خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
٥١
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٢
صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ
٥٣
-الشورى

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تتضمن الآيات آخر ما يفيده سبحانه في تعريف الوحي في هذه السورة وهو تقسيمه إلى ثلاثة أقسام: وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء ثم يذكر أنه يوحي إليه صلى الله عليه وآله وسلم ما يوحي، على هذه الوتيرة وأن ما أُوحي إليه منه تعالى لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم ذلك من نفسه بل هو نور يهدي به الله من يشاء من عباده ويهدي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإذنه.
قوله تعالى: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} الخ، قد تقدم البحث عن معنى كلامه تعالى في الجزء الثاني من الكتاب، وإطلاق الكلام على كلامه تعالى والتكليم على فعله الخاص سواء كان إطلاقاً حقيقياً أو مجازياً واقع في كلامه تعالى قال:
{ يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } [الأعراف: 144]، وقال: { وكلَّم الله موسى تكليماً } [النساء: 164]، ومن مصاديق كلامه ما يتلقاه الأنبياء عليهم السلام منه تعالى بالوحي.
وعلى هذا لا موجب لعدّ الاستثناء في قوله: {إلا وحياً} منقطعاً بل الوحي والقسمان المذكوران بعده من تكليمه تعالى للبشر سواء كان إطلاق التكليم عليها إطلاقاً حقيقياً أو مجازياً فكل واحد من الوحي وما كان من وراء حجاب وما كان بإرسال رسول نوع من تكليمه للبشر.
فقوله: {وحياً} - والوحي الإِشارة السريعة على ما ذكره الراغب - مفعول مطلق نوعي وكذا المعطوفان عليه في معنى المصدر النوعي، والمعنى: ما كان لبشر أن يكلمه الله نوعاً من أنواع التكليم إلا هذه الأنواع الثلاثة أن يوحى وحياً أو يكون من وراء حجاب أو أن يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء.
ثم إن ظاهر الترديد في الآية بأو هو التقسيم على مغايرة بين الأقسام وقد قيّد القسمان الأخيران بقيد كالحجاب، والرسول الذي يوحي إلى النبي ولم يقيّد القسم الأول بشيء فظاهر المقابلة يفيد أن المراد به التكليم الخفي من دون أن يتوسط واسطة بينه تعالى وبين النبي أصلاً، وأما القسمان الآخران ففيهما قيد زائد وهو الحجاب أو الرسول الموحي وكل منهما واسطة غير أن الفارق أن الواسطة الذي هو الرسول يوحي إلى النبي بنفسه والحجاب واسطة ليس بموحٍ وإنما الوحي من ورائه.
فتحصَّل أن القسم الثالث {أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} وحي بتوسُّط الرسول الذي هو ملك الوحي فيوحي ذلك الملك بإذن الله ما يشاء الله سبحانه قال تعالى:
{ نزل به الروح الأمين على قلبك } [الشعراء: 193 - 194]، وقال: { قل من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزَّله على قلبك بإذن الله } [البقرة: 97]، والموحي مع ذلك هو الله سبحانه كما قال: { بما أوحينا إليك هذا القرآن } [يوسف: 3]. وأما قول بعضهم: إن المراد بالرسول في قوله: {أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء} هو النبي يبلغ الناس الوحي فلا يلائمه قوله: {يوحي} إذ لا يطلق الوحي على تبليغ النبي.
وأن القسم الثاني {أو من وراء حجاب} وحي مع واسطة هو الحجاب غير أن الواسطة لا يوحي كما في القسم الثالث وإنما يبتدئ الوحي مما وراءه لمكان من، وليس وراء بمعنى خلف وإنما هو الخارج عن الشيء المحيط به، قال تعالى:
{ والله من ورائهم محيط } [البروج: 20]، وهذا كتكليم موسى عليه السلام في الطور، قال تعالى: { فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة } [القصص: 30]، ومن هذا الباب ما أُوحي إلى الأنبياء في مناماتهم.
وأن القسم الأول تكليم إلهي للنبي من غير واسطة بينه وبين ربه من رسول أو أي حجاب مفروض.
ولما كان للوحي في جميع هذه الأقسام نسبة إليه تعالى على اختلافها صحَّ إسناد مطلق الوحي إليه بأي قسم من الأقسام تحقق وبهذه العناية أسند جميع الوحي إليه في كلامه كما قال:
{ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } [النساء: 163]. وقال: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } [النحل: 43]. هذا ما يعطيه التدبر في الآية الكريمة، وللمفسرين فيها أبحاث طويلة الذيل ومشاجرات أضربنا عن الاشتغال بها من أرادها فليراجع المفصّلات.
وقوله: {إنه عليٌ حكيم} تعليل لمضمون الآية فهو تعالى لعلوه عن الخلق والنظام الحاكم فيهم يجلّ أن يكلمهم كما يكلم بعضهم بعضاً، ولعلوه وحكمته يكلمهم بما اختار من الوحي وذلك أن هداية كل نوع إلى سعادته من شأنه تعالى كما قال:
{ الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]، وقال: { وعلى الله قصد السبيل } [النحل: 9]، وسعادة الإِنسان الذي يسلك سبيل سعادته بالشعور والعلم في إعلام سعادته والدلالة إلى سنة الحياة التي تنتهي إليها ولا يكفي في ذلك العقل الذي من شأنه الإِخطاء والإِصابة فاختار سبحانه لذلك طريق الوحي الذي لا يخطئ البتة، وقد فصَّلنا القول في هذه الحجة في موارد من هذا الكتاب.
قوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان} الخ، ظاهر السياق كون {كذلك} إشارة إلى ما ذكر في الآية السابقة من الوحي بأقسامه الثلاث، ويؤيده الروايات الكثيرة الدالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يوحى إليه بتوسط جبريل وهو القسم الثالث كان يوحى إليه في المنام وهو من القسم الثاني ويوحى إليه من دون توسط واسطة وهو القسم الأول.
وقيل: الإِشارة إلى مطلق الوحي النازل على الأنبياء وهذا متعين على تقدير كون المراد بالروح هو جبريل أو الروح الأمري كما سيأتي.
والمراد بإيحاء الروح - على ما قيل - إيحاء القرآن وأُيِّد بقوله: {ولكن جعلناه نوراً} الخ، ومن هنا قيل: إن المراد بالروح القرآن.
لكن يبقى عليه أولاً: أنه لا ريب أن الكلام مسوق لبيان أن ما عندك من المعارف والشرائع التي تتلبس بها وتدعو الناس إليها ليس مما أدركته بنفسك وأبديته بعلمك بل أمر من عندنا منزّل إليك بوحينا، وعلى هذا فلو كان المراد بالروح الموحى القرآن كان من الواجب الاقتصار على الكتاب في قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان} لأن المراد بالكتاب القرآن فيكون الإِيمان زائداً مستغنى عنه.
وثانياً: أن القرآن وإن أمكن أن يسمى روحاً باعتبار إحيائه القلوب بهداه كما قال تعالى:
{ إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24]، وقال: { أو من كان ميتاً فأحييناه وجلعنا له نوراً يمشي به في الناس } [الأنعام: 122]، لكن لا وجه لتقيده حينئذ بقوله: {من أمرنا} والظاهر من كلامه تعالى أن الروح من أمرة خلق من العالم العلوي يصاحب الملائكة في نزولهم، قال تعالى: { تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر } [القدر: 4]، وقال: { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } [النبأ: 38]، وقال: { قل الروح من أمر ربي } [الإسراء: 85]، وقال: { وأيّدناه بروح القدس } [البقرة: 253]، وقد سمى جبريل الروح الأمين وروح القدس حيث قال: { نزل به الروح الأمين } [الشعراء: 193]، وقال: { قل نزَّله روح القدس من ربك } [النحل: 102]. ويمكن أن يجاب عن الأول بأن مقتضى المقام وإن كان هو الاقتصار على ذكر الكتاب فقط لكن لما كان إيمانه صلى الله عليه وآله وسلم بتفاصيل ما في الكتاب من المعارف والشرائع من لوازم نزول الكتاب غير المنفكة عنه وآثاره الحسنة صح أن يذكر مع الكتاب فالمعنى: وكذلك أوحينا إليك كتاباً ما كنت تدري ما الكتاب ولا ما تجده في نفسك من أثره الحسن الجميل وهو إيمانك به.
وعن الثاني أن المعهود من كلامه في معنى الروح وإن كان ذلك لكن حمل الروح في الآية على ذلك المعنى وإرادة الروح الأمري أو جبريل منه يوجب أخذ {أوحينا} بمعنى أرسلنا إذ لا يقال: أوحينا الروح الأمري أو الملك فلا مفر من كون الإِيحاء بمعنى الإِرسال وهو كما ترى فأخذ الروح بمعنى القرآن أهون من أخذ الإِيحاء بمعنى الإِرسال والجوابان لا يخلوان عن شيء.
وقيل: المراد بالروح جبريل فإن الله سماه في كتابه روحاً قال:
{ نزل به الروح الأمين على قلبك } [الشعراء: 193 - 194] وقال: { قل نزَّله روح القدس من ربك } [النحل: 102]. وقيل: المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على الأنبياء كما قال تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده إن أنذروا } [النحل: 2]، فالمراد بإيحائه إليه إنزاله عليه.
ويمكن أن يوجه التعبير عن الإِنزال بالإِيحاء بأن أمره تعالى على ما يعرّفه في قوله:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن } [يس: 82]، هو كلمته، والروح من أمره كما قال: { قل الروح من أمر ربي } [الإسراء: 85]، فهو كلمته، وهو يصدق ذلك قوله في عيسى ابن مريم عليه السلام: { إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } [النساء: 171]، وإنزال الكلمة تكليم فلا ضير في التعبير عن إنزال الروح بإيحائه، والأنبياء مؤيدون بالروح في أعمالهم كما أنهم يوحى إليهم الشرائع به قال تعالى: {وأيدناه بروح القدس} وقد تقدمت الإِشارة إليه في تفسير قوله تعالى: { وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } [الأنبياء: 73]. ويمكن رفع إشكال كون الإِيحاء بمعنى الإِنزال والإِرسال بالقول بكون قوله: {روحاً} منصوباً بنزع الخافض ورجوع ضمير {جعلناه} إلى القرآن المعلوم من السياق أو الكتاب والمعنى وكذلك أوحينا إليك القرآن بروح منا ما كنت تدري ما الكتاب وما الإِيمان ولكن جعلنا القرآن أو الكتاب نوراً الخ، هذا وما أذكر أحداً من المفسرين قال به.
وقوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان} قد تقدم أن الآية مسوقة لبيان أن ما عنده صلى الله عليه وآله وسلم الذي يدعو إليه إنما هو من عند الله سبحانه لا من قبله نفسه وإنما أُوتي ما أُوتي من ذلك بالوحي بعد النبوة فالمراد بعدم درايته بالكتاب عدم علمه بما فيه من تفاصيل المعارف الاعتقادية والشرائع العملية فإن ذلك هو الذي أوتي العلم به بعد النبوة والوحي، وبعدم درايته بالإِيمان عدم تلبّسه بالالتزام التفصيلي بالعقائد الحقة والأعمال الصالحة وقد سمي العمل إيماناً في قوله:
{ وما كان الله ليضيع إيمانكم } [البقرة: 143]. فالمعنى: ما كان عندك قبل وحي الروح الكتاب بما فيه من المعارف والشرائع ولا كنت متلبساً بما أنت متلبس به بعد الوحي من الالتزام الاعتقادي والعملي بمضامينه وهذا لا ينافي كونه صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً بالله موحداً قبل البعثة صالحاً في عمله فإن الذي تنفيه الآية هو العلم بتفاصيل ما في الكتاب والالتزام بها اعتقاداً وعملاً ونفي العلم والالتزام التفصيليين لا يلازم نفي العلم والالتزام الإِجماليين بالإِيمان بالله والخضوع للحق.
وبذلك يندفع ما استدل بعضهم بالآية على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان غير متلبّس بالإِيمان قبل بعثته.
ويندفع أيضاً ما عن بعضهم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل كاملاً في نفسه علماً وعملاً وهو ينافي ظاهر الآية أنه ما كان يدري ما الكتاب ولا الإِيمان.
ووجه الاندفاع أن من الضروري وجود فرق في حاله صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة وبعدها والآية تشير إلى هذا الفرق، وأن ما حصل له بعد النبوة لا صنع له فيه وإنما هو من الله من طريق الوحي.
وقوله: {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} {جعلناه} للروح والمراد بقوله: {من نشاء} على تقدير أن يراد بالروح القرآن هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن آمن به فإنهم جميعاً مهتدون بالقرآن.
وعلى تقدير أن يراد به الروح الأمري فالمراد بمن نشاء جميع الأنبياء ومن آمن بهم من أُممهم فإنه يهدي بالوحي الذي نزل به، الأنبياء والمؤمنين من أُممهم ويسدد الأنبياء خاصة ويهديهم إلى الأعمال الصالحة ويشير عليهم بها.
وعلى هذا تكون الآية في مقام تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصدقه في دعواه أن كتابه من عند الله بوحي منه، وتصدقه في دعواه أنه مؤمن بما يدعو إليه فيكون في معنى قوله تعالى:
{ إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم } [يس: 3 - 5]. وقوله: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} إشارة إلى أن الذي يهدي إليه صراط مستقيم وأن الذي يهديه من الناس هو الذي يهديه الله سبحانه، فهدايته صلى الله عليه وآله وسلم هداية الله.
قوله تعالى: {صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} الخ، بيان للصراط المستقيم الذي يهدي إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتوصيفه تعالى بقوله: {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} للدلالة على الحجة على استقامة صراطه فإنه تعالى لما ملك كل شيء ملك الغاية التي تسير إليها الأشياء والسعادة التي تتوجه إليها، فكانت الغاية والسعادة هي التي عيّنها، وكان الطريق إليها والسبيل الذي عليهم أن يسلكوه لنيل سعادتهم هو الذي شرعه وبيَّنه، وليس يملك أحد شيئاً حتى ينصب له غاية ونهاية أو يشرع له إليها سبيلاً، فالسعادة التي يدعو سبحانه إليها حق السعادة والطريق الذي يدعو إليه حق الطريق ومستقيم الصراط.
وقوله: {ألا إلى الله تصير الأمور} تنبيه على لازم ملكه لما في السماوات وما في الأرض فإن لازمه رجوع أمورهم إليه ولازمه كون السبيل الذي يسلكونه - وهو من جملة أمورهم - راجعاً إليه فالصراط المستقيم هو صراطه فالمضارع أعني قوله: {تصير} للاستمرار.
وفيه إشعار بلمّ الوحي والتكليم الإِلهي، إذ لما كان مصير الأشياء إليه تعالى كان لكل نوع إليه تعالى سبيل يسلكه وكان عليه تعالى أن يهديه إليه ويسوقه إلى غايته كما قال:
{ وعلى الله قصد السبيل } [النحل: 9]، وهو تكليم كل نوع بما يناسب ذاته وهو في الإِنسان التكليم المسمى بالوحي والإِرسال.
وقيل: المضارع للاستقبال والمراد مصيرها جميعاً إليه يوم القيامة، وقد سيقت الجملة لوعد المهتدين إلى الصراط المستقيم ووعيد الضالين عنه، وأول الوجهين أظهر.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال:
"أحياناً يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وهو أشده عليّ، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول" .
قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم وإن جبينه ليتفصد عرقاً.
وفي التوحيد بإسناده عن زرارة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي؟ قال: فقال: ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد ذاك إذا تجلى الله له. قال: ثم قال: تلك النبوة يا زرارة وأقبل يتخشع.
وفي العلل بإسناده عن ابن أبي عمير عن عمرو بن جميع عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان جبرئيل إذا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قعد بين يديه قعدة العبد، وكان لا يدخل حتى يستأذنه.
وفي أمالي الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال بعض أصحابنا: أصلحك الله كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال جبرئيل، وهذا جبرئيل يأمرني ثم يكون في حال أخرى يغمى عليه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه إذا كان الوحي من الله إليه ليس بينهما جبرئيل أصابه ذلك لثقل الوحي من الله، وإذا كان بينهما جبرئيل لم يصبه ذلك فقال: قال لي جبرئيل وهذا جبرئيل.
وفي البصائر عن علي بن حسان عن ابن بكير عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام مَن الرسول؟ مَن النبي؟ مَن المحدّث؟ فقال: الرسول الذي يأتيه جبرئيل فيكلمه قبلاً فيراه كما يرى أحدكم صاحبه الذي يكلمه فهذا الرسول, والنبي الذي يؤتى في النوم نحو رؤيا إبراهيم عليه السلام، ونحو ما كان يأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السبات إذا أتاه جبرئيل في النوم فهكذا النبي، ومنهم من يجمع له الرسالة والنبوة فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً نبياً يأتيه جبرئيل قبلاً فيكلمه ويراه، ويأتيه في النوم، وأما المحدّث فهو الذي يسمع كلام الملك فيحدثه من غير أن يراه ومن غير أن يأتيه في النوم.
أقول: وفي معناه روايات أُخر.
وفي التوحيد بإسناده عن محمد بن مسلم ومحمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جبرئيل من قبل الله إلا بالتوفيق.
وفي تفسير العياشي عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كيف لم يخف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتيه من قبل الله أن يكون ذلك مما ينزغ به الشيطان؟ قال: فقال: إن الله إذا اتخذ عبداً رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار فكان يأتيه من قبل الله مثل الذي يراه بعينه.
وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تبارك وتعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان} قال: خلق من خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ويسدده، وهو مع الأئمة من بعده.
أقول: وفي معناها عدة روايات وفي بعضها أنه من الملكوت، قال في روح المعاني: ونقل الطبرسي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن المراد من هذا الروح ملك أعظم من جبرائيل ومكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصعد إلى السماء, وهذا القول في غاية الغرابة ولعله لا يصح عن هذين الإِمامين. انتهى. والذي في مجمع البيان: عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام قالا: ولم يصعد إلى السماء وإنه لفينا. انتهى. واستغرابه فيما لا دليل له على نفيه غريب. على أنه يسلم تسديد هذا الروح لبعض الأئمة غير النبي كما هو ظاهر لمن راجع قسم الإِشارات من تفسيره.
وفي النهج: ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله وسلم من لدن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره.
وفي الدر المنثور أخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي قال: قيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا. قالوا: فهل شربت خمراً قط؟ قال: لا. وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب وما الإِيمان، وبذالك نزل القران {ما كنت تدري ما الكتاب وما الإِيمان}.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: وقال في نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} يقول: تدعو.
وفي الكافي بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآية: {ألا إلى الله تصير الأمور}.