خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ
١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
٢
ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ
٣
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
٤
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ
٥
وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ
٦
-محمد

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
تصف السورة الذين كفروا بما يخصهم من الأوصاف الخبيثة والأعمال السيئة وتصف الذين آمنوا بصفاتهم الطيبة وأعمالهم الحسنة ثم تذكر ما يعقب صفات هؤلاء من النعمة والكرامة وصفات أولئك من النقمة والهوان وعلى الجملة فيها المقايسة بين الفريقين في صفاتهم وأعمالهم في الدنيا وما يترتب عليها في الأخرى، وفيها بعض ما يتعلق بالقتال من الأحكام.
وهي سورة مدنية على ما يشهد به سياق آياتها.
قوله تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم} فسر الصد بالإِعراض عن سبيل الله وهو الإِسلام كما عن بعضهم، وفسر بالمنع وهو منعهم الناس أن يؤمنوا بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إليه من دين التوحيد كما عن بعض آخر.
وثاني التفسيرين أوفق لسياق الآيات التالية وخاصة ما يأمر المؤمنين بقتلهم وأسرهم وغيرهم.
فالمراد بالذين كفروا كفار مكة ومن تبعهم في كفرهم وقد كانوا يمنعون الناس عن الإِيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويفتنونهم، وصدوهم أيضاً عن المسجد الحرام.
وقوله: {أضل أعمالهم} أي جعل أعمالهم ضالة لا تهتدي إلى مقاصدها التي قصدت بها وهي بالجملة إبطال الحق وإحياء الباطل فالجملة في معنى ما تكرر منه تعالى من قوله:
{ والله لا يهدي القوم الكافرين } [البقرة: 264]، وقد وعد سبحانه بإحياء الحق وإبطال الباطل كما في قوله: { ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } [الأنفال: 8]. فالمراد من ضلال أعمالهم بطلانها وفسادها دون الوصول إلى الغاية، وعد ذلك ضلالاً من الاستعارة بالكناية.
قوله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزّل على محمد وهو الحق من ربهم} الخ، ظاهر إطلاق صدر الآية أن المراد بالذين آمنوا الخ، مطلق من آمن وعمل صالحاً فيكون قوله: {وآمنوا بما نزل على محمد} تقييداً احترازياً لا تأكيداً وذكراً لما تعلقت به العناية في الإِيمان.
وقوله: {وهو الحق من ربهم} جملة معترضة والضمير راجع إلى ما نزل.
وقوله: {كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم} قال في المجمع: البال الحال والشأن والبال القلب أيضاً يقال: خطر ببالي كذا، والبال لا يجمع لأنه أبهم أخواته من الحال والشأن. انتهى.
وقد قوبل إضلال الأعمال في الآية السابقة بتكفير السيئات وإصلاح البال في هذه الآية فمعنى ذلك هداية إيمانهم وعملهم الصالح إلى غاية السعادة، وإنما يتم ذلك بتكفير السيئات المانعة من الوصول إلى السعادة، ولذلك ضمّ تكفير السيئات إلى إصلاح البال.
والمعنى: ضرب الله الستر على سيئاتهم بالعفو والمغفرة، وأصلح حالهم في الدنيا والآخرة أما الدنيا فلأن الدين الحق هو الدين الذي يوافق ما تقتضيه الفطرة الإِنسانية التي فطر الله الناس عليها، والفطرة لا تقتضي إلا ما فيه سعادتها وكمالها ففي الإِيمان بما أنزل الله من دين الفطرة والعمل به صلاح حال المؤمنين في مجتمعهم الدنيوي، وأما في الآخرة فلأنها عاقبة الحياة الدنيا وإذ كانت فاتحتها سعيدة كانت خاتمتها كذلك قال تعالى:
{ والعاقبة للتقوى } [طه: 132]. قوله تعالى: {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم} الخ، تعليل لما في الآيتين السابقتين من إضلال أعمال الكفار وإصلاح حال المؤمنين مع تكفير سيئاتهم.
وفي تقييد الحق بقوله: {من ربهم} إشارة إلى أن المنتسب إليه تعالى هو الحق ولا نسبة للباطل إليه ولذلك تولى سبحانه إصلاح بال المؤمنين لما ينتسب إليه طريق الحق الذي اتبعوه، وأما الكفار بأعمالهم فلا شأن له تعالى فيهم وأما انتساب ضلالهم إليه في قوله: {أضل أعمالهم} فمعنى إضلال أعمالهم عدم هدايته لها إلى غايات صالحة سعيدة.
وفي الآية إشارة إلى أن الملاك كل الملاك في سعادة الإِنسان وشقائه اتباع الحق واتباع الباطل والسبب في ذلك انتساب الحق إليه تعالى دون الباطل.
وقوله: {كذلك يضرب الله للناس أمثالهم} أي يبيّن لهم أوصافهم على ما هي عليه، وفي الإِتيان باسم الإِشارة الموضوعة للبعيد تفخيم لأمر ما ضربه من المثل.
قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} إلى آخر الآية، تفريع على ما تقدم في الآيات الثلاث من وصف الفريقين كأنه قيل: إذا كان المؤمنون أهل الحق والله ينعم عليهم بما ينعم والكفار أهل الباطل والله يضلّ أعمالهم فعلى المؤمنين إذا لقوا الكفار أن يقتلوهم ويأسروهم ليحيا الحق الذي عليه المؤمنون وتطهر الأرض من الباطل الذي عليه الكفار.
فقوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} المراد باللقاء اللقاء في القتال وضرب الرقاب مفعول مطلق قائم مقام فعله العامل فيه، والتقدير: فاضربوا الرقاب - أي رقابهم - ضرباً وضرب الرقبة كناية عن القتل بالسيف، لأن أيسر القتل وأسرعه ضرب الرقبة به.
وقوله: {حتى إذا أثخنتموهم فشدُّوا الوثاق} في المجمع: الإِثخان إكثار القتل وغلبة العدو وقهرهم ومنه أثخنه المرض اشتدَّ عليه وأثخنه الجراح. انتهى. وفي المفردات: وثقت به أثق ثقة سكنت إليه واعتمدت عليه، وأوثقته شددته، والوثاق - بفتح الواو - والوثاق - بكسر الواو - اسمان لما يوثق به الشيء. انتهى. و {حتى} غاية لضرب الرقاب، والمعنى: فاقتلوهم حتى إذا أكثرتم القتل فيهم فأسروهم بشدّ الوثاق وإحكامه فالمراد بشد الوثاق الأسر فالآية في ترتب الأسر فيها على الاثخان في معنى قوله تعالى:
{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [الأنفال: 67]. وقوله: {فإما مناً بعد وإما فداء} أي فأسروهم ويتفرع عليه أنكم إما تمنون عليهم مناً بعد الأسر فتطلقونهم أو تسترقونهم وإما تفدونهم فداء بالمال أو بمن لكم عندهم من الأسارى.
وقوله: {حتى تضع الحرب أوزارها} أوزار الحرب أثقالها وهي الأسلحة التي يحملها المحاربون والمراد به وضع المقاتلين وأهل الحرب أسلحتهم كناية عن انقضاء القتال.
وقد تبين بما تقدم من المعنى ما في قول بعضهم إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [الأنفال: 67]، لأن هذه السورة متأخرة نزولاً عن سورة الأنفال فتكون ناسخة لها.
وذلك لعدم التدافع بين الآيتين فآية الأنفال تنهى عن الأسر قبل الإِثخان والآية المبحوث عنها تأمر بالأسر بعد الإِثخان.
وكذا ما قيل: إن قوله: {فشدوا الوثاق} الخ، منسوخ بآية السيف
{ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة: 5]، وكأنه مبني على كون العام الوارد بعد الخاص ناسخاً له لا مخصصاً به والحقُّ خلافه وتمام البحث في الأصول، وفي الآية أيضاً مباحث فقهية محلها علم الفقه.
وقوله: {ذلك} أي الأمر ذلك أي إن حكم الله هو ما ذكر في الآية.
وقوله: {ولو شاء الله لانتصر منهم} الضمير للكفار أي ولو شاء الله الانتقام منهم لانتقم منهم بإهلاكهم وتعذيبهم من غير أن يأمركم بقتالهم.
وقوله: {ولكن ليبلوا بعضكم ببعض} استدراك من مشيئة الانتصار أي ولكن لم ينتصر منهم بل أمركم بقتالهم ليمتحن بعضكم ببعض فيمتحن المؤمنين بالكفار يأمرهم بقتالهم ليظهر المطيعون من العاصين ويمتحن الكفار بالمؤمنين فيتميز أهل الشقاء منهم ممن يوفق للتوبة من الباطل والرجوع إلى الحق.
وقد ظهر بذلك أن قوله: {ليبلوا بعضكم ببعض} تعليل للحكم المذكورة في الآية والخطاب في {بعضكم} لمجموع المؤمنين والكفار ووجه الخطاب إلى المؤمنين.
وقوله: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} الكلام مسوق سوق الشرط والحكم عام أي ومن قتل في سبيل الله وهو الجهاد والقتال مع أعداء الدين فلن يبطل أعمالهم الصالحة التي أتوا بها في سبيل الله.
وقيل: المراد بقوله: {والذين قتلوا في سبيل الله} شهداء يوم أُحد، وفيه أنه تخصيص من غير مخصِّص والسياق سياق العموم.
قوله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم} الضمير للذين قتلوا في سبيل الله فالآية وما يتلوها لبيان حالهم بعد الشهادة أي سيهديهم الله إلى منازل السعادة والكرامة ويصلح حالهم بالمغفرة والعفو عن سيئاتهم فيصلحون لدخول الجنة.
وإذا انضمت هذه الآية إلى قوله تعالى:
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم } [آل عمران: 169]، ظهر أن المراد بإصلاح بالهم إحياؤهم حياة يصلحون بها للحضور عند ربهم بانكشاف الغطاء.
وقال في المجمع: والوجه في تكرير قوله: {بالهم} أن المراد بالأول أنه أصلح بالهم في الدين والدنيا، وبالثاني أنه يصلح حالهم في نعيم العقبى فالأول سبب النعيم والثاني نفس النعيم. انتهى. والفرق بين ما ذكره من المعنى وما قدمناه أن قوله تعالى: {ويصلح بالهم} على ما ذكرنا كالعطف التفسيري لقوله: {سيهديهم} دون ما ذكره، وقوله الآتي: {ويدخلهم الجنة} على ما ذكره كالعطف التفسيري لقوله: {ويصلح بالهم} دون ما ذكرناه.
قوله تعالى: {ويدخلهم الجنة عرّفها لهم} غاية هدايته لهم، وقوله: {عرفها لهم} حال من إدخاله إياهم الجنة أي سيدخلهم الجنة والحال أنه عرفها لهم إما بالبيان الدنيوي من طريق الوحي والنبوة وإما بالبشرى عند القبض أو في القبر أو في القيامة أو في جميع هذه المواقف هذا ما يفيده السياق من المعنى.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن علي قال: سورة محمد آية فينا وآية في بني أُميّة.
أقول: وروى القمي في تفسيره عن أبيه عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.
وفي المجمع في قوله: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} الخ، المروي عن أئمة الهدى عليهم السلام: أن الأسارى ضربان: ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال والحرب قائمة فهؤلاء يكون الإِمام مخيراً بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، ولا يجوز المن ولا الفداء.
والضرب الآخر الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى القتال فالإِمام مخير فيهم بين المن والفداء إما بالمال أو بالنفس وبين الاسترقاق وضرب الرقاب فإذا أسلموا في الحالين سقط جميع ذلك وكان حكمهم حكم المسلمين.
أقول: وروى ما في معناه في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن ابن جريح في قوله تعالى: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} قال: نزل فيمن قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحد.
أقول: قد عرفت أن الآية عامة، وسياق الاستقبال في قوله: {سيهديهم ويصلح بالهم} الخ، إنما يلائم العموم وكون الكلام مسوقاً لضرب القاعدة.
وقد روي أن قوله تعالى: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} ناسخ لقوله: {وما كان لنبي أن يكون له أسرى} الآية، وأيضاً أن قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ناسخ لقوله: {فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداء} وقد عرفت فيما تقدم عدم استقامة النسخ.