكن له شيء إلا نعجة واحدة صغيرة قد اقتناها ورباها فجاء ضيف إلى الرجل الغني فعفا أن يأخذ من غنمه ومن بقره ليهيئ للضيف الذي جاء إليه فأخذ نعجة الرجل الفقير وهيأ لضيفه، فحمي غضب داود على الرجل جداً وقال لناثان: حي هو الرب إنه يقتل الرجل الفاعل ذلك وترد النعجة أربعة أضعاف لأنه فعل هذا الأمر ولأنه لم يشفق.
فقال ناثان لداود: أنت هو الرجل يعاتبك الرب ويقول: سأقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأُعطيهن لقريبك فيضطجع معهن قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس جزاء لما فعلت بأُوريا وامرأته.
فقال داود لناثان: قد أخطأت إلى الرب فقال ناثان لداود: الرب أيضاً قد نقل عنك خطيئتك. لا تموت غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون فالابن المولود لك من المرأة يموت، فأمرض الله الصبي سبعة أيام ثم قبضه ثم ولدت امرأة أُوريا بعده لداود ابنه سليمان.
وفي العيون في باب مجلس الرضا عند المأمون مع أصحاب الملل والمقالات قال الرضا عليه السلام لابن جهم: وأما داود فما يقول من قبلكم فيه؟ قال: يقولون: إن داود كان يصلي في محرابه إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور فقطع داود صلاته وقام يأخذ الطير إلى الدار فخرج في إثره فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أُوريا بن حيان.
فاطلع داود في إثر الطير فإذا بامرأة أُوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان قد أخرج أُوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم أُوريا أمام التابوت فقدم فظفر أُوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل أُوريا وتزوج داود بامرأته.
قال: فضرب الرضا عليه السلام يده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في إثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل.
فقال: يا ابن رسول الله ما كانت خطيئته؟ فقال: ويحك إن داود عليه السلام إنما ظن أنه ما خلق الله خلقاً هو أعلم منه فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقال: خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب فعجل داود على المدعى عليه فقال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ولم يسأل المدعي البينة على ذلك، ولم يقبل على المدعي عليه فيقول له: ما تقول؟ فكان هذا خطيئة رسم الحكم لا ما ذهبتم إليه ألا تسمع الله عز وجل يقول: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} إلى آخر الآية.
فقال: يا ابن رسول الله فما قصته مع أُوريا؟ قال الرضا عليه السلام: إن المرأة في أيام داود كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبداً فأول من أباح الله عز وجل له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود عليه السلام فتزوج بامرأة أُوريا لما قتل وانقضت عدتها فذلك الذي شق على الناس من قتل أُوريا.
وفي أمالي الصدوق بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لعلقمة: إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط ألم ينسبوا داود عليه السلام إلى أنه تبع الطير حتى نظر إلى امرأة أُوريا فهواها، وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها الحديث.
(كلام في قصص داود في فصول)
1- قصته في القرآن: لم يقع من قصته في القرآن إلا إشارات فقد ذكر سبحانه أنه كان في جيش طالوت الملك حين حارب جالوت فقتل داود فآتاه الله الملك بعد طالوت والحكمة وعلمه مما يشاء وجعله خليفة له يحكم بين الناس وآتاه فصل الخطاب، وقد أيد الله ملكه وسخر معه الجبال والطير يسبحن معه، وألان له الحديد يعمل وينسج منه الدروع.
2- جميل الثناء عليه في القرآن: عده سبحانه من الأنبياء وأثنى عليه بما أثنى عليهم وخصه بقوله:
{ وآتينا داود زبوراً } [النساء: 163] وآتاه فضلاً وعلماً وآتاه الحكمة وفصل الخطاب وجعله خليفة في الأرض ووصفه بأنه أوّاب وأن له عنده لزلفى وحسن مآب.
3- التدبر في آيات الكتاب المتعرضة لقصة دخول المتخاصمين على داود عليه السلام لا يعطي أزيد من كونه امتحاناً منه تعالى له عليه السلام في ظرف التمثل ليربيه تربية إلهية ويعلمه رسم القضاء العدل فلا يجور في الحكم ولا يعدل عن العدل.
وأما ما تضمنته غالب الروايات من قصة أوريا وامرأته فهو مما يجل عنه الأنبياء ويتنزه عنه ساحتهم وقد تقدم في بيان الآيات والبحث الروائي محصل الكلام في ذلك.