خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
عۤسۤقۤ
٢
كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٣
لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلعَظِيمُ
٤
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٥
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ
٦
-الشورى

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتكلم السورة حول الوحي الذي هو نوع تكليم من الله سبحانه لأنبيائه ورسله كما يدل عليه ما في مفتتحها من قوله: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله} الآية، وما في مختتمها من قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً} الخ الآيات، ورجوع الكلام إليه مرة بعد أخرى في قوله: {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً} الآية، وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} الآية، وقوله: {الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان} الآية وما يتكرر في السورة من حديث الرزق على ما سيجيء.
فالوحي هو الموضوع الذي يجري عليه الكلام في السورة وما فيها من التعرض لآيات التوحيد وصفات المؤمنين والكفار وما يستقبل كلاً من الفريقين في معادهم ورجوعهم إلى الله سبحانه مقصود بالقصد الثاني وكلام جره كلام.
والسورة مكية وقد استثني قوله: {والذين استجابوا لربهم} إلى تمام ثلاث آيات، وقوله: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} إلى تمام أربع آيات وسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {حم عسق} من الحروف المقطعة الواقعة في أوائل عدة من السور القرآنية، وذلك من مختصات القرآن الكريم لا يوجد في غيره من الكتب السماوية.
وقد اختلف المفسرون من القدماء والمتأخرين في تفسيرها وقد نقل عنهم الطبرسي في مجمع البيان أحد عشر قولاً في معناها:
أحدها: أنها من المتشابهات التي استأثر الله سبحانه بعلمها لا يعلم تأويلها إلا هو.
الثاني: أن كلاً منها اسم للسورة التي وقعت في مفتتحها.
الثالث: أنها أسماء القرآن أي لمجموعه.
الرابع: أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى فقوله: {ألم} معناه أنا الله أعلم، وقوله: {المر} معناه أنا الله أعلم وأرى، وقوله: {المص} معناه أنا الله أعلم وأُفصل، وقوله: {كهيعص} الكاف من الكافي، والهاء من الهادي، والياء من الحكيم، والعين من العليم، والصاد من الصادق، وهو مروي عن ابن عباس، والحروف المأخوذة من الأسماء مختلفة في أخذها فمنها ما هو مأخوذ من أول الاسم كالكاف من الكافي، ومنها ما هو مأخوذ من وسطه كالياء من الحكيم، ومنها ما هو مأخوذ من آخر الكلمة كالميم من أعلم.
الخامس: أنها أسماء لله تعالى مقطعة لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم تقول: الر وحم ون يكون الرحمن وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على تأليفها وهو مروي عن سعيد بن جبير.
السادس: أنها أقسام أقسم الله بها فكأنه هو أقسم بهذه الحروف على أن القرآن كلامه وهي شريفة لكونها مباني كتبه المنزلة، وأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول لغات الأمم على اختلافها.
السابع: أنها إشارات إلى آلائه تعالى وبلائه ومدة الأقوام وأعمارهم وآجالهم.
الثامن: أن المراد بها الإِشارة إلى بقاء هذه الأُمة على ما يدل عليه حساب الجمل.
التاسع: أن المراد بها حروف المعجم وقد استغنى بذكر ما ذكر منها عن ذكر الباقي كما يقال: اب ويراد به جميع الحروف.
العاشر: أنها تسكيت للكفار لأن المشركين كانوا تواصوا فيما بينهم أن لا يستمعوا للقرآن وأن يلغوا فيه كما حكاه القرآن عنهم بقوله: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} الآية، فربما صفروا وربما صفقوا وربما غلطوا فيه ليغلطوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلاوته، فأنزل الله تعالى هذه الحروف فكانوا إذا سمعوها استغربوها واستمعوا إليها وتفكروا فيها واشتغلوا بها عن شأنهم فوقع القرآن في مسامعهم.
الحادي عشر: أنها من قبيل تعداد حروف التهجي والمراد بها أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم وكلامكم فإذا لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من عند الله تعالى، وإنما كررت الحروف في مواضع استظهاراً في الحجة، وهو مروي عن قطرب واختاره أبو مسلم الأصبهاني وإليه يميل جمع من المتأخرين.
فهذه أحد عشر قولاً وفيما نقل عنهم ما يمكن أن يجعل قولاً آخر كما نقل عن ابن عباس في {الم} أن الألف إشارة إلى الله واللام إلى جبريل والميم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما عن بعضهم أن الحروف المقطعة في أوائل السور المفتتحة بها إشارة إلى الغرض المبين فيها كأن يقال: إن "ن" إشارة إلى ما تشتمل عليه السورة من النصر الموعود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، و "ق" إشارة إلى القرآن أو القهر الإِلهي المذكور في السورة، وما عن بعضهم أن هذه الحروف للإِيقاظ.
والحق أن شيئاً من هذه الأقوال لا تطمئن إليه النفس:
أما القول الأول فقد تقدم في بحث المحكم والمتشابه في أوائل الجزء الثالث من الكتاب أنه أحد الأقوال في معنى المتشابه، وعرفت أن الإِحكام والتشابه من صفات الآيات التي لها دلالة لفظية على مداليلها، وأن التأويل ليس من قبيل المداليل اللفظية بل التأويلات حقائق واقعية تنبعث من مضامين البيانات القرآنية أعم من محكماتها ومتشابهاتها، وعلى هذا فلا هذه الحروف المقطعة متشابهات ولا معانيها المراد بها تأويلات لها.
وأما الأقوال العشرة الأخر فإنما هي تصويرات لا تتعدى حد الاحتمال ولا دليل يدل على شيء منها.
نعم في بعض الروايات المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام بعض التأييد للقول الرابع والسابع والثامن والعاشر وسيأتي نقلها والكلام في مفادها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتى وهي تسع وعشرون سورة افتتح بعضها بحرف واحد وهي ص وق ون، وبعضها بحرفين وهي سور طه وطس ويس وحم. وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي {الم} و {الر} و {طسم} وبعضها بأربعة أحرف كما في سورتي {المص} و {المر} وبعضها بخمسة أحرف كما في سورتي {كهيعص} و {حمعسق}.
وتختلف هذه الحروف أيضاً من حيث إن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل {ن} وبعضها واقعة في مفتتح عدة من السور مثل {الم} و {الر} و {طس} و{حم}.
ثم إنك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراآت والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور.
ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من قوله: {تنزيل الكتاب من الله} أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراآت من قوله: {تلك آيات الكتاب} أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقع في مفتتح الطواسين، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه.
ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذ الحروف المقطعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصاً، ويؤيد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة بالمص في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات وص، وكذا سورة الرعد المصدرة بالمر في مضمونها كأنها جامعة بين مضامين الميمات والراآت.
ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه وبين رسوله صلى الله عليه وآله وسلم خفيت عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطاً خاصاً.
ولعل المتدبر لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض تبين له الأمر أزيد من ذلك.
ولعل هذا معنى ما روته أهل السنة عن علي عليه السلام - على ما في المجمع - أن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي.
قوله تعالى: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم} إلى قوله {العلي العظيم} مقتضى كون غرض السورة بيان الوحي بتعريف حقيقته والإِشارة إلى غايته وآثاره أن تكون الإِشاره بقوله: {كذلك} إلى شخص الوحي بإلقاء هذه السورة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون تعريفاً لمطلق الوحي بتشبيهه بفرد مشار إليه مشهود للمخاطب فيكون كقولنا في تعريف الإِنسان مثلاً هو كزيد.
وعليه يكون قوله: {إليك وإلى الذين من قبلك} في معنى إليكم جميعاً، وإنما عبر بما عبر للدلالة على أن الوحي سنة إلهية جارية غير مبتدعة، والمعنى أن الوحي الذي نوحيه إليكم معشر الأنبياء - نبياً بعد نبي سنة جارية - هو كهذا الذي تجده وتشاهده في تلقي هذه السورة.
وقد أخذ جمهور المفسرين قوله: {كذلك} إشارة إلى الوحي لا من حيث نفسه بل من حيث ما يشتمل عليه من المفاد فيكون في الحقيقة إشارة إلى المعارف التي تشتمل عليها السورة وتتضمنها واستنتجوا من ذلك أن مضمون السورة مما أوحاه الله تعالى إلى جميع الأنبياء فهو من الوحي المشترك فيه، وقد عرفت أنه لا يوافق غرض السورة ويأباه سياق آياتها.
وقوله: {العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم} خمسة من أسمائه الحسنى، وقوله: {له ما في السماوات وما في الأرض} في معنى المالك، وهو واقع موقع التعليل لأصل الوحي ولكونه سنة إلهية جارية فالذي يعطيه الوحي شرع إلهي فيه هداية الناس إلى سعادة حياتهم في الدنيا والآخرة وليس لمانع أن يمنعه تعالى عن ذلك لأنه عزيز غير مغلوب فيما يريد، ولا هو تعالى يهمل أمر هداية عباده لأنه حكيم متقن في أفعاله ومن إتقان الفعل أن يساق إلى غايته.
ومن حقه تعالى أن يتصرف فيهم وفي أمورهم كيف يشاء، لأنه مالكهم وله أن يعبدهم ويستعبدهم بالأمر والنهي لأنه علي عظيم فلكل من الأسماء الخمسة حظه من التعليل، وينتج مجموعها أنه وليهم من كل جهة لا ولي غيره.
قوله تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن} الخ التفطر التشقق من الفطر بمعنى الشق.
الذي يهدي إليه السياق والكلام مسرود لبيان حقيقة الوحي وغايته وآثاره أن يكون المراد من تفطر السماوات من فوقهن تفطرها بسبب الوحي النازل من عند الله العلي العظيم المار بهن سماء سماء حتى ينزل على الأرض فإن مبدأ الوحي هو الله سبحانه والسماوات طرائق إلى الأرض قال تعالى:
{ ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين } [المؤمنون: 17]. والوجه في تقييد {يتفطرن} بقوله: {من فوقهن} ظاهر فإن الوحي ينزل عليهن من فوقهن من عند من له العلو المطلق والعظمة المطلقة فلو تفطرن كان ذلك من فوقهن.
على ما فيه من إعظام أمر الوحي وإعلائه فإنه كلام العلي العظيم فلكونه كلام ذي العظمة المطلقة تكاد السماوات يتفطرن بنزوله ولكونه كلاماً نازلاً من عند ذي العلو المطلق يتفطرن من فوقهن لو تفطرن.
فالآية في إعظام أمر كلام الله من حيث نزوله ومروره على السماوات نظيرة قوله:
{ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير } [سبأ: 23] في إعظامه من حيث تلقي ملائكة السماوات إياه، ونظيرة قوله: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } [الحشر: 21] في إعظامه على فرض نزوله على جبل ونظيرة قوله: { إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً } [المزمل: 5] في استثقاله واستصعاب حمله. هذا ما يعطيه السياق.
وقد حمل القوم الآية على أحد معنيين آخرين:
أحدهما: أن المراد تفطرهن من عظمة الله وجلاله جل جلاله كما يؤيده توصيفه تعالى قبله بالعلي العظيم.
وثانيهما: أن المراد تفطرهما من شرك المشركين من أهل الأرض وقولهم: {اتخذ الرحمن ولداً} فقد قال تعالى فيه:
{ تكاد السماوات يتفطرن منه } [مريم: 90] فأدى ذلك إلى التكلف في توجيه تقييد التفطر بقوله: {من فوقهن} وخاصة على المعنى الثاني، وكذا في توجيه اتصال قوله: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } [الشورى: 5] الخ بما قبله كما لا يخفى على من راجع كتبهم.
وقوله: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} أي ينزهونه تعالى عما لا يليق بساحة قدسه ويثنون عليه بجميل فعله، ومما لا يليق بساحة قدسه أن يهمل أمر عباده فلا يهديهم بدين يشرعه لهم بالوحي وهو منه فعل جميل، ويسألونه تعالى أن يغفر لأهل الأرض، وحصول المغفرة إنما هو بحصول سببها وهو سلوك سبيل العبودية بالاهتداء بهداية الله سبحانه فسؤالهم المغفرة لهم مرجعه إلى سؤال أن يشرع لهم ديناً يغفر لمن تدين به منهم فالمعنى والملائكة يسألون الله سبحانه أن يشرع لمن في الأرض من طريق الوحي ديناً يدينون به فيغفر لهم بذلك.
ويشهد على هذا المعنى وقوع الجملة في سياق بيان صفة الوحي وكذا تعلق الاستغفار بمن في الأرض إذ لا معنى لطلب المغفرة منهم لمطلق أهل الأرض حتى لمن قال: {اتخذ الله ولداً} وقد حكى الله تعالى عنهم:
{ ويستغفرون للذين آمنوا } [غافر: 7] الآية, فالمتعين حمل سؤال المغفرة على سؤال سببها وهو تشريع الدين لأهل الأرض ليغفر لمن تدين به.
وقوله: {ألا إن الله هو الغفور الرحيم} أي أن الله سبحانه لا تصافه بصفتي المغفرة والرحمة وتسميه باسمي الغفور الرحيم يليق بساحة قدسه أن يفعل بأهل الأرض ما ينالون به المغفرة والرحمة من عنده وهو أن يشرع لهم ديناً يهتدون به إلى سعادتهم من طريق الوحي والتكليم.
قيل: وفي قوله: {ألا إن الله} الخ إشارة إلى قبول استغفار الملائكة وأنه سبحانه يزيدهم على ما طلبوه من المغفرة رحمة.
قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} لما استفيد من الآيات السابقة أن الله تعالى هو الولي لعباده لا ولي غيره وهو يتولى أمر من في الأرض منهم بتشريع دين لهم يرتضيه من طريق الوحي إلى أنبيائه على ما يقتضيه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا، ولازم ذلك أن لا يتخذ عباده أولياء من دونه، أشار في هذه الآية إلى حال من اتخذ من دونه أولياء باتخاذهم شركاء له في الربوبية والألوهية فذكر أنه ليس بغافل عما يعملون وأن أعمالهم محفوظة عليهم سيؤاخذون بها، وليس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا البلاغ من غير أن يكون وكيلاً عليهم مسؤولاً عن أعمالهم.
فقوله: {الله حفيظ عليهم} أي يحفظ عليهم شركهم وما يتفرع عليه من الأعمال السيئة.
وقوله: {وما أنت عليهم بوكيل} أي مفوضاً إليك أعمالهم حتى تصلحها لهم بهدايتهم إلى الحق، والكلام لا يخلو من نوع من التسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {ألم ذلك الكتاب} فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون؟ والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أُنزل عليه {ألم ذلك الكتاب} فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم.
فمشى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أُنزل عليك {ألم ذلك الكتاب}؟ قال: بلى. قالوا: قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيّن لنبي لهم ما مدة ملكه؟ وما أجل أُمته غيرك.
فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أُمته إحدى وسبعون سنة.
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: المص قال: هذا أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: الر. قال: هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدي وثلاثون ومائتا سنة فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم قال: ماذا؟، قال المر قال: فهذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان.
ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت أم كثيراً؟ ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات}.
أقول: وروي قريباً منه عن ابن المنذر عن ابن جريح، وروى مثله أيضاً القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن رئاب عن محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، وليس في الرواية ما يدل على إمضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدعواهم ولا كانت لهم على ما ادعوه حجة، وقد تقدم أن الآيات المتشابهة غير الحروف المقطعة في فواتح السور.
وفي المعاني بإسناده عن جويرية عن سفيان الثوري قال: قلت لجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام: يا ابن رسول الله ما معنى قول الله عز وجل: الم والمص والر والمر وكهيعص وطه وطس وطسم ويس وص وحم وحمعسق وق ون؟
قال عليه السلام أما الم في أول البقرة فمعناه أنا الله الملك، وأما الم في أول آل عمران فمعناه أنا الله المجيد، والمص فمعناه أنا الله المقتدر الصادق، والر فمعناه أنا الله الرؤوف، والمر فمعناه أنا الله المحيي المميت الرازق، وكهيعص معناه أنا الكافي الهادي الولي العالم الصادق الوعد، فأما طه فاسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه يا طالب الحق الهادي إليه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بل لتسعد به.
وأما طس فمعناه أنا الطالب السميع، وأما طسم فمعناه أنا الطالب السميع المبدي المعيد، وأما يس فاسم من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعناه يا أيها السامع للوحي والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم.
وأما ص فعين تنبع من تحت العرش وهي التي توضأ منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما عرج به ويدخلها جبرئيل كل يوم دخلة فيغتمس فيها ثم يخرج منها فينفض أجنحته فليس من قطرة تقطر من أجنحته إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ملكاً يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده إلى يوم القيامة.
وأما حم فمعناه الحميد المجيد، وأما حمعسق فمعناه الحليم المثيب العالم السميع القادر القوي، وأما ق فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السماء منه وبه يمسك الله الأرض أن تميد بأهلها، وأما ن فهو نهر في الجنة قال الله عز وجل اجمد فجمد فصار مداداً ثم قال عز وجل للقلم: اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة فالمداد مداد من نور والقلم قلم من نور واللوح لوح من نور.
قال سفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله بين لي أمر اللوح والقلم والمداد فضل بيان وعلمني مما علمك الله فقال: يا ابن سعيد لولا أنك أهل للجواب ما أجبتك فنون ملك يؤدي إلى القلم وهو ملك, والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدي إلى جبرئيل، وجبرئيل يؤدي إلى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم. قال: ثم قال لي: قم يا سفيان فلا آمن عليك.
أقول: ظاهر ما في الرواية من تفسير غالب الحروف المقطعة بأسماء الله الحسنى أنها حروف مأخوذة من الأسماء إما من أولها كالميم من الملك والمجيد والمقتر، وإما من بين حروفها كاللام من الله والياء من الولي فتكون الحروف المقطعة إشارات على سبيل الرمز إلى أسماء الله تعالى، وقد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة عن ابن عباس والربيع بن أنس وغيرهما لكن لا يخفى عليك أن الرمز في الكلام إنما يصار إليه في الإِفصاح عن الأمور التي لا يريد المتكلم أن يطلع عليه غير المخاطب بالخطاب فيرمز إليه بما لا يتعداه ومخاطبه ولا يقف عليه غيرهما وهذه الأسماء الحسنى قد أوردت وبينت في مواضع كثيرة من كلامه تعالى تصريحاً وتلوحياً وإجمالاً وتفصيلاً ولا يبقى مع ذلك فائدة في الإِشارة إلى كل منها بحرف مأخوذ منه رمزاً إليه.
فالوجه - على تقدير صحة الرواية - أن يحمل على كون هذه الأحرف دالة على هذه المعاني دلالة غير وضعية فتكون رموزاً إليها مستورة عنا مجهولة لنا دالة على مراتب من هذه المعاني هي أدق وأرقى وأرفع من أفهامنا، ويؤيد ذلك بعض التأييد تفسيره الحرف الواحد كالميم في المواضع المختلفة بمعان مختلفة، وكذا ما ورد أنها من حروف اسم الله الأعظم.
وقوله: "وأما ق فهو الجبل المحيط بالأرض وخضرة السماء منه" الخ وروى قريباً منه القمي في تفسيره، وهو مروي بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس وغيره، ولفظ بعضها جبل من زمرد محيط بالدنيا على كنفا السماء، وفي بعضها أنه جبل محيط بالبحر المحيط بالأرض والسماء الدنيا مترفرفة عليها وأن هناك سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سماوات.
وفي بعض ما عن ابن عباس: خلق الله جبلاً يقال له: ق محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها فمن ثم تحرك القرية دون القرية.
والروايات بظاهرها أشبه بالإِسرائيليات، ولولا قوله: "وبه يمسك الله الأرض أن تميد بأهلها" لأمكن حمل قوله: "وأما ق فهو الجبل المحيط بالدنيا وخضرة السماء منه" على إرادة الهواء المحيط بالأرض بضرب من التأويل.
وأما قوله: إن طه ويس من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمعنى الذي فسره به فينبغي أن يحمل أيضاً على ما قدمناه به ويفسر الروايات الكثيرة الواردة من طرق العامة والخاصة في أن طه ويس من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما قوله في ن أنه نهر صيره الله مداداً كتب به القلم بأمره على اللوح ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأن المداد والقلم واللوح من النور ثم قوله: إن المداد ملك والقلم ملك واللوح ملك فهو نعم الشاهد على أن ما ورد في كلامه تعالى من العرش والكرسي واللوح والقلم ونظائر ذلك وفسر بما فسر به في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام من باب التمثيل أريد به تقريب معارف حقيقية هي أعلى وأرفع من سطح الأفهام العامة بتنزيلها منزلة المحسوس.
وفي المعاني أيضاً بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال {الم} هو حرف من حروف اسم الله الأعظم المقطع في القرآن الذي يؤلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإِمام فإذا دعا به أجيب. الحديث.
أقول: كون هذه الحروف المقطعة من حروف اسم الله الأعظم المقطع في القرآن مروي بعدة من طرق أهل السنة عن ابن عباس وغيره، وقد تبين في البحث عن الأسماء الحسنى في سورة الأعراف أن الاسم الأعظم الذي له أثره الخاص به ليس من قبيل الألفاظ، وأن ما ورد مما ظاهره أنه اسم مؤلف من حروف ملفوظة مصروف عن ظاهره بنوع من الصرف المناسب له.
وفيه بإسناده عن محمد بن زياد ومحمد بن سيار عن العسكري عليه السلام أنه قال: كذبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا: سحر مبين تقوله فقال الله: {الم ذلك الكتاب} أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة التي منها ألف لام ميم وهو بلغتكم وحروف هجاءكم فأتوا بمثله إن كنتم صادقين واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم. الحديث.
أقول: والحديث من تفسير العسكري وهو ضعيف.
وفي تفسير القمي وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يتفطرن من فوقهن} أي يتصدعن.
وعن جوامع الجامع في قوله تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض} قال الصادق عليه السلام: لمن في الأرض من المؤمنين.
أقول: وروي ما في معناه في المجمع عنه عليه السلام ورواه القمي مضمراً.