خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ
١١٦
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
١١٧
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
١١٨
قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
١١٩
للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٢٠
-المائدة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
مشافهة الله رسوله عيسى ابن مريم في أمر ما قالته النصارى في حقه، وكأن الغرض من سرد الآيات ذكر ما اعترف به عليه السلام وحكاه عن نفسه في حياته الدنيا: أنه لم يكن من حقه أن يدعي لنفسه ما ليس فقد كان بعين الله التي لا تنام ولا تزيغ، وأنه لم يتعد ما حده الله سبحانه له فلم يقل إلا ما أُمر أن يقول ذلك، واشتغل بالعمل بما كلفه الله أن يشتغل به وهو أمر الشهادة، وقد صدّقه الله تعالى فيما ذكره من حق الربوبية والعبودية.
وبهذا تنطبق الآيات على الغرض النازل لأجله السورة، وهو بيان الحق المجعول لله على عباده أن يفوا بالعهد الذي عقدوه وأن لا ينقضوا الميثاق؛ فليس لهم أن يسترسلوا كيفما أرادوا وأن يرتعوا رغداً حيث شاؤا فلم يملكوا هذا النوع من الحق من قبل ربهم، ولا أنهم قادرون على ذلك من حيال أنفسهم، ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير، وبذلك تختتم السورة.
قوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله} {إذ} ظرف متعلق بمحذوف يدل عليه المقام، والمراد به يوم القيامة لقوله تعالى فيها: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقول عيسى عليه السلام فيها: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم}.
وقد عبرت الآية عن مريم بالامومة فقيل: {اتخذوني وأُمي إلهين} دون أن يُقال: {اتخذوني ومريم إلهين} للدلالة على عمدة حجتهم في الألوهية وهو ولادته منها بغير أب، فالبنوة والأُمومة الكذائيتين هما الأصل في ذلك فالتعبير به وبأُمه أدل وأبلغ من التعبير بعيسى ومريم.
و {دون} كلمة تستعمل بحسب المآل في معنى الغير، قال الراغب: يُقال للقاصر عن الشيء "دون" قال بعضهم: هو مقلوب من الدنو، والأدون الدني، وقوله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم} أي من لم يبلغ منزلتكم في الديانة، وقيل: في القرابة، وقوله: {ويغفر ما دون ذلك} أي ما كان أقل من ذلك، وقيل ما سوى ذلك، والمعنيان متلازمان، وقوله: {ءأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله} أي غير الله، انتهى.
وقد استعمل لفظ {من دون الله} كثيراً في القرآن في معنى الإِشراك دون الاستقلال بمعنى أن المراد من اتخاذ إله أو إلهين أو آلهة من دون الله هو أن يتخذ غير الله شريكاً لله سبحانه في الوهيته لا أن يتخذ غير الله إلهاً وتنفي الوهية الله سبحانه فإن ذلك من لغو القول الذي لا يرجع إلى محصل فإن الذي أثبته حينئذ يكون هو الإِله سبحانه وينفي غيره، ويعود النزاع إلى بعض الأوصاف التي أثبتها فمثلاً لو قال قائل: إن الإِله هو المسيح ونفى إله المسيح عاد مفاد كلامه إلى إثبات الإِله تعالى وتوصيفه بصفات المسيح البشرية، ولو قال قائل: إن الأصنام أو أرباب الأصنام آلهة ونفى الله تعالى وتقدس فإنه يقول بأن للعالم إلهاً فقد أثبت الله سبحانه لكنه نعته بنعت الكثرة والتعدد فقد جعل لله شركاء، أو يقول كما يقوله النصارى: إن الله ثالث ثلاثة أي واحد هو ثلاث وثلاث هو واحد.
ومن قال: إن مبدأ العالم هو الدهر أو الطبيعة ونفى أن يكون للعالم إله تعالى عن ذلك فقد أثبت للعالم صانعاً وهو الله عز اسمه لكنه نعته بنعوت القصور والنقص والإِمكان.
ومن نفى أن يكون لهذا النظام العجيب مبدأ أصلاً ونفى العلية والتأثير على الرغم من صريح ما تقضي به فطرته فقد أثبت عالماً موجوداً ثابتاً لا يقبل النفي والانعدام من رأس أي هو واجب الثبوت وحافظ ثبوته ووجوده إما نفسه وليس لطروّ الزوال والتغير إلى أجزائه، وإما غيره فهو الله تبارك وتعالى، وله نعوت كماله.
فتبين أن الله سبحانه لا يقبل النفي أصلاً إلا بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى معقول.
والملاك في ذلك كله أن الإِنسان إنما يثبت الإِله تعالى من جهة الحاجة العامة في العالم إلى من يقيم أود وجوده ويدبر أمر نظامه ثم يثبت خصوصيات وجوده فما أثبته من شيء لسد هذه الخلة ورفع تلك الحاجة فهو الله سبحانه ثم إذا أثبت إلهاً غيره أو أثبت كثرة فإما أن يكون قد أخطأ في تشخيص صفاته وألحد في اسمائه، أو يثبت له شريكاً أو شركاء تعالى عن ذلك، وأما نفيه وإثبات غيره فلا معنى له.
فظهر أن معنى قوله: {إلهين من دون الله} شريكين لله هما من غيره، وإن سلم أن الكلمة لا تؤدي معنى الشركة بوجه، قلنا: إن معناها لا يتعدى إتخاذ إلهين هما من سنخ غير الله سبحانه وأما كون ذلك مقارناً لنفي الوهيته تعالى أو إثباتها فهو مسكوت عنه لا يدل عليه لفظ وإنما يعلم من خارج، والنصارى لا ينفون ألوهيته تعالى مع اتخاذهم المسيح وأُمه إلهين من دون الله سبحانه.
وربما استشكل بعضهم الآية بأن النصارى غير قائلين بالوهية مريم العذراء عليها السلام، وذكروا في توجيهها وجوهاً.
لكن الذي يجب أن يتنبه عليه أن الآية إنما ذكرت اتخاذهم إياها إلهة ولم يذكر قولهم بأنها إلهة بمعنى التسمية، واتخاذ الإِله غير القول بالالوهية إلا من باب الالتزام واتخاذ الإِله بالعبادة والخضوع العبودي قال تعالى:
{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه } [الجاثية: 23] وهذا المعنى مأثور عن أسلاف النصارى مشهود في أخلافهم.
قال الآلوسي في روح المعاني: إن أبا جعفر الإِمامي حكى عن بعض النصارى أنه كان فيما مضى قوم يُقال لهم: "المريمية" يعتقدون في مريم أنها إله.
وقال في تفسير المنار: أما اتخاذهم المسيح إلهاً فقد تقدم في مواضع من تفسير هذه السورة، وأما أُمه فعبادتها كانت متفقاً عليها في الكنائس الشرقية والغربية بعد قسطنطين، ثم أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت التي حدثت بعد الإِسلام بعدة قرون.
إن هذه العبادة التي توجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح عليه السلام منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع، ومنها صيام ينسب إليها ويسمى باسمها، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها، واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها، ولكن لا يعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة "إله" عليها بل يسمونها "والدة الإِله" ويصرح بعض فرقهم أن ذلك حقيقة لا مجاز.
والقرآن يقول هنا: إنهم اتخذوها وامها إلهين، والاتخاذ غير التسمية فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعاً، وبين في آية أُخرى أنهم قالوا: إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم، وذلك معنى آخر، وقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى في أهل الكتاب: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} أنهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا أنهم سموهم أرباباً.
وأول نص صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقية ما في كتاب "السواعي" من كتب الروم الأرثوذكس، وقد اطلعت على هذا الكتاب في دير يسمى "دير التلميد" وأنا في أول العهد بمعاهد التعليم، وطوائف الكاثوليك يصرحون بذلك ويفاخرون به.
وقد زين الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلتهم "المشرق" بصورتها وبالنقوش الملونة إذ جعلوه تذكاراً لمرور خمسين سنة على إعلان البابا بيوس التاسع: أن مريم البتول "حبل بها بلا دنس الخطية" وأثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقية لمريم كالكنائس الغربية.
ومنه قول الأب "لويس شيخو" في مقالة له فيه عن الكنائس الشرقية: "إن تعبد الكنيسة الأرمنية للبتول الطاهرة أُم الله لأمر مشهور" وقوله "قد امتازت الكنيسة القبطية بعبادتها للبتول المغبوطة أم الله" انتهى كلامه.
ونقل أيضاً بعض مقالة للأب "إنستاس الكرملي" نشرت في العدد الرابع عشر من السنة الخامسة من مجلة المشرق الكاثوليكية البيروتية قال تحت عنوان "قدم التعبد للعذراء" بعد ذكر عبارة سفر التكوين في عداوة الحية للمرأة ونسلها وتفسير المرأة بالعذراء: "ألا ترى أنك لا ترى من هذا النص شيئاً ينوه بالعذراء تنويهاً جلياً إلى أن جاء ذلك النبي العظيم "إيليا" الحي فأبرز عبادة العذراء من حيز الرمز والإِبهام إلى عالم الصراحة والتبيان".
ثم فسر هذه الصراحة والتبيان بما في سفر الملوك الثالث (بحسب تقسيم الكاثوليك) من أن إيليا حين كان مع غلامه في رأس الكرمل أمره سبع مرات أن يتطلع نحو البحر فأخبره الغلام بعد تطلعه المرة السابعة: أنه رأى سحابة قدر راحة الرجل طالعة من البحر.
قال صاحب المقالة: فمن ذلك النشئ (أول ما ينشأ من السحاب)قلت: إن هو إلا صورة مريم على ما أحقه المفسرون بل وصورة الحبل بلا دنس أصلي، ثم قال: هذا أصل عبادة العذراء في الشرق العزيز، وهو يرتقي إلى المائة العاشرة قبل المسيح، والفضل في ذلك عائد إلى هذا النبي إيليا العظيم، ثم قال: ولذلك كان أجداد الكرمليين أول من آمن أيضاً بالإِله يسوع بعد الرسل والتلامذة، وأول من أقام للعذراء معبداً بعد انتقالها إلى السماء بالنفس والجسد، انتهى.
قوله تعالى: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} إلى آخر الآية هذه الآية والتي تتلوها جواب المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام عما سئل عنه وقد أتىعليه السلام فيه بأدب عجيب:
فبدأ بتسبيحه تعالى لما فاجأه أن سمع ذكر ما لا يليق نسبته إلى ساحة الجلال والعظمة وهو اتخاذ الناس إلهين من دون الله شريكين له سبحانه فمن أدب العبودية أن يسبح العبد ربه إذا سمع ما لا ينبغي أن يسمع فيه تعالى أو ما يخطر بالبال تصور ذلك، وعليه جرى التأديب الإِلهي في كلامه كقوله:
{ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه } } [الأنبياء: 26] وقوله: { ويجعلون لله البنات سبحانه } } [النحل: 57]. ثم عاد إلى نفي ما استفهم عن انتسابه إليه، وهو أن يكون قد قال للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله، ولم ينفه بنفسه بل بنفي سببه مبالغة في التنزيه فلو قال: "لم أقل ذلك أو لم أفعل" لكان فيه إيمان إلى إمكان وقوعه منه لكنه لم يفعل، لكن إذا نفاه بنفي سببه فقال: {ما يكون لي أن أقول ما ليس ليس لي بحق} كان ذلك نفياً لما يتوقف عليه ذلك القول، وهو أن يكون له أن يقول ذلك حقاً فنفي هذا الحق نفي ما يتفرع عليه بنحو أبلغ نظير ما إذا قال المولى لعبده: لمَ فعلت ما لم آمرك أن تفعله؟ فإن أجاب العبد بقوله: "لم أفعل" كان نفياً لما هو في مظنة الوقوع، وإن قال: "إنا أعجز من ذلك" كان نفياً بنفي السبب وهو القدرة، وإنكاراً لأصل إمكانه فضلاً عن الوقوع.
وقوله: {ما يكون لي إن أقول ما ليس لي بحق} إن كان لفظ {يكون} ناقصة فاسمها قوله: {أن أقول} وخبرها قوله: {لي} واللام للملك، والمعنى: ما أملك ما لم أُملكه وليس من حقي القول بغير حق، وإن كانت تامة فلفظ {لي} متعلق بها وقوله: {أن أقول} الخ، فاعلها، والمعنى: ما يقع لي القول بغير حق، والأول من الوجهين أقرب، وعلى أي حال يفيد الكلام نفي الفعل بنفي سببه.
وقوله عليه السلام: {إن كنت قلته فقد علمته} نفي آخرللقول المستفهم عنه لا نفياً لنفسه بنفسه بل بنفي لازمه فإن لازم وقوع هذا القول أن يعلم به الله لأنه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وهو القائم على كل نفس بما كسبت، المحيط بكل شيء.
وهذا الكلام منه عليه السلام يتضمن أولاً فائدة إلقاء القول مع الدليل من غير أن يكتفي بالدعوى المجردة، وثانياً الإِشعار بأن الذي كان يعتبره في أفعاله وأقواله هو علم الله سبحانه من غير أن يعبأ بغيره من خلقه علموا أو جهلوا، فلا شأن له معهم.
وبلفظ آخر السؤال إنما يصح طبعاً في ما كان مظنة الجهل فيراد به نفي الجهل وإفادة العلم، إما لنفس السائل إذا كان هو الجاهل بواقع الأمر، أو لغيره إذا كان السائل عالماً وأراد أن يعلم غيره بما يعلم هو من واقع الأمر كما يحمل عليه نوع السؤال الواقع في كلامه تعالى، وقوله عليه السلام في الجواب في مثل المقام: {إن كنت قلته فقد علمته} إرجاع للأمر إلى علمه تعالى وإشعار أنه لا يعتبر شيئاً في أفعاله وأقواله غير علمه تعالى.
ثم أشار بقوله: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب} ليكون تنزيهاً لعلمه تعالى عن مخالطة الجهل إياه، وهو وإن كان ثناء أيضاً في نفسه لكنه غير مقصود لأن المقام ليس بمقام الثناء بل مقام التبري عن انتساب ما نسب إليه.
فقوله عليه السلام: {تعلم ما في نفسي} توضيح لنفوذ العلم الذي ذكره في قوله: {إن كنت قلته فقد علمته} وبيان أن علمه تعالى بأعمالنا وهو الملك الحق يومئذ ليس من قبيل علم الملوك منا بأحوال رعيته بارتفاع أخبار المملكة إليه ليعلم بشيء ويجهل بشيء، ويستحضر حال بعض ويغفل عن حال بعض، بل هو سبحانه لطيف خبير بكل شيء ومنها نفس عيسى ابن مريم بخصوصه.
ومع ذلك لم يستوف حق البيان في وصف علمه تعالى فإنه سبحانه يعلم كل شيء، لا كعلم أحدنا بحال الآخر وعلم الآخر بحاله، بل يعلم ما يعلم بالإِحاطة به من غير أن يحيط به شيء ولا يحيطون به علماً فهو تعالى إله غير محدود وكل من سواه محدود مقدر لا يتعدى طور نفسه المحدود، ولذلك ضم عليه السلام إلى الجملة جملة أُخرى فقال: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}.
أما قوله: {إنك أنت علام الغيوب} ففيه بيان العلة لقوله: {تعلم ما في نفسي} الخ، وفيه استيفاء حق البيان من جهة أُخرى وهو رفع توهم أن حكم العلم في قوله: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} مقصور بما بينه وبين ربه لا يطرد في كل شيء فبين بقوله: {إنك أنت علام الغيوب} أن العلم التام بجميع الغيوب منحصر فيه فما كان عند شيء من الأشياء وهو غيب عن غيره فهو معلوم لله سبحانه وهو محيط به.
ولازم ذلك أن لا يعلم شيء من الأشياء بغيبه تعالى ولا بغيب غيره الذي هو تعالى عالم به لأنه مخلوق محدود لا يتعدى طور نفسه فهو علام جميع الغيوب، ولا يعلم شيء غيره تعالى بشيء من الغيوب لا الكل ولا البعض.
على أنه لو أُحيط من غيبه تعالى بشيء فإن أحاط تعالى به لم يكن هذا المحيط محيطاً حقيقة بل محاطاً له تعالى ملّكه الله بمشيئته أن يحيط بشيء من ملكه من غير أن يخرج بذلك من ملكه كما قال تعالى:
{ ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } } [البقرة: 255]. وإن لم يحط سبحانه تعالى بما أحاط به كان مضروباً بحد فكان مخلوقاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قوله تعالى: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} لما نفى عليه السلام القول المسؤول عنه عن نفسه بنفي سببه أولاً نفاه ببيان وظيفته التي لم يتعدها ثانياً فقال: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} الخ، وأتى فيه بالحصر بطريق النفي والإِثبات ليدل على الجواب بنفي ما سئل عنه وهو القول: {أن اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله}.
وفسر ما أمره به ربه من القول بقوله: {أن اعبدوا الله} ثم وصف الله سبحانه بقوله: {ربي وربكم} لئلا يبقى أدنى شائبة من الوهم في أنه عبد رسول يدعو إلى الله ربه ورب جميع الناس وحده لا شريك له.
وعلى هذه الصراحة كان يسلك عيسى ابن مريم عليه السلام في دعوته ما دعاهم إلى التوحيد على ما يحكي عنه القرآن الشريف، قال تعالى حكاية عنه:
{ إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } [الزخرف: 64] وقال: { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } } [مريم: 36]. قوله تعالى: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد} ثم ذكر عليه السلام وظيفته الثانية من جانب الله سبحانه وهو الشهادة على أعمال أمته كما قال تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } } [النساء: 159]. يقول عليه السلام ما كان لي من الوظيفة فيهم إلا الرسالة إليهم والشهادة على أعمالهم: أما الرسالة فقد أديتها على أصرح ما يمكن، وأما الشهادة فقد كنت عليها ما دمت فيهم، ولم أتعد ما رسمت لي من الوظيفة فأنا براء من أن أكون القي إليهم أن اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله.
وقوله: {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} الرقوب والرقابة هو الحفظ، والمراد به في المقام بدلالة السياق هو الحفظ على الأعمال، وكأنه أُبدل الشهيد من الرقيب احترازاً عن تكرر اللفظ بالنظر إلى قوله بعد: {وأنت على كل شيء شهيد}، ولا نكتة تستدعي الإِتيان بلفظ "الشهيد" ثانياً بالخصوص.
واللفظ أعني قوله: {كنت أنت الرقيب عليهم} يدل على الحصر، ولازمه أنه تعالى كان شهيداً ما دام عيسى عليه السلام شهيداً وشهيداً بعده، فشهادته عليه السلام كانت وساطة في الشهادة لا شهادة مستقلة على حد سائر التدبيرات الإِلهية التي وكل عليها بعض عباده ثم هو على كل شيء وكيل كالرزق والإِحياء والإِماتة والحفظ والدعوة والهداية وغيرها، والآيات الشريفة في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.
ولذلك عقب عليه السلام قوله:
{ فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } [المائدة: 117] بقوله: {وأنت على كل شيء شهيد} ليدل بذلك على أن الشهادة على أعمال أُمته التي كان يتصداها ما دام فيهم كانت حصة يسيرة من الشهادة العامة المطلقة التي هي شهادة الله سبحانه على شيء فإنه تعالى شهيد على أعيان الأشياء وعلى أفعالها التي منها أعمال عباده التي منها أعمال أُمة عيسى ما دام فيهم وبعد توفيه، وهو تعالى شهيد مع الشهداء وشهيد بدونهم.
ومن هنا يظهر أن الحصر صادق في حقه تعالى مع قيام الشهداء على شهادتهم فإنه عليه السلام حصر الشهادة بعد توفيه في الله سبحانه مع أن لله بعده شهداء من عباده ورسله وهو عليه السلام يعلم ذلك.
ومن الدليل على ذلك بشارته عليه السلام بمجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم - على ما يحكيه القرآن - بقوله:
{ يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } [الصف: 6] وقد نص القرآن على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشهداء قال تعالى: { وجئنا بك على هؤلاء شهيداً } } [النساء: 41]. على أن الله سبحانه حكى عنه هذا الحصر: {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} ولم يرده بالإِبطال فالله سبحانه هو الشهيد لا غير مع وجود كل شهيد أي إن حقيقة الشهادة هي لله سبحانه كما أن حقيقة كل كمال وخير هو لله سبحانه، وأن ما يملكه غيره من كمال أو خير أو حسن فإنما هو بتمليكه تعالى من غير أن يستلزم هذا التمليك انعزاله تعالى عن الملك ولا زوال ملكه وبطلانه، وعليك بالتدبر في أطراف ما ذكرناه.
فبان بما أورده من بيان حاله المحكي عنه في الآيتين أنه بريء مما قاله الناس في حقه وأن لا عهدة عليه فيما فعلوه، ولذلك ختم عليه السلام كلامه بقوله: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} إلى آخر الآية.
قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} لما اتضح بما أقام عليه السلام من الحجة أن لم يكن له من الوظيفة بالنسبة إلى الناس إلا أداء الرسالة والقيام بأمر الشهادة، وأنه لم يشتغل فيهم إلا بذلك ولم يتعده إلى ما ليس له بحق فهو غير مسؤول عما تفوهوا به من كلمة الكفر، بان أنه عليه السلام بمعزل عن الحكم الإِلهي المتعلق بهم فيما بينهم وبين ربهم، ولذلك استأنف الكلام ثانياً فقال من غير وصل وتفريع: {إن تعذبهم} الخ.
فالآية كالصالحة لأن يوضع موضع البيان السابق، ومفادها أنه لا عهدة علي فيما وقعوا فيه من الشرك الشنيع، ولم أداخل أمرهم في شيء حتى اشاركهم فيما بينك وبينهم من الحكم عليهم بما شئت فهم وحكمك في حقهم بما أردت، وهم وصنعك فيهم بما صنعت، إن تعذبهم بما حكمت فيمن أشرك بك بدخول النار فإنهم عبادك، وإليك تدبير أمرهم، ولك أن تسخط عليهم به لأنك المولى الحق وإلى المولى أمر عباده، وإن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنك أنت العزيز الحكيم لك حق العزة والحكمة، وللعزيز (وهو الذي له من الجدة والقدرة ما ليس لغيره) ولا سيما إذا كان حكيماً (لا يقدم على أمر إلا إذا كان مما ينبغي أن يقدم عليه) أن يغفر الظلم العظيم فإن العزة والحكمة إذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا قدرة تقوم عليه ولا مغمضة في ما قضى به من أمر.
وبما تقدم من البيان ظهر أولاً: أن قوله: {فإنهم عبادك} بمنزلة أن يُقال: {فإنك مولاهم الحق} على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء الله بعد ذكر أفعاله كما في آخر الآية.
وثانياً: أن قوله: {فإنك أنت العزيز الحكيم} ليس مسوقاً للحصر بل الإِتيان بضمير الفصل وإدخال اللام في الخبر للتأكيد، ويؤول معناه إلى أن عزتك وحكمتك مما لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم.
وثالثاً: أن المقام (مقام المشافهة بين عيسى ابن مريم عليه السلام وربه) لما كان مقام ظهور العظمة الإِلهية التي لا يقوم لها شيء كان مقتضاه أن يراعي فيه جانب ذلة العبودية للغاية بالتحرز عن الدلال والاسترسال والتجنب عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال، ولذلك قال عليه السلام: {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ولم يقل {فإنك غفور رحيم} لأن سطوع آية العظمة والسطوة الإِلهية الغالبة على كل شيء لا يدع للعبد إلا أن يلتجئ إليه بما له من ذلة العبودية ومسكنة الرقية والمملوكية المطلقة، والاسترسال عند ذلك ذنب عظيم.
وأما قول إبراهيم عليه السلام لربه:
{ فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } [إبراهيم: 36] فإنه من مقام الدعاء وللعبد أن يثير فيه ناشئة الرحمة الإِلهية بما استطاع.
قوله تعالى: {قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} تقرير لصدق عيسى ابن مريم عليه السلام على طريق التكنية فإنه لم يصرح بشخصه وإنما المقام هو الذي يفيد ذلك.
والمراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنه تعالى يعقب هذه الجملة بقوله: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} الخ، ومن البين أنه بيان لجزاء صدقهم عند الله سبحانه فهو النفع الذي يعود إليهم من جهة الصدق، والأعمال والأحوال الأُخروية - ومنها صدق أهل الآخرة - لا يترتب عليها أثر النفع بمعنى الجزاء وبلفظ آخر: الأعمال والأحوال الأُخروية لا يترتب عليها جزاء كما يترتب على الأعمال والأحوال الدنيوية، إذ لا تكليف في الآخرة، والجزاء من فروع التكليف، وإنما الآخرة دار حساب وجزاء كما أن الدنيا دار عمل وتكليف، قال تعالى:
{ يوم يقوم الحساب } [إبراهيم: 41] وقال: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } [الجاثية: 28] وقال تعالى: { إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار } } [غافر: 39]. والذي ذكره عيسى عليه السلام من حاله في الدنيا مشتمل على قول وفعل وقد قرره الله على الصدق فالصدق الذي ذكر في الآية يشمل الصدق في الفعل كما يشمل الصدق في القول، فالصادقون في الدنيا في قولهم وفعلهم ينتفعون يوم القيامة بصدقهم، لهم الجنات الموعودة وهم الراضون المرضيون الفائزون بعظيم الفوز.
على أن الصدق في القول يستلزم الصدق في الفعل - بمعنى الصراحة وتنزه العمل عن سمة النفاق - وينتهي به إلى الصلاح، وقد روي أن رجلاً من أهل البدو استوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوصاه أن لا يكذب ثم ذكر الرجل أن رعاية ما وصى به كفه عن عامة المعاصي إذ ما من معصية عرضت إلا ذكر أنه لو اقترفها ثم سئل عنها وجب عليه أن يعترف بها على نفسه ويخبر بها الناس فلم يقترفها مخافة ذلك.
قوله تعالى: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} رضي الله عنهم بما قدموا إليه من الصدق، ورضوا عن الله بما آتاهم من الثواب.
وقد علق رضاه بهم أنفسهم لا بأعمالهم كما في قوله تعالى:
{ ورضي له قولاً } [طه: 109] وقوله: { وإن تشكروا يرضه لكم } [الزمر: 7] وبين القسمين من الرضى فرق فإن رضاك عن شيء هو أن لا تدفعه بكراهة ومن الممكن أن يأتي عدوك بفعل ترضاه وأنت تسخط على نفسه، وأن يأتي صديقك الذي تحبه بفعل لا ترضاه.
فقوله: {رضي الله عنهم} يدل على أن الله يرضى عن أنفسهم، ومن المعلوم أن الرضى لا يتعلق بأنفسهم ما لم يحصل غرضه جل ذكره من خلقهم، وقد قال تعالى:
{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]، فالعبودية هو الغرض الإِلهي من خلق الإِنسان فالله سبحانه إنما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالاً للعبودية أي أن يكون نفسه نفس عبد لله الذي هو رب كل شيء فلا يرى نفسه ولا شيئاً غيره إلا مملوكاً لله خاضعاً لربوبيته لا يؤوب إلا إلى ربه ولا يرجع إلا إليه كما قال تعالى في سليمان وأيوب: { نعم العبد إنه أواب } [ص: 44] وهذا هو الرضى عنه.
وهذا من مقامات العبودية، ولازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه وعن الاتصاف بالفسق، كما قال تعالى:
{ ولا يرضى لعباده الكفر } [الزمر: 7]، وقال تعالى: { فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } } [التوبة: 96]. ومن آثار هذا المقام أن العبودية إذا تمكنت من نفس العبد ورأى ما يقع عليه بصره وتبلغه بصيرته مملوكاً لله خاضعاً لأمره فإنه يرضى عن الله فإنه يجد أن كل ما آتاه الله فإنما آتاه من فضله من غير أن يتحتم عليه فهو جود ونعمة، وأن ما منعه فإنما منعه عن حكمة.
على أن الله سبحانه يذكر عنهم وهم في الجنة بقوله:
{ لهم فيها ما يشاؤون } [النحل: 31]، ومن المعلوم أن الإِنسان إذا وجد كل ما يشاؤه لم يكن له إلا أن يرضى.
وهذا غاية السعادة الإِنسانية بما هو عبد، ولذلك ختم الكلام بقوله: {ذلك الفوز العظيم}.
قوله تعالى: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير}، الملك - بالكسر - سلطة خاصة على رقبة الأشياء وأثره نفوذ الإِرادة فيما يقدر عليه المالك من التصرف فيها، والملك - بالضم - سلطة خاصة على النظام الموجود بين الأشياء وأثره نفوذ الإِرادة فيما يقدر عليه، وبعبارة ساذجة: الملك - بالكسر - متعلق بالفرد، والملك - بالضم - متعلق بالجماعة.
وحيث كان الملك في نفوذ الإِرادة بالفعل مقيداً أو متقوماً بالقدرة فإذا تمت القدرة وأُطلقت كان الملك ملكاً مطلقاً غير مقيد بشيء دون شيء وحال دون حال، ولبيان هذه النكتة عقب تعالى قوله: {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن} بقوله: {وهو على كل شيء قدير}.
واختتمت السورة بهذه الآية الدالة على الملك المطلق، والمناسبة ظاهرة، فإن غرض السورة هو حث العباد وترغيبهم على الوفاء بالعهود والمواثيق المأخوذة عليهم من جانب ربهم، وهو الملك على الإِطلاق فلا يبقى لهم إلا أنهم عباد مملوكون على الإِطلاق ليس لهم فيما يأمرهم به وينهاهم عنه إلا السمع والطاعة، ولا فيما يأخذ منهم من العهود والمواثيق إلا الوفاء بها من غير نقض.
(بحث روائي)
في تفسير العياشي عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى لعيسى: {أنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله} قال: لم يقله وسيقوله، إن الله إذا علم أن شيئاً كائن أخبر عنه خبر ما قد كان.
أقول: وفيه أيضاً عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، وحاصله أن الإِتيان بصيغة الماضي في الأمر المستقبل للعلم بتحقق وقوعه، وهو شائع في اللغة.
وفيه عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام في تفسير هذه الآية: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب}، قال: إن اسم الله الأكبر ثلاثة وسبعون حرفاً فاحتجب الرب تبارك وتعالى منها بحرف فمن ثم لا يعلم أحد ما في نفسه عز وجل.
أَعطى آدم اثنين وسبعين حرفاً فتوارثها الأنبياء حتى صار إلى عيسى عليه السلام فذلك قول عيسى: {تعلم ما في نفسي} يعني اثنين وسبعين حرفاً من الاسم الأكبر يقول: أنت علمتنيها فأنت تعلمها {ولا أعلم ما في نفسك} يقول: لأنك احتجبت بذلك الحرف فلا يعلم أحد ما في نفسك.
أقول: سيجيء البحث المبسوط عن أسماء الله الحسنى واسمه الأعظم الأكبر في تفسير قوله تعالى:
{ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } } [الأعراف: 180] الآية ويتبين هناك أن الاسم الأكبر أو الاسم الأعظم ليس من نوع اللفظ حتى يتألف من حروف الهجاء وإنما المراد بالاسم في أمثال هذه الموارد هو المحكي عنه بالاسم اللفظي وهو الذات مأخوذاً بصفة من صفاته ووجه من وجوهه، ويعود الاسم اللفظي حينئذ اسم الاسم على ما سيتضح بعد.
وعلى هذا فقوله عليه السلام: "إن الاسم الأكبر مؤلف من ثلاثة وسبعين حرفاً" ونظيره ما ورد في روايات كثيرة في هذا الباب من أن الاسم الأعظم مؤلف من كذا حرفاً، وأنها متفرقة مبثوثة في كذا سورة أو أنه في كذا آية، كل ذلك بيانات مبنية على الرمز، وأمثال مضروبة لتفهيم ما يسع تفهيمه من الحقائق فما كل حقيقة ميسوراً بيانها بالصراحة من غير كناية، وبالعين دون المثل.
والذي يتضح به معنى الحديث بعض الاتضاح هو أن يُقال: إنه لا شك أن أسماء الله تعالى الحسنى وسائط لظهور الكون بأعيانه وحدوث حوادثه التي لا تحصى، فإنا لا نشك في أن الله سبحانه خلق خلقه لأنه خالق جواد مبدئ مثلاً لا لأنه منتقم شديد البطش، وأنه إنما يرزق من يرزق لأنه رازق معط مثلاً لا لأنه قابض مانع، وأنه إنما يفيض الحياة للأحياء لأنه الحي المحيي لا لأنه مميت معيد، والآيات القرآنية أصدق شاهد على هذه الحقيقة، فإنا نرى المعارف المبينة في متون الآيات معللة بالأسماء المناسبة لمعانيها في ذيلها فربما اختتمت الآية لبيان ما تضمه من المعنى باسم، وربما اختتمت باسمين يفيدان بمجموعهما المعنى المذكور فيها.
ومن هنا يظهر أن الواحد منا لو رزق علم الأسماء وعلم الروابط التي بينها وبين الأشياء وما تقضيه أسماؤه تعالى مفردة ومؤلفة علم النظام الكوني بما جرى وبما يجري عليه عن قوانين كلية منطبقة على جزئياتها واحداً بعد واحد.
وقد بين القرآن الشريف على ما يفهم من ظواهره قوانين عامة كثيرة في المبدأ والمعاد وما رتبه الله تعالى من أمر السعادة والشقاوة ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}.
لكنها جميعاً قوانين كلية ضرورية إلا أنها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم، وإذا كانت هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته فمن البين أن فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدى نفسه، ولا يغلبه في ذاته فهو سبحانه القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهي إليه تعالى من كل جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره، فافهم ذلك.
فمن المحال أن يكون العقل الذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو تكون الحقائق التي إنما وجدت أحكامها وآثارها به تعالى، حاكمة عليه تعالى مقتضية فيه بالحكم والاقتضاء اللذين هو المبقي لهما القاهر الغالب عليهما، وبعبارة أُخرى: ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنما هو أثر التمليك الذي ملكه الله إياها، ولا معنى لأن يملك شيء بالملك الذي ملكه الله بعينه منه تعالى شيئاً فهو تعالى مالك على الإِطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلاً.
فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أي فعل أراد لم يكن عليه ضير ولا منعه مانع من عقل أو خارج إلا أنه تعالى وعدنا وأوعدنا بالسعادة والشقاء وحسن الجزاء وسوء الجزاء، وأخبرنا أنه لا يخلف الميعاد وأخبرنا من طريق الوحي أو العقل بأُمور ثم ذكر أنه لا يقول إلا الحق فسكنت نفوسنا به واطمأنت قلوبنا إليه بما لا طريق للريب إليه، قال تعالى:
{ إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9] وقال تعالى: { والحق أقول } [ص: 84] وفي معناهما الضرورة العقلية في أحكامها.
وهذا الذي بينه هو مقتضى أسمائه تعالى فيما علمنا بتعليمه منها لكن من وراء ذلك أنه تعالى هو المالك على الإِطلاق له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، قال تعالى:
{ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } [الأنبياء: 23]، وهذا المعنى بعينه اسم من أسمائه تعالى مجهول الكنه لا طريق إلى تعلق العلم به لأحد من خلقه فإن كل ما نعلمه من أسمائه فهو مما يحكيه مفهوم من المفاهيم ثم نشخص بنسبته آثاره في الوجود وأما الآثار التي لا طريق إلى تشخيصها في الوجود فهي لا محالة آثار لاسم لا طريق إلى الحصول على معناها وإن شئت فقل: إنه اسم لا يصطاد بمفهوم، وإنما يشير إليه صفة ملكه المطلق نوعاً من الإِشارة.
فقد تبين أن من أسمائه تعالى ما لا سبيل إليه لأحد من خلقه وهو الذي احتجب تعالى به فافهم ذلك.
(كلام في معنى الأدب)
نبحث فيه عن الأدب الذي أدب الله به أنبياءه ورسله عليهم السلام في عدة فصول:
1- الأدب - على ما يتحصل من معناه - هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع إما في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم كآداب الدعاء وآداب ملاقاة الأصدقاء وإن شئت قلت: ظرافة الفعل.
ولا يكون إلا في الأُمور المشروعة غير الممنوعة فلا أدب في الظلم والخيانة والكذب ولا أدب في الأعمال الشنيعة والقبيحة، ولا يتحقق أيضاً إلا في الأفعال الاختيارية التي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة حتى يكون بعضها متلبساً بالأدب دون بعض كأدب الأكل مثلاً في الإِسلام، وهو أن يبدأ فيه باسم الله ويختم بحمد الله ويؤكل دون الشبع إلى غير ذلك، وأدب الجلوس في الصلاة وهو التورك على طمأنينة ووضع الكفين على الوركين فوق الركبتين والنظر إلى حجره ونحو ذلك.
وإذ كان الأدب هو الهيئة الحسنة في الأفعال الاختيارية والحسن وإن كان بحسب أصل معناه وهو الموافقة لغرض الحياة مما لا يختلف فيه أنظار المجتمعات لكنه بحسب مصاديقه مما يقع فيه أشد الخلاف، وبحسب اختلاف الأقوام والأُمم والأديان والمذاهب وحتى المجتمعات الصغيرة المنزلية وغيرها في تشخيص الحسن والقبح يقع الاختلاف بينهم في آداب الأفعال.
فربما كان عند قوم من الآداب ما لا يعرفه آخرون، وربما كان بعض الآداب المستحسنة عند قوم شنيعة مذمومة عند آخرين كتحية أول اللقاء فإنه في الإِسلام بالتسليم تحية من عند الله مباركة طيبة، وعند قوم برفع القلانس، وعند بعض برفع اليد حيال الرأس، وعند آخرين بسجدة أو ركوع أو انحناء بطأطأة الرأس، وكما أن في آداب ملاقاة النساء عند الغربيين أُموراً يستشنعها الإِسلام ويذمها، إلى غير ذلك.
غير أن هذه الاختلافات جميعاً إنما نشأت في مرحلة تشخيص المصداق وأما أصل معنى الأدب، وهو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الفعل فهو مما أطبق عليه العقلاء من الإِنسان وأطبقوا أيضاً على تحسينه فلا يختلف فيه اثنان.
2- لما كان الحسن من مقوّمات معنى الأدب على ما ذكر في الفصل السابق، وكان مختلفاً بحسب المقاصد الخاصة في المجتمعات المختلفة أنتج ذلك ضرورة اختلاف الآداب الاجتماعية الإِنسانية فالأدب في كل مجتمع كالمرآة يحاكي خصوصيات أخلاق ذلك المجتمع العامة التي رتبها فيهم مقاصدهم في الحياة، وركزتها في نفوسهم عوامل اجتماعهم وعوامل مختلفة أُخر طبيعية أو اتفاقية.
وليست الآداب هي الأخلاق لما أن الأخلاق هي الملكات الراسخة الروحية إلى تتلبس بها النفوس، ولكن الآداب هيئات حسنة مختلفة تتلبس بها الأعمال الصادرة عن الإِنسان عن صفات مختلفة نفسية، وبين الأمرين بون بعيد.
فالآداب من منشئات الأخلاق والأخلاق من مقتضيات الاجتماع بخصوصه بحسب غايته الخاصة فالغاية المطلوبة للإِنسان في حياته هي التي تشخص أدبه في أعماله، وترسم لنفسه خطاً لا يتعداه إذا أتى بعمل في مسير حياته والتقرب من غايته.
3- وإذ كان الأدب يتبع في خصوصيته الغاية المطلوبة في الحياة فالأدب الإِلهي الذي أدب الله سبحانه به أنبياءه ورسله عليهم السلام هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينية التي تحاكي غرض الدين وغايته، وهو العبودية على اختلاف الأديان الحقة بحسب كثرة موادها وقلتها وبحسب مراتبها في الكمال والرقي.
والإِسلام لما كان من شأنه التعرض لجميع جهات الحياة الإِنسانية بحيث لا يشذ عنه شيء من شؤونها يسير أو خطير دقيق أو جليل فلذلك وسع الحياة أدباً، ورسم في كل عمل هيئة حسنة تحاكي غايته.
وليس له غاية عامة إلا توحيد الله سبحانه في مرحلتي الاعتقاد والعمل جميعاً أي أن يعتقد الإِنسان أن له إلهاً هو الذي منه بدئ كل شيء وإليه يعود كل شيء، له الأسماء الحسنى والأمثال العليا، ثم يجري في الحياة ويعيش بأعمال تحاكي بنفسها عبوديته وعبودية كل شيء عنده لله الحق عز اسمه، وبذلك يسري التوحيد في باطنه وظاهره، وتظهر العبودية المحضة من أقواله وأفعاله وسائر جهات وجوده ظهوراً لا ستر عليه ولا حجاب يغطيه.
فالأدب الإِلهي - أو أدب النبوة - هي هيئة التوحيد في الفعل.
4- من المعلوم بالقياس ويؤيده التجربة القطعية أن العلوم العملية - وهي التي تتعلم ليعمل بها - لا تنجح كل النجاح ولا تؤثر أثرها الجميل دون أن تلقى إلى المتعلم في ضمن العمل، لأن الكليات العلمية ما لم تنطبق على جزئياتها ومصاديقها تتثاقل النفس في تصديقها والإِيمان بصحتها لاشتغال نفوسنا طول الحياة بالجزئيات الحسية وكلالها بحسب الطبع الثانوي من مشاهدة الكليات العقلية الخارجة عن الحس فالذي صدق حسن الشجاعة في نفسها بحسب النظر الخالي عن العمل ثم صادف موقفاً من المواقف الهائلة التي تطير فيها القلوب أدى به ذلك إلى النزاع بين عقله الحاكم بحسن الشجاعة ووهمه الجاذب إلى لذة الاحتراز من تعرض الهلكة الجسمانية وزوال الحياة المادية الناعمة فلا تزال النفس تتذبذب بين هذا وذاك، وتتحير في تأييد الواحد من الطرفين المتخاصمين، والقوة في جانب الوهم لأن الحس معه.
فمن الواجب عند التعليم أن يتلقى المتعلم الحقائق العلمية مشفوعة بالعمل حتى يتدرب بالعمل ويتمرن عليه لتزول بذلك الاعتقادات المخالفة الكائنة في زوايا نفسه ويرسخ التصديق بما تعلمه في النفس، لأن الوقوع أحسن شاهد على الإِمكان.
ولذلك نرى أن العمل الذي لم تعهد النفس وقوعه في الخارج يصعب انقيادها له فإذا وقع لأول مرة بدا كأنه انقلب من امتناع إلى إمكان وعظم أمر وقوعه وأورث في النفس قلقاً واضطراباً، ثم إذا وقع ثانياً وثالثاً هان أمره وانكسر سورته والتحق بالعاديات التي لا يعبأ بأمرها، وأن الخير عادة كما أن الشر عادة.
ورعاية هذا الاسلوب في التعليمات الدينية وخاصة في التعليم الديني الإِسلامي من أوضح الأُمور فلم يأخذ شارع الدين في تعليم مؤمنيه بالكليات العقلية والقوانين العامة قط بل بدأ بالعمل وشفعه بالقول والبيان اللفظي فإذا استكمل احدهم تعلم معارف الدين وشرائعه استكمله وهو مجهز بالعمل الصالح مزود بزاد التقوى.
كما أن من الواجب أن يكون المعلم المربي عاملاً بعلمه، فلا تأثير في العلم إذا لم يقرن بالعمل لأن للفعل دلالة كما أن للقول دلالة فالفعل المخالف للقول يدل على ثبوت هيئة مخالفة في النفس يكذب القول فيدل على أن القول مكيدة ونوع حيلة يحتال بها قائله لغرور الناس واصطيادهم.
ولذلك نرى الناس لا تلين قلوبهم ولا تنقاد نفوسهم للعظة والنصيحة إذا وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبس بالعمل متجافياً عن الصبر والثبات في طريقه، وربما قالوا: "لو كان ما يقوله حقاً لعمل به" إلا أنهم ربما اشتبه عليهم الأمر في استنتاج منه فإن النتيجة أن القول ليس بحق عند القائل إذ لو كان حقاً عنده لعمل به، وليس ينتج أن القول ليس بحق مطلقاً كما ربما يستنتجونه.
فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلم المربي نفسه متصفاً بما يصفه للمتعلم متلبساً بما يريد أن يلبسه، فمن المحال العادي أن يربى المربي الجبان شجاعاً باسلاً، أو يتخرج عالم حر في آرائه وأنظاره من مدرسة التعصب واللجاج وهكذا.
قال تعالى:
{ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون } [يونس: 35] وقال: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44] وقال حكاية عن قول شعيب لقومه: { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت } [هود: 88] إلى غير ذلك من الآيات.
فلذلك كله كان من الواجب أن يكون المعلم المربي ذا إيمان بمواد تعليمه وتربيته.
على أن الإِنسان الخالي عن الإِيمان بما يقوله حتى المنافق المتستر بالأعمال الصالحة المتظاهر بالإِيمان الصريح الخالص لا يتربى بيده إلا من يمثله في نفسه الخبيثة فإن اللسان وإن أمكن إلقاء المغايرة بينه وبين الجنان بالتكلم بما لا ترضى به النفس ولا يوافقه السر إلا أن الكلام من جهة أُخرى فعل، والفعل من آثار النفس ورشحاتها، وكيف يمكن مخالفة الفعل لطبيعة فاعله؟.
فالكلام من غير جهة الدلالة اللفظية الوضعية حامل لطبيعة نفس المتكلم من إيمان أو كفر أو غير ذلك، وواضعها وموصلها إلى نفس المتعلم البسيطة الساذجة فلا يميز جهة صلاحه - وهو جهة دلالته الوضعية - من جهة فساده - وهو سائر جهاته - إلا من كان على بصيرة من الأمر، قال تعالى في وصف المنافقين لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم:
{ ولتعرفنهم في لحن القول } [محمد: 30] فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هو ما كان المعلم المربي فيها ذا إيمان بما يلقيه إلى تلامذته مشفوعاً بالعمل الصالح الموافق لعلمه، وأما غير المؤمن بما يقوله أو غير العامل على طبق علمه فلا يرجى منه خير.
ولهذه الحقيقة مصاديق كثيرة وأمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيين والإِسلاميين خاصة في التعليم والتربية في معاهدنا الرسمية وغير الرسمية فلا يكاد تدبير ينفع ولا سعي ينجح.
5- وإلى هذا الباب يرجع ما نرى أن كلامه تعالى يشتمل على حكاية فصول من الأدب الإِلهي المتجلي من أعمال الأنبياء والرسل عليهم السلام مما يرجع إلى الله سبحانه من أقسام عباداتهم وأدعيتهم وأسئلتهم أو يرجع إلى الناس في معاشراتهم ومخاطباتهم فإن إيراد الأمثلة في التعليم نوع من التعليم العملي بإشهاد العمل.
قال الله تعالى بعد ذكر قصة إبراهيم في التوحيد مع قومه:
{ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم، ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون، أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } [الأنعام: 83ـ89]، يذكر تعالى أنبيائه الكرام عليهم السلام ذكراً جامعاً ثم يذكر أنه أكرمهم بالهداية الإِلهية وهي الهداية إلى التوحيد فحسب والدليل عليه قوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم}، فلم يذكر منافياً لما حباهم به من الهداية إلا الشرك فلم يهدهم إلا إلى التوحيد.
غير أن التوحيد حكمه سار إلى أعمالهم متمكن فيها، والدليل عليه قوله: {لحبط عنهم ما كانوا يعملون} فلولا أن الشرك جار في الأعمال متسرب فيها لم يستوجب حبطها فالتوحيد المنافي له كذلك.
ومعنى سراية التوحيد في الأعمال كون صورها تمثل التوحيد وتحاكيه محاكاة المرآة لمرئيها بحيث لو فرض أن التوحيد تصور لكان هو تلك الأعمال بعينها، ولو أن تلك الأعمال تجردت اعتقاداً محضاً لكانت هي هو بعينه.
وهذا المعنى كثير المصداق في الصفات الروحية فإنك ترى أعمال المتكبر يمثل ما في نفسه من صفة الكبر والخيلاء، وكذلك البائس المسكين يحاكي جميع حركاته وسكناته ما في سره من الذلة والاستكانة وهكذا.
ثم أدب تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأمره أن يقتدي بهداية من سبقه من الأنبياء عليهم السلام لا بهم، والاقتداء إنما يكون في العمل دون الاعتقاد فإنه غير اختياري بحسب نفسه أي أن يختار أعمالهم الصالحة المبنية على التوحيد الصادرة عنهم عن تأديب عملي إلهي.
ونعني بهذا التأديب العملي ما يشير إليه قوله تعالى:
{ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين } [الأنبياء: 73] فإن إضافة المصدر في قوله {فعل الخيرات} الخ، تدل على أن المراد به الفعل الصادر منهم من خيرات فعلوها وصلاة أقاموها وزكاة آتوها دون مجرد الفعل المفروض فهذا الوحي المتعلق بالأفعال في مرحلة صدورها منهم وحي تسديد وتأديب، وليس هو وحي النبوة والتشريع، ولو كان المراد به وحي النبوة لقيل: {وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} كما في قوله تعالى: { ثم أوحينا إليك أن اتبع } [النحل: 122] وقوله: { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة } [يونس: 87] إلى غير ذلك من الآيات، ومعنى وحي التسديد أن يخص الله عبداً من عباده بروح قدسي يسدده في أعمال الخير والتحرز عن السيئة كما يسددنا الروح الإِنساني في التفكر في الخير والشر، والروح الحيواني في اختيار ما نشتهيه من الجذب والدفع بالإِرادة، وسيجيء الكلام المبسوط في ذلك إن شاء الله.
وبالجملة فقوله: {فبهداهم اقتده} تأديب إلهي إجمالي له صلى الله عليه وآله وسلم بأدب التوحيد المنبسط على أعمال الأنبياء عليهم السلام المنزهة من الشرك.
ثم قال تعالى - بعدما ذكر عدة من أنبيائه عليهم السلام - في سورة مريم:
{ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً، إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئاً } } [مريم: 58ـ60]. فذكر تعالى أدبهم العام في حياتهم أنهم يعيشون على الخضوع عملاً وعلى الخشوع قلباً لله عز اسمه فإن سجودهم عند ذكر آيات الله تعالى مثال الخضوع، وبكاءهم وهو لرقة القلب وتذلل النفس آية الخشوع وهما معاً كناية عن استيلاء صفة العبودية على نفوسهم بحيث كلما ذكروا بآية من آيات الله بان أثره في ظاهرهم كما استولت الصفة على باطنهم فهم على أدبهم الإِلهي وهو سمة العبودية إذا خلوا مع ربهم وإذا خلوا للناس، فهم يعيشون على أدب إلهي مع ربهم ومع الناس جميعاً.
ومن الدليل على أن المراد به الأدب العام قوله تعالى في الآية الثانية: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} فإن الصلاة وهي التوجه إلى الله هي حالهم مع ربهم واتباع الشهوات حالهم مع غيرهم من الناس، وحيث قوبل اولئك بهؤلاء أفاد الكلام أن أدب الأنبياء العام أن يراجعوا ربهم بسمة العبودية وأن يسيروا بين الناس بسمة العبودية أي تكون بنية حياتهم مبنية على أساس أن لهم رباً يملكهم ويدبر أمرهم، منه بدؤهم وإليه مرجعهم فهذا هو الأصل في جميع أحوالهم وأعمالهم.
والذي ذكره تعالى من استثناء التائبين منهم أدب آخر إلهي بدأ فيه بآدم عليه السلام أول الأنبياء حيث قال:
{ وعصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى } } [طه: 121ـ122] وسيجيء بعض القول فيه إن شاء الله تعالى.
وقال تعالى:
{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً } } [الأحزاب: 38ـ39]. أدب عام أدّب الله سبحانه به أنبياءه عليهم السلام وسنة جارية له فيهم أن لا يتحرجوا في ما قسم لهم من الحياة ولا يتكلفوا في أمر من الأُمور إذ كانوا على الفطرة والفطرة لا تهدي إلا إلى ما جهزها الله بما يلائمها في نيله، ولا تتكلف الاستواء على ما لم يسهل الله لها الارتقاء على مستواه، قال تعالى حكاية عن نبيه عليه السلام: { وما أنا من المتكلفين } [ص: 86] وقال تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [البقرة: 286] وقال تعالى: { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } [الطلاق: 6] وإذ كان التكلف خروجاً عن الفطرة فهو من اتباع الشهوة والأنبياء في مأمن منه.
قال تعالى وهو أيضاً من التأديب بأدب جامع:
{ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما تعملون عليم، وإن هذه أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } [المؤمنون: 51] أدبهم تعالى أن يأكلوا من الطيبات أي أن يتصرفوا في الطيبات من مواد الحياة ولا يتعدوها إلى الخبائث التي تتنفر منها الفطرة السليمة وأن يأتوا من الأعمال بالصالح منها وهو الذي يصلح للإِنسان أن يأتي به مما تميل إليه الفطرة بحسب ما جهزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقائه إلى حين، أو أن يأتوا بالعمل الذي يصلح أن يقدم إلى حضرة الربوبية، والمعنيان متقاربان، فهذا أدب يتعلق بالإِنسان الفرد.
ثم وصله تعالى بأدب اجتماعي فذكر لهم أن الناس ليسوا إلا أُمة واحدة: المرسلون والمرسل إليهم، وليس لهم إلا رب واحد فليجتمعوا على تقواه، ويقطعوا بذلك دابر الاختلافات والتحزبات، فإذا التقى الأمران أعني الأدب الفردي والاجتماعي تشكل مجتمع واحد بشري مصون عن الاختلاف يعبد رباً واحداً، ويجري الآحاد منه على الأدب الإِلهي فاتقوا خبائث الأفعال وسيئات الأعمال فقد استووا على أريكة السعادة.
وهذا ما جمعته آية أُخرى وهي قوله تعالى:
{ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } } [الشورى: 13]. وقد فرق الله الأدبين في موضع آخر فقال: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } [الأنبياء: 25] فأدبهم بتوحيده وبناء العبادة عليه، وهذا هو أدبهم بالنسبة إلى ربهم، وقال: { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويشي في الأسواق لولا أُنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو يكون له جنة يأكل منها } [الفرقان: 7ـ8] إلى أن قال { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } [الفرقان: 20]، فذكر أن سيرة الأنبياء جميعاً وهو أدبهم الإِلهي هو الاختلاط بالناس ورفض التحجب والاختصاص والتميز من بين الناس فكل ذلك مما تدفعه الفطرة، وهذا أدبهم في الناس.
6- من أدب الأنبياء عليهم السلام في توجيههم الوجوه إلى ربهم ودعائهم إياه ما حكاه الله تعالى من قول آدم عليه السلام وزوجته:
{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } [الأعراف: 23] كلمة قالاها بعد ما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله أن يقربا منها، وإنما كان نهي إرشاد ليس بالمولوي، ولم يعصياه عصيان تكليف بل كان ذلك منهما مخالفة نصيحة في رعايتها صلاح حالهما، وسعادة حياتهما في الجنة الآمنة من كل شقاء وعناء، وقد قال لهما ربهما في تحذيرهما عن متابعة إبليس: { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } } [طه: 117ـ119]. فلما وقعا في المحنة وشملتهما البلية، وأخذت سعادة الحياة يوادعهما وداع ارتحال لم يشتغلا بأنفسهما اشتغال اليائس البائس، ولم يقطع القنوط ما بينهما وبين ربهما من السبب الموصول بل بادرا إلى الالتجاء بالله الذي إليه أمرهما، وبيده كل خير يأملانه لأنفسهما فأخذا وتعلقا بصفة ربوبيته المشتملة على كل ما يدفع به الشر ويجلب به الخير، فالربوبية هي الصفة الكريمة يربط العبد بالله سبحانه.
ثم ذكرا الشر الذي يهددهما بظهور آياته وهو الخسران - كأنهما اشتريا لذة الأكل بطاعة الإِرشاد الإِلهي فبان لهما أن سعادتهما قد أشرفت بذلك على الزوال - في الحياة، وذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشر عنهما فقالا: {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} أي إن خسران الحياة يهددنا وقد أطل بنا وما له من دافع إلا مغفرتك للذنب الصادر عنا وغشيانك إيانا بعد ذلك برحمتك وهي السعادة لما أن الإِنسان بل كل موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة أن من شأن الأشياء الواقعة في منزل الوجود ومسير البقاء أن تستتم ما يعرضها من النقص والعيب، وأن السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من عادة الربوبية.
ولذلك كان يكفي مجرد إظهار الحال، وإبراز ما نزل على العبد من مسكنة الحاجة فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدو الحاجة أبلغ السؤال وأفصح الاقتراح.
ولذلك لم يصرحا بما يسألانه ولم يقولا: {فاغفر لنا وارحمنا} ولأنهما ـ وهو العمدة - أوقفا أنفسها بما صدر عنهما من المخالفة موقف الذلة والمسكنة التي لا وجه معها ولا كرامة، فنتجت لهما التسليم المحض لما يصدر في ذلك من ساحة العزة ومن الحكم فكفا عن كل مسألة واقتراح غير أنهما ذكرا أنه ربهما فأشارا إلى ما يطمعان فيه منه مع اعترافهما بالظلم.
فكان معنى قولهما: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}: أسأنا فيما ظلمنا أنفسنا فأشرنا بذلك على الخسران المهدد لعامة سعادتنا في الحياة فهو ذا الذلة والمسكنة أحاطت بنا، والحاجة إلى إمحاء وسمعة الظلم وشمول الرحمة شملتنا، ولم يدع ذلك لنا وجهة ولا كرامة نسألك بها، فها نحن مسلمون لحكمك أيها الملك العزيز فلك الأمر ولك الحكم غير أنك ربنا ونحن مربوبان لك نأمل منك ما يأمله مربوب من ربه.
ومن أدبهم ما حكاه الله تعالى من دعوة نوح عليه السلام في ابنه:
{ وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } [هود: 42ـ43] إلى أن قال { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين، قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإن لا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } } [هود: 45ـ47]. لا ريب أن الظاهر من قول نوح عليه السلام أنه كان يريد الدعاء لابنه بالنجاة غير أن التدبر في آيات القصة يكشف الغطاء عن حقيقة الأمر بنحو آخر:
فمن جانب أمره الله بركوب السفينة هو وأهله والمؤمنون بقوله:
{ احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن } [هود: 40] فوعده بإنجاء أهله واستثنى منهم من سبق عليه القول، وقد كانت امرأته كافرة كما ذكرها الله في قوله: { ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط } [التحريم: 10] وأما ابنه فلم يظهر منه كفر بدعوة نوح، والذي ذكره الله من أمره مع أبيه وهو في معزل إنما هو معصية بمخالفة أمره عليه السلام وليس بالكفر الصريح فمن الجائز أن يظن في حقه أنه من الناجين لظهور كونه من أبنائه وليس من الكافرين فيشمله الوعد الإِلهي بالنجاة.
ومن جانب قد أوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام حكمه المحتوم في أمر الناس كما قال:
{ وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون، واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } [هود: 36ـ37] فهل المراد بالذين ظلموا الكافرون بالدعوة أو يشمل كل ظلم أو هو مبهم مجمل يحتاج إلى تفسير من لدن قائله تعالى؟.
فكأن هذه الأُمور رابته عليه السلام في أمر ابنه ولم يكن نوح عليه السلام بالذي يغفل من مقام ربه وهو أحد الخمسة أُولي العزم سادات الأنبياء، ولم يكن لينسى وحي ربه: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} ولا ليرضى بنجاة ابنه ولو كان كافراً ماحضاً في كفره، وهو عليه السلام القائل فيما دعا على قومه:
{ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } [نوح: 26] ولو رضي في ابنه بذلك لرضي بمثله في امرأته.
ولذلك لم يجترئ عليه السلام على مسألة قاطعة بل ألقى مسألته كالعارض المستفسر لعدم إحاطته بالعوامل المجتمعة واقعاً على أمر ابنه، بل بدأ بالنداء باسم الرب لأنه مفتاح دعاء المربوب المحتاج السائل ثم قال: {إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق} كأنه يقول وهذا يقضي بنجاة ابني {وأنت أحكم الحاكمين} لا خطأ في أمرك ولا مغمض في حكمك فما أدري إلى مَ انجر أمره؟.
وهذا هو الأدب الإِلهي أن يقف العبد على ما يعلمه، ولا يبادر إلى مسألة ما لا يدري وجه المصلحة فيه.
فألقى نوح عليه السلام القول على وجد منه كما يدل عليه لفظ النداء في قوله: {ونادى نوح ربه} فذكر الوعد الإِلهي ولما يزد عليه شيئاً ولا سأل أمراً.
فأدركته العصمة الإِلهية وقطعت عليه الكلام، وفسر الله سبحانه له معنى قوله في الوعد: {وأهلك} أن المراد به الأهل الصالحون وليس الابن بصالح، وقد قال تعالى من قبل: {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} وقد أخذ نوح عليه السلام بظاهر الأهل وأن المستثنى منهم هو امرأته الكافرة فقط، ثم فرع عليه النهي عن السؤال فيما ليس له به علم، وهو سؤال نجاة ابنه على ما كان يلوح إليه كلامه أنه سيسألها.
فانقطع عنه السؤال بهذا التأديب الإِلهي، واستأنف عليه السلام بكلام آخر صورته صورة التوبة وحقيقته الشكر لما أنعم الله بهذا الأدب الذي هو من النعمة فقال: {ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} فاستعاذ إلى ربه مما كان من طبع كلامه أن يسوقه إليه وهو سؤال نجاة ابنه ولا علم له بحقيقة حاله.
ومن الدليل على أنه لم يقع منه سؤال بعد هو قوله: {أعوذ بك أن أسألك} "الخ" ولم يقل: "أعوذ بك من سؤال ما ليس لي به علم" لتدل إضافة المصدر إلى فاعله وقوع الفعل منه.
{لا تسألن} "الخ"، ولو كان سأله لكان من حق الكلام أن يقابل بالرد الصريح أو يقال مثلاً: "لا تعد إلى مثله" كما وقع نظيره في موارد من كلامه تعالى كقوله:
{ قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني } [الأعراف: 143]، وقوله: { إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } [النور: 15] إلى أن قال { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً } } [النور: 17]. ومن دعاء نوح عليه السلام ما حكاه الله تعالى بقوله: { رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً } } [نوح: 28] حكاه الله تعالى عنه في آخر سورة نوح بعد آيات كثيرة أوردها في حكاية شكواه عليه السلام الذي بثه لربه فيما جاهد به من دعوة قومه ليلاً ونهاراً فيما يقرب من ألف سنة من مدى حياته، وما قاساه من شدتهم وكابده من المحنة في جنب الله سبحانه، وبذل من نفسه مبلغ جهدها، وصرف منها في سبيل هدايتهم منتهى طوقها فلم ينفعهم دعاؤه إلا فراراً، ولم يزدهم نصحه إلا استكباراً.
ولم يزل بعد ما بثّه فيهم من النصيحة والموعظة الحسنة وقرعه أسماعهم من الحق والحقيقة، ويشكو إلى ربه ما واجهوه به من العناد والإِصرار على الخطيئة، وقابلوه به من المكر والخديعة حتى هاج به الوجد والأسف وأخذته الغيرة الإِلهية فدعا عليهم فقال:
{ رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً } } [نوح: 26ـ27]. وما ذكره من إضلالهم عباد الله إن تركهم الله على الأرض هو الذي ذكره عنهم في ضمن كلامه السابق المحكي عنه: {وقد أضلوا كثيراً} وقد أضلوا كثيراً من المؤمنين به فخاف إضلالهم الباقين منهم، وقوله: {ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} إخبار ببطلان استعداد أصلابهم وأرحامهم أن يخرج منها مؤمن، ذكره - وهو من أخبار الغيب - عن تفرس نبوي ووحي إلهي.
وإذا دعا على الكافرين لغيرة إلهية أخذته، وهو النبي الكريم أول من جاء بكتاب وشريعة، وانتهض لإِنقاذ الدنيا من غمرة الوثنية ولم يلبه من المجتمع البشري إلا قليل - وهو قريب من ثمانين نسمة على ما في الأخبار - فكان من أدب هذا الموقف أن لا ينسى المؤمنين بربه الآخذين بدعوته، ويدعو لهم إلى يوم القيامة بالخير.
فقال: {رب اغفر لي} فبدأ بنفسه لأن الكلام في معنى طلب المغفرة لمن يسلك سبيله فهو إمامهم وأمامهم {ولوالدي} وفيه دليل على إيمانهما {ولمن دخل بيتي مؤمناً} وهم المؤمنون به من أهل عصره {وللمؤمنين والمؤمنات} وهم جميع المؤمنين أهل التوحيد فإن قاطبتهم أُمته، ورهن منته إلى يوم القيامة، وهو أول من أقام الدعوة الدينية في الدنيا بكتاب وشريعة، ورفع أعلام التوحيد بين الناس، ولذلك حياه الله سبحانه بأفضل تحيته إذ قال:
{ سلام على نوح في العالمين } } [الصافات: 79] فعليه السلام من نبي كريم كلما آمن بالله مؤمن، أو عمل له بعمل صالح، وكلما ذكر لله عز اسمه اسم، وكلما كان في الناس من الخير والسعادة رسم، فذلك كله من بركة دعوته، وذنابة نهضته، صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أجمعين.
ومن ذلك ما حكاه الله عن إبراهيم عليه السلام في محاجته قومه:
{ قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين، واجعل لي لسان صدق في الآخرين، واجعلني من ورثة جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الضالين، ولا تخزني يوم يبعثون } } [الشعراء: 75ـ87]. دعاء يدعو عليه السلام به لنفسه، ولأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان هذا أول أمره ولم ييأس بعد من إيمان أبيه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.
وقد بدأ فيه بالثناء على ربه ثناء جميلاً على ما هو أدب العبودية وهذا أول ثناء مفصل حكاه الله سبحانه عنه عليه السلام، وما حكى عنه قبل ذلك ليس بهذا النحو كقوله:
{ يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } [الأنعام: 78ـ79]، وقوله لابيه: { سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } } [مريم: 47]. وقد استعمل عليه السلام من الأدب في ثنائه أن أتى بثناء جامع أدرج فيه عناية ربه به من بدء خلقه إلى أن يعود إلى ربه، وأقام فيه نفسه مقام الفقر والحاجة كلها، ولم يذكر لربه إلا الغنى والجود المحض، ومثل نفسه عبداً داخراً لا يقدر على شيء وتقلبه المقدرة الإِلهية حالاً إلى حال من خلق ثم اطعام وسقي وشفاء عن مرض ثم إماتة ثم إحياء ثم إشخاص إلى جزاء يوم الجزاء، وليس له إلا الطاعة المحضة والطمع في غفران الخطيئة.
ومن الأدب المراعى في بيانه نسبة المرض إلى نفسه في قوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} لما أن نسبته إليه تعالى في مثل المقام وهو مقام الثناء لا يخلو عن شيء، والمرض وإن كان من جملة الحوادث وهي لا تخلو عن نسبة إليه تعالى، لكن الكلام ليس مسوقاً لبيان حدوثه حتى ينسب إليه تعالى بل لبيان أن الشفاء من المرض من رحمته وعنايته تعالى، ولذلك نسب المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه بدعوى أنه لا يصدر منه إلا الجميل.
ثم أخذ في الدعاء واستعمل فيه من الأدب البارع أن ابتدأ باسم الرب وقصر مسألته على النعم الحقيقية الباقية من غير أن يلتفت إلى زخارف الدنيا الفانية، واختار مما اختاره ما هو أعظم وأفخم فسأل الحكم وهو الشريعة واللحوق بالصالحين وسأل لسان صدق في الآخرين وهو أن يبعث الله بعده زماناً بعد زمان، وحيناً بعد حين من يقوم بدعوته، ويروج شريعته، وهو في الحقيقة سؤال أن يخصه بشريعة باقية إلى يوم القيامة ثم سأل وراثة الجنة ومغفرة أبيه وعدم الخزي يوم القيامة.
وقد أجابه الله تعالى إلى جميع ما سأله عنه على ما ينبئ به كلامه تعالى إلا دعاءه لأبيه وحاشا رب العالمين أن يذكر دعاء عبد من عباده المكرمين مما ذهب سدى لم يستجبه، قال تعالى:
{ ملة أبيكم إبراهيم } [الحج: 78] وقال: { وجعله كلمة باقية في عقبه } [الزخرف: 28] وقال: { ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130] وحياه بسلام عام إذ قال: { سلام على إبراهيم } } [الصافات: 109]. وسير التاريخ بعده عليه السلام يصدق جميع ما ذكره القرآن الشريف من محامده وأثنى فيه عليه فإنه عليه السلام هو النبي الكريم قام وحده بدين التوحيد وإحياء ملة الفطرة وانتهض لهدم أركان الوثنية، وكسر الأصنام على حين اندرست فيه آيات التوحيد، وعفت الأيام فيها رسوم النبوة ونسيت الدنيا اسم نوح والكرام من أنبياء الله، فأقام دين الفطرة على ساق، وبث دعوة التوحيد بين الناس ودين التوحيد حتى اليوم وقد مضى من زمنه ما يقرب من أربعة آلاف سنة حي باسمه باق في عقبه فإن الذي تعرفه الدنيا من دين التوحيد هو دين اليهود ونبيهم موسى، ودين النصارى ونبيهم عيسى، وهما من آل إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ودين الإِسلام الذي بعث به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
ومما ذكره الله من دعائه قوله:
{ رب هب لي من الصالحين } } [الصافات: 100] يسأل الله فيه ولداً صالحاً، وفيه اعتصام بربه، وإصلاح لمسألته الذي هي بوجه دنيوية بوصف الصلاح ليعود إلى جهة الله وارتضائه.
ومما ذكره تعالى من دعائه ما دعا به حين قدم إلى أرض مكة وقد أسكن إسماعيل وأُمه بها، قال تعالى:
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } } [البقرة: 126]. يسأل ربه أن يتخذ أرض مكة - وهي يومئذ أرض قفرة وواد غير ذي زرع - حرماً لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين، ويكون ذلك رابطة أرضية جسمانية بين الناس وبين ربهم يقصدونه لعبادة ربهم، ويتوجهون إليه في مناسكهم، ويراعون حرمته فيما بينهم فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كل من ذكره، ويقصده كل من قصده، وتتشخص به الوجهة، وتتحد به الكلمة.
والدليل على أنه عليه السلام يريد بالأمن الأمن التشريعي الذي هو معنى اتخاذه حرماً دون الأمن الخارجي من وقوع المقاتلات والحروب وسائر الحوادث المفسدة للأمن المخلة بالرفاهية قوله تعالى:
{ أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء } [القصص: 57] فإن في الآية امتناناً عليهم بأمن الحرم وهو المكان الذي احترمه الله لنفسه فاتصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل تكويني يقيه من الفساد والقتل، والآية نزلت وقد شاهدت مكة حروباً مبيدة بين قريش وجرهم فيها، وكذا من القتل والجور والفساد ما لا يحصى، وكذا قوله تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم } [العنكبوت: 67] أي لا يتخطفون من الحرم لاحترام الناس إياه لمكان الحرمة التي جعلناها.
وبالجملة كان مطلوبه عليه السلام هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ذريته، وكان لا يحصل ذلك إلا ببناء بلد يقصده الناس من كل جانب فيكون مجمعاً دينياً يؤمونه بالسكونة واللواذ والزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن يجعله بلداً آمناً، وقد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتى يعمر بسكانه ولا يتفرقوا منه.
ثم لما أحس أن دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن والكافر قيد مسألته بإيمان المدعو لهم بالله واليوم الآخر فقال: {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} وأما أن ذلك كيف يمكن في بلد لو اتفق أن يسكن فيه المؤمنون والكفار معاً واختلفوا، أو إذا قطن فيه الكفار فقط؟ وكيف يرزقون من الثمرات والأرض بطحاء غير ذي زرع؟ فلم يتعرض له في مسألته.
وهذا من أدبه عليه السلام في مقام الدعاء فإن من فضول القول أن يعلم الداعي ربه كيف يقضي حاجته؟ وما هو الطريق إلى إجابة مسألته؟ وهو رب عليم حكيم قدير إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
لكن الله سبحانه إذ كان يريد أن يقضي حاجته على السنّة الجارية في الأسباب العادية ولا يفرق فيها بين المؤمن والكافر تمم دعاءه عليه السلام بما قيد به كلامه من قوله: {ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير}.
وهذا الدعاء الذي أدى إلى تشريع الحرم الإِلهي وبناء الكعبة المقدسة التي هي أول بيت وضع للناس ببكة مباركة وهدىً للعالمين هو إحدى ثمرات همته العالية المقدسة التي امتن به على من بعده من المسلمين إلى يوم القيامة.
ومما دعا عليه السلام دعاؤه في آخر عمره على ما حكاه الله تعالى بقوله:
{ وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون، ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء، رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء، ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب } } [إبراهيم: 35ـ42]. وهذا مما دعا عليه السلام به في أواخر عمره الشريف وقد بنيت بلدة مكة، والدليل عليه قول فيه: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} وقوله: {اجعل هذا البلد آمناً} ولم يقل كما في دعائه السابق: {واجعل هذا بلداً آمناً}.
ومما استعمل فيه من الأدب تمسكه بالربوبية في دعائه، وكلما ذكر ما يختص بنفسه قال: {رب} وكلما ذكر ما يشاركه فيه غيره قال: {ربنا}.
ومن الأدب المستعمل في دعائه أن كلما ذكر حاجة من الحوائج يمكن أن يسأل لغرض مشروع أو غير مشروع ذكر غرضه الصحيح من حاجته، وفيه من إثارة الرحمة الإِلهية ما لا يخفى فلما قال: {اجنبني وبني} "الخ"، ذكر بعده قوله: {رب إنهن أضللن} "الخ"، وحيث قال: {ربنا إني أسكنت} "الخ"، قال بعده: {ربنا ليقيموا الصلاة} وإذ دعا بقوله: {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات} ذيله بقوله: {لعلهم يشكرون}.
ومن أدبه فيه أنه أردف كل حاجة ذكرها بما يناسب مضمونها من اسماء الله الحسنى كالغفور والرحيم وسميع الدعاء، وكرر اسم الرب كلما ذكر حاجة من حوائجه فإن الربوبية هي السبب الموصول بين العبد وبين الله تعالى، وهو المفتاح لباب كل دعاء.
ومن أدبه فيه قوله: {ومن عصاني فإنك غفور رحيم} حيث لم يدع عليهم بشيء يسوء غير أنه ذكر مع ذكرهم اسمين من أسماء الله تعالى هما الواسطتان في شمول نعمة السعادة على كل إنسان أعني الغفور الرحيم حباً منه لنجاة أُمته وانبساط جود ربه.
ومن ذلك ما حكاه الله عنه وعن ابنه إسماعيل وقد اشتركا فيه، وهو قوله تعالى:
{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أُمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } } [البقرة: 127ـ129]. دعاء دعوا به عند بنائهما الكعبة، وفيه من الأدب الجميل ما في سابقه.
ومن ذلك ما حكاه الله عن إسماعيل عليه السلام في قصة الذبح قال تعالى:
{ فبشرناه بغلام حليم، فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين } } [الصافات: 101ـ102]. وصدر كلامه وإن كان من أدبه مع أبيه إلا أن الذيل فيما بينه وبين ربه على أن التأدب مع مثل إبراهيم خليل الله عليه السلام تأدب مع الله تعالى.
وبالجملة لما ذكر له أبوه ما رآه في المنام، وكان أمراً إلهياً بدليل قول إسماعيل: {افعل ما تؤمر} أمره أن يرى فيه رأيه، وهو من أدبه عليه السلام مع ابنه فقال له إسماعيل: {يا أبت افعل ما تؤمر} الخ، ولم يذكر أنه الرأي الذي رآه هضماً لنفسه وتواضعاً لأبيه كأنه لا رأي له قبال رأيه ولذلك صدر القول بخطابه بالأبوة، ولم يقل: إن شئت فافعل ذلك ليكون مسألته القطعية تطييباً لنفس أبيه، ولأنه ذكر في كلامه أنه أمر أُمر به إبراهيم، ولا يتصور في حق مثله أن يتروى أو يتردد في فعل ما أُمر به دون أن يمتثل أمر ربه.
ثم في قوله: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} تطييب آخر لنفس أبيه، وكل ذلك من أدبه مع أبيه عليه السلام.
وقد تأدب مع ربه إذ لم يأت بما وعده إياه في صورة القطع والجزم دون أن استثنى بمشيئة الله فإن في القطع من غير تعليق الأمر بمشيئة الله شائبة دعوى الاستقلال في السببية، ولتخل عنها ساحة النبوة، وقد ذم الله لذلك قوماً إذ قطعوا أمراً ولم يعلقوا كما قال في قصة أصحاب الجنة:
{ إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين، ولا يستثنون } [القلم: 17ـ18] وقد أدب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه بأن يستثني في قوله تأديباً بكناية عجيبة إذ قال: { ولا تقولن لشيء إنى فاعل ذلك غداً، إلا أن يشاء الله } } [الكهف: 23ـ24]. ومن ذلك ما حكاه الله عن يعقوب عليه السلام حين رجع بنوه من مصر وقد تركوا بنيامين ويهودا بها قال تعالى: { وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } } [يوسف: 84ـ86]. يقول لبنيه إن مداومتي على ذكر يوسف شكاية مني سوء حالي إلى الله ولست بيائس من رحمة ربي أن يرجعه إلي من حيث لا يحتسب، وذلك أن من أدب الأنبياء مع ربهم أن يتوجهوا في جميع أحوالهم إلى ربهم ويوردوا عامة حركاتهم وسكناتهم في سبيله فإن الله سبحانه ينص على أنه هداهم إليه صراطاً مستقيماً قال: { أولئك الذين هدى الله } [الأنعام: 90] وقال في خصوص يعقوب: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } } [الأنعام: 84] ثم ذكر أن اتباع الهوى ضلال عن سبيل الله فقال تعالى: { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } } [ص: 26]. فالأنبياء وهم المهديون بهداية الله لا يتبعون الهوى البتة فعواطفهم النفسانية وأميالهم الباطنية من شهوة أو غضب أو حب أو بغض أو سرور أو حزن مما يتعلق بمظاهر الحياة من مال وبنين ونكاح ومأكل وملبس ومسكن وغير ذلك كل ذلك واقعة في سبيل الله لا يقصدون به إلا الله جلت عظمته فإنما هما سبيلان مسلوكان سبيل يتبع فيه الحق وسبيل يتبع فيه الهوى، وإن شئت قلت: سبيل ذكر الله وسبيل نسيانه.
والأنبياء عليهم السلام إذ كانوا مهديين إلى الله لا يتبعون الهوى كانوا على ذكر من ربهم لا يقصدون بحركة أو سكون غيره تعالى، ولا يقرعون بحاجة من حوائج حياتهم باب غيره من الأسباب بمعنى أنهم إذا تعلقوا بسبب لم ينسهم ذلك ربهم وأن الأمر إليه تعالى لا انهم ينفون الأسباب نفياً مطلقاً لا يبقى مع ذلك لها وجود في التصور مطلقاً فإن ذلك مما لا مطمع فيه، ولا أنهم يرون ذوات الأشياء وينفون عنها وصفة السببية فإن في ذلك خروجاً عن صراط الفطرة الإِنسانية بل التعلق به أن لا يرى لغيره استقلالاً، ويضع كل شيء موضعه الذي وضعه الله فيه.
وإذ كان حالهم عليهم السلام ما ذكرنا من تعلقهم بالله حق التعلق تمكن منهم هذا الأدب الإِلهي أن يراقبوا مقام ربهم ويراعوا جانب ربوبيته فلا يقصدوا شيئاً إلا الله، ولا يتركوا شيئاً إلا لله، ولا يتعلقوا بسبب إلا وهم متعلقون بربهم قبله ومعه وبعده، فهو غايتهم على كل حال.
فقوله عليه السلام: {إنما اشكوا بثي وحزني إلى الله} يريد به أن ذكري المستمر ليوسف وأسفي عليه ليس على حد ما يلغوا احدكم إذا اصابته مصيبة ففقد نعمة من نعم الله فيذكرها لمن لا يملك منه نفعاً ولا ضراً بجهل منه، وإنما ذلك شكوى مني إلى الله فيما دخلني من فقد يوسف، وليس ذلك مسألة مني في أمر لا يكون فإني اعلم من الله ما لا تعلمون.
ومن ذلك ما حكاه الله عن يوسف الصديق حين هددته امرأة العزيز بالسجن إن لم يفعل ما كانت تأمره به:
{ قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } } [يوسف: 33]. يذكر عليه السلام لربه أن أمره يدور عندهن في موقفه ذاك بين السجن وبين إجابتهن إلى ما يسألنه، وأنه بعلمه الذي أكرمه الله به، وهو المحكي عنه في قوله تعالى: { ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً } [يوسف: 22] يختار السجن على إجابتهن غير أن الأسباب منضودة على طبق ما يرجونه منه قوية غالبة فهي تهدده بالجهل بمقام ربه وإبطال ما عنده من العلم بالله، ولا حكم في ذلك إلا له تعالى كما قال لصاحبه في السجن: { إن الحكم إلا لله } } [يوسف: 40] ولذلك تأدب عليه السلام ولم يذكر لنفسه حاجة لأنه حكم بنحو، بل لوح إلى تهديد الجهل إياه بإبطال نعمة العلم الذي أكرمه بها ربه، وذكر أن نجاته من مهلكة الجهل واندفاع كيدهن تتوقف إلى صرفه تعالى فسلم الأمر إليه وسكت.
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن وهو الصبوة وإلا فالسجن فتخلص من السجن والصبوة جميعاً، ومنه يعلم أن مراده من كيدهن هو الصبوة والسجن جميعاً، وأما قوله عليه السلام: {رب السجن أحب إلي} الخ، فإنما هو تمايل قلبي إلى السجن على تقدير تردد الأمر وكناية عن النفرة والمباغضة للفحشاء وليس بسؤال منه للسجن كما قال عليه السلام:

الموت أولى من ركوب العار والعــار أولى من دخول النار

لا كما ربما يظن أنه سأل بذلك السجن فقضي له به، والدليل على ما ذكرناه قوله تعالى بعده: { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } } [يوسف: 35] لظهور الآية أن سجنه كان عن رأي بدا لهم بعد ذلك، وقد كان الله سبحانه صرف عند قبل ذلك كيدهن بالدعوة إلى انفسهن والتهديد بالسجن.
ومنه ما حكى الله سبحانه من ثنائه ودعائه عليه السلام حيث قال:
{ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم، رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } } [يوسف: 99ـ101]. فليتدبر الباحث فيما يعطيه الآيات من أدب النبوة وليمثل عنده ما كان عليه يوسف عليه السلام من الملك ونفوذ الأمر وما كان عليه أبواه من توقان النفس إلى لقائه، وما كان عليه إخوته من التواضع وهم جميعاً على ذكر من تاريخ حياته من حين فقدوه إلى حين وجدوه عزيز مستو على عرش العزة والهيمنة.
لم يشقّ عليه السلام فماً بكلام إلا ولربه فيه نصيب أو كل النصيب إلا ما أصدره من الأمر بقوله: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين} فأمرهم بالدخول وحكم لهم بالأمن، ولم يستتم الكلام حتى استثنى فيه بمشيئة الله لئلا يوهم الاستقلال في الحكم دون الله، وهو عليه السلام القائل: "إن الحكم إلا لله".
ثم شرع في الثناء على ربه فيما جرى عليه منذ فارقهم إلى أن اجتمع بهم وبدأ في ذلك بقصة رؤياه وتحقق تأويلها وصدّق فيه أباه لا فيما عبرها به فقط بل حتى فيما ذكره في آخر كلامه من علم الله وحكمته توغلاً منه في الثناء على ربه حيث قال له أبوه:
{ وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك } [يوسف: 6] إلى أن قال { إن ربك عليم حكيم } [يوسف: 6] وقال له يوسف ها هنا بعدما صدقه فيما عبر به رؤياه: { إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم } } [يوسف: 100]. ثم أشار إلى إجمال ما جرى عليه ما بين رؤياه وتأويلها فنسبها إلى ربه ووصفها بالحسن وهو من الله إحسان، ومن ألطف أدبه توصيفه ما لقي من إخوته حين ألقوه في غيابة الجب إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة، واتهموه بالسرقة بقوله: {نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}.
ولم يزل يذكر نعم ربه ويثني عليه ويقول: ربي وربي حتى غشيه الوله وأخذته جذبة إلهية فاشتغل بربه وتركهم كأنه لا يعرفهم، وقال: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث}، فأثنى على ربه بحاضر نعمه عنده، وهو الملك والعلم بتأويل الأحاديث، ثم انتقلت نفسه الشريفة من ذكر النعم إلى أن ربه الذي أنعم عليه بما أنعم لأنه فاطر السماوات والأرض، ومخرج كل شيء من العدم البحت إلى الوجود من غير أن يكون لشيء من الأشياء جدة من نفسه يملك به ضراً أو نفعاً أو نعمة أو نقمة أو صلاحية أن يدبر أمر نفسه في دنيا أو آخرة.
وإذ كان فاطر كل شيء فهو ولي كل شيء، ولذلك ذكر بعد قوله: {فاطر السماوات والأرض} أنه عبد داخر لا يملك تدبير نفسه في دنيا ولا آخرة بل هو تحت ولاية الله سبحانه يختار له من الخير ما يشاء ويقيمه أي مقام أراد فقال: {أنت وليي في الدنيا والآخرة} وعندئذ ذكر ما له من مسألة يحتاج فيها إلى ربه وهو أن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة وهو في حال الإِسلام إلى ربه على حد ما منحه الله آباءه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب قال تعالى: {ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه أسلم} وهو الاصطفاء
{ قال أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } } [البقرة: 131ـ132]. وهو قوله: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} يسأل التوفي على الإِسلام ثم اللحوق بالصالحين، وهو الذي سأله جده إبراهيم عليه السلام بقوله: { رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين } [الشعراء: 83] فاجيب إليه كما في الآيات المذكورة آنفاً وهذا آخر ما ذكر الله من حديثه وختم به قصته، وأن إلى ربك المنتهى، وهذا مما في السياقات القرآنية من عجيب اللطف.
ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن نبيه موسى عليه السلام في أوائل نشوئه بمصر حين وكز القبطي فقضى عليه:
{ قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } [القصص: 16] وقوله حين فر من مصر فبلغ مدين وسقى لابنتي شعيب ثم تولى إلى الظل فقال: { رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } } [القصص: 24]. وقد استعمل عليه السلام في مسألتيه من الأدب بعد الالتجاء بالله والتعلق بربوبيته أن صرح في دعائه الأول بالطلب لأنه كان متعلقاً بالمغفرة والله سبحانه يحب أن يستغفر كما قال: { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } [المزمل: 20] وهو الذي دعا إليه نوح فمن بعده من الأنبياء عليهم السلام، ولم يصرح بحاجته بعينه في دعائه الثاني الذي ظاهره بحسب دلالة المقام أنه كان يريد رفع حوائج الحياة كالغذاء والمسكن مثلاً بل إنما ذكر الحاجة ثم سكت، فما للدنيا عند الله من قدر.
واعلم أن قوله عليه السلام: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} يجري في الاعتراف بالظلم وطلب المغفرة مجرى قول آدم وزوجته: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} بمعنى أن المراد بالظلم هو ظلمه على نفسه لاقترافه عملاً يخالف مصلحة حياته كما أن الأمر كان على هذا النحو في آدم وزوجته.
فإن موسى عليه السلام إنما فعل ما فعل قبل أن يبعثه الله بشريعته الناهية عن القتل وإنما قتل نفساً كافرة غير محترمة، ولا دليل على وجود النهي عن مثل هذا القتل قبل شريعته وكان الأمر في عصيان آدم وزوجته على هذا الوتيرة فقد ظلما أنفسهما بالأكل من الشجرة قبل أن يشرع الله شريعة بين النوع الإِنساني فإنما أسس الله الشرائع كائنة ما كانت بعد هبوطهما من الجنة إلى الأرض.
ومجرد النهي عن اقتراب الشجرة لا دليل على كونه مولوياً مستلزماً لتحقق المعصية المصطلحة بمخالفته، مع أن القرائن قائمة على كون النهي المتعلق بهما إرشادياً كما في آيات سورة طه على ما بيناه في تفسير قصة جنة آدم في الجزء الأول من الكتاب.
على أن الكتاب الإِلهي نص في كون موسى عليه السلام مخلصاً، وأن إبليس لا سبيل له إلى إغواء المخلصين من عباد الله تعالى ومن الضروري أن لا معصية بدون إغواء إبليس قال الله تعالى:
{ واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصاً وكان رسولاً نبياً } [مريم: 51] وقال تعالى { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين } } [ص: 82ـ83]. ومن هنا يظهر أن المراد بالمغفرة المسؤولة في دعائه كما في دعائهما عليهما السلام ليست هي إمحاء العقاب الذي يكتبه الله على المجرمين كما في المعاصي المولوية بل إمحاء الآثار السيئة التي كان يستتبعها الظلم على النفس في مجرى الحياة فقد كان موسى عليه السلام يخاف أن يفشو أمره ويظهر ما هو ذنب له عندهم فسأله تعالى أن يستر عليه ويغفره، والمغفرة في عرف القرآن أعم من إمحاء العقاب بل هي إمحاء الأثر السيء كائناً ما كان، ولا ريب أن أمر الجميع بيد الله سبحانه.
ونظير هذا من وجه قول نوح عليه السلام فيما تقدم من دعائه {وإن لم تغفر لي وترحمني} أي وإن لم تؤدبني بأدبك، ولم تعصمني بعصمتك ووقايتك وترحمني بذلك أكن من الخاسرين، فافهم ذلك.
ومنه دعاؤه عليه السلام أول ما القي إليه الوحي وبععث بالرسالة إلى قومه على ما حكاه الله قال تعالى:
{ قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيراً * ونذكرك كثيراً * إنك كنت بنا بصيراً } } [طه: 25ـ35]. ينصح عليه السلام لما بعث لها من الدعوة الدينية ويذكر لربه - على ما يفيده الكلام بإعانة من المقام - أنك كنت بصيراً بحالي أنا وأخي منذ نشأنا نحب تسبيحك، وقد حملتني الليلة ثقل الرسالة وفي نفسي من الحدة وفي لساني من العقدة ما أنت أعلم به وإني أخاف أن يكذبوني إن دعوتهم إليك وبلغتهم رسالتك فيضيق صدري ولا ينطلق لساني فاشرح لي صدري، ويسر لي امري، وهذا رفع التحرج الذي ذكره الله بقوله: { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل } [الأحزاب: 38] واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي وأخي هارون أفصح مني لساناً وهو من أهلي فأشركه في هذا الأمر واجعله وزيراً لي كي نسبحك - كما كنا نحبه - كثيراً ونذكرك عند ملأ الناس بالتعاضد كثيراً، فهذا محصل ما سأله عليه السلام ربه من أسباب الدعوة والتبليغ، والأدب الذي استعمل فيه أن ذكر غايته وغرضه من اسئلته لئلا يوهم كلامه أنه يسأل ما يسأل لنفسه فقال: {كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً} واستشهد على صدقه في دعواه بعلم الله نفسه بإلقاء أنفسهما بين يديه وعرضها عليه فقال: {إنك كنت بنا بصيراً} وعرض السائل المحتاج نفسه في حاجتها على المسؤول الغني الجواد من أقوى ما يهيج عاطفة الرحمة لأنه يفيد إراءة نفس الحاجة فوق ما يفيده ذكر الحاجة باللسان الذي لا يمتنع عليه أن يكذب.
ومنه ما حكى الله عنه مما دعا به على فرعون وملائه إذ قال:
{ وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، قال قد أُجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون } } [يونس: 88ـ89]. الدعاء لموسى وهارون ولذلك صدر بكلمة {ربنا} ويدل عليه ما في الآية التالية: {قال قد أُجيبت دعوتكما} دعوا أولاً على أموالهم أن يطمس الله عليها ثم على أنفسهم أن يشد الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فلا يقبل إيمانهم كما قال تعالى: { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراًَ } [الأنعام: 158] أي انتقم منهم بتحريم الإِيمان عليهم بمفاجأة العذاب كما حرموه على عبادك باضلالهم، وهذا أشد ما يمكن أن يدعى به على أحد فإنه الدعاء بالشقوة الدائمة ولا شيء شراً منه بالنسبة إلى إنسان.
والدعاء بالشر غير الدعاء بالخير حكماً فإن الرحمة الإِلهية سبقت غضبه وقد قال لموسى فيما أَوحى إليه:
{ عذابي أُصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء } [الأعراف: 156] فسعة الرحمة الإِلهية تقضي بكراهية اصابة الشر والضر لعبد من عباده وإن كان ظالماً، ويشهد بذلك ما يفيض الله سبحانه من نعمه عليهم وسترهم بكرمه وأمره عباده بالحلم والتصبر عند جهالتهم وخرقهم اللهم إلا في إقامة حق لازم، أو عند اضطرار في مظلمة إذا كانوا على علم بأن مصلحة ملزمة كمصلحة الدين أو أهل الدين تقتضي ذلك.
على أن جهات الخير والسعادة كلما كانت ارق لطافة وأدق رتبة كانت أوقع عند النفوس بالفطرة التي فطر الله الناس عليها بخلاف جهات الشر والشقاء فإن الإِنسان بحسب طبعه يفر من الوقوف عليها، ويحتال أن لا يلتفت إلى أصلها فضلاً عن تفاصيل خصوصياتها، وهذا المعنى يوجب اختلاف الدعاءين أعني الدعاء بالخير والدعاء بالشر من حيث الآداب.
فمن أدب الدعاء بالشر أن تذكر الأُمور التي بعثت إلى الدعاء بالتكنية وخاصة في الأُمور الشنيعة الفظيعة بخلاف الدعاء بالخير فإن التصريح بعوامل الدعاء فيه هو المطلوب، وقد راعاه عليه السلام في دعائه حيث قال: {ليضلوا عن سبيلك} ولم يأت بتفاصيل ما كانت تأتي به آل فرعون من الفظائع.
ومن أدبه الإِكثار من الاستغاثة والتضرع وقد راعاه فيما يقول: {ربنا} وتكرره مرات في دعائه على قصره.
ومن أدبه أن لا يقدم عليه إلا مع العلم بأنه على مصلحة الحق من دين أو أهله من دون أن يجري على ظن أو تهمة، وقد كان عليه السلام على علم منه وقد قال الله فيه:
{ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى } } [طه: 56] وكأنه لذلك أمره الله سبحانه وأخاه عندما أخبرهما بالاستجابة بقوله: {فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون} والله أعلم.
ومن دعاء موسى ما حكاه الله عنه في قوله:
{ واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك } } [الأعراف: 155ـ156]. يبتدئ الدعاء من قوله: {فاغفر لنا} الخ، غير أن الموقف لما كان موقفاً صعباً قد أخذهم الغضب الإِلهي والبطش الذي لا يقوم له شيء، وما مسألة المغفرة والرحمة من سيد ساخط قد هتكت حرمته وأُهين على سؤدده كمسألة من هو في حال سويّ فلذلك قدّم عليه السلام ما تسكن به فورة الغضب الإِلهي حتى يتخلص إلى طلب المغفرة والرحمة.
فقال: {رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي} يريد عليه السلام - كما تدل عليه قرينة المقام - رب إن نفسي ونفوسهم جميعاً قبض قدرتك، وطوع مشيئتك، لو شئت أهلكتهم وأنا فيهم قبل اليوم كما أهلكتهم اليوم وأبقيتني، فماذا أقول لقومي إذا رجعت إليهم واتهموني بأني قتلتهم، وحالهم ما أنت أعلم به؟ وهذا يبطل دعوتي ويحبط عملي.
ثم عد عليه السلام إهلاك السبعين إهلاكاً له ولقومه فذكر أنهم سفهاء من قومه لا يعبأ بفعلهم فأخذ ربه برحمته حيث لم يكن من عادته تعالى أن يهلك قوماً بفعل السفهاء منهم، وليس ذلك إلا مورداً من موارد الامتحان العام الذي لا يزال جارياً على الإِنسان فيضل به كثير، ويهتدي به كثير، ولم تقابلها إلا بالصفح والستر.
وإذ كان بيدك أمر نفسي ونفوسنا تقدر على إهلاكنا متى شئت، وكانت هذه الواقعة غير بدع في مسير امتحانك العام الذي يعقب ضلال قوم وهداية آخرين، ولا ينتهي إلا إلى مشيئتك فأنت ولينا الذي يقوم بأمرك ومشيئتك تدبير أُمورنا، ولا صنع لنا فيها فاقض فينا بالمغفرة والرحمة فإن من جملة صفاتك أنك خير الغافرين، واكتب لنا في هذه الدنيا عيشة آمنة من العذاب وهي التي يستحسنها من أحاط به غمر السخط الإِلهي، وفي الآخرة حسنة بالمغفرة والجنة.
وهذا ما ساقه عليه السلام في مسألته، وقد أخذتهم الرجفة وشملتهم البلية، فانظر كيف استعمل جميل أدب العبودية واسترحم ربه، ولم يزل يستوهب الرحمة، ويسكن بثنائه فورة السخط الإِلهي حتى أُجيب إلى ما لم يذكره من الحاجة بين ما ذكره، وهو إعادة حياتهم إليهم بعد الإِهلاك، وأُوحي إليه بما حكاه الله تعالى:
{ قال عذابي أُصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156] فما ظنك به تعالى بعد ما قال لموسى عليه السلام جواباً لمسألته: {ورحمتي وسعت كل شيء}؟.
وقد ذكر تعالى صريح عفوه عن هؤلاء، وإجابته إلى مسألته موسى عليه السلام بإعادة الحياة إليهم وقد أهلكوا وردهم إلى الدنيا بقوله:
{ وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون، ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون } } [البقرة: 55ـ56] ويقرب من ذلك ما في سورة النساء.
وقد استعمل عليه السلام من الأدب في كلامه حيث قال: {تضل بها من تشاء} لم يذكر أن ذلك من سوء اختيار هؤلاء الضالين لينزهه تعالى لفظاً كما كان ينزهه قلباً فيكون على حد قوله تعالى:
{ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين } [البقرة: 26] لأن المقام كان يصرفه عن التعرض إلا لكونه تعالى ولياً على الإِطلاق ينتهي إليه كل التدبير لا غير.
ولم يورد في الذكر أيضاً عمدة ما في نفسه من المسألة وهو أن يحييهم الله سبحانه بعد الإِهلاك لأن الموقف على ما كان فيه من هول وخطر كان يصرفه عن الاسترسال، وإنما أشار إليه إشارة بقوله: {رب لو شئت أهلكتهم وإياي} الخ.
ومن دعائه عليه السلام ما دعا به حين رجع إلى قومه من الميقات فوجدهم قد عبدوا العجل من بعده، وقد كان الله سبحانه أخبره بذلك قال تعالى:
{ وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، قال ابن أمّ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } } [الأعراف: 150] فعند ذلك رق له ودعا له ولنفسه ليمتازا بذلك من القوم الظالمين: { قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين } } [الأعراف: 151]. ولم يكن يريد التميّز منهم وأن يدخلهما الله في رحمته إلا لما كان يعلم أن الغضب الإِلهي سينال القوم بظلمهم كما ذكره الله بقوله بعد ذلك: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } [الأعراف: 152] ويعرف بما تقدم وجوه من الأدب في كلامه.
ومن دعائه عليه السلام: وهو في معنى الدعاء على قومه إذ قالوا له حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة:
{ يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون } [المائدة: 24] ما حكاه الله تعالى بقوله: { قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } } [المائدة: 25]. وقد أخذ عليه السلام بالأدب الجميل حيث كنّى عن الإِمساك عن أمرهم وتبليغهم أمر ربهم ثانياً بعد ما جبهوا أمره الأول بأقبح الرد وأشنع القول بقوله: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} أي لا يطيعني فيما أمرته إلا نفسي وأخي أي إنهم ردوا علي بما لا مطمع فيهم بعده، فها أنا أكف عن أمرهم بأمرك وإرشادهم إلى ما فيه صلاح جماعتهم.
وإنما نسب ملك نفسه وأخيه إلى نفسه لأن مراده من الملك بقرينة المقام ملك الطاعة ولو كان هو الملك التكويني لم ينسبه إلى نفسه إلا مع بيان أن حقيقته لله سبحانه، وإنما له من الملك ما ملكه الله إياه، ولما عرض لربه من نفسه الإِمساك واليأس عن إجابتهم إليه أحال الحكم في ذلك فقال: {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين}.
ومن ذلك ما دعا به شعيب عليه السلام على قومه إذ قال:
{ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } } [الأعراف: 89]. وهذا استنجاز منه للوعد الإِلهي بعد ما يئس من نجاح دعوته فيهم، ومسألة للقضاء بينه وبينهم بالحق على ما قاله الله تعالى: { ولكل أُمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } } [يونس: 47]. وإنما قال {بيننا} لأنه ضم المؤمنين به إلى نفسه، وقد كان الكافرون من قومه هدوا أياه والمؤمنين به جميعاً إذ قالوا: { لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا } } [الأعراف: 88] فضمهم إلى نفسه وهاجر قومه في عملهم وسار بهم إلى ربه وقال: {ربنا افتح بيننا} الخ.
وقد استمسك في دعائه باسمه الكريم: {خير الفاتحين} لما مر أن التمسك بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإِقسام، وهذا بخلاف قول موسى عليه السلام: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} المنقول آنفاً لما تقدم أن لفظه عليه السلام ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن الإِمساك عن الدعوة وإرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضى للاقسام بخلاف قول شعيب.
ومن ذلك ما حكاه الله من ثناء داود وسليمان عليهما السلام قال تعالى:
{ ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } } [النمل: 15]. وجه الأدب في حمدهما وشكرهما ونسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله سبحانه ظاهر، فلم يقولا مثل ما حكى عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه أن لا يستكبر في الأرض بما له: { إنما أُوتيته على علم عندي } } [القصص: 78] وكما حكى الله عن قوم آخرين: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } } [غافر: 83]. ولا ضير في الحمد على تفضيل الله إياهما على كثير من المؤمنين فإنه من ذكر خصوص النعمة وبيان الواقع، وليس ذلك من التكبر على عباد الله حتى يلحق به ذم، وقد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل ومدحهم على علو طبعهم وسمو همتهم حيث قال: { والذين يقولون ربنا } [الفرقان: 74] إلى أن قال { واجعلنا للمتقين إماماً } } [الفرقان: 74]. ومن ذلك ما حكاه عن سليمان عليه السلام في قصة النملة بقوله: { حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، قتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } } [النمل: 18ـ19]. ذكرته النملة بما قالته ما له من الملك العظيم الذي شيدت أركانه بتسخير الريح تجري بأمره، والجن يعملون له ما يشاء، والعلم بمنطق الطير وغيره غير أن هذا الملك لم يقع في ذكره عليه السلام في صورة أجلى أمنية يبلغها الإِنسان كما فينا ولم ينسه عبوديته ومسكنته بل إنما وقع في نفسه في صورة نعمة أنعمها عليه ربه فذكر ربه ونعمته أنعمها عليه وعلى والديه بما خصهم به، وهو من مثله عليه السلام والحال هذا الحال أفضل الأدب مع ربه.
وقد ذكر نعمة ربه، وهي وإن كانت كثيرة في حقه غير أن مورد نظره عليه السلام والمقام ذاك المقام - هو الملك العظيم والسلطة القاهرة، ولذلك ذكر العمل الصالح وسأل ربه أن يوزعه ليعمل صالحاً لأن العمل الصالح والسيرة الحسنة هو المطلوب ممن استوى على عرش الملك.
فلذلك كله سأل ربه أولاً أن يوزعه على شكر نعمته، وثانياً أن يعمل صالحاً ولم يرض بسؤال العمل الصالح دون أن قيده بقوله: {ترضاه} فإنه عبد لا شغل له بغير ربه، ولا يريد الصالح من العمل إلا لأن ربه يرضاه، ثم تمم مسألة التوفيق لصلاح العمل بمسألة صلاح الذات فقال: {وأدخلني برحمتك في عبادك الصلحين}.
ومن ذلك ما حكاه الله عن يونس عليه السلام وقد دعا به وهو في بطن الحوت الذي التقمه قال تعالى:
{ وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } } [الأنبياء: 87]. كان عليه السلام - على ما يقصه القرآن - قد سأل ربه أن ينزل على قومه العذاب فأجابه إلى ذلك فأخبرهم به فلما أشرف عليهم العذاب بالنزول تابوا إلى ربهم فرفع عنهم العذاب، ولما شاهد يونس ذلك ترك قومه، وذهب لوجهه حتى ركب السفينة فاعترضها حوت فساهمهم في أن يدفعوا الحوت بإلقاء رجل منهم إليه ليلتقمه وينصرف عن الباقين، فخرجت القرعة باسمه فالقي في البحر فالتقمه الحوت فكان يسبح الله في بطنه إلى أن أمره الله أن يلقيه إلى ساحل البحر، ولم يكن ذلك إلا تأديباً إلهياً يؤدب به أنبياءه على حسب ما يقتضيه مختلف أحوالهم، وقد قال تعالى: { فلولا أنه كان من المسبحين، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } } [الصافات: 143ـ144] فكان حاله في تركه العود إلى قومه وذهابه لوجهه يمثل حال عبد انكر على ربه بعض عمله فغضب عليه فأبق منه وترك خدمته وما هو وظيفة عبوديته فلم يرتض الله له ذلك فأدبه فابتلاه وقبض عليه في سجن لا يقدر فيه أن يتوسع قدر أنملة في ظلمات بعضها فوق بعض فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
ولم يكن ذلك كله إلا لأن يتمثل له على خلاف ما كان يمثله حاله أن الله سبحانه قادر على أن يقبض عليه ويحبسه حيث شاء، وأن يصنع به ما شاء فلا مهرب من حكمه سبحانه إلا إليه، ولذلك لقنه الحال الذي تمثل له وهو في سجنه من بطن الحوت أن يقر لله بأنه هو المعبود الذي لا معبود غيره، ولا مهرب عن عبوديته فقال: {لا إله إلا أنت} ولم يناده تعالى بالربوبية، وهذا أوحد دعاء من أدعية الأنبياء عليهم السلام لم يصدر باسم الرب.
ثم ذكر ما جرى عليه الحال من تركه قومه إثر عدم إهلاكه تعالى إياهم بما أنزل عليهم من العذاب فأثبت الظلم لنفسه ونزه الله سبحانه عن كل ما فيه شائبة الظلم والنقص فقال: {سبحانك إني كنت من الظالمين}.
ولم يذكر مسألته - وهي الرجوع إلى مقامه العبودي السابق - عدا لنفسه دون لياقة الاستعطاء واستحقاق العطاء استغراقاً في الحياء والخجل، والدليل على مسألته قوله تعالى بعد الآية السابقة:
{ فاستجبنا له ونجيناه من الغم } } [الأنبياء: 88]. والدليل على أن مسألته كانت هي الرجوع إلى سابق مقامه قوله تعالى: { فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون، فآمنوا به فمتعناهم إلى حين } } [الصافات: 145ـ148]. ومن ذلك ما ذكره الله تعالى عن أيوب عليه السلام بعد ما أزمنه المرض وهلك عنه ماله وولده حيث قال: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين } } [الأنبياء: 83]. وجوه التأدب فيه ظاهرة مما تقدم بيانه، ولم يذكر عليه السلام حاجته صريحاً على حد ما تقدم من أدعية آدم ونوح وموسى ويونس عليهم السلام هضماً لنفسه واستحقاراً لأمره، وأدعية الأنبياء كما تقدم ويأتي خالية عن التصريح بالحاجة إذا كان مما يرجع إلى أُمور الدنيا وإن كانوا لا يريدون شيئاً من ذلك اتباعاً لهوى أنفسهم.
وبوجه آخر ذكره السبب الباعث إلى المسألة كمس الضر والصفة الموجودة في المسؤول المطمعة للسائل في المسألة ككونه تعالى أرحم الراحمين، والسكوت عن ذكر نفس الحاجة، أبلغ كناية عن أن الحاجة لا تحتاج إلى ذكر فإن ذكرها يوهم أن الأسباب المذكورة ليست بكافية في إثارة رحمة من هو أرحم الراحمين بل يحتاج إلى تأييد بالذكر وتفهيم باللفظ.
ومن ذلك ما حكاه عن زكريا عليه السلام: حيث قال:
{ ذكر رحمة ربك عبده زكريا، إذ نادى ربه نداء خفياً، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً } } [مريمك 2ـ6]. إنما حثه على هذا الدعاء ورغبه في أن يستوهب ولداً من ربه ما شاهده من أمر مريم ابنة عمران في زهدها وعبادتها، وما أكرمها الله سبحانه به من أدب العبودية، وخصها به من كرامة الرزق من عنده على ما يقصه الله تعالى في سورة آل عمران قال تعالى: { وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء } } [آل عمران: 37ـ38]. فغشيه شوق شديد إلى ولد طيب صالح يرثه ويعبد ربه عبادة مرضية كما ورثت مريم عمران وبلغت جهدها في عبادة ربها ونالت منه الكرامة غير أنه وجد نفسه وقد نال منه الشيب، وانهدت منه القوى، وكذلك امرأته وقد كانت عاقرة في سني ولادتها فأدركته من حسرة الحرمان من نعمة الولد الطيب الرضي ما الله أعلم به، لكن لم يملك نفسه مما هاج فيه من الغيرة الإِلهية والاعتزاز بربه دون أن رجع إلى ربه وذكر له ما يثور به الرحمة والحنان من حاله أنه لم يزل عالقاً على باب العبودية والمسألة منذ حداثة سنه حتى وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً، ولم يكن بدعائه شقياً، وقد وجده سبحانه سميع الدعاء فليسمع دعاءه وليهب له وارثاً رضياً.
والدليل على ما ذكرنا أنه إنما سأل ما سأل بما ملك نفسه من هيجان الوجد والحزن ما حكاه الله تعالى عنه بعد ما أوحى إليه بالاستجابة بقوله:
{ قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً } } [مريم: 8ـ9] فإنه ظاهر في أنه عليه السلام لما سمع الاستجابة صحا عن حاله وأخذ يتعجب من غرابة المسألة والإِجابة حتى سأل ربه عن ذلك في صورة الاستبعاد وسأل لنفسه عليه آية فاجيب إليها أيضاً.
وكيف كان فالذي استعمله عليه السلام في دعائه من الأدب هو ما ساقه إليه حال الوجد والحزن الذي ملكه، ولذلك قدم على دعائه بيان ما بلغ به الحال في سبيل ربه فقد صرف دهره في سلوك سبيل الإِنابة والمسألة حتى وقف موقفاً يرق له قلب كل ناظر رحيم ثم سأل الولد وعلله بأن ربه سميع الدعاء.
فهذا معنى ما ذكره مقدمة لمسألته لا أنه كان يمتن بطول عبوديته على ربه - حاشا مقام النبوة - فمعنى قوله على ما في سورة آل عمران: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} أني أسألك ما أسألك لا لأن لطول عبوديتي - وهو دعاؤه المديد - قدراً عندك أو فيه منة عليك بل لأني أسألك، وقد وجدتك سميعاً لدعاء عبادك ومجيباً لدعوة السائلين المضطرين، وقد اضطرني خوف الموالي من ورائي، والحث الشديد لذرية طيبة تعبدك أن أسألك.
وقد تقدم أن من الأدب الذي استعمله في دعائه أن ألحق تخوّف الموالي قوله: {واجعله رب رضياً} والرضي وإن كان طبعه يدل بهيئته على ثبوت الرضا لموصوفه، والرضا يشمل بإطلاقه رضا الله ورضا زكريا ورضا يحيى لكن قوله في آية آل عمران: {ذرية طيبة} يدل على أن المراد بكونه رضياً كونه مرضياً عند زكريا لأن الذرية إنما تكون طيبة لصاحبها لا غير.
ومن ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المسيح حين سأل المائدة بقوله:
{ قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين } } [المائدة: 114]. القصة المذكورة في كلامه تعالى في سؤال الحواريين عيسى عليه السلام نزول مائدة من السماء عليهم تدل بسياقه أن هذه المسألة كانت من الأسئلة الشاقة على عيسى عليه السلام لأن ما حكي عنهم من قولهم له: {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} كان أولاً مشتملاً بظاهره على الاستفهام عن قدرة الله سبحانه، ولا يوافق ذلك أدب العبودية وإن كان حاق مرادهم السؤال عن المصلحة دون أصل القدرة فإن حزازة اللفظ على حالها.
وكان ثانياً متضمناً لاقتراح آية جديدة مع أن آياته عليه السلام الباهرة كانت قد أحاطت بهم من كل جهة فكانت نفسه الشريفة آية، وتكلمه في المهد آية، وإحياؤه الموتى وخلقه الطير وإبراؤه الأكمه والأبرص وإخباره عن المغيبات وعلمه بالتوراة والانجيل والكتاب والحكمة آيات إلهية لا تدع لشاك شكاً ولا لمرتاب ريباً فاختيارهم آية لأنفسهم وسؤالهم إياه كان بظاهره كالعبث بآيات الله واللعب بجانبه، ولذلك وبخهم بقوله: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}.
لكنهم أصروا على ذلك ووجهوا مسألتهم بقولهم: {نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين} وألجأوه إلى السؤال فسأل.
أصلح عليه السلام بأدبه الموهوب من جانب الله سبحانه ما اقترحوه من السؤال بما يصلح به أن يقدم إلى حضرة العزة والكبرياء فعنونه أولاً بعنوان أن يكون عيداً لهم يختصون هو وأُمته به فإنها آية اقتراحية عديمة النظير بين آيات الأنبياء عليهم السلام حيث كانت آياتهم إنما تنزل لإِتمام الحجة أو لحاجة الأمة إلى نزولها، وهذه الآية لم تكن على شيء من هاتين الصفتين.
ثم أجمل ثانياً ما فصله الحواريون من فوائد نزولها من اطمئنان قلوبهم بها وعلمهم بصدقه عليه السلام وشهادتهم عليها، في قوله: {وآية منك}.
ثم ذكر ثالثاً ما ذكروه من عرض الأكل وأخّره وإن كانوا قدموه في قولهم: {نريد أن نأكل منها} الخ، وألبسه لباساً آخر أوفق بأدب الحضور فقال: {وارزقنا} ثم ذيله بقوله: {وأنت خير الرازقين} ليكون تأييداً للسؤال بوجه، وثناء له تعالى من وجه آخر.
وقد صدّر مسألته بندائه تعالى: {اللهم ربنا} فزاد على ما يوجد في سائر أدعية الأنبياء عليهم السلام من قولهم {رب} أو {ربنا} لأن الموقف صعب كما تقدم بيانه.
ومنه مشافهته عليه السلام ربه المحكية بقوله تعالى:
{ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } } [المائدة: 114ـ118]. تأدب عليه السلام في كلامه أولاً بأن صدّره بتنزيهه تعالى عما لا يليق بقدس ساحته كما جرى عليه كلامه تعالى قال: { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه } } [الأنبياء: 26]. وثانياً: بأن أخذ نفسه أدون وأخفض من أن يتوهم في حقه أن يقول مثل هذا القول حتى يحتاج إلى أن ينفيه، ولذلك لم يقل من أول مقالته إلى آخرها: "ما قلت" أو "ما فعلت" وإنما نفى ذلك مرة بعد مرة على طريق الكناية وتحت الستر فقال: {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} فنفاه بنفي سببه أي لم يكن لي حق في ذلك حتى يسعني أن أتفوه بمثل ذاك القول العظيم، ثم قال: {إن كنت قلته فقد علمته} الخ، فنفاه بنفي لازمه أي إن كنت قلته كان لازم ذلك أن تعلمه لأن علمك أحاط بي وبجميع الغيوب.
ثم قال: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} فنفاه بإيراد ما يناقضه مورده على طريق الحصر بما وإلا أي إني قلت لهم قولاً ولكنه هو الذي أمرتني به وهو أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكيف يمكن أن أقول لهم مع ذلك أن اتخذوني وأُمي إلهين من دون الله؟.
ثم قال: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم} وهو نفي منه عليه السلام لذلك كالمتمم لقوله: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} "الخ" وذلك لأن معناه: ما قلت لهم شيئاً مما ينسب إلى والذي قلت لهم إنما قلته عن أمر منك، وهو {أن اعبدوا الله ربي وربكم} ولم يتوجه إلى أمر فيما سوى ذلك، ولا مساس بهم إلا الشهادة والرقوب لأعمالهم ما دمت، فلما توفيتني انقطعت عنهم، وكنت أنت الرقيب عليهم بشهادتك الدائم العام قبل أن توفيتني وبعده وعليهم وعلى كل شيء غيرهم.
وإذ قد بلغ الكلام هذا المبلغ توجه له عليه السلام أن ينفي ذلك القول عن نفسه بوجه آخر متمم للوجوه التي ذكرها، وبه يحصل تمام النفي فقال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك} "الخ" يقول - على ما يؤيده السياق - وإذا كان الأمر على ما ذكرت فأنا بمعزل منهم وهم بمعزل منى فأنت وعبادك هؤلاء إن تعذبهم فإنهم عبادك، وللسيد الرب أن يعذب عبيده بمخالفتهم وإشراكهم به وهم مستحقون للعذاب، وإن تغفر لهم فلا عتب عليك لأنك عزيز غير مغلوب وحكيم لا يفعل الفعل السفهي اللغو، وإنما يفعل ما هو الأصلح.
وبما بينا يظهر وجوه لطيفة من أدب العبودية في كلامه عليه السلام ولم يورد جملة في كلامه إلا وقد مزجها بأحسن الثناء بأبلغ بيان وأصدق لسان.
ومن ذلك ما حكاه الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ألحق به في ذلك المؤمنين من أُمته فقال تعالى:
{ آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخدنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } } [البقرة: 285ـ286]. كلامه تعالى - كما ترى - يحكي إيمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الكريم فيما اشتمل عليه من أصول المعارف، وفيما اشتمل عليه من الأحكام الإِلهية جميعاً، ثم يلحق به صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين من أُمته دون المعاصرين الحاضرين عنده صلى الله عليه وآله وسلم منهم فحسب، بل المؤمنين من جميع الأُمة على ما هو ظاهر السياق.
ولازم ذلك أن يكون ما ذكر فيه من إقرار أو ثناء أو دعاء بالنسبة إلى بعضهم محكياً عن لسان حالهم، وإن أمكن أن يكون ذلك مما قاله آخرون بلسان قالهم، أو يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القائل ذلك مشافهاً ربه عن نفسه الشريفة وعن المؤمنين لأنهم بإيمانهم من فروع شجرة نفسه الطيبة المباركة.
والآيتان تشتملان على ما هو كالمقايسة والموازنة بين أهل الكتاب وبين مؤمني هذه الأُمة من حيث تلقيهم ما أُنزل إليهم في كتاب الله، وإن شئت قلت: من حيث تأدبهم بأدب العبودية تجاه الكتاب النازل إليهم، فإنه ظاهر ما أثنى الله سبحانه على هؤلاء وخفف الله عنهم في الآيتين بعين ما وبّخ أُولئك عليه وعيرهم به في الآيات السابقة من سورة البقرة فقد ذم أهل الكتاب بالتفريق بين ملائكة الله فأبغضوا جبريل وأحبوا غيره، وبين كتب الله المنزلة فكفروا بالقرآن وآمنوا بغيره، وبين رسل الله فآمنوا بموسى أو به وبعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم، وبين أحكامه فآمنوا ببعض ما في كتاب الله وكفروا ببعض، والمؤمنون من هذه الأُمة آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.
فقد تأدبوا مع ربهم بالتسليم لما أحقه الله من المعارف الملقاة إليهم ثم تأدبوا بالتلبية لما ندب الله إليه من أحكامه إذ قالوا: {سمعنا وأطعنا} لا كقول اليهود: {سمعنا وعصينا} ثم تأدبوا فعدوا أنفسهم عباداً مملوكين لربهم لا يملكون منه شيئاً ولا يمتنون عليه بإيمانهم وطاعتهم فقالوا: {غفرانك ربنا} لا كما قالت اليهود: {سيغفر لنا} وقالت: {إن الله فقير ونحن أغنياء} وقالت: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} إلى غير ذلك من هفواتهم.
ثم قال الله سبحانه: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فإن التكليف الإِلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها، ومن المعلوم أن الفطرة التي هي نوع الخلقة لا تدعو إلا إلى ما جهزت به، وفي ذلك سعادة الحياة البتة.
نعم لو كان الأمر على ضرب من الأهمية القاضية بزيادة الاهتمام به، أو خرج العبد المأمور عن حكم الفطرة وزي العبودية جاز بحكم آخر من قبل الفطرة أن يوجه المولى أو كل من بيده الأمر إليه من الحكم ما هو خارج عن سعته المعتادة كأن يأمره بالاحتياط بمجرد الشك، واجتناب النسيان والخطأ إذا اشتد الاهتمام بالأمر، نظير وجوب الاحتياط في الدماء والفروج والأموال في الشرع الإِسلامي، أو يحمل عليه الكلفة ويزيد في التضييق عليه كلما زاد في اللجاج وألح في المسألة كما أخبر الله بنظائر ذلك في بني إسرائيل.
وكيف كان فقوله: {لا يكلف الله نفساً} إما ذيل كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون، وإنما قالوه تقدمة لقولهم: {ربنا لا تؤاخذنا} الخ، ليجري مجرى الثناء عليه تعالى ودفعاً لما يتوهم أن الله سبحانه يؤاخذ بما فوق الطاقة ويكلف بالحرجي من الحكم فيندفع بأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وأن الذي سألوه بقولهم: {ربنا لا تؤاخذنا} الخ، إنما هو الأحكام بعناوين ثانوية ناشئة من قبل الحكم أو من قبل المكلفين بالعناد لا من قبله تعالى.
وإما كلام له تعالى موضوع بين فقرتين من دعائم المحكي في كلامه أعني قولهم: {غفرانك ربنا} الخ، وقولهم: {ربنا لا تؤاخذنا} الخ، ليفيد ما مر من الفائدة ويكون تأديباً وتعليماً لهم منه تعالى فيكون جارياً مجرى كلامهم لأنهم مؤمنون بما أنزل الله، وهو منه، وعلى أي حال فهو مما يعتمد عليه كلامهم، ويتكئ عليه دعاؤهم.
ثم ذكر بقية دعائهم وإن شئت فقل: طائفة أُخرى من مسائلهم: {ربنا لا تؤاخذنا} الخ {ربنا لا تحمل علينا إصراً} الخ {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا} وكأن مرادهم به العفو عما صدر منهم من النسيان والخطأ وسائر موجبات الحرج {واغفر لنا وارحمنا} في سائر ذنوبنا وخطيئاتنا، ولا يلزم من ذكر المغفرة ها هنا التكرار بالنظر إلى قولهم سابقاً: {غفرانك ربنا} لأنها كلمة حكيت عنهم لفائدة قياس حالهم وأدبهم مع ربهم على أهل الكتاب في معاملتهم مع ربهم وبالنسبة إلى كتابهم المنزل إليهم، على أن مقام الدعاء لا يمانع التكرار كسائر المقامات.
واشتمال هذا الدعاء على أدب العبودية في التمسك بذيل الربوبية مرة بعد مرة والاعتراف بالمملوكية والولاية، والوقوف موقف الذلة ومسكنة العبودية قبال رب العزة مما لا يحتاج إلى بيان.
وفي القرآن الكريم تأديبات إلهية وتعليمات عالية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأقسام من الثناء يثني بها على ربه أو المسألة التي يسأله بها كما في قوله تعالى:
{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } [آل عمران: 26] إلى آخر الآيتين وقوله تعالى: { قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك } } [الزمر: 46] وقوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } [النمل: 59] وقوله تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله } } [الأنعام: 162] وقوله تعالى: { وقل رب زدني علماً } } [طه: 114] وقوله: { وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين } [المؤمنون: 97] "الخ" إلى غير ذلك من الآيات وهي كثيرة جداً.
ويجمعها جميعاً أنها تشتمل على أدب بارع أدّب الله به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وندب هو إليه أُمته.
7- رعايتهم الأدب عن ربهم فيما حاوروا قومهم، وهذا أيضاً باب واسع وهو ملحق بالأدب في الثناء على الله سبحانه، وهو من جهة أخرى من أبواب التبليغ العملي الذي لا يقصر أو يزيد أثراً على التبليغ القولي.
وفي القرآن من ذلك شيء كثير قال تعالى في محاورة جرت بين نوح وقومه:
{ قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين، ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون } } [هود: 32ـ34] ينفي عليه السلام عن نفسه ما نسبوا إليه من إتيان الآية ليعجزوه به، وينسبه إلى ربه ويبالغ في الأدب بقوله: {إن شاء} ثم بقوله {وما أنتم بمعجزين} أي لله، ولذلك نسبه إليه تعالى بلفظ "الله" دون لفظ "ربي" لأن الله هو الذي ينتهي إليه كل جمال وجلال، ولم يكتف بنفي القدرة على إتيان الآية عن نفسه وإثباته حتى ثناه بنفي نفع نصحه لهم إن لم يرد الله أن ينتفعوا به فأكمل بذلك نفي القدرة عن نفسه وإثباته لربه، وعلل ذلك بقوله: {هو ربكم وإليه ترجعون}.
فهذه محاورة غاصة بالأدب الجميل في جنب الله سبحانه حاور بها نوح عليه السلام الطغاة من قومه محاجاً لهم، وهو أول نبي من الأنبياء عليهم السلام فتح باب الاحتجاج في الدعوة إلى التوحيد، وانتهض على الوثنية على ما يذكره القرآن الشريف.
وهذا أوسع هذه الأبواب مسرحاً لنظر الباحث في أدب الأنبياء عليهم السلام يعثر على لطائف من سيرتهم المملوءة أدباً وكمالاً فإن جميع أقوالهم وأفعالهم وحركاتهم وسكناتهم مبنية على أساس المراقبة والحضور العبودي، وإن كانت صورتها صورة عمل من غاب عن ربه وغاب عنه ربه سبحانه قال تعالى:
{ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون } }. [الأنبياء: 19ـ20] وقد حكى الله تعالى في كلامه محاورات كثيرة عن هود وصالح وإبراهيم وموسى وشعيب ويوسف وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام في حالات لهم مختلفة كالشدة والرخاء والحرب والسلم والإِعلان والإِسرار والتبشير والإِنذار وغير ذلك.
تدبر في قوله تعالى:
{ فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } } [طه: 86] يذكر موسى عليه السلام إذ رجع إلى قومه وقد امتلأ غيظاً وحنقاً لا يصرفه ذلك عن رعاية الأدب في ذكر ربه.
وقوله تعالى:
{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } [يوسف: 23] وقوله تعالى: { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } } [يوسف: 91ـ92] يذكر يوسف في خلاء المراودة الذي يملك من الإِنسان كل عقل، ويبطل عنده كل حزم لا يشغله ذلك عن التقوى ثم عن رعاية الأدب في ذكر ربه ومع غيره.
وقوله تعالى:
{ فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم } } [النمل: 40] وهذا سليمان عليه السلام وقد أوتي من عظيم الملك ونافذ الأمر وعجيب القدرة أن أمر بإحضار عرش ملكة سبأ من سبأ إلى فلسطين فاحضر في أقل من طرفة عين فلم يأخذه كبر النفس وخيلاؤها، ولم ينس ربه ولم يمكث دون أن أثنى على ربه في ملائه بأحسن الثناء.
وليقس ذلك إلى ما ذكره الله من قصة نمرود مع إبراهيم عليه السلام إذ قال:
{ ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } [البقرةك 258] وقد قال ذلك إذ أحضر رجلين من السجن فأمر بقتل أحدهما وإطلاق الآخر.
أو إلى ما ذكره فرعون مصر إذ قال كما حكاه الله:
{ يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا أُلقي عليه أسورة من ذهب } [الزخرف: 51ـ52] يباهي بملك مصر وأنهاره ومقدار من الذهب كان يملكه هو وملاؤه ولا يلبث دون أن يقول كما حكى الله: {أنا ربكم الأعلى} وهو الذي كانت تستذله آيات موسى يوماً بعد يوم من طوفان وجراد وقمل وضفادع وغير ذلك.
وقوله تعالى:
{ إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } } [التوبة: 40] وقوله: { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } [التحريم: 3] إلى أن قال { فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } [التحريم: 3] فلم يهزهزه صلى الله عليه وآله وسلم شدة الأمر والهول والفزع في يوم الخوف أن يذكر أن ربه معه ولم تنجذب نفسه الشريفة إلى ما كان يهدده من الأمر، وكذا ما أسر به إلى بعض أزواجه في الخلوة في اشتماله على رعاية الأدب في ذكر ربه.
وعلى وتيرة هذه النماذج المنقولة تجري سائر ما وقع في قصصهم عليهم السلام في القرآن الكريم من الأدب الرائع والسنن الشريفة، ولولا أن الكلام قد طال بنا في هذه الأبحاث لاستقصينا قصصهم وأشبعنا فيها البحث.
8- أدب الأنبياء عليهم السلام مع الناس في معاشرتهم ومحاورتهم، مظاهر هذا القسم هي الاحتجاجات المنقولة عنهم في القرآن مع الكفار، والمحاورات التي حاوروا بها المؤمنين منهم، ثم شيء يسير من سيرتهم المنقولة.
أما الأدب في القول فإنك لا تجد فيما حكي من شذرات أقوالهم مع العتاة والجهلة أن يخاطبوهم بشيء مما يسوؤهم أو شتم أو إهانة أو إزراء وقد نال منهم المخالفون بالشتم والطعن والاستهزاء والسخرية كل منال فلم يجيبوهم إلا بأحسن القول وأنصح الوعظ معرضين عنهم بسلام وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
قال تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} يعني قوم نوح
{ ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون } } [هود: 27ـ28]. وقال تعالى حكاية عن عاد قوم هود: { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أُشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون، من دونه } } [هود: 54] يريدون باعتراء بعض آلهتهم إياه بسوء ابتلاءه عليه السلام بمثل جنون أو سفاهة ونحو ذلك.
وقال تعالى حكاية عن آزر:
{ قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } } [مريم: 46ـ47]. وقال تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه السلام: { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين، قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } } [الأعراف: 66ـ68]. وقال تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السماوات والأرض وما بينهما } [الشعراء: 23ـ24] إلى أن قال { قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } } [الشعراء: 27ـ28]. وقال تعالى حكاية عن قوم مريم: { قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً، فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً } [مريم: 27ـ30] (الخ).
وقال تعالى يسلي نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيما رموه به من الكهانة والجنون والشعر:
{ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون، قل تربصوا فإني معكم من المتربصين } } [الطور: 29ـ31]. وقال: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً } } [الفرقان: 8ـ9]. إلى غير ذلك من أنواع الشتم والرمي والإِهانة التي حكي عنهم في القرآن، ولم ينقل عن الأنبياء عليهم السلام أن يقابلوهم بخشونة أو بذاء بل بالقول الصواب والمنطق الحسن اللين اتباعاً للتعليم الإِلهي الذي لقنهم خير القول وجميل الأدب قال تعالى خطاباً لموسى وهارون عليهما السلام: { اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى } [طه: 43ـ44] وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولاً ميسوراً } } [الإسراء: 28]. ومن أدبهم في المحاورة والخطاب أنهم كانوا ينزلون أنفسهم منزلة الناس فيكلمون كل طبقة من طبقاتهم على قدر منزلته من الفهم، وهذا ظاهر بالتدبر فيما حكي من محاوراتهم الناس على اختلافهم المنقولة عن نوح فمن بعده، وقد روى الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم" "إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم" .
وليعلم أن البعثة بالنبوة إنما بنيت على أساس الهداية إلى الحق وبيانه والانتصار له فعليهم أن يتجهزوا بالحق في دعوتهم، وينخلعوا عن الباطل ويتقوا شبكات الضلال أياً ما كانت سواء وافق ذلك رضى الناس أو سخطهم، واستعقب طوعهم أو كرههم ولقد ورد منه تعالى أشد النهي في ذلك لأنبيائه وأبلغ التحذير حتى عن اتباع الباطل قولاً وفعلاً بغرض نصرة الحق فإن الباطل باطل سواء وقع في طريق الحق أو لم يقع، والدعوة إلى الحق لا يجامع تجويز الباطل ولو في طريق الحق، والحق الذي يهدي إليه الباطل وينتجه ليس بحق من جميع جهاته.
ولذلك قال تعالى:
{ وما كنت متخذ المضلين عضداً } } [الكهف: 51] وقال: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً، إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } } [الإسراء: 74ـ75] فلا مساهلة ولا ملابسة ولا مداهنة في حق ولا حرمة لباطل.
ولذلك جهز الله سبحانه رجال دعوته وأولياء دينه وهم الأنبياء عليهم السلام بما يسهل لهم الطريق إلى اتباع الحق ونصرته، قال تعالى:
{ ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً، الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً } } [الأحزاب: 38ـ39] فأخبر أنهم لا يتحرجون فيما فرض الله لهم ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره فليس أي مانع من إظهارهم الحق ولو بلغ بهم أي مبلغ وأوردهم أي مورد.
ثم وعدهم النصر فيما انتهضوا له فقال:
{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون } [الصافات: 171ـ173] وقال: { إنا لننصر رسلنا } } [غافر: 51]. ولذلك نجدهم فيما حكي عنهم لا يبالون شيئاً في إظهار الحق وقول الصدق وإن لم يرتضه الناس واستمروه في مذاقهم، قال تعالى حاكياً عن نوح يخاطب قومه: { ولكني أراكم قوماً تجهلون } } [هود: 29] وقال عن قول هود: { إن أنتم إلا مفترون } } [هود: 50] وقوله لقومه: { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان } [الأعراف: 71]، وقال تعالى يحكي عن لوط: { بل أنتم قوم مسرفون } } [الأعراف: 81] وحكى عن إبراهيم من قوله لقومه: { أُف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } } [الأنبياء: 67] وحكى عن موسى في جواب قول فرعون له: { إني لأظنك يا موسى مسحوراً، قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً } [الإسراء: 101ـ102] أي ممنوعاً من الإِيمان بالحق مطروداً هالكاً، إلى غير ذلك من الموارد.
فهذه كلها من رعاية الأدب في جنب الحق واتباعه، ولا مطلوب أعز منه ولا بغية أشرف منه وأغلى، وإن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس لابتناء حياتهم على اتباع جانب الهوى والسلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة المبطلين والخضوع والتملق إلى المفسدين والمترفين سياسة في العمل.
وجملة الأمر أن الأدب كما تقدم في أول هذه المباحث إنما يتأتى في القول السائغ والعمل الصالح، ويختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات والآراء والعقائد التي تتمكن فيها وتتشكل هي عنها، والدعوة الإِلهية التي تستند إليها المجتمع الديني إنما تتبع الحق في الاعتقاد والعمل، والحق لا يخالط الباطل ولا يمازجه ولا يستند إليه ولا يعتضد به، فلا محيص عن إظهاره واتباعه، والأدب الذي يتأتى فيه أن يسلك في طريق الحق أحسن المسالك ويتزيى فيه بأظرف الأزياء كاختيار لين القول إذا صح أن يتكلم بلينة وخشونة، واختيار الاستعجال في الخير إذا أمكن فيه كل من المسارعة والتبطي.
وهذا هو الذي يأمر به في قوله تعالى: {وكتبنا له} أي لموسى
{ في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها } } [الأعراف: 145] وبشر عباده الآخذين به في قوله: { فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } } [الزمر: 17ـ18] فلا أدب في باطل ولا أدب في ممزوج من حق وباطل فإن الخارج من صريح الحق ضلال لا يرتضيه ولي الحق وقد قال: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } } [يونس: 32]. وهذا هو الذي دعا أنبياء الحق إلى صراحة القول وصدق اللهجة وإن كان ذلك في بعض الموارد مما لا يرتضيه سنة المداهنة والتساهل والأدب الكاذب الدائر في المجتمعات غير الدينية.
ومن أدبهم مع الناس في معاشرتهم وسيرتهم فيهم احترام الضعفاء والأقوياء على حد سواء والإِكثار والمبالغة في حق أهل العلم والتقوى منهم فإنهم لما بنوا على أساس العبودية وتربية النفس الإِنسانية تفرع عليه تسوية الحكم في الغني والفقير والصغير والكبير والرجل والمرأة والمولى والعبد والحاكم والمحكوم والأمير والمأمور والسلطان والرعية، وعند ذلك لغى تمايز الصفات، واختصاص الأقوياء بمزايا اجتماعية، وبطل تقسم الوجدان والفقدان والحرمان والتنعم والسعادة والشقاء بين صفتي الغنى والفقر والقوة والضعف، وأن للقوي والغني من كل مكانة أعلاها، ومن كل عيشة أنعمها، ومن كل مجاهدة أروحها وأسهلها، ومن كل وظيفة أخفها بل كان الناس في ذلك شرعاً سواء، قال:
{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } } [الحجرات: 13] وتبدل استكبار الأقوياء بقوتهم ومباهاة الأغنياء بغنيتهم تواضعاً للحق ومسارعة إلى المغفرة والرحمة، وتسابقاً في الخيرات وجهاداً في سبيل الله وابتغاء لمرضاته.
واحترم حينئذ للفقراء كما للأغنياء، وتؤدب مع الضعفاء كما مع الأغنياء بل اختص هؤلاء بمزيد شفقة ورأفة ورحمة، قال تعالى يؤدب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم:
{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً } } [الكهف: 28] وقال تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } [الأنعام: 52]، وقال: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين، وقل إني أنا النذير المبين } } [الحجر: 88ـ89]. ويشتمل على هذا الأدب الجميل ما حكاه الله من محاورة بين نوح عليه السلام وقومه إذ قال: { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين، قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون } [هود: 27ـ29] -أي في تحقيركم أمر الفقير الضعيف - {ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون، ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} - أي لا أدعي شيئاً يميزني منكم بمزية إلا أني رسول إليكم - {ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم} - أي من الخير والسعادة اللذين يرجيان منهم - { إني إذاً لمن الظالمين } }. [هود: 31] ونظيره في نفي التمييز قول شعيب لقومه على ما حكاه الله: { وما أُريد أن أُخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب } [هود: 88]، وقال الله تعالى يعرف رسوله صلى الله عليه وآله وسلم للناس: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [التوبة: 128] وقال أيضاً: { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أُذن قل أُذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم } } [التوبة: 61] وقال أيضاً: { وإنك لعلى خلق عظيم } } [القلم: 4] وقال أيضاً وفيه جماع ما تقدم: { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } } [الأنبياء: 107]. وهذه الآيات وإن كانت بحسب المعنى المطابقي ناظرة إلى أخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم الحسنة دون أدبه الذي هو أمر وراء الخلق إلا أن نوع الأدب - كما تقدم بيانه - يستفاد من نوع الخلق، على أن نفس الأدب من الأخلاق الفرعية.
(بحث روائي آخر)
الآيات القرآنية التي يستفاد منها خلقه صلى الله عليه وآله وسلم الكريم وأدبه الجميل أكثرها واردة في صورة الأمر والنهي، ولذلك رأينا أن نورد في هذا المقام روايات من سننه صلى الله عليه وآله وسلم فيها مجامع أخلاقه التي تلوح إلى أدبه الإِلهي الجميل، وهي مع ذلك متأيدة بالآيات الشريفة القرآنية.
1- في معاني الأخبار بطريق عن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي عليهما السلام وبطريق آخر عن الرضا عن آبائه عن علي بن الحسين عن الحسن بن علي عليهم السلام، وبطريق آخر عن رجل من ولد أبي هالة عن الحسن بن علي عليهما السلام:
قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئاً لعلي أتعلق به فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن تفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره القضب، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المشربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعلى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً، يخطو تكفؤاً، ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يبدر من لقيه بالسلام.
قال: فقلت له: صف لي منطقه، فقال: كان صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر ليس له راحة، طويل الصمت لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلم فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم عنده النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئاً غير أنه كان لا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضيه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وانشاح، وإذا غضب غض طرفه جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام.
قال الصدوق: إلى هنا رواية القاسم بن المنيع عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد، والباقي رواية عبد الرحمن إلى آخره:
قال الحسن عليه السلام: فكتمتها الحسين عليه السلام زماناً ثم حدثته به فوجدته قد سبقني إليه فسألته عنه فوجدته قد سأل أباه عليه السلام عن مدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئاً.
قال الحسين عليه السلام قد سألت أبي عليه السلام عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان دخوله في نفسه مأذوناً له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم منه شيئاً.
وكان من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في جزء الأُمة إيثار أهل الفضل بأدبه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم والأُمة من مسألته عنهم، وبإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته فإنه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أدلة.
وسألته عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لسانه إلا عما كان يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عن الناس، ويحسّن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم؛ أفضلهم عنده أعمهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة.
قال عليه السلام فسألته عن مجلسه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه فصار لهم أباً، وكانوا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة، ولا ترفع فيه الأصوات، ولا يؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته، متعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب.
فقلت: كيف كانت سيرته صلى الله عليه وآله وسلم في جلسائه؟ فقال عليه السلام: كان صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب منه مؤمليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإِكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوليتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتى أن كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام.
قال: فسألته عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عليه السلام كان سكوته صلى الله عليه وآله وسلم على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكير: فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، وتركه القبيح لينتهي عنه، واجتهاده الرأي في صلاح أُمته، والقيام فيما جمع له خير الدنيا والآخرة.
أقول: ورواه في مكارم الأخلاق نقلاً من كتاب محمد بن إسحاق بن إبراهيم الطالقاني بروايته عن ثقاته عن الحسن والحسين عليهما السلام؛ قال في البحار: والرواية من الأخبار المشهورة روته العامة في أكثر كتبهم، انتهى.
وقد روي في معناها أو معنى بعض أجزائها روايات كثيرة عن الصحابة.
قوله: "المربوع" الذي بين الطويل والقصير، والمشذب الطويل الذي لا كثير لحم على بدنه، ورجل الشعر من باب علم فهو رجل بالفتح والسكون أي كان بين السبط والجعد، والعقيقة الخصلة السبطة من الشعر، وأزهر اللون أي لونه مشرق صاف، والأزج من الحاجب ما رق وطال، والسوابغ من الحاجب هي الواسعة، والقرن بفتحتين اقتران ما بينها، والشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسن واستواء، وكث اللحية المجتمع شعرها إذا كثف من غير طول، وسهل الخد مستويه من غير لحم كثير، وضليع الفم أي وسيعه ويعد في الرجال من المحاسن، والمفلج من الفلجة بفتحتين إذا تباعد ما بين قدميه أو يديه أو أسنانه، والأشنب أبيض الأسنان.
والمشربة الشعر وسط الصدر إلى البطن، والدمية بالضم الغزال، والمنكب مجتمع رأس الكتف والعضد، والكراديس جمع كردوس وهو العظمان إذا التقيا في مفصل، وأنور المتجرد كأن المتجرد اسم فاعل من التجرد وهو التعري من لباس ونحوه، والمراد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان جميل الظاهر حسن الخلقة في بدنه إذا تجرد عن اللباس.
واللبة بالضم فالتشديد موضع القلادة من الصدر والسرة معروفة، والزند موصل الذراع من الكف، ورحب الراحة أي وسيعها، والشثن بفتحتين الغلظ في القدمين والكفين، وسبط القصب أي سهل العظام مسترسلها من غير نتو، أخمص القدم، الموضع الذي لا يصل الأرض منها، والخمصان ضامر البطن فخمصان الأخمصين أي كونهما ذا نتو وارتفاع بالغ من الأرض، والفسحة هي الوسعة، والقلع بفتحتين القوة في المشي.
والتكفؤ في المشي الميد والتمايل فيه، وذريع المشية أي السريع فيها، والصبب ما انحدر من الطريق أو الأرض، وخافض الطرف تفسيره ما بعده من قوله: "نظره إلى الأرض" الخ.
والأشداق جمع شدق - بالكسر فالسكون - وهو زاوية الفم من باطن الخدين، وافتتاح الكلام واختتامه بالأشداق كناية عن الفصاحة، يقال: تشدق أي لوى شدقه للتفصح، والدمث من الدماثة وتفسيره ما بعده وهو قوله: {ليس بالجافي ولا بالمهين} والذواق بالفتح ما يذاق من طعام، وانشاح من النشوح أي أعرض، ويفتر عن مثل حب الغمام افتر الرجل افتراراً أي ضحك ضحكاً حسناً، وحب الغمام البرد، والمراد أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يضحك ضحكاً حسناً يبدو به أسنانه.
وقوله: "فيرد ذلك بالخاصة على العامة"الخ" المراد أنه صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان في جزئه الذي لنفسه خلا بنفسه عن الناس لكنه لا ينقطع عنهم بالكلية بل يرتبط بواسطة خاصته بالناس فيجيبهم في مسائلهم ويقضي حوائجهم، ولا يدخر عنهم من جزء نفسه شيئاً، والرواد جمع رائد وهو الذي يتقدم القوم أو القافلة يطلب لهم مرعى أو منزلاً ونحو ذلك.
وقوله: "لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها" المراد بها المجالس أي لا يعين لنفسه مجلساً خاصاً بين الجلساء حذراً من التصدر والتقدم فقوله: "وإذا انتهى"الخ" كالمفسر له، ولا تؤبن فيه الحرم أي لا تعاب عنده حرمات الناس، والابنة بالضم العيب، والحرم بالضم فالفتح جمع حرمة.
وقوله: "ولا تثنى فلتاته" من التثنية بمعنى التكرار، والفلتات جمع فلتة وهي العثرة أي إذا وقعت فيه فلتة من أحد جلسائه بينها لهم فراقبوا للتحذر من الوقوع فيها ثانياً، والبشر بالكسر فالسكون بشاشة الوجه، والصخاب الشديد الصياح.
وقوله: "حديثهم عنده حديث أوليتهم" الأولية جمع ولي، وكأن المراد به التالي التابع والمعنى أنهم كانوا يتكلمون واحداً بعد آخر بالتناوب من غير أن يداخل أحدهم كلام الآخر أو يتوسطه أو يشاغبوا فيه، وقوله: "حتى أن كان أصحابه يستجلبونهم" أي يريدون جلبهم عنه وتخليصه منهم.
وقوله: "ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ" أي في مقابل نعمة أنعمها على أحدهم وهو الشكر الممدوح من كافأه بمعنى جازاه، أو من المكافأة بمعنى المساواة أي ممن يثني بما يستحقه من الثناء على ما أنعم به من غير إطراء وإغراق، وقوله: "ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز" أي يتعدى عن الحق فيقطعه حينئذ بنهي أو قيام، والاستفزاز الاستخفاف والإِزعاج.
2- وفي الإِحياء: كان صلى الله عليه وآله وسلم أفصح الناس منطقاً وأحلاهم - إلى أن قال - وكان يتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير كأنه يتبع بعضه بعضاً، بين كلامه توقف يحفظه سامعه ويعيه، كان جهير الصوت أحسن الناس نغمة.
3- وفي التهذيب بإسناده عن إسحاق بن جعفر عن أخيه موسى عن آبائه عن علي عليه السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
"بعثت بمكارم الأخلاق ومحاسنها"
]. 4- وفي مكارم الأخلاق عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه.
5- وفي الكافي بإسناده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يذكر أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملك فقال: إن الله يخيرك أن تكون عبداً رسولاً متواضعاً أو ملكاً رسولاً.
قال: فنظر إلى جبرئيل وأومأ بيده أن تواضع فقال: عبداً رسولاً متواضعاً، فقال الرسول: مع أنه لا ينقصك مما عند ربك شيئاً، قال: ومعه مفاتيح خزائن الأرض.
6- وفي نهج البلاغة قال عليه السلام: فتأس بنبيك الأطهر الأطيب - إلى أن قال - قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا عرضاً فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وصغر شيئاً فصغره، ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله وتعظيمنا لما صغر الله لكفى به شقاقاً لله ومحادة عن أمر الله، ولقد كان رسول الله يأكل على الأرض ويجلس جلسه العبد، ويخصف بيده نعله، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فيكون عليه التصاوير فيقول: يا فلانة - لإِحدى إزواجه - غيبيه عني فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن يغيب زينتها عن عينه لكيلا يتخذ منها رياشاً، ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه وإن يذكر عنده.
7- وفي الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الحسن بن علي عن أبيه علي عليهم السلام في خبر طويل: وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي حتى يبتل مصلاه خشية من الله عز وجل من غير جرم، الحديث.
8- وفي المناقب: وكان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي حتى يغشى عليه فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ وكذلك كان غشيات علي بن أبي طالب وصيه في مقاماته.
أقول: بناء سؤال السائل على تقدير كون الغرض من العبادة هو الأمن من العذاب وقد ورد: أنه عبادة العبيد، وبناء جوابه صلى الله عليه وآله وسلم على كون الداعي هو الشكر لله سبحانه، وهو عبادة الكرام، وهو قسم آخر من أقسام العبادة، وقد ورد في المأثور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: أن من العبادة ما تكون خوفاً من العقاب وهو عبادة العبيد، ومنها ما تكون طمعاً في الثواب وهو عبادة التجار، ومنها ما تكون شكراً لله سبحانه، وفي بعض الروايات حباً لله تعالى، وفي بعضها لأنه أهل له.
وقد استقصينا البحث في معنى الروايات في تفسير قوله تعالى:
{ وسيجزي الله الشاكرين } [آل عمران: 144] في الجزء الرابع من الكتاب، وبينا هناك أن الشكر لله في عبادته هو الإِخلاص له، وأن الشاكرين هم المخلصون (بفتح اللام) من عباد الله المعنيون بمثل قوله تعالى: { سبحان الله عما يصفون، إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 159ـ160].
9- وفي إرشاد الديلمي: أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع منه في صلاته أزيز كأزيز الوجل من خوف الله تعالى، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كذلك.
10- وفي تفسير أبي الفتوح عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزل قوله تعالى: {واذكروا الله ذكراً كثيراً} اشتغل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذكر الله حتى قال الكفار: إنه جن.
11- وفي الكافي بإسناده عن زيد الشحام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوب إلى الله في كل يوم سبعين مرة، قلت: أكان يقول: أستغفر الله وأتوب إليه؟ قال: لا ولكن كان يقول: أتوب إلى الله، قلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتوب ولا يعود، ونحن نتوب ونعود، قال: الله المستعان.
12- وفي مكارم الأخلاق نقلاً من كتاب النبوة عن علي عليه السلام أنه كانَ إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: قال: كان أجود الناس كفاً، وأجرأ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، لم أر قبله ولا بعده مثله، صلى الله عليه وآله وسلم.
13- وفي الكافي بإسناده عن عمر بن علي عن أبيه عليه السلام قال: كانت من أيمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا وأستغفر الله.
14- وفي إحياء العلوم: كان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد وجده أكثر من مس لحيته الكريمة.
15- وفيه: وكان صلى الله عليه وسلم أسخى الناس لا يثبت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه وفجأ الليل لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ مما آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله.
لا يسأل شيئاً إلا أعطاه ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى أنه ربما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء، قال: وينفذ الحق وإن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، قال: ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، قال: لا يهوله شيء من أُمور الدنيا.
قال: ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين، ويكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه.
قال: وكان له عبيد وإماء من غير أن يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس، لا يمضي له وقت من غير عمل لله تعالى أو لما لا بد منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكيناً لفقره أو زمانته، ولا يهاب ملكاً لملكه، يدعو هذا وهذا إلى الله دعاء مستوياً.
16- وفيه قال: وكان صلى الله عليه وسلم أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضى، وكان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس، وأنفع الناس للناس.
17- وفيه قال: وكان صلى الله عليه وسلم إذا سر ورضي فهو أحسن الناس رضى، فإن وعظ وعظ بجد، وإن غضب - ولا يغضب إلا لله - لم يقم لغضبه شيء، وكذلك كان في أُموره كلها، وكان إذا نزل به الأمر فوض الأمر إلى الله، وتبرأ من الحول والقوة، واستنزل الهدى.
أقول: والتوكل على الله وتفويض الأُمور إليه والتبري من الحول والقوة واستنزال الهدى من الله يرجع بعضها إلى بعض وينشأ الجميع من أصل واحد، وهو أن للأُمور استناداً إلى الإِرادة الإِلهية الغالبة غير المغلوبة والقدرة القاهرة غير المتناهية، وقد أطبق على الندب إلى ذلك الكتاب والسنة كقوله تعالى:
{ وعلى الله فليتوكل المتوكلون } } [إبراهيم: 11] وقوله: { وأُفوض أمري إلى الله } } [غافر: 44] وقوله: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } } [الطلاق: 3] وقوله: { ألا له الخلق والأمر } [الأعراف: 54] وقوله: { وأَنَّ إلى ربك المنتهى } [النجم: 42] إلى غير ذلك من الآيات، والروايات في هذه المعاني فوق حد الإِحصاء.
والتخلق بهذه الأخلاق والتأدب بهذه الآداب على أنه يجري بالإِنسان مجرى الحقائق ويطبق عمله على ما ينبغي أن ينطبق عليه من الواقع، ويقره على دين الفطرة فإن حقيقة الأمر هو رجوع الأُمور بحسب الحقيقة إلى الله سبحانه كما قال:
{ ألا إلى الله تصير الأُمور } [الشورى: 53]، له فائدة قيمة هي أن اتكاء الإِنسان واعتماده على ربه - وهو يعرفه بقدرة غير متناهية وإرادة قاهرة غير مغلوبة - يمد إرادته ويشيد أركان عزيمته فلا تنثلم عن كل مانع يبدو له، ولا تنفسح عن كل تعب أو عناء يستقبله، ولا يزيلها كل تسويل نفساني ووسوسة شيطانية تظهر لسره في صورة الخطورات الوهمية.
(من سننه وأدبه في العشرة)
18- وفي إرشاد الديلمي قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد، ويجلس على الأرض، ويركب الحمار ويردف، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها هو، ويسلم على من استقبله من غني وفقير وكبير وصغير، ولا يحقر ما دعي إليه ولو إلى حشف التمر.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف رقيق القلب، رحيماً بكل مسلم، ولم يتجش من شبع قط، ولم يمد يده إلى طمع قط.
19- وفي مكارم الأخلاق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان ينظر في المرآة ويرجّل جمّته ويتمشط، وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه، ولقد كان يتجمل لأصحابه فضلاً على تجمله لأهله، وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل"
]. 20- وفي العلل والعيون والمجالس بإسناده عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الأرض مع العبيد، وركوبي مؤكفا، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان لتكون سنة من بعدي"
]. 21- وفي الفقيه عن علي عليه السلام أنه قال لرجل من بني سعد: ألا أُحدثك عني وعن فاطمة - إلى أن قال - فغدا علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في لحافنا فقال السلام عليكم فسكتنا واستحيينا لمكاننا ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: السلام عليكم فسكتنا، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك فيسلم ثلاثاً فإن أذن له وإلا انصرف، فقلنا: وعليك السلام يا رسول الله ادخل فدخل، الخبر.
22- وفي الكافي بإسناده عن ربعي بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسلم على النساء ويرددن عليه السلام، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسلم على النساء وكان يكره أن يسلم على الشابة منهن، ويقول: أتخوف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر مما أطلب من الأجر.
أقول: ورواه الصدوق مرسلاً، وكذا سبط الطبرسي في المشكاة نقلاً عن كتاب المحاسن.
23- وفيه بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رفعه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجلس ثلاثاً: القرفصاء وهو أن يقيم ساقيه ويستقبلهما بيده، ويشد يده في ذراعه، وكان يجثو على ركبتيه، وكان يثني رجلاً واحدة ويبسط عليها الأُخرى، ولم ير متربعاً قط.
24- وفي المكارم نقلاً من كتاب النبوة عن علي عليه السلام قال: ما صافح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحداً قط فنزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف، وما نازعه أحد قط الحديث فيسكت حتى يكون هو الذي يسكت، وما رئي مقدماً رجله بين يدي جليس له قط.
ولا خير بين أمرين إلا أخذ بأشدهما، وما انتصر لنفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى، وما أكل متكئاً قط حتى فارق الدنيا، وما سئل شيئاً قط فقال لا، وما رد سائل حاجة قط إلا أتى بها أو بميسور من القول، وكان أخف الناس صلاة في تمام، وكان أقصر الناس خطبة وأقلهم هذراً، وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل، وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده، وكان إذا أكل أكل مما يليه، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده، وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس، وكان يمص الماء مصاً ولا يعبه عباً، وكان يمينه لطعامه وشرابه وأخذه وعطائه فكان لا يأخذ إلا بيمينه، ولا يعطي إلا بيمينه، وكان شماله لما سوى ذلك من بدنه وكان يحب التيمن في جميع أُموره في لبسه وتنعله وترجله.
وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم وتراً، وإذا استأذن استأذن ثلاثاً، وكان كلامه فصلاً يتبينه كل من سمعه، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، وإذا رأيته قلت: أفلج وليس بأفلج.
وكان نظره اللحظ بعينه، وكان لا يكلم أحداً بشيء يكرهه، وكان إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وكان يقول: إن خياركم أحسنكم أخلاقاً، وكان لا يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا يتنازع أصحاب الحديث عنده، وكان المحدث عنه يقول: لم أرَ بعيني مثله قبله ولا بعده صلى الله عليه وآله وسلم.
25- وفي الكافي بإسناده عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسوية. قال: ولم يبسط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجليه بين أصحابه قط، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده من يده حتى يكون هو التارك فلما فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه مال بيده فنزعها من يده.
26- وفي المكارم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث بحديث تبسم في حديثه.
27- وفيه عن يونس الشيباني قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليلاً. قال: هلا تفعلوا؟ فإن المداعبة من حسن الخلق، وإنك لتدخل بها السرور على أخيك، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يداعب الرجل يريد به أن يسره.
28- وفيه عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق عن الصادق عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وفيه دعابة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يداعب ولا يقول إلا حقاً.
29- وفي الكافي بإسناده عن معمر بن خلاد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام فقلت: جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيمضي بينهم كلام يمزحون ويضحكون؟ فقال: لا بأس ما لم يكن، فظننت أنه عنى الفحش.
ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأتيه الأعرابي فيأتي إليه بالهدية ثم يقول مكانه: أعطنا ثمن هديتنا فيضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان إذا اغتم يقول: ما فعل الأعرابي ليته أتانا.
30- وفي الكافي بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله: قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ما يجلس تجاه القبلة.
31- وفي المكارم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة فيضعه في حجره تكرمة لأهله، وربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين يبول فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: لا تزرموا بالصبي حتى يقضي بوله ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته، ويبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده.
32- وفيه روي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتى يحمله معه فإن أبى قال: تقدم أمامي وأدركني في المكان الذي تريد.
33- وفيه عن أبي القاسم الكوفي في كتاب الأخلاق: وجاء في الآثار: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينتقم لنفسه من أحد قط بل كان يعفو ويصفح.
34- وفيه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد الرجل من أخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، وإن كان شاهداً زاره، وإن كان مريضاً عاده.
35- وفيه: عن أنس قال: خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع سنين فما أعلم أنه قال لي قط: هلا فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئاً قط.
36- وفي الإِحياء قال: قال أنس: والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء قط كرهه: لم فعلته؟ ولا لامني نساؤه إلا قال: دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر.
37- وفيه عن أنس: وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يدعوه أحد من أصحابه وغيرهم إلا قال: لبيك.
38- وفيه عنه: ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالة لقلوبهم، ويكني من لم يكن له كنية فكان يدعى بما كناه به، ويكني أيضاً النساء اللاتي لهن الأولاد واللاتي لم يلدن، ويكني الصبيان فيستلين به قلوبهم.
39- وفيه: وكان صلى الله عليه وآله وسلم يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل.
40- وفي الكافي بإسناده عن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاء سائل فقام عليه السلام إلى مكيل فيه تمر فملأ يده فناوله، ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله ثم جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، ثم جاء آخر فقال عليه السلام: الله رازقنا وإياك.
ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئاً إلا أعطاه فأرسلت إليه امرأة ابناً لها فقالت: انطلق إليه فاسأله فإن قال: ليس عندنا شيء فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به (وفي نسخة أُخرى فأعطاه) فأدبه الله على القصد فقال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً}.
41- وفيه بإسناده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
42- وفيه عن موسى بن عمران بن بزيع قال: قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك إن الناس رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره! كذا كان؟ قال: فقال نعم فأنا أفعله كثيراً فافعله، ثم قال لي: أما إنه أرزق لك.
43- وفي الإِقبال بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج بعد طلوع الشمس.
44- وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن المغيرة عمن ذكره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل.
أقول: ورواه سبط الطبرسي في المشكاة نقلاً عن المحاسن وغيره.
45- ومن سننه وآدابه صلى الله عليه وآله وسلم في التنظف والزينة ما في المكارم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا غسل رأسه ولحيته غسلهما بالسدر.
46 - وفي الجعفريات بإسناده عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرجل شعره، وأكثر ما كان يرجل بالماء، ويقول: كفى بالماء طيباً للمؤمن.
47- وفي الفقيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن المجوس جزّوا لحاهم ووفروا شواربهم، وإنا نحن نجزّ الشوارب ونعفي اللحى.
48- وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من السنة تقليم الأظفار.
49- وفي الفقيه: روي: من السنة دفن الشعر والظفر والدم.
50- وفيه بإسناده عن محمد بن مسلم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الخضاب فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يختضب، وهذا شعره عندنا.
51- وفي المكارم: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطلى فيطليه من يطلي حتى إذا بلغ ما تحت الإِزار تولاه بنفسه.
52- وفي الفقيه: قال علي عليه السلام: نتف الإِبط ينفي الرائحة الكريهة وهو طهور وسنة مما أمر به الطيب عليه السلام.
53- وفي المكارم: كان له صلى الله عليه وآله وسلم مكحلة يكتحل بها في كل ليلة وكان كحله الإِثمد.
54- وفي الكافي بإسناده عن أبي اسامة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سنن المرسلين السواك.
55- وفي الفقيه بإسناده عن علي عليه السلام في حديث الأربعمائة قال: والسواك مرضاة الله وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومطهرة للفم.
أقول: والأخبار في استنانه صلى الله عليه وآله وسلم بالسواك من طرق الفريقين كثيرة جداً.
56- وفي الفقيه: قال الصادق عليه السلام أربع من أخلاق الأنبياء: التطيب والتنظيف بالموسى وحلق الجسد بالنورة وكثرة الطروقة.
57- وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممسكة إذا هو توضأ أخذها بيده وهي رطبة فكان إذا خرج عرفوا أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
58- وفي المكارم: كان لا يعرض له طيب إلا تطيب، ويقول: هو طيب ريحه خفيف محمله، وإن لم يتطيب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثم لعق منه.
59- وفيه: كان صلى الله عليه وآله وسلم يستجمر بالعود القماري.
60- وفي ذخيرة المعاد: وكان أي المسك أحب الطيب إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
61- وفي الكافي بإسناده عن إسحاق الطويل العطار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفق في الطيب أكثر مما ينفق في الطعام.
62- وفيه بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الطيب في الشارب من أخلاق النبيين وكرامة للكاتبين.
63- وفيه بإسناده عن السكن الخزاز قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: حق على كل محتلم في كل جمعة أخذ شاربه وأظفاره ومس شيء من الطيب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يوم الجمعة ولم يكن عنده طيب دعا ببعض خمر نسائه فبلها في الماء ثم وضعها على وجهه.
64- وفي الفقيه بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتى بطيب يوم الفطر بدأ بنسائه.
65- وفي المكارم: وكان يدهن صلى الله عليه وآله وسلم بأصناف من الدهن، قال وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدهن بالبنفسج ويقول: هو أفضل الأدهان.
66- ومن آدابه صلى الله عليه وآله وسلم في السفر ما في الفقيه بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسافر يوم الخميس.
أقول: وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة.
67- وفي أمان الأخطار ومصباح الزائر قال: ذكر صاحب كتاب عوارف المعارف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سافر حمل معه خمسة أشياء: المرآة والمكحلة والمذرى والسواك، قال: وفي رواية أُخرى: والمقراض.
أقول: ورواه في المكارم والجعفريات.
68- وفي المكارم عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مشى مشى مشياً بعرف أنه ليس بعاجز ولا كسلان.
69- وفي الفقيه بإسناده عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله ص