خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ
٧
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
٨
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٩
وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
١٠
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ
١١
لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٢
-الشورى

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
فصل ثان من الآيات يعرف فيه الوحي من حيث الغاية المترتبة عليه كما عرفه في الفصل السابق بالإِشارة إليه نفسه.
فبين في هذا الفصل أن الغرض من الوحي إنذار الناس وخاصة الإِنذار المتعلق بيوم الجمع الذي يتفرق فيه الناس فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير إذ لولا الإِنذار بيوم الجمع الذي فيه الحساب والجزاء لم تنجح دعوة دينية ولم ينفع تبليغ.
ثم بين أن تفرقهم فريقين هو الذي شاءه الله سبحانه فعقبه بتشريع الدين وإنذار الناس يوم الجمع من طريق الوحي لأنه وليهم الذي يحييهم بعد موتهم الحاكم بينهم فيما اختلفوا فيه.
ثم ساق الكلام فانتقل إلى توحيد الربوبية وأنه تعالى هو الرب لا رب غيره لاختصاصه بصفات الربوبية من غير شريك يشاركه في شيء منها.
قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك قرآناًعربياً لتنذر أم القرى ومن حولها} الإِشارة الى الوحي المفهوم من سابق السياق، وأم القرى هي مكة المشرفة والمراد بإنذار أم القرى إنذار أهلها، والمراد بمن حولها سائر أهل الجزيرة ممن هو خارج مكة كما يؤيده توصيف القرآن بالعربية.
وذلك أن الدعوة النبوية كانت ذات مراتب في توسعها فابتدأت الدعوة العلنية بدعوة العشيرة الأقربين كما قال:
{ وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] ثم توسعت فتعلقت بالعرب عامة كما قال: { قرآناً عربياً لقوم يعلمون } [فصلت: 3] ثم بجميع الناس كما قال: {وأُنزل إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ}.
ومن الدليل على ما ذكرناه من الأمر بالتوسع تدريجاً قوله تعالى:
{ قل ما أسألكم عليه من أجر } [ص: 86] إلى أن قال { إن هو إلا ذكر للعالمين } [التكوير: 27] فإن الخطاب على ما يعطيه سياق السورة لكفار قريش يقول سبحانه إنه ذكر للعالمين لا يختص ببعض دون بعض، فإذا كان للجميع فلا معنى لأن يسأل بعضهم - كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم - بعضاً عليه أجراً.
على أن تعلق الدعوة بأهل الكتاب وخاصة باليهود والنصارى من ضروريات القرآن، و كذا إسلام رجال من غير العرب كسلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي من ضروريات التاريخ.
وقيل المراد بقوله: {من حولها} سائر الناس من أهل قرى الأرض كلها ويؤيده التعبير عن مكة بأم القرى.
والآية - كما ترى - تعرف الوحي بغايته التي هي إنذار الناس من طريق الإِلقاء الإِلهي وهو النبوة فالوحي إلقاء إلهي لغرض النبوة والإِنذار.
قوله تعالى: {وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير} عطف على {تنذر} السابق وهو من عطف الخاص على العام لأهميته كأنه قيل: لتنذر الناس وتخوفهم من الله وخاصة من سخطه يوم الجمع.
وقوله: {يوم الجمع} مفعول ثان لقوله: {تنذر} وليس بظرف له وهو ظاهر، ويوم الجمع هو يوم القيامة قال تعالى:
{ ذلك يوم مجموع له الناس } [هود: 103] إلى أن قال { فمنهم شقي وسعيد } [هود: 105]. وقوله: {فريق في الجنة وفريق في السعير} في مقام التعليل ودفع الدخل كأنه قيل: لماذا ينذرهم يوم الجمع؟ فقيل: {فريق في الجنة وفريق في السعير} أي إنهم يتفرقون فريقين: سعيد مثاب وشقي معذب فلينذروا حتى يتحرزوا سبيل الشقاء والهبوط في مهبط الهلكة.
قوله تعالى: {ولو شاء الله لجعلهم أُمة واحدة} إلى آخر الآية لما كانت الآية مسوقة لبيان لزوم الإِنذار والنبوة من جهة تفرق الناس فريقين يوم القيامة كان الأسبق إلى الذهن من جعلهم أُمة واحدة مطلق رفع التفرق والتميز من بينهم بتسويتهم جميعاً على صفة واحدة من غير فرق وميز، ولم تقع عند ذلك حاجة إلى النبوة والإِنذار.
وقوله: {ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير} استدراك يبين فيه أن سنته تعالى جرت على التفريق ولم يشأ جعلهم أُمة واحدة يدل على ذلك قوله: {يدخل من يشاء} الدال على الاستمرار، ولم يقل: ولكن أدخل ونحوه.
وقد قوبل في الآية قوله: {من يشاء} بقوله: {والظالمون} فالمراد بمن يشاء غير الظالمين وقد فسر الظالمين يوم القيامة بقوله:
{ فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة كافرون } [الأعراف: 44 - 45] فهم المعاندون المنكرون للمعاد.
وقوبل أيضاً بين الإِدخال في الرحمة وبين نفي الولي والنصير فالمدخلون في رحمته هم الذين وليهم الله، والذين ما لهم من ولي ولا نصير هم الذين لا يدخلهم الله في رحمته، وأيضاً الرحمة هي الجنة وانتفاء الولاية والنصرة يلازم السعير.
فمحمل معنى الآية: أن الله سبحانه إنما قدر النبوة والإِنذار المتفرع على الوحي لمكان ما سيعتريهم يوم القيامة من التفرق فريقين، ليتحرزوا من الدخول في فريق السعير.
ولو أراد الله لجعلهم أُمة واحدة فاستوت حالهم ولم يتفرقوا يوم القيامة فريقين فلم يكن عند ذلك ما تقتضي النبوة والإِنذار فلم يكن وحي لكنه تعالى لم يرد ذلك بل جرت سنته على أن يتولى أمر قوم منهم وهم غير الظالمين فيدخلهم الجنة وفي رحمته، ولا يتولى أمر آخرين وهم الظالمون فيكونوا لا ولي لهم ولا نصير ويصيروا إلى السعير لا مخلص لهم من النار.
فقد تحصل مما تقدم أن المراد بجعلهم أُمة واحدة هو التسوية بينهم بإدخال الجميع في الجنة وإدخال الجميع في السعير أي إنه تعالى ليس بملزم بإدخال السعداء في الجنة والأشقياء في النار فلو لم يشأ لم يفعل لكنه شاء أن يفرق بين الفريقين وجرت سنته على ذلك ووعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد ومع ذلك فقدرته المطلقة باقية على حالها لم تنسلب ولم تتغير فقوله: {وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه} إلى تمام الآيتين في معنى قوله في سورة هود: {إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس} إلى تمام سبع آيات فراجع وتدبر.
وقيل: المراد بجعلهم أُمة واحدة جعلهم مؤمنين جميعاً داخلين في الجنة، قال في الكشاف: والمعنى ولو شاء ربك مشيئة قدرة لقسرهم جميعاً على الإِيمان ولكنه شاء مشيئة حكمة فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون ليدخل المؤمنين في رحمته وهم المرادون بمن يشاء ألا ترى إلى وضعهم في مقابلة الظالمين، ويترك الظالمين بغير ولي ولا نصير في عذابه.
واستدل على ما اختاره من المعنى بقوله تعالى:
{ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } [السجدة: 13] وقوله: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً } [يونس: 99] والدليل على أن المعنى هو الإِلجاء إلى الإِيمان قوله: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}.
وفيه أن الآيات - كما عرفت مسوقة لتعريف الوحي من حيث غايته وأن تفرق في الناس يوم الجمع: فريقين سبب يستدعي وجود النبوة والإِنذار من طريق الوحي، وقوله: {ولو شاء الله لجعلهم أُمة واحدة} مسوق لبيان أنه تعالى ليس بمجبر على ذلك ولا ملزم به بل له أن لا يفعل، وهذا المعنى يتم بمجرد أن لا يجعلهم متفرقين فريقين بل أُمة واحدة كيفما كانوا، وأما كونهم فرقة واحدة مؤمنة بالخصوص فلا مقتضي له هناك.
وأما ما استدل به من الآيتين فسياقهما غير سياق الآية المبحوث عنها، والمراد بهما غير الإِيمان القسري الذي ذكره وقد تقدم البحث عنهما في الكتاب.
وقيل: إن الأنسب للسياق هو اتحادهم في الكفر بأن يراد جعلهم أُمة واحدة كافرة كما في قوله:
{ كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213] فالمعنى: ولو شاء الله لجعلهم أُمة واحدة متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولاً ينذرهم فيبقوا على ما هم عليه من الكفر ولكن يدخل من يشاء في رحمته أي شأنه ذلك فيرسل إلى الكل من ينذرهم فيتأثر به من تأثر فيوفقهم الله للإِيمان والطاعات في الدنيا ويدخلهم في رحمته في الآخرة، ولا يتأثر به الآخرون وهم الظالمون فيعيشون في الدنيا كافرين ويصيرون في الآخرة إلى السعير من غير ولي ولا نصير.
وفيه أولاً: أن المراد من كون الناس أُمة واحدة في الآية المقيس عليها ليس هو اتفاقهم على الكفر بل عدم اختلافهم في الأمور الراجعة إلى المعاش كما تقدم في تفسير الآية، ولو سلم ذلك أدى إلى التنافي البيِّن بين المقيسة والمقيس عليها لدلالة المقيسة على التفرق وعدم الاتحاد دلالة المقيس عليها على ثبوت الاتحاد وعدم التفرق.
ولو أجيب عنه بأن المقيس عليها تدل على كون الناس أُمة واحدة بحسب الطبع دون الفعلية فلا تنافي بين الآيتين، رد بمنافاته لما دل من الآيات على كون الإِنسان مؤمناً بحسب الفطرة الأصلية كقوله تعالى:
{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } [الشمس: 7 - 8]. وثانياً: أن فيه إخراجاً لقوله: {ولكن يدخل من يشاء في رحمته} عن المقابلة مع قوله: {والظالمون} الخ من غير دليل، ثم تكلف تقدير ما يفيد معناه ليحفظ به ما يقيده الكلام من المقابلة.
قوله تعالى: {ام اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} إلى قوله {فحكمه إلى الله} {أم} تفيد الإِنكار كما ذكره الزمخشري. لما أفاد في الآية السابقة أن الله سبحانه يتولى أمر المؤمنين خاصة فيدخلهم في رحمته وأن الظالمين هم الكافرون المعاندون لا ولي لهم تعرض في هذه الآية لاتخاذهم أولياء يدينون لهم ويعبدونهم من دونه وكان يجب أن يتخذوا الله ولياً يدينون له ويعبدونه فأنكر عليهم ذلك واحتج على وجوب اتخاذه ولياً بالحجة بعد الحجة وذلك قوله: {فالله هو الولي} الخ.
فقوله: {فالله هو الولي} تعليل للإِنكار السابق لاتخاذهم من دونه أولياء فيكون حجة لوجوب اتخاذه ولياً، والجملة - فالله هو الولي - تفيد حصر الولاية في الله وقد تبينت الحجة على أصل ولايته وانحصارها فيه من قوله في الآيات السابقة: {العزيز الحكيم له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم} كما أشرنا إليه في تفسير الآيات.
والمعنى: أنه تعالى ولي ينحصر فيه الولاية فمن الواجب على من يتخذ ولياً أن يتخذه ولياً ولا يتعداه إلى غيره إذ لا ولي غيره.
وقوله: {وهو يحيي الموتى} حجة ثانية على وجوب اتخاذه تعالى وحده ولياً، ومحصله أن عمدة الغرض في اتخاذ الولي والتدين له بعبوديته التخلص من عذاب السعير والفوز بالجنة يوم القيامة والمثيب والمعاقب يوم القيامة هو الله الذي يحيي الموتى فيجمعهم فيجازيهم بأعمالهم فهو الذي يجب أن يتخذ ولياً دون أوليائهم الذين هم أموات غير أحياء ولا يشعرون أيان يبعثون.
وقوله: {وهو على كل شيء قدير} حجة ثالثة على وجوب اتخاذه تعالى ولياً دون غيره، ومحصله أن من الواجب في باب الولاية أن يكون للولي قدرة على ما يتولاه من شؤون من يتولاه وأموره، والله سبحانه على كل شيء قدير ولا قدرة لغيره إلا مقدار ما أقدره الله عليه وهو المالك لما ملكه والقادر على ما عليه أقدره فهو الولي لا ولي غيره تعالى وتقدس.
وقوله: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} حجة رابعة على كونه تعالى ولياً لا ولي غيره، وحكم الحاكم بين المختلفين هو إحكامه وتثبيته الحق المضطرب بينهما بسبب تخالفهما بالإِثبات والنفي، والاختلاف ربما كان في عقيدة كالاختلاف في أن الإِله واحد أو كثير، وربما كان في عمل أو ما يرجع إليه كالاختلاف في أمور المعيشة وشؤون الحياة فهو أعني الحكم يساوق القضاء مصداقاً وإن اختلفا مفهوماً.
ثم الحكم والقضاء إنما يتم إذا ملكه الحاكم بنوع من الملك والولاية وإن كان بتمليك المختلفين له ذلك كالمتنازعين إذا رجعا إلى ثالث فاتخذاه حكماً ليحكم بينهما ويتسلما ما يحكم به فقد ملكاه الحكم بما يرى وأعطياه من نفسهما القبول والتسليم فهو وليهما في ذلك.
والله سبحانه هو المالك لكل شيء لا مالك سواه لكون كل شيء بوجوده وآثار وجوده قائماً به تعالى فله الحكم والقضاء بالحق قال تعالى:
{ كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون } [القصص: 88]، وقال { إن الله يحكم ما يريد } [المائدة: 1] وقال: { الحق من ربك } [البقرة: 147]. وحكمه تعالى إما تكويني وهو تحقيقه وتثبيته المسببات قبال الأسباب المجتمعة عليها المتنازعة فيها بتقديم ما نسميه سبباً تاماً على غيره قال تعالى حاكياً عن يعقوب عليه السلام؛ { إن الحكم إلا لله عليه توكلت } [يوسف: 40] وإما تشريعي كالتكاليف الموضوعة في الدين الإِلهي الراجعة إلى الاعتقاد والعمل قال تعالى: { إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم } [يوسف: 40]. وهناك قسم ثالث من الحكم يمكن أن يعد من كل من القسمين السابقين بوجه وهو حكمه تعالى يوم القيامة بين عباده فيما اختلفوا فيه وهو إعلانه وإظهاره الحق يوم القيامة لأهل الجمع يشاهدونه مشاهدة عيان وإيقان فيسعد به وبآثاره من كان مع الحق ويشقى بالاستكبار عليه وتبعات ذلك من استكبر عليه قال تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } [البقرة: 113]. ثم أن اختلاف الناس في عقائدهم وأعمالهم اختلاف تشريعي لا يرفعه إلا الأحكام والقوانين التشريعية ولولا الاختلاف لم يوجد قانون كما يشير إليه قوله تعالى: { كان الناس أُمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه } [البقرة: 213]، وقد تبين أن الحكم التشريعي لله سبحانه فهو الولي في ذلك فيجب أن يتخذ وحده ولياً فيعبد ويدان بما أنزله من الدين.
وهذا معنى قوله: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} ومحصل الحجة أن الولي الذي يعبد ويدان له يجب أن يكون رافعاً لاختلافات من يتولونه مصلحاً لما فسد من شؤون مجتمعهم سائقاً لهم إلى سعادة الحياة الدائمة بما يضعه عليهم من الحكم وهو الدين، والحكم في ذلك إلى الله سبحانه، فهو الولي الذي يجب أن يتخذ ولياً لا غير.
وللقوم في تفسير الآية أعني قوله: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} تفاسير أُخر فقيل: هو حكاية قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين أي ما خالفكم فيه الكفار من أهل الكتاب والمشركين فاختلفتم أنتم وهم فيه من أمر من أمور الدين، فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين فيه من المؤمنين ومعاقبة المبطلين ذكره صاحب الكشاف.
وقيل معناه ما اختلفتم فيه وتنازعتم في شيء من الخصومات فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تؤثروا على حكومته حكومة غيره كقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}.
وقيل: المعنى ما اختلفتم فيه من تأويل آية واشتبه عليكم فارجعوا في بيانه إلى محكم كتاب الله وظاهر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقيل: المعنى وما اختلفتم فيه من العلوم مما لا يتصل بتكليفكم ولا طريق لكم إلى علمه فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}. والآية على جميع هذه الأقوال من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما بنحو الحكاية وإما بتقدير {قل} في أولها.
وأنت بالتدبر في سياق الآيات ثم الرجوع إلى ما تقدم لا ترتاب في سقوط هذه الأقوال.
قوله تعالى: {ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} كلام محكي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإِشارة بذلكم إلى من أُقيمت الحجج في الآيتين على وجوب اتخاذه ولياً وهو الله سبحانه، ولازم ولايته ربوبيته.
لما أُقيمت الحجج على أنه تعالى هو الولي لا ولي غيره أمر صلى الله عليه وآله وسلم بإعلام أنه الله وأنه اتخذه ولياً بالاعتراف له بالربوبية التي هي ملك التدبير ثم عقب ذلك بالتصريح بما للاتخاذ المذكور من الآثار وهو قوله: {عليه توكلت وإليه أُنيب}.
وذلك أن ولاية الربوبية تتعلق بنظام التكوين بتدبير الأمور وتنظيم الأسباب والمسببات بحيث يتعين بها للمخلوق المدبر كالإِنسان مثلاً ما قدر له من الوجود والبقاء، وتتعلق بنظام التشريع وهو تدبير أعمال الإِنسان بجعل قوانين وأحكام يراعيها الإِنسان بتطبيق أعماله عليها في مسير حياته لتنتهي به إلى كمال سعادته.
ولازم اتخاذه تعالى رباً ولياً من جهة التكوين إرجاع أمر التدبير إليه بالانقطاع عن الأسباب الظاهرية والركون إليه من حيث إنه سبب غير مغلوب ينتهي إليه كل سبب وهذا هو التوكل، ومن جهة التشريع الرجوع إلى حكمه في كل واقعة يستقبله الإِنسان في مسير حياته وهذا هو الإِنابة فقوله: {عليه توكلت وإليه أُنيب} أي أرجع في جميع أموري، تصريح بإرجاع الأمر إليه تكويناً وتشريعاً.
قوله تعالى: {فاطر السماوات والأرض} إلى آخر الآية لما صرح بأنه تعالى هو ربه لقيام الحجج على أنه هو الولي وحده عقب ذلك بإقامة الحجة في هذه الآية والتي بعدها على ربوبيته تعالى وحده.
ومحصل الحجة: أنه تعالى موجد الأشياء وفاطرها بالإِخراج من كتم العدم إلى الوجود وقد جعلكم أزواجاً فكثركم بذلك وجعل من الأنعام أزواجاً فكثرها بذلك لتنتفعوا بها، وهذا خلق وتدبير، وهو سميع لما يساله خلقه من الحوائج فيقضي لكل ما يستحقه من الحاجة، بصير لما يعمله خلقه من الأعمال فيجازيهم بما عملوا وهو الذي يملك مفاتيح خزائن السماوات والأرض التي ادخر فيها ما لها من خواص وجودها وآثاره مما يتألف منها بظهورها النظام المشهود وهو الذي يرزق المرزوقين فيوسع في رزقهم ويضيق عن علم منه بذلك. وهذا كله من التدبير فهو الرب المدبر للأمور.
فقوله: {فاطر السماوات والأرض} أي موجدها من كتم العدم على سبيل الإِبداع.
وقوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجاً} وذلك بخلق الذكر والأنثى اللذين يتم بتزاوجهما أمر التوالد والتناسل وتكثر الأفراد {ومن الأنعام أزواجاً} أي وجعل من الأنعام أزواجاً {يذرؤكم فيه} أي يكثركم في هذا الجعل، والخطاب في {يذرؤكم} للإِنسان والأنعام بتغليب جانب العقلاء على غيرهم كما ذكره الزمخشري.
وقوله: {ليس كمثله شيء} أي ليس مثله شيء، فالكاف زائدة للتأكيد وله نظائر كثيرة في كلام العرب.
وقوله: {وهو السميع البصير} أي السميع لما يرفع إليه من مسائل خلقه البصير لأعمال خلقه قال تعالى:
{ يسأله من في السماوات والأرض } [الرحمن: 29]، وقال: { وآتاكم من كل ما سألتموه } [إبراهيم: 34]، وقال: { والله بما تعملون بصير } [التغابن: 2]. قوله تعالى: {له مقاليد السماوات والأرض} إلى آخر الآية المقاليد المفاتيح وفي إثبات المقاليد للسماوات والأرض دلالة على أنها خزائن لما يظهر في الكون من الحوادث والآثار الوجودية.
وقوله: {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} بسط الرزق توسعته وقدره تضييقه والرزق كل ما يمد به البقاء ويرتفع به حاجة من حوائج الوجود في استمراره.
وتذييل الكلام بقوله: {إنه بكل شيء عليم} للإِشارة إلى أن الرزق واختلافه في موارده بالبسط والقدر ليس على سبيل المجازفة جهلاً بل عن علم منه تعالى بكل شيء فرزق كل مرزوق على علم منه بما يستدعيه المرزوق بحسب حاله والرزق بحسب حاله وما يحف بهما من الأوضاع والأحوال الخارجية، وهذا هو الحكمة فهو يبسط ويقدر بالحكمة.