خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِٱلأَلْقَابِ بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
١١
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ
١٢
يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
١٣
قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٤
إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ
١٥
قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
١٦
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
١٧
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٨
-الحجرات

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنَّ خيراً منهن} الخ، السخرية الاستهزاء وهو ذكر ما يستحقر ويستهان به الإِنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليداً بحيث يضحك منه بالطبع، والقوم الجماعة وهو في الأصل الرجال دون النساء لقيامهم بالأمور المهمة دونهن، وهذا المعنى هو المراد بالقوم في الآية بما قوبل بالنساء.
وقوله: {عسى أن يكونوا خيراً منهم} و {عسى أن يكنَّ خيراً منهن} حكمة النهي.
والمستفاد من السياق أن الملاك رجاء كون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر سواء كان الساخر رجلاً أو امراة وكذا المسخور منه فتخصيص النهي في اللفظ بسخرية القوم من القوم وسخرية النساء من النساء لمكان الغلبة عادة.
وقوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} اللمز - على ما قيل - التنبيه على المعايب، وتعليق اللمز بقوله: {أنفسكم} للاشارة إلى أنهم مجتمع واحد بعضهم من بعض فلمز الواحد منهم غيره في الحقيقة لمز نفسه فليجتنب من أن يلمز غيره كما يكره أن يلمزه غيره، ففي قوله: {أنفسكم} إشارة إلى حكمة النهي.
وقوله: {ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإِيمان} النبز بالتحريك هو اللقب، ويختص - على ما قيل - بما يدلُّ على ذم فالتنابز بالألقاب ذكر بعضهم بعضاً بلقب السوء مما يكرهه كالفاسق والسفيه ونحو ذلك.
والمراد بالاسم في {بئس الاسم الفسوق} الذكر كما يقال: شاع اسم فلان بالسخاء والجود، وعلى هذا فالمعنى: بئس الذكر ذكر الناس - بعد إيمانهم - بالفسوق فإن الحري بالمؤمن بما هو مؤمن أن يذكر بالخير ولا يطعن فيه بما يسوؤه نحو يا من أبوه كان كذا ويا من أُمه كانت كذا.
ويمكن أن يكون المراد بالاسم السمة والعلامة والمعنى: بئست السمة أن يوسم الإِنسان بعد الإِيمان بالفسوق بأن يذكر بسمة السوء كأن يقال لمن اقترف معصية ثم تاب: يا صاحب المعصية الفلانية، أو المعنى: بئس الاسم أن يسم الإِنسان نفسه بالفسوق بذكر الناس بما يسوؤهم من الألقاب، وعلى أي معنى كان ففي الجملة إشارة إلى حكمة النهي.
وقوله: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} أي ومن لم يتب عن هذه المعاصي التي يقترفها بعد ورود النهي فلم يندم عليها ولم يرجع إلى الله سبحانه بتركها فاولئك ظالمون حقاً فإنهم لا يرون بها بأساً وقد عدها الله معاصي ونهى عنها.
وفي الجملة أعني قوله: {ومن لم يتب} الخ، إشعار بأن هناك من كان يقترف هذه المعاصي من المؤمنين.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم} إلى آخر الآية المراد بالظن المأمور بالاجتناب عنه ظن السوء فإن ظن الخير مندوب إليه كما يستفاد من قوله تعالى:
{ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً } [النور: 12]. والمراد بالاجتناب عن الظن الاجتناب عن ترتيب الأثر عليه كأن يظن بأخيه المؤمن سوء فيرميه به ويذكره لغيره ويرتب عليه سائر آثاره، وأما نفس الظن بما هو نوع من الإِدراك النفساني فهو أمر يفاجئ النفس لا عن اختيار فلا يتعلق به النهي اللهم إلا إذا كان بعض مقدماته اختيارياً.
وعلى هذا فكون بعض الظن إثماً من حيث كون ما يترتب عليه من الأثر إثماً كإهانة المظنون به وقذفه وغير ذلك من الآثار السيئة المحرمة، والمراد بكثير من الظن - وقد جيء به نكرة ليدل على كثرته في نفسه لا بالقياس إلى سائر أفراد الظن - هو بعض الظن الذي هو إثم فهو كثير في نفسه وبعض من مطلق الظن، ولو أُريد بكثير من الظن أعم من ذلك كأن يراد ما يعلم أن فيه إثماً وما لا يعلم منه ذلك كان الأمر بالاجتناب عنه أمراً احتياطياً توقياً من الوقوع في الإِثم.
وقوله: {ولا تجسسوا} التجسس بالجيم تتبع ما استتر من أُمور الناس للاطلاع عليها، ومثله التحسس بالحاء المهملة إلا أن التجسس بالجيم يستعمل في الشر والتحسس بالحاء يستعمل في الخير، ولذا قيل: معنى الآية لا تتبعوا عيوب المسلمين لتهتكوا الأمور التي يسترها أهلها.
وقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} الغيبة على ما في مجمع البيان ذكر العيب بظهر الغيب على وجه يمنع الحكمة منه، وقد فسرت بتفاسير مختلفة حسب الاختلاف في مصاديقها سعة وضيقاً في الفقه، ويؤول إلى أن يذكر من الإِنسان في ظهر الغيب ما يسوؤه لو ذكر به ولذا لم يعدوا من الغيبة ذكر المتجاهر بالفسق بما تجاهر به.
والغيبة تفسد أجزاء المجتمع واحداً بعد واحد فتسقطها عن صلاحية التأثير الصالح المرجو من الاجتماع وهو أن يخالط كل صاحبه ويمازجه في أمن وسلامة بأن يعرفه إنساناً عدلاً سوياً يأنس به ولا يكرهه ولا يستقذره، وأما إذا عرفه بما يكرهه ويعيبه به انقطع عنه بمقدار ذلك وضعفت رابطة الاجتماع فهي كالآكلة التي تأكل جثمان من ابتلي بها عضواً بعد عضو حتى تنتهي إلى بطلان الحياة.
والإِنسان إنما يعقد المجتمع ليعيش فيه بهوية اجتماعية أعني بمنزلة اجتماعية صالحة لان يخالطه ويمازج فيفيد ويستفاد منه، وغيبته بذكر عيبه لغيره تسقطه عن هذه المنزلة وتبطل منه هذه الهوية، وفيه تنقيص واحد من عدد المجتمع الصالح ولا يزال ينتقص بشيوع الغيبة حتى يأتي على آخره فيتبدل الصلاح فساداً ويذهب الأنس والأمن والاعتماد وينقلب الدواء داء.
فهي في الحقيقة إبطال هوية اجتماعية على حين غفلة من صاحبها ومن حيث لا يشعر به، ولو علم بذلك على ما فيه من المخاطرة لتحرّز منه وتوقّى انهتاك ستره وهو الستر ألقاه الله سبحانه على عيوب الإِنسان ونواقصه ليتمّ به ما أراده من طريق الفطرة من تألف أفراد الإِنسان وتجمُّعهم وتعاونهم وتعاضدهم، وأين الإِنسان والنزاهة من كل عيب.
وإلى هذه الحقيقة أشار تعالى فيما ذكره من التمثيل بقوله: {أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه} وقد أتى بالاستفهام الإِنكاري ونسب الحب المنفي إلى أحدهم ولم يقل: بعضكم ونحو ذلك ليكون النفي أوضح استيعاباً وشمولاً ولذا أكَّده بقوله بعد: {فكرهتموه} فنسب الكراهة إلى الجميع ولم يقل: فكرهه.
وبالجملة محصّله أن اغتياب المؤمن بمنزلة أن يأكل الإِنسان لحم أخيه حال كونه ميتاً، وإنما كان لحم أخيه لأنه من أفراد المجتمع الإِسلامي المؤلف من المؤمنين وإنما المؤمنون إخوة، وإنما كان ميتاً لأنه لغيبته غافل لا يشعر بما يقال فيه.
وفي قوله: {فكرهتموه} ولم يقل: فتكرهونه إشعار بأن الكراهة أمر ثابت محقق منكم في أن تأكلوا إنساناً هو أخوكم وهو ميت فكما أن هذا مكروه لكم فليكن مكروهاً لكم اغتياب أخيكم المؤمن بظهر الغيب فإنه في معنى أكل أحدكم أخاه ميتاً.
واعلم أن ما في قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل} الخ، من التعليل جار في التجسس أيضاً كالغيبة، وإنما الفرق أن الغيبة هو إظهار عيب الغير للغير أو التوصُّل إلى الظهور عليه من طريق نقل الغير، والتجسس هو التوصل إلى العلم بعيب الغير من طريق تتبُّع آثاره ولذلك لم يبعد أن يكون الجملة أعني قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً} الخ، تعليلاً لكل من الجملتين أعني {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً}.
واعلم أن في الكلام إشعاراً أو دلالة على اقتصار الحرمة في غيبة المسلمين، ومن القرينة عليه قوله في التعليل: {لحم أخيه} فالاخوَّة إنما هي بين المؤمنين.
وقوله: {واتقوا الله إن الله توَّّاب رحيم} ظاهره أنه عطف على قوله: {اجتنبوا كثيراً من الظنَّ} إن كان المراد بالتقوى هو التجنب عن هذه الذنوب التي كانوا يقترفونها بالتوبة إلى الله سبحانه فالمراد بقوله: {إن الله توَّاب رحيم} أن الله كثير القبول للتوبة رحيم بعباده التائبين إليه اللائذين به.
وإن كان هو التجنب عنها والتورُّع فيها وإن لم يكونوا يقترفونها فالمراد بقوله: {إن الله توَّاب رحيم} أن الله كثير الرجوع إلى عباده المتقين بالهداية والتوفيق والحفظ عن الوقوع في مهالك الشقوة رحيم بهم.
وذلك أن التوبة من الله توبتان: توبة قبل توبة العبد بالرجوع إليه بالتوفيق للتوبة كما قال تعالى:
{ ثم تاب عليهم ليتوبوا } [التوبة: 118]، وتوبة بعد توبة العبد بالرجوع إليه بالمغفرة وقبول التوبة كما في قوله: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه } [المائدة: 39]. قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} الخ، الشعوب جمع شعب بالكسر فالسكون وهو على ما في المجمع الحيّ العظيم من الناس كربيعة ومضر، والقبائل جمع قبيلة وهي دون الشعب كتميم من مضر.
وقيل: الشعوب دون القبائل وسمّيت بها لتشعُّبها، قال الراغب: الشعب القبيلة المنشعبة من حيّ واحد، وجمعه شعوب، قال تعالى: {شعوباً وقبائل} والشعب من الوادي ما اجتمع منه طرف وتفرَّق طرف فإذا نظرت إليه من الجانب الذي تفرَّق أخذت في وهمك واحداً يتفرق، وإذا نظرت من جانب الاجتماع أخذت في وهمك اثنين اجتمعا فلذلك قيل: شعبت إذا جمعت، وشعبت إذا فرقت. انتهى.
وقيل: الشعوب العجم والقبائل العرب، والظاهر أن مآله إلى أحد القولين السابقين، وسيجيء تمام الكلام فيه.
ذكر المفسرون أن الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب، وعليه فالمراد بقوله: {من ذكر وأُنثى} آدم وحوّاء، والمعنى: أَنَّا خلقناكم من أب وأُمّ تشتركون جميعاً فيهما من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي وجعلناكم شعوباً وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض بل لأن تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضاً ويتم بذلك أمر اجتماعكم فيستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم فلو فرض ارتفاع المعرفة من بين أفراد المجتمع انفصم عقد الاجتماع وبادت الإِنسانية فهذا هو الغرض من جعل الشعوب والقبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتباهوا بالآباء والامهات.
وقيل: المراد بالذكر والأنثى مطلق الرجل والمرأة، والآية مسوقة لإِلغاء مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض والأسود والعرب والعجم والغني والفقير والمولى والعبد والرجل والمرأة، والمعنى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من رجل وامرأة فكل واحد منكم إنسان مولود من إنسانين لا تفترقون من هذه الجهة، والاختلاف الحاصل بالشعوب والقبائل - وهو اختلاف راجع إلى الجعل الإِلهي - ليس لكرامة وفضيلة وإنما هو لأن تتعارفوا فيتم بذلك اجتماعكم.
واعترض عليه بأنَّ الآية مسوقة لنفي التفاخر بالأنساب وذمّه كما يدل عليه قوله: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} وترتب هذا الغرض على هذا الوجه غير ظاهر، ويمكن أن يناقش فيه أن الاختلاف في الأنساب من مصاديق الاختلاف الطبقاتي وبناء هذا الوجه على كون الآية مسوقة لنفي مطلق الاختلاف الطبقاتي وكما يمكن نفي التفاخر بالأنساب وذمه استناداً إلى أن الأنساب تنتهي إلى آدم وحواء والناس جميعاً مشتركون فيهما، كذلك يمكن نفيه وذمه استناداً إلى أن كل إنسان مولود من إنسانين والناس جميعاً مشتركون في ذلك.
والحق أن قوله: {وجعلناكم شعوباً وقبائل} إن كان ظاهراً في ذم التفاخر بالأنساب فأول الوجهين أوجه، وإلا فالثاني لكونه أعم وأشمل.
وقوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} استئناف مبين لما فيه الكرامة عند الله سبحانه، وذلك أنه نبههم في صدر الآية على أن الناس بما هم ناس يساوي بعضهم بعضاً لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره، وأن الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنما هو للتوصل به إلى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم إذ لا يتمُّ ائتلاف ولا تعاون وتعاضد من غير تعرف فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتفاضلوا بأمثال البياض والسواد فيستعبد بذلك بعضهم بعضاً ويستخدم إنسان إنساناً ويستعلي قوم على قوم فينجرّ إلى ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك الحرث والنسل فينقلب الدواء داء.
ثم نبَّه سبحانه في ذيل الآية بهذه الجملة أعني قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} على ما فيه الكرامة عنده، وهي حقيقة الكرامة.
وذلك أن الإِنسان مجبول على طلب ما يتميز به من غيره ويختص به من بين أقرانه من شرف وكرامة، وعامة الناس لتعلقهم بالحياة الدنيا يرون الشرف والكرامة في مزايا الحياة المادية من مال وجمال ونسب وحسب وغير ذلك فيبذلون جلَّ جهدهم في طلبها واقتنائها ليتفاخروا بها ويستعلوا على غيرهم.
وهذه مزايا وهمية لا تجلب لهم شيئاً من الشرف والكرامة دون أن توقعهم في مهابط الهلكة والشقوة، والشرف الحقيقي هو الذي يؤدِّي الإِنسان إلى سعادته الحقيقية وهو الحياة الطيبة الأبدية في جوار رب العزة وهذا الشرف والكرامة هو بتقوى الله سبحانه وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة، وتتبعها سعادة الدنيا قال تعالى:
{ تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة } [الأنفال: 67]، وقال: { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } [البقرة: 197]، وإذا كانت الكرامة بالتقوى فأكرم الناس عند الله أتقاهم كما قال تعالى.
وهذه البغية والغاية التي اختارها الله بعلمه غاية للناس لا تزاحم فيها ولا تدافع بين المتلبسين بها على خلاف الغايات والكرامات التي يتخذها الناس بحسب أوهامهم غايات يتوجهون إليها ويتباهون بها كالغنى والرئاسة والجمال وانتشار الصيت وكذا الأنساب وغيرها.
وقوله: {إن الله عليم خبير} فيه تأكيد لمضمون الآية وتلويح إلى أن الذي اختاره الله كرامة للناس كرامة حقيقية اختارها الله بعلمه وخبرته بخلاف ما اختاره الناس كرامة وشرفاً لأنفسهم فإنها وهمية باطلة فإنها جميعاً من زينة الحياة الدنيا قال تعالى:
{ وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64]. وفي الآية دلالة على أن من الواجب على الناس أن يتَّبعوا في غايات الحياة أمر ربهم ويختاروا ما يختاره ويهدي إليه وقد اختار لهم التقوى كما أن من الواجب عليهم أن يختاروا من سنن الحياة ما يختاره لهم من الدين.
قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم} الخ الآية وما يليها إلى آخر السورة متعرضة لحال الأعراب في دعواهم الإِيمان ومنهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإيمانهم، وسياق نقل قولهم وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبهم بقوله: {لم تؤمنوا} يدل على أن المراد بالأعراب بعض الأعراب البادين دون جميعهم، ويؤيّده قوله:
{ ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } [التوبة: 99]. وقوله: {قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا} أي قالوا لك آمنا وادَّعوا الإِيمان قل لم تؤمنوا وكذَّبهم في دعواهم، وقوله: {ولكن قولوا أسلمنا} استدراك مما يدلُّ عليه سابق الكلام، والتقدير: فلا تقولوا آمنَّا ولكن قولوا: أسلمنا.
وقوله: {ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم} لنفي دخول الإِيمان في قلوبهم مع انتظار دخوله، ولذلك لم يكن تكراراً لنفي الإِيمان المدلول عليه بقوله: {لم تؤمنوا}.
وقد نفي في الآية الإِيمان عنهم وأوضحه بأنه لم يدخل في قلوبهم بعد وأثبت لهم الإِسلام، ويظهر به الفرق بين الإِيمان والإِسلام بأن الإِيمان معنى قائم بالقلب من قبيل الاعتقاد، والإِسلام أمر قائم باللسان والجوارح فإنه الاستسلام والخضوع لساناً بالشهادة على التوحيد والنبوَّة وعملاً بالمتابعة العملية ظاهراً سواء قارن الاعتقاد بحقيَّة ما شهد عليه وعمل به أو لم يقارن، وبظاهر الشهادتين تحقن الدماء وعليه تجري المناكح والمواريث.
وقوله: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً} الليت النقص يقال: لاته يليته ليتاً إذا نقصه، والمراد بالإِطاعة الإِخلاص فيها بموافقة الباطن للظاهر من غير نفاق، وطاعة الله استجابة ما دعا إليه من اعتقاد وعمل، وطاعة رسوله تصديقه واتباعه فيما يأمر به فيما له الولاية عليه من أمور الأُمة، والمراد بالأعمال جزاؤها والمراد بنقص الأعمال نقص جزائها.
والمعنى: وإن تطيعوا الله فيما يأمركم به من اتّباع دينه اعتقاداً، وتطيعوا الرسول فيما يأمركم به لا ينقص من أجور أعمالكم شيئاً، وقوله: {إن الله غفور رحيم} تعليل لعدم نقصه تعالى أعمالهم إن أطاعوه ورسوله.
قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أُولئك هم الصادقون} تعريف تفصيلي للمؤمنين بعدما عرِّفوا إجمالاً بأنهم الذين دخل الإِيمان في قلوبهم كما هو لازم قوله: {لم تؤمنوا ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم}.
فقوله: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله} فيه قصر المؤمنين في الذين آمنوا بالله ورسوله الخ، فتفيد تعريفهم بما ذكر من الأوصاف تعريفاً جامعاً مانعاً فمن اتَّصف بها مؤمن حقاً كما أن من فقد شيئاً منها ليس بمؤمن حقاً.
والإِيمان بالله ورسوله عقد القلب على توحيده تعالى وحقيّة ما أرسل به رسوله وعلى صحة الرسالة واتّباع الرسول فيما يأمر به.
وقوله: {ثم لم يرتابوا} أي لم يشكُّوا في حقية ما آمنوا به وكان إيمانهم ثابتاً مستقراً لا يزلزله شك، والتعبير بثمَّ دون الواو - كما قيل - للدلالة على انتفاء عروض الريب حيناً بعد حين كأنه طريّ جديد دائماً فيفيد ثبوت الإِيمان على استحكامه الأوَّلي ولو قيل: ولم يرتابوا كان من الجائز أن يصدق مع الإِيمان أولاً مقارناً لعدم الارتياب مع السكوت عما بعد.
وقوله: {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} المجاهدة بذل الجهد والطاقة وسبيل الله دينه، والمراد بالمجاهدة بالأموال والأنفس العمل بما تسعه الاستطاعة وتبلغه الطاقة في التكاليف المالية كالزكاة وغير ذلك من الإِنفاقات الواجبة، والتكاليف البدنية كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك.
والمعنى: ويجدّون بإتيان التكاليف المالية والبدنية حال كونهم أو حال كون عملهم في دين الله وسبيله.
وقوله: {أُولئك هم الصادقون} تصديق في إيمانهم إذا كانوا على الصفات المذكورة.
قوله تعالى: {قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} توبيخ للأعراب حيث قالوا: آمنّا ولازمه دعوى الصدق في قولهم والإِصرار على ذلك، وقيل: لما نزلت الآية السابقة حلفت الأعراب أنهم مؤمنون صادقون في قولهم: آمنَّا، فنزل: {قل أتعلمون الله بدينكم} الآية، ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليَّ إسلامكم بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإِيمان إن كنتم صادقين} أي يمنون عليك بأن أسلموا وقد أخطأوا في منهم هذا من وجهين أحدهما أن حقيقة النعمة التي فيها المن هو الإِيمان الذي هو مفتاح سعادة الدنيا والآخرة دون الإِسلام الذي له فوائد صورية من حقن الدماء وجواز المناكح والمواريث، وثانيهما أن ليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الدين إلا أنه رسول مأمور بالتبليغ فلا من عليه لأحد ممن أسلم.
فلو كان هناك منّ لكان لهم على الله سبحانه لأن الدين دينه لكن لا منّ لأحد على الله لأن المنتفع بالدين في الدنيا والآخرة هم المؤمنون دون الله الغني على الإِطلاق فالمن لله عليهم أن هداهم له.
وقد بدّل ثانياً الإِسلام من الإِيمان للإِشارة إلى أن المن إنما هو بالإِيمان دون الإِسلام الذي إنما ينفعهم في الظاهر فقط.
فقد تضمن قوله: {قل لا تمنوا عليَّ إسلامكم بل الله يمن} الخ،الإِشارة إلى خطأهم من الجهتين جميعاً:
إحداهما: خطأهم من جهة توجيه المن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو رسول ليس له من الأمر شيء، وإليه الإِشارة بقوله: {لا تمنوا عليّ إسلامكم}.
وثانيهما: أن المن - لو كان هناك من - إنما هو بالإِيمان دون الإِسلام، وإليه الإِشارة بتبديل الإِسلام من الإِيمان.
قوله تعالى: {إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون} ختم للسورة وتأكيد يعلل ويؤكد به جميع ما تقدم في السورة من النواهي والأوامر وما بين فيها من الحقائق وما أخبر فيها عن إيمان قوم وعدم إيمان آخرين فالآية تعلل بمضمونها جميع ذلك.
والمراد بغيب السماوات والأرض ما فيها من الغيب أو الأعم مما فيهما ومن الخارج منهما.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزؤا من بلال وسلمان وعمار وخبّاب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة.
وفي المجمع: نزل قوله: {لا يسخر قوم من قوم} في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أُذنه وقر وكان إذا دخل المسجد تفسَّحوا له حتى يقعد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسمع ما يقول.
فدخل المسجد يوماً والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له: أصبت مجلساً فاجلس فجلس خلفه مغضباً فلما انجلت الظلمة قال: من هذا؟ قال الرجل: أنا فلان فقال ثابت: ابن فلانة ذكر أُماً له كان يعيّر بها في الجاهلية فنكس الرجل رأسه حياء فنزلت الآية، عن ابن عباس.
وفيه: وقوله: {ولا نساء من نساء} نزل في نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم سخرن من أُم سلمة. عن أنس. وذلك أنها ربطت حقويها بسبيبة وهي ثوب أبيض وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذا تجر خلفها كأنه لسان كلب فهذه كانت سخريتهما، وقيل: إنها عيَّرتها بالقصر، وأشارت بيدها أنها قصيرة. عن الحسن.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبغوي في معجمه وابن حبان والشيرازي في الألقاب والطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة {ولا تنابزوا بالألقاب} قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم فأنزل الله {ولا تنابزوا بالألقاب}.
وفيه أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما وأن سلمان نام نوماً فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا ما يريد سلمان شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطلب لهما إداماً فانطلق فأتاه فقال: يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك. قال: ما يصنع أصحابك بالادم؟ قد ائتدموا.
فرجع سلمان فخبَّرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالا: والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا. قال: إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما. فنزلت {أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً}.
وفيه أخرج الضياء المقدسي عن أنس قال: كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما فناما واستيقظا ولم يهيّى لهما طعاماً فقالا: إن هذا لنؤوم فأيقظاه فقالا: ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأدمانك، فقال: إنهما ائتدما، فجاءاه فقالا يا رسول الله بأي شيء ائتدمنا؟ قال: بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما، فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. قال: مراه فليستغفر لكما.
أقول: الظاهر أن القصة الموردة في الروايتين واحدة والرجلان المذكوران في الرواية الأولى أبو بكر وعمر والرجل المذكور في الثانية هو سلمان، ويؤيد هذا ما عن جوامع الجامع قال: وروي أن أبا بكر وعمر بعثا سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليأتي لهما بطعام فبعثه إلى أُسامة بن زيد وكان خازن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رحله فقال: ما عندي شيء فعاد إليهما فقالا: بخل أُسامة ولو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها.
ثم انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما قالا: يا رسول الله ما تناولنا اليوم لحماً. قال: ظلمتم تأكلون لحم سلمان وأُسامة فنزلت.
وفي العيون بإسناده عن محمد بن يحيى بن أبي عباد عن عمه قال: سمعت الرضا عليه السلام يوماً ينشد وقليلاً مّا كان ينشد شعراً:

كلُّنا نأمل مدّاً فـــــــي الأجل والمنايا هـــــــنَّ آفات الأمل
لا يغرَّنــــــــك أباطيل المنى والزم القصد ودع عنك العلل
إنما الدنيا كظـــلٍّ زائــــــــل حـــــــلَّ فيه راكب ثم رحل

فقلت: لمن هذا أعزَّ الله الأمير؟ فقال: لعراقي لكم قلت: أنشدنيه أبو العتاهية لنفسه فقال: هات اسمه ودع هذا، إن الله سبحانه يقول: {ولا تنابزوا بالألقاب} ولعل الرجل يكره هذا.
وفي الكافي بإسناده عن الحسين بن مختار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلّبك منه، ولا تظننَّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.
وفي نهج البلاغة وقال عليه السلام: إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم أساء رجل الظن برجل لم يظهر منه حوبة فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله ثم أحسن رجل الظن برجل فقد غُرر.
أقول: والروايتان غير متعارضتين فالثانية ناظرة إلى نفس الظن والأولى إلى ترتيب الأثر عليه عملاً.
وفي الخصال عن أسباط بن محمد بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
"الغيبة أشد من الزنا, فقيل: يا رسول الله ولِمَ ذلك؟ قال: صاحب الزنا يتوب فيتوب الله عليه وصاحب الغيبة يتوب فلا يتوب الله عليه حتى يكون صاحبه الذي يحله"
]. أقول ورواه في الدر المنثور عن ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر عنه صلى الله عليه وآله وسلم، ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الغيبة أشد من الزنا. قالوا: يا رسول الله وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال: إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه"
]. وفي الكافي بإسناده إلى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه"
]. وفيه بإسناده عن حفص بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما كفارة الاغتياب قال: "تستغفر الله لمن اغتبته كما ذكرته"
]. وفي تفسير القمي: في قوله تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل} قال: الشعوب العجم والقبائل العرب.
أقول: ونسبه في مجمع البيان إلى الصادق عليه السلام.
وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال:
"يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال فليبلغ الشاهد الغائب" .
وفي الكافي بإسناده عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوّج مقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب. إنما زوجه لتضع المناكح، وليتأسّوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليعلموا أن أكرمهم عند الله أتقاهم.
وفي روضة الكافي بإسناده عن جميل بن درّاج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: فما الكرم؟ قال: التقوى.
وفي الكافي بإسناده عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال: إن الإِسلام قبل الإِيمان وعليه يتوارثون وعليه يتناكحون والإِيمان عليه يثابون.
وفي الخصال عن الأعمش عن جعفر بن محمد عليه السلام في حديث: والإِسلام غير الإِيمان، وكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً.
وفي الدر المنثور في قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا} أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: {قالت الأعراب آمنا} قال: نزلت في بني أسد.
أقول: وهو مروي أيضاً عن مجاهد وغيره.
وفيه أخرج ابن ماجه وابن مردويه والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"الإِيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان"
]. وفيه أخرج النسائي والبزاز وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يارسول الله أسلمنا وقاتلك العرب ولم نقاتلك فنزلت هذه الآية {يمنون عليك أن أسلموا}.
أقول: وفي هذا المعنى روايات أُخر.