خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

حـمۤ
١
تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ
٣
وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٤
وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٥
تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ
٦
وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
٧
يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
٨
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
٩
مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٠
هَـٰذَا هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ
١١
ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
١٣
-الجاثية

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
غرض السورة دعوة عامة على الإِنذار تفتتح بآيات الوحدانية ثم تذكر تشريع الشريعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشير إلى لزوم اتباعها له ولغيره بما أن أمامهم يوماً يحاسبون فيه على أعمالهم الصالحة من الإِيمان واتباع الشريعة واجتراحهم السيئات بالإِعراض عن الدين، ثم تذكر ما سيجري على الفريقين في ذلك اليوم وهو يوم القيامة.
وفي خلال مقاصدها إنذار ووعيد شديد للمستكبرين المعرضين عن آيات الله والذين اتخذوا إلههم هواهم وأضلَّهم الله على علم.
ومن طرائف مطالبها بيان معنى كتابة الأعمال واستنساخها.
والسورة مكية بشهادة سياق آياتها واستثنى بعضهم قوله تعالى: {قل للذين آمنوا} الآية، ولا شاهد له.
قوله تعالى: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} الظاهر أن {تنزيل الكتاب} من إضافة الصفة إلى الموصوف والمصدر بمعنى المفعول، و {من الله} متعلق بتنزيل، والمجموع خبر لمبتدأ محذوف.
والمعنى: هذا كتاب منزَّل من الله العزيز الحكيم، وقد تقدم الكلام في مفردات الآية فيما تقدم.
قوله تعالى: {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} آية الشيء علامته التي تدلُّ عليه وتشير إليه، والمراد بكون السماوات والأرض فيها آيات كونها بنفسها آيات له فليس وراء السماوات والأرض وسائر ما خلق الله أمر مظروف لها هو آية دالَّة عليه تعالى.
ومن الدليل على ما ذكرنا اختلاف التعبير فيها في كلامه تعالى فتارة يذكر أن في الشيء آية له وأُخرى يعدّه بنفسه آية كقوله تعالى:
{ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات } [آل عمران: 190]، وقوله: { ومن آياته خلق السماوات والأرض } [الروم: 22]، ونظائرهما كثيرة، ويستفاد من اختلاف التعبير الذي فيها أن معنى كون الشيء فيه آية هو كونه بنفسه آية كما يستفاد من اختلاف التعبير في مثل قوله: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات}, وقوله: {إن في السماوات والأرض لآيات} الآية، أن المراد من خلق السماوات والأرض نفسها لا غير.
والعناية في أخذ الشيء ظرفاً للآية مع كونه بنفسه آية اعتبار جهات وجوده وأن لوجوده جهة أو جهات كل واحدة منها آية من الآيات ولو أخذت نفس الشيء لم يستقم إلا أخذها آية واحدة كما في قوله تعالى:
{ وفي الأرض آيات للموقنين } [الذاريات: 20]، ولو أُخذت الآية نفس الأرض لم يستقم إلا أن يقال: والأرض آية للموقنين وضاع المراد وهو أن في وجود الأرض جهات كل واحدة منها آية وحدها.
فمعنى قوله: {إن في السماوات والأرض} الخ، أن لوجود السماوات والأرض جهات دالة على أن الله تعالى هو خالقها المدبّر لها وحده لا شريك له فإنها بحاجتها الذاتية إلى من يوجدها وعظمة خلقتها وبداعة تركيبها واتصال وجود بعضها ببعض وارتباطه على كثرتها الهائلة واندراج أنظمتها الجزئية الخاصة بكل واحد تحت نظام عام يجمعها ويحكم فيها تدل على أن لها خالقاً هو وحده ربها المدبر أمرها فلولا أن هناك من يوجدها لم توجد من رأس، ولولا أن مدبرها واحد لتناقضت النظامات وتدافعت واختلف التدبير.
ومما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن قوله: {في السماوات} بتقدير مضاف محذوف والتقدير في خلق السماوات، تكلف من غير ضرورة تدعو إليه.
قوله تعالى: {وفي خلقكم وما يبثُّ من دابة آيات لقوم يوقنون} البث التفريق والإِثارة وبثه تعالى للدواب خلقها وتفريقها ونشرها على الأرض كما قال في خلق الإِنسان:
{ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } [الروم: 20]. ومعنى الآية: وفيكم من حيث وجودكم المخلوق وفيما يفرّقه الله من دابة من حيث خلقها آيات لقوم يسلكون سبيل اليقين.
وخلق الإِنسان على كونه موجوداً أرضياً له ارتباط بالمادة نوع آخر من الخلق يغاير خلق السماوات والأرض لأنه مركب من بدن أرضي مؤلف من مواد كونية عنصرية تفسد بالموت بالتفرق والتلاشي وأمر آخر وراء ذلك علوي غير مادي لا يفسد بالموت بل يتوفى ويحفظ عند الله، وهو الذي يسميه القرآن بالروح قال تعالى:
{ ونفخت فيه من روحي } [ص: 22]، وقال بعد ذكر خلق الإِنسان من نطفة ثم من علقة ثم مضغة ثم تتميم خلق بدنه: { ثم أنشأناه خلقاً آخر } [المؤمنون: 14]، وقال: { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [السجدة: 11]. فالناظر في خلق الإِنسان ناظر في آية ملكوتية وراء الآيات المادية وكذا الناظر في خلق الدواب ولها نفوس ذوات حياة وشعور وإن كانت دون الإِنسان في حياتها وشعورها كما أنها دونه في تجهيزاتها البدنية ففي الجميع آيات لأهل اليقين يعرفون بها الله سبحانه بأنه واحد لا شريك له في ربوبيته وأُلوهيته.
قوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} إلى آخر الآية هذا القبيل من الآيات آيات ما بين السماء والأرض.
وقوله: {واختلاف الليل والنهار} يريد به اختلافهما في الطول والقصر اختلافاً منظماً باختلاف الفصول الأربعة بحسب بقاع الأرض المختلفة ويتكرر بتكرر السنين يدبر سبحانه بذلك أقوات أهل الأرض ويربيهم بذلك تربية صالحة قال تعالى:
{ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } [فصلت: 10]. وقوله: {وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها} المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء هو المطر تسمية للسبب باسم المسبّب مجازاً أو لأن المطر أيضاً من الرزق فإن مياه الأرض من المطر، والمراد بالسماء جهة العلو أو السحاب مجازاً، وإحياء الأرض به بعد موتها هو إحياء ما فيها من النبات بالأخذ في الرشد والنمو، ولا يخلو التعرض للإِحياء بعد الموت من تلويح إلى المعاد.
وقوله: {وتصريف الرياح} أي تحويلها وإرسالها من جانب إلى جانب، لتصريفها فوائد عامة كثيرة من أعمها سوق السحب إلى أقطارالأرض وتلقيح النباتات ودفع العفونات والروائح المنتنة.
وقوله: {آيات لقوم يعقلون} أي يميزون بين الحق والباطل والحسن والقبيح بالعقل الذي أودعه الله سبحانه فيهم.
وقد خص كل قبيل من الآيات بقوم خاص فخصت آية السماوات والأرض بالمؤمنين وآية الإِنسان وسائر الحيوان بقوم يوقنون، وآية اختلاف الليل والنهار والأمطار وتصريف الرياح بقوم يعقلون.
ولعل الوجه في ذلك أن آية السماوات والأرض تدل بدلالة بسيطة ساذجة على أنها لم توجد نفسها بنفسها ولا عن اتفاق وصدفة بل لها موجد أوجدها مع ما لها من الآثار والأفعال التي يتحصل منها النظام المشهود فخالقها خالق الجميع ورب الكل، والإِنسان يدرك ذلك بفهمه البسيط الساذج والمؤمنون بجميع طبقاتهم يفهمون ذلك وينتفعون به.
وأما أنه خلق الإِنسان وسائر الدواب التي لها حياة وشعور فإنها من حيث أرواحها ونفوسها الحية الشاعرة من عالم وراء عالم المادة وهو المسمى بالملكوت وقد خص القرآن كمال إدراكه ومشاهدته بأهل اليقين كما قال:
{ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]. وأما آية اختلاف الليل والنهار والأمطار المحيية للأرض وتصريف الرياح فإنها لتنوع أقسامها وتعدد جهاتها وارتباطها بالأرض والأرضيات وكثرة فوائدها وسعة منافعها تحتاج إلى تعقل فكري تفصيلي عميق ولا تنال بالفهم البسيط الساذج ولذلك خصت بقوم يعقلون والآيات آيات لجميع الناس لكن لما كان المنتفع بها بعضهم خصت بهم.
وقد عبر عن أهل اليقين والعقل بقوم يوقنون وبقوم يعقلون وعن أهل الإِيمان بالمؤمنين لأن بساطة آية أهل الإِيمان تفيد أن المراد بالإِيمان أصله وهو ثابت فيهم فناسب التعبير عنهم بالوصف بخلاف آيتي أهل اليقين والعقل فإنهما لدقّتهما وعلو منالهما تدركان شيئاً فشيئاً فناسبتا التعبير بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار التجددي.
وقيل في وجه ما في الآيات الثلاث من الترتيب بين أهلها حيث ذكر أولاً أهل الإِيمان ثم الإِيقان ثم العقل أنه على ترتيب الترقي فإن الإِيقان مرتبة خاصة في الإِيمان فهو بعد الإِيمان والعقل مدار الإِيمان والإِيقان ونعني العقل المؤيَّد بنور البصيرة فبسببه يخلص اليقين من اعتراء الشكوك من كل وجه وفي استحكامه كل خير. وروعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث.
وفيه أن مقتضى ما وصفه من أمر العقل وقوعه قبل الثاني بل قبل أول المراتب على ما ذكره من إمكان اعتراء الشكوك على اليقين مما لا سبيل إلى تصوّره.
وقيل في وجه الترتيب: أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن السماوات والأرض من أسباب تكوُّن الحيوان بوجه فيجب أن تذكــر قبله، وكذلــك النظــر فــي الثالـث يضطـر إلى النظر في الأوليــن أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد أن يكون جامعاً أي إن الثالث وهو المعلول يتوقف في معرفته على ذكر علَّته الغائية قبله.
وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الآيات دون مراتب الصفات الثلاث أعني الإِيمان والإِيقان والعقل. على أن الثالث أيضاً كالأول من أسباب تكوّن الحيوان فيجب أن يتقدم على الثاني، وبوجه آخر الثاني علة غائية للأول فيجب أن يتقدم على الأول كما تقدم على الثالث.
وقيل: إن السبب في ترتيب هذه الفواصل أنه قيل: إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم بمؤمنين وكنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم بمؤمنين ولا موقنين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل.
وفيه أنه على تقدير صحته وجه لترتب الصفات الثلاث دون أقسام الآيات الثلاثة على أن لازمه أن لا يختص شيء من الآيات الثلاث بواحدة من الصفات الثلاث بل يكون الجميع للجميع والسياق لا يساعد عليه على أن ظاهر كلامه أنه فسّر اليقين بالجزم وهو العلم فلا يبقى للعقل إلا الحكم الظني ولا يعبأ به في المعارف الاعتقادية.
قوله تعالى: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} الإِيمان بأمر هو العلم به مع الالتزام به عملاً فلو لم يلتزم لم يكن إيماناً وإن كان هناك علم، قال تعالى:
{ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } [النمل: 14]، وقال: { وأضلَّه الله على علم } [الجاثية: 23]. والآيات هي العلامات الدالة فآيات الله الكونية هي الأمور الكونية الدالة بوجودها الخارجي على كونه تعالى واحداً في الخلق متصفاً بصفات الكمال منزّهاً عن كل نقص وحاجة، والإِيمان بهذه الآيات هو الإِيمان بدلالتها عليه تعالى ولازمه الإِيمان به تعالى كما تدلّ هي عليه.
والآيات القرآنية آيات له تعالى بما تدلّ على الآيات الكونية الدالة عليه سبحانه أو على معارف اعتقادية أو أحكام عمليه أو أخلاق يرتضيها الله سبحانه ويأمر بها فإن مضامينها دالَّة عليه ومن عنده، والإِيمان بهذه الآيات أيضاً إيمان بدلالتها ويلزمه الإِيمان بمدلولها.
والآيات المعجزة أيضاً إما آيات كونية ودلالتها دلالة الآيات الكونية وإما غير كونية كالقرآن في إعجازه ومرجع دلالتها إلى دلالة الآيات الكونية.
وقوله: {تلك آيات الله نتلوها عليك} الإِشارة إلى الآيات القرآنية المتلوَّة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن أن تكون إشارة إلى الآيات الكونية المذكورة في الآيات الثلاث السابقة بعناية الاتحاد بين الدالّ والمدلول.
وقوله: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} قيل: هو من قبيل قولك: أعجبني زيد وكرمه، وإنما أعجبك كرمه والمعنى بحسب النظر الدقيق أعجبني كرم زيد وزيد من حيث كرمه، فمعنى الآية فبأي حديث بعد آيات الله يعني الآيات القرآنية يؤمنون؟ يعني إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فبأي حديث يؤمنون؟.
وقيل: الكلام بتقدير حديث أي إذا لم يؤمنوا فبأي حديث بعد حديث الله وآياته يؤمنون، والأنسب على هذا المعنى أن يكون المراد بالآيات الآيات الكونية ولذا قال الطبرسي بعد ذكر هذا المعنى: والفرق بين الحديث الذي هو القرآن وبين الآيات أن الحديث قصص يستخرج منه عبر تبيين الحق من الباطل، والآيات هي الأدلة الفاصلة بين الصحيح والفاسد. انتهى وأول الوجهين ألطف.
قوله تعالى: {ويل لكل أفّاك أثيم} الويل والهلاك، والأفاك مبالغة من الإِفك وهو الكذب، والأثيم من الإِثم بمعنى المعصية والمعنى: ليكن الهلاك على كل كذاب ذي معصية.
قوله تعالى: {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها} الخ صفة لكل أفاك أثيم، و {ثم} للتراخي الرتبي وتفيد معنى الاستبعاد، والإِصرار على الفعل ملازمته وعدم الانفكاك عنه.
والمعنى: يسمع آيات الله - وهي آيات القرآن - تقرأ عليه ثم يلازم الكفر والحال أنه مستكبر لا يتواضع للحق كأن لم يسمع تلك الآيات فبشره بعذاب أليم.
قوله تعالى: {وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً} الخ، ظاهر السياق أن ضمير {اتخذها} للآيات، وجعل الهزء متعلقاً بالآيات دون ما علم منها يفيد كمال جهله، والمعنى: وإذا علم ذلك الأفّاك الأثيم المصرّ المستكبر بعض آياتنا استهزأ بآياتنا جميعاً.
وقوله: {أُولئك لهم عذاب مهين} أي مذل مخز، وتوصيف العذاب بالاهانة مقابلة لاستكبارهم واستهزائهم، والاشارة باولئك إلى كل أفّاك، وقيل في الآية بوجوه أُخر أعرضنا عنها لعدم الجدوى فيها.
قوله تعالى: {من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} الخ، لما كانوا مشتغلين بالدنيا معرضين عن الحق غير ملتفتين إلى تبعات أعمالهم جعلت جهنم وراءهم مع أنها قدامهم وهم سائرون نحوها متوجهون إليها.
وقيل: وراءهم بمعنى قدامهم قال في المجمع: وراء اسم يقع على القدام والخلف فما توارى عنك فهو وراءك خلفك كان أو أمامك. انتهى. وفي قوله: {من ورائهم جهنم} قضاء حتم.
وقوله: {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً} المراد بما كسبوا ما حصلوه في الدنيا من مال ونحوه، وتنكير {شيئاً} للتحقير أي ولا يغني عنهم يوم الحساب ما كسبوه من مال وجاه وأنصار في الدنيا شيئاً يسيراً حقيراً.
وقوله: {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} {ما} مصدرية والمراد بالأولياء أرباب الأصنام الذين اتخذوهم أرباباً آلهة وزعموا أنهم لهم شفعاء أو الأصنام.
وقوله: {ولهم عذاب عظيم} تأكيد لوعيدهم وقد أوعدهم الله سبحانه أولاً بقوله: {ويل لكل أفّاك} الخ، وثانياً بقوله: {فبشره بعذاب أليم} وثالثاً بقوله: {أولئك لهم عذاب مهين} ورابعاً بقوله: {من ورائهم جهنم} الخ، وخامساً بقوله: {ولهم عذاب عظيم}، ووصف عذابهم في خلالها بأنه أليم مهين عظيم.
قوله تعالى: {هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} الإِشارة بقوله: {هذا هدى} إلى القرآن ووصفه بالهدى للمبالغة نحو زيد عدل والرجز - كما قيل - أشد العذاب وأصله الاضطراب.
والآية في مقام الردّ لما رموا به القرآن وعدّوه مهاناً بالهزء والسخرية وخلاصة وعيد من كفر بآياته.
قوله تعالى: {الله الذي سخّر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره} الخ، لما ذكر سبحانه حال الأفّاكين من الاستكبار عن الإِيمان بالآيات إذا تليت عليهم والاستهزاء بما علموا منها وأوعدهم أبلغ الإِيعاد بأشد العذاب رجع إليهم بخطاب الجميع ممَّن يؤمن ويكفر، وذكر بعض آيات ربوبيته التي فيها منٌّ عظيم عليهم وليس في وسعهم إنكارها فذكر أولاً تسخير البحر لهم ثم ما في السماوات والأرض جميعاً ففيها آيات لا يكفر بها إلا من انسلخ عن الفطرة الإِنسانية ونسي التفكر الذي هو من أجلى خواص الإِنسان.
فقوله: {الله الذي سخَّر لكم البحر} اللام في {لكم} للغاية أي سخر لأجلكم البحر بأن خلقه على نحو يحمل الفلك ويقبل أن تجري فيه فينتفع به الإِنسان، ويمكن أن تكون للتعدية فيكون الإِنسان يسخر البحر بإذن الله.
وقوله: {لتجري الفلك فيه بأمره} غاية لتسخير البحر، وجريان الفلك فيه بأمره، هو إيجاد الجريان بكلمة كن فآثار الأشياء كنفس الأشياء منسوبة إليه تعالى وقوله: {ولتبتغوا من فضله} أي ولتطلبوا بركوبه عطيته تعالى وهو رزقه.
وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي رجاء أن تشكروه تعالى قبال هذه النعمة التي هي تسخير البحر.
قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} الخ، هذا من الترقي بعطف العام على الخاص، والكلام في {لكم} كالكلام في مثله في الآية السابقة، وقوله: {جميعاً} تأكيد لما في السماوات والأرض أو حال منه.
وقوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً} معنى تسخيرها للإِنسان أن أجزاء العالم المشهود تجري على نظام واحد يحكم فيها ويربط بعضها ببعض ويربط الجميع بالإِنسان فينتفع في حياته من علويها وسفليها ولا يزال المجتمع البشري يتوسع في الانتفاع بها والاستفادة من توسيطها والتوسل بشتاتها في الحصول على مزايا الحياة فالكل مسخر له.
وقوله: {منه} من للابتداء، والضمير لله تعالى وهو حال مما في السماوات والأرض، والمعنى: سخر لكم ما في السماوات والأرض جميعاً حال كونه مبتدأ منه حاصلاً من عنده فذرات الأشياء تبتدئ منه بإيجاده لها من غير مثال سابق وكذلك خواصها وآثارها بخلقه ومن خواصها وآثارها ارتباط بعضها ببعض وهو النظام الجاري فيها المرتبط بالإِنسان قال تعالى:
{ الله يبدأ الخلق ثم يعيده } [الروم: 11]، وقال: { إنه هو يبدئ ويعيد } [البروج: 13]. وقد ذكروا لقوله: {منه} معاني أُخر لا يخلو شيء منها عن التكلف تركنا التعرّض لها.
وقوله: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وجه تعلقها بالتفكر ظاهر.