خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
٩
فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
١٠
يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
١١
رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ
١٢
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ
١٣
ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ
١٤
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ
١٥
يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ
١٦
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ
١٧
أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
١٨
وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
١٩
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ
٢٠
وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ
٢١
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ
٢٢
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ
٢٣
وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ
٢٤
كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٢٥
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
٢٦
وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ
٢٧
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ
٢٨
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
-الدخان

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تذكر الآيات ارتيابهم في كتاب الله بعد ما ذكرت أنه كتاب مبين نازل في خير ليلة على رسوله لغرض الإِنذار رحمة من الله، ثم تهددهم بعذاب الدنيا وبطش يوم القيامة وتتمثل لهم بقصة إرسال موسى إلى قوم فرعون وتكذيبهم له وإغراقهم.
ولا تخلو القصة من إيماء إلى أنه تعالى سينجي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين به من عتاة قريش بإخراجهم من مكة ثم إهلاك صناديد قريش في تعقيبهم النبي والمؤمنين به.
قوله تعالى: {بل هم في شك يلعبون} ضمير الجمع لقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم, والإِضراب عن محذوف يدل عليه السياق السابق أي إنهم لا يوقنون ولا يؤمنون بما ذكر من رسالة الرسول وصفة الكتاب الذي أُنزل عليه بل هم في شك وارتياب فيه يلعبون بالاشتغال بدنياهم، وذكر الزمخشري أن الإِضراب عن قوله: {إن كنتم موقنين}.
قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس} الارتقاب الانتظار وهذا وعيد بالعذاب وهو إتيان السماء بدخان مبين يغشى الناس.
واختلف في المراد بهذا العذاب المذكور في الآية.
فقيل: المراد به المجاعة التي ابتلي بها أهل مكة فإنهم لما أصروا على كفرهم وأذاهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين به دعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم سنين كسني يوسف فأجدبت الأرض وأصابت قريشاً مجاعة شديدة، وكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان وأكلوا الميتة والعظام ثم جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا، ووعدوه إن كشف الله عنهم الجدب أن يؤمنوا، فدعا وسأل الله لهم بالخصب والسعة فكشف عنهم ثم عادوا إلى كفرهم ونقضوا عهدهم.
وقيل: إن الدخان المذكور في الآية من أشراط الساعة وهو لم يأت بعد وهو يأتي قبل قيام الساعة فيدخل أسماع الناس حتى أن رؤوسهم تكون كالرأس الحنيذ. ويصيب المؤمن منه مثل الزكمة وتكون الأرض كلها كبيت أُوقد فيه ليس فيه خصاص ويمكث ذلك أربعين يوماً.
وربما قيل: إن المراد بيوم الدخان يوم فتح مكة حين دخل جيش المسلمين مكة فارتفع الغبار كالدخان المظلم، وربما قيل: المراد به يوم القيامة، والقولان كما ترى.
وقوله: {يغشى الناس} أي يشملهم ويحيط بهم، والمراد بالناس أهل مكة على القول الأول، وعامة الناس على القول الثاني.
قوله تعالى: {هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} حكاية قول الناس عند نزول عذاب الدخان أي يقول الناس يوم تأتي السماء بدخان مبين: هذا عذاب أليم ويسألون الله كشفه بالاعتراف بربوبيته وإظهار الإِيمان بالدعوة الحقة فيقولون: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
قوله تعالى: {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين} أي من أين لهم أن يتذكروا ويذعنوا بالحق والحال أنه قد جاءهم رسول مبين ظاهر في رسالته لا يقبل الارتياب وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الآية ردّ صدقهم في وعدهم.
قوله تعالى: {ثم تولوا عنه وقالوا معلّم مجنون} التولي الإِعراض، وضمير {عنه} للرسول و {معلّم مجنون} خبران لمبتدا محذوف هو ضمير راجع إلى الرسول والمعنى: ثم أعرضوا عن الرسول وقالوا هو معلم مجنون فرموه أولاً بأنه معلم يعلّمه غيره فيسند ما تعلمه إلى الله سبحانه، قال تعالى:
{ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر } [النحل: 103]، وثانياً بأنه مجنون مختلّ العقل.
قوله تعالى: {إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون} أي إنا كاشفون للعذاب زماناً انكم عائدون إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب هذا بناء على القول الأول والآية تأكيد لرد صدقهم فيما وعدوه من الإِيمان.
وأما على القول الثاني فالأقرب أن المعنى: إنكم عائدون إلى العذاب يوم القيامة.
قوله تعالى: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} البطش - على ما ذكره الراغب - تناول الشيء بصولة، وهذا اليوم بناء على القول الأول المذكور يوم بدر وبناء على القول الثاني يوم القيامة، وربما أيد توصيف البطشة بالكبرى هذا القول الثاني فإن بطش يوم القيامة وعذابه أكبر البطش والعذاب، قال تعالى:
{ فيعذبه الله العذاب الأكبر } [الغاشية: 24]، كما أن أجره أكبر الأجر قال تعالى: { ولأجر الآخرة أكبر } [النحل: 41]. قوله تعالى: {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم} الفتنة الامتحان والابتلاء للحصول على حقيقة الشيء، وقوله: {وجاءهم رسول كريم} الخ، تفسير للامتحان، والرسول الكريم موسى عليه السلام، والكريم هو المتصف بالخصال الحميدة قال الراغب: الكرم إذا وصف الله تعالى به فهو اسم لإِحسانه وإنعامه المتظاهر نحو قوله: {إن ربي غني كريم} وإذا وصف به الإِنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال: هو كريم حتى يظهر ذلك منه، قال: وكل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم قال تعالى: {وأنبتنا فيها من كل زوج كريم} {وزروع ومقام كريم} {إنه لقرآن كريم} {وقل لهما قولاً كريماً} انتهى.
قوله تعالى: {أن أدوا إليَّ عباد الله إني لكم رسول أمين} تفسير لمجيء الرسول فإن معنى مجيء الرسول تبليغ الرسالة وكان من رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه أن يرسلوا معهم بني إسرائيل ولا يعذبوهم، والمراد بعباد الله بنو إسرائيل وعبر عنهم بذلك استرحاماً وتلويحاً إلى أنهم في استكبارهم وتعديهم عليهم إنما يستكبرون على الله لأنهم عباد الله.
وفي قوله: {إني لكم رسول أمين} حيث وصف نفسه بالأمانة دفع لاحتمال أن يخونهم في دعوى الرسالة وإنجاء بني إسرائيل من سيطرتهم فيخرج معهم عليهم فيخرجهم من أرضهم كما حكى تعالى عن فرعون إذ قال للملأ حوله:
{ إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره } [الشعراء: 34 - 35]. وقيل: {عباد الله} نداء لفرعون وقومه والتقدير أن أدّوا إليَّ ما آمركم به يا عباد الله، ولا يخلو من التقدير المخالف للظاهر.
قوله تعالى: {وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين} أي لا تتجبروا على الله بتكذيب رسالتي والإِعراض عما أمركم الله فإن تكذيب الرسول في رسالته استعلاء وتجبر على من أرسله والدليل على أن المراد ذلك تعليل النهي بقوله: {إني آتيكم بسلطان مبين} أي حجة بارزة من الآيات المعجزة أو حجة المعجزة وحجة البرهان.
وقيل: ومن حسن التعبير الجمع بين التأدية والأمين وكذا بين العلو والسلطان.
قوله تعالى: {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} أي التجأت إليه تعالى من رجمكم إياي فلا تقدرون على ذلك، والظاهر أنه إشارة إلى ما آمنه ربه قبل المجيء إلى القوم كما في قوله تعالى:
{ قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } [طه: 45 - 46]. وبما مر يظهر فساد ما قيل: إن هذا كان قبل أن يخبره الله بعجزهم عن رجمه بقوله سبحانه: {فلا يصلون إليكما}.
قوله تعالى: {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي إن لم تؤمنوا لي فكونوا بمعزل مني لا لي ولا عليّ ولا تتعرضوا لي بخير أو شر، وقيل: المراد تنحوا عني وانقطعوا، وهو بعيد.
قوله تعالى: {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} أي دعاه بأن هؤلاء قوم مجرمون وقد ذكر من دعائه السبب الداعي له إلى الدعاء وهو إجرامهم إلى حد يستحقون معه الهلاك ويعلم ما سأله مما أجاب به ربه تعالى إذ قال: {فأسر بعبادي} الخ، وهو الإِهلاك.
قوله تعالى: {فأسر بعبادي ليلاً إنكم متّبعون} الإِسراء: السير بالليل فيكون قوله: {ليلاً} تأكيداً له وتصريحاً به، والمراد بعبادي بنو إسرائيل، وقوله: {إنكم متّبعون} أي يتبعكم فرعون وجنوده، وهو استئناف يخبر عما سيقع عقيب الإِسراء.
وفي الكلام إيجاز بالحذف والتقدير فقال له: أسر بعبادي ليلاً إنكم متّبعون يتبعكم فرعون وجنوده.
قوله تعالى: {واترك البحر رهواً إنهم جند مغرقون} قال في المفردات: واترك البحر رهواً أي ساكناً، وقيل: سعة من الطريق وهو الصحيح. انتهى. وقوله: {إنهم جند مغرقون} تعليل لقوله: {واترك البحر رهواً}.
وفي الكلام إيجاز بالحذف اختصاراً والتقدير: أسر بعبادي ليلاً يتّبعكم فرعون وجنوده حتى إذا بلغتم البحر فاضربه بعصاك لينفتح طريق لجوازكم فجاوزوه واتركه ساكناً أو مفتوحاً على حاله فيدخلونه طمعاً في إدراككم فهم جند مغرقون.
قوله تعالى: {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك} {كم} للتكثير أي كثيراً ما تركوا، وقوله: {من جنات} الخ.. بيان لما تركوا، والمقام الكريم المساكن الحسنة الزاهية، والنعمة بفتح النون التنعّم وبناؤها بناء المرّة كالضربة وبكسر النون قسم من التنعم وبناؤها بناء النوع كالجلسة وفسروا النعمة ها هنا بما يتنعم به وهو أنسب للترك، وفاكهين من الفكاهة بمعنى حديث الأنس ولعل المراد به ها هنا التمتع كما يتمتع بالفواكه وهي أنواع الثمار.
وقوله: {كذلك} قيل: معناه الأمر كذلك، وقيل: المعنى نفعل فعلاً كذلك لمن نريد إهلاكه، وقيل: الإِشارة إلى الإِخراج المفهوم من الكلام السابق، والمعنى: مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم منها.
ويمكن أن يكون حالاً من مفعول {تركوا} المحذوف والمعنى: كثيراً ما تركوا أشياء كذلك أي على حالها والله أعلم.
قوله تعالى: {وأورثناها قوماً آخرين} الضمير لمفعول {تركوا} المحذوف المبيّن بقوله: {من جنات} الخ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى: {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} بكاء السماء والأرض على شيء فائت كناية تخييلية عن تأثرهما عن فوته وفقده فعدم بكائهما عليهم بعد إهلاكهم كناية عن هوان أمرهم على الله وعدم تأثير هلاكهم في شيء من أجزاء الكون.
وقوله: {وما كانوا منظرين} كناية عن سرعة جريان القضاء الإِلهي والقهر الربوي في حقهم وعدم مصادفته لمانع يمنعه أو يحتاج إلى علاج في رفعه حتى يتأخر به.
قوله تعالى: {ولقد نجيّنا بني إسرائيل من العذاب المهين} وهو ما يصيبهم وهم في أسارة فرعون من ذبح الأبناء واستحياء النساء وغير ذلك.
قوله تعالى: {من فرعون إنه كان عالياً من المسرفين} {من فرعون} بدل من قوله: {من العذاب} إما بحذف مضاف والتقدير من عذاب فرعون، أو من غير حذف بجعل فرعون عين العذاب دعوى للمبالغة، وقوله: {إنه كان عالياً من المسرفين} أي متكبراً من أهل الإِسراف والتعدّي عن الحد.
قوله تعالى: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} أي اخترناهم على علم منا باستحقاقهم الاختيار على ما يفيده السياق.
والمراد بالعالمين جميع العالمين من الأمم إن كان المراد بالاختيار الاختيار من بعض الوجوه ككثرة الأنبياء فإنهم يمتازون من سائر الأمم بكثرة الأنبياء المبعوثين منهم ويمتازون بأن مرّ عليهم دهر طويل في التيه وهم يتظللون بالغمام ويأكلون المن والسلوى إلى غير ذلك.
وعالموا أهل زمانهم إن كان المراد بالاختيار مطلقة فإنهم لم يختاروا على الأُمة الإِسلامية التي خاطبهم الله تعالى بمثل قوله:
{ كنتم خير أُمة أُخرجت للناس } [آل عمران: 110]، وقوله: { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج } [الحج: 78]. قوله تعالى: {وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} البلاء الاختبار والامتحان أي وأعطينا بني إسرائيل من الآيات المعجزات ما فيه امتحان ظاهر ولقد أُوتوا من الآيات المعجزات ما لم يعهد في غيرهم من الأمم وابتلوا بذلك ابتلاء مبيناً.
قيل: وفي قوله: {فيه} إشارة إلى أن هناك أموراً أخرى ككونه معجزة.
وفي تذييل القصة بهذه الآيات الأربع أعني قوله: {ولقد نجّينا بني إسرائيل} إلى قوله {بلاء مبين} نوع تطييب لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإيماء إلى أن الله تعالى سينجّيه والمؤمنين به من فراعنة مكة ويختارهم ويمكنهم في الأرض فينظر كيف يعملون.
(بحث روائي)
عن جوامع الجامع في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} واختلف في الدخان فقيل: إنه دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أُوقد فيه ليس فيه خصاص يمدّ ذلك أربعين يوماً، وروي ذلك عن علي وابن عباس والحسن.
أقول: ورواه في الدر المنثور عنهم وأيضاً عن حذيفة بن اليمان وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواه أيضاً عن ابن عمر موقوفاً.
وفي تفسير القمي في الآية قال: ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر يغشى الناس كلهم الظلمة فيقولون: هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
وفي المجمع وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: بكت السماء على يحيى بن زكريا والحسين بن علي عليهما السلام أربعين صباحاً. قلت: فما بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين. قيل لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه وحيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قال: لا. قال: تحمرّ وتصير وردة كالدهان. إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرّت السماء وقطرت دماً، وإن الحسين بن علي يوم قتل احمرَّت السماء.
وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام قال: إذا مات المؤمن بكت عليه بقاع الأرض التي كان يعبد الله عز وجل فيها والباب الذي كان يصعد منه عمله وموضع سجوده.
أقول: وفي هذا المعنى ومعنى الروايتين السابقتين روايات أُخر من طرق الشيعة وأهل السنة.
ولو بني في معنى بكاء السماء والأرض على ما يظهر من هذه الروايات لم يحتج إلى حمل بكائهما على الكناية التخييلية.
وفي تفسير القمي في قوله تعالى: {وقالوا معلَّم مجنون} قال: قالوا ذلك لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذه الغشي فقالوا: هو مجنون.