خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٨٠
وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
١٨١
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ
١٨٢
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
١٨٣
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
١٨٤
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
١٨٥
مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٨٦
-الأعراف

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
الآيات متصلة بما قبلها، وهي بمنزلة تجديد البيان لما انتهى إليه الكلام في الآيات السابقة، وذلك أن الهدى والضلال يدوران مدار دعوته تعالى بأسمائه الحسنى والإِلحاد فيها، والناس من منتحلهم وزنديقهم وعالمهم وجاهلهم لا يختلفون بحسب فطرتهم وباطن سريرتهم في أن هذا العالم المشهود متكئ على حقيقة هي المقومة لاعيان أجزائها الناظمة نظامها، وهو الله سبحانه الذي منه يبتدء كل شيء وإليه يعود كلّ شيء الذي يفيض على العالم ما يشاهد فيه من جمال وكمال، وهي له ومنه.
والناس في هذا الموقف على ما لهم من الاتفاق على أصل الذات ثلاثة أصناف: صنف يسمونه بما لا يشتمل من المعنى إلا على ما يليق أن ينسب إلى ساحته من الصفات المبينة للكمال، أو النافية لكل نقص وشين، وصنف يلحدون في أسمائه، ويعدلون بالصفات الخاصة به إلى غيره كالماديين والدهريين الذين ينسبون الخلق والإِحياء والرزق وغير ذلك إلى المادة أو الدهر، وكالوثنيين الناسبين الخير والنفع إلى آلهتهم، وكبعض أهل الكتاب حيث يصفون نبيهم أو أولياء دينهم بما يختص له تعالى من الخصائص، ويلحق بهم طائفة من المؤمنين حيث يعطون للأسباب الكونية من الاستقلال في التأثير ما لا يليق إلا بالله سبحانه، وصنف يؤمنون به تعالى غير أنهم يلحدون في أسمائه فيثبتون له من صفات النقص والأفعال الدينية ما هو منزه عنه كالاعتقاد بأن له جسماً، وأن له مكاناً، وأن الحواس المادية يمكن أن تتعلق به على بعض الشرائط، وأن له علماً كعلومنا وإرادة كإراداتنا وقدرة كمقدراتنا، وأن لوجوده بقاء زمانياً كبقائنا، وكنسبة الظلم في فعله أو الجهل في حكمه ونحو ذلك إليه، وهذه جميعاً من الإِلحاد في أسمائه.
وترجع الأصناف الثلاثة في الحقيقة إلى صنفين: صنف يدعونه بالأسماء الحسنى ويعبدون الله ذو الجلال والإِكرام، وهؤلاء هم المهتدون بالحق، وصنف يلحدون في أسمائه ويسمون غيره باسمه أو يسمونه باسم غيره: وهؤلاء أصحاب الضلال الذين مسيرهم إلى النار على حسب حالهم في الضلال وطبقاتهم منه، وقد بين الله سبحانه: أن الهداية منه مطلقاً فإنها صفة جميلة وله تعالى حقيقتها، وأما الضلال فلا ينسب إليه سبحانه أصله لأنه بحسب الحقيقة عدم اهتداء المحل بهداية الله، وهو معني عدمي وصفة نقص وأما تثبيته في المحل بعد أول تحققه، وجعله صفة لازمة للمحل بمعنى سلب التوفيق وقطع العطية الإِلهية جزاء للضال بما آثر الضلال على الهدى، وكذب بآيات الله فهو من الله سبحانه، وقد نسبه إلى نفسه في كلامه، وذلك بالاستدراج والإِملاء.
فالآيات تشير إلى أن ما انتهى إليه كلامه سبحانه أن حقيقة الهداية والإِضلال من الله إنما مغزاه وحقيقة معناه أن الأمر يدور مدار دعوته تعالى بالأسماء الحسنى وكلها له، وهو الاهتداء، والإِلحاد في أسمائه، والناس في ذلك صنفان: مهتد بهداية الله لا يعدل به غيره، وضال منحرف عن أسمائه مكذب بآياته، والله سبحانه يسوقهم إلى النار جزاء لهم بما كذبوا بآياته كما قال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس} الآية، وذلك بالاستدراج والإِملاء.
قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} الاسم بحسب اللغة ما يدل به على الشيء سواء أفاد مع ذلك معنى وصفياً كاللفظ الذي يشار به إلى الشيء لدلالته على معنى موجود فيه، أو لم يفد إلا الإِشارة إلى الذات كزيد وعمرو وخاصة المرتجل من الأعلام، وتوصيف الأسماء الحسنى - وهي مؤنث أحسن - يدل على أن المراد بها الأسماء التي فيها معنى وصفي دون ما لا دلالة لها إلا على الذات المتعالية فقط لو كان بين أسمائه تعالى ما هو كذلك، ولا كل معنى وصفي، بل المعنى الوصفي الذي فيه شيء من الحسن، ولا كل معنى وصفي حسن بل ما كا أحسن بالنسبة إلى غيره إذا اعتبرا مع الذات المتعالية: فالشجاع والعفيف من الأسماء الحسنة لكنهما لا يليقان بساحة قدسه لإِنبائهما عن خصوصية جسمانية لا يمكن سلبها عنهما، ولو أمكن لم يكن مانع عن إطلاقهما عليه كالجواد والعدل والرحيم.
فكون اسم ما من أسمائه تعالى أحسن الأسماء أن يدل على معنى كمالي غير مخالط لنقص أو عدم، مخالطة لا يمكن معها تحرير المعنى من ذلك النقص والعدم وتصفيته، وذلك في كل ما يستلزم حاجة أو عدماً وفقداً كالأجسام والجسمانيات والأفعال المستقبحة أو المستشنعة، والمعاني العدمية:
فهذه الأسماء بأجمعها محصول لغاتنا لم نضعها إلا لمصاديقها فينا التي لا تخلو عن شوب الحاجة والنقص غير أن منها ما لا يمكن سلب جهات الحاجة والنقص عنها كالجسم واللون والمقدار وغيرها، ومنها ما يمكن فيه ذلك كالعلم والحياة والقدرة فالعلم فينا الإِحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادية، والقدرة فينا المنشئية للفعل بكيفيّة مادية موجودة لعضلاتنا، والحياة كوننا بحيث نعلم ونقدر بما لنا من وسائل العلم والقدرة فهذه لا تليق بساحة قدسه غير أنا إذا جردنا معانيها عن خصوصيات المادة عاد العلم وهو الإِحاطة بالشيء بحضوره عنده، والقدرة هي المنشئية للشيء بإيجاده، والحياة كون الشيء بحيث يعلم ويقدر، وهذه لا مانع من إطلاقها عليه لأنها معان كمالية خالية عن جهات النقص والحاجة، وقد دل العقل والنقل أن كل صفة كمالية فهي له تعالى وهو المفيض لها على غيره من غير مثال سابق فهو تعالى عالم قادر حي لكن لا كعلمنا وقدرتنا وحياتنا بل بما يليق بساحة قدسه من حقيقة هذه المعاني الكمالية مجردة عن النقائص.
وقد قدم الخبر في قوله: {ولله الأسماء الحسنى} وهو يفيد الحصر، وجيء بالأسماء محلى باللام، والجمع المحلى باللام يفيد العموم، ومقتضى ذلك أن كل اسم أحسن في الوجود فهو لله سبحانه لا يشاركه فيه أحد، وإذ كان الله سبحانه ينسب بعض هذه المعاني إلى غيره ويسميه به كالعلم الحياة والخلق والرحمة فالمراد بكونها لله كون حقيقتها له وحده لا شريك له.
وظاهر الآيات بل نص بعضها يؤيد هذا المعنى كقوله:
{ أن القوة لله جميعاً } } [البقرة: 165]. وقوله: { فإن العزة لله جميعاً } [النساء: 139]، وقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } [البقرة: 255]، وقوله: { هو الحي لا إله إلا هو } [غافر: 15] فلله سبحانه حقيقة كل اسم أحسن لا يشاركه غيره إلا بما ملكهم منه كيفما أراد وشاء.
ويؤيد هذا المعنى ظاهر كلامه أينما ذكر أسماءه في القرآن كقوله تعالى:
{ الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } [طه: 8] وقوله: { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } [الإسراء: 110]، وقوله: { له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض } [الحشر: 24] فظاهر الآيات جميعاً كون حقيقة كل اسم أحسن لله سبحانه وحده.
وما احتمله بعضهم أنّ اللام في {الأسماء} للعهد مما لا دليل عليه ولا في القرائن الحافة بالآيات ما يؤيده غير ما عهده القائل من الأخبار العادة للأسماء الحسنى، وسيجيء الكلام فيها في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
وقوله {فادعوه بها} إمّا من الدعوة بمعنى التسمية كقولنا: دعوته زيداً ودعوتك أبا عبد الله أي سميته وسميتك، وأما من الدعوة بمعنى النداء أي نادوه بها فقولوا: يا رحمان يا رحيم وهكذا. أو من الدعوة بمعنى العبادة أي فاعبدوه مذعنين أنه متصف بما يدل عليه هذه الأسماء من الصفات الحسنة والمعاني الجميلة.
وقد احتملوا جميع هذه المعاني غير أن كلامه تعالى في مواضع مختلفة يذكر فيها دعاء الربّ يؤيد هذا المعنى الأخير كما في الآية السابقة:
{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } [الإسراء: 110] وقوله: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [غافر: 60] حيث ذكر أولاً الدعاء ثم بدله ثانياً من العبادة إيماء إلى اتحادهما، وقوله: { ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } [الأحقاف: 5 - 6]، وقوله: { هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } [غافر: 65] يريد إخلاص العبادة.
ويؤيده ذيل الآية: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} بظاهره فإنه لو كان المراد بالدعاء التسمية أو النداء دون العبادة لكان الأنسب أن يقال: بما كانوا يصفون كما قال في موضع آخر:
{ سيجزيهم وصفهم } [الأنعام: 139]. فمعنى الآية - والله أعلم - ولله جميع الأسماء التي هي أحسن فاعبدوه وتوجهوا إليه بها، والتسمية والنداء من لواحق العبادة.
قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} إلى آخر الآية. اللحد والإِلحاد بمعنى واحد وهو التطرف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح الذي في الوسط فقرائه يلحدون بفتح الياء من المجرد، ويلحدون بضم الياء من باب الإِفعال بمعنى واحد، ونقل عن بعض اللغويين: أنّ اللحد بمعنى الميل إلى جانب، والإِلحاد بمعنى الجدال والمماراة.
وقوله: {سيجزون} الآية بالفصل لأنه بمنزلة الجواب لسؤال مقدر كأنه لما قيل: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} قيل: إلى مَ يصير حالهم؟ فاجيب: {سيجزون ما كانوا يعملون} وللبحث في الأسماء الحسنى بقايا ستوافيك في كلام مستقل نورده بعد الفراغ عن تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: {وممن خلقنا أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون} قد مر بعض ما يتعلق به من الكلام في قوله تعالى: {ومن قوم موسى أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون} الآية 159 من السورة وتختص هذه الآية بأنها لوقوعها في سياق تقسيم الناس إلى ضال ومهتد، وبيان أن الملاك في ذلك دعاؤه سبحانه بأحسن الأسماء اللائقة بحضرته والإِلحاد في أسمائه، تدل على أن النوع الإِنساني يتضمن طائفة قليلة أو كثيرة مهتدية حقيقة إذ الكلام في الاهتداء والضلال الحقيقيين المستندين إلى صنع الله، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فاولئك هم الخاسرون، والاهتداء الحقيقي لا يكون إلا عن هداية حقيقية، وهي التي لله سبحانه، وقد تقدم في قوله تعالى:
{ فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } [الأنعام: 89] وغيره أن الهداية الحقيقية الإِلهية لا تتخلف عن مقتضاها بوجه وتوجب العصمة من الضلال، كما أن الترديد الواقع في قوله تعالى: { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } [يونس: 35]. يدل على أن من يهدي إلى الحق يجب أن لا يكون مهتدياً بغيره إلا بالله فافهم ذلك.
وعلى هذا فإسناد الهداية إلى هذه الأُمة لا يخلو عن الدلالة على مصونيتهم من الضلال واعتصامهم بالله من الزيغ إما بكون جميع هؤلاء المشار إليهم بقوله: {أُمة يهدون بالحق} متصفين بهذه العصمة والصيانة كالأنبياء والأوصياء، وإما بكون بعض هذه الأُمة كذلك وتوصيف الكل بوصف البعض نظير قوله تعالى:
{ ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة } [الجاثية: 16]، وقوله: { وجعلكم ملوكاً } [المائدة: 20]، وقوله: { لتكونوا شهداء على الناس } [البقرة: 143]، وإنما المتّصف بهذه المزايا بعضهم دون الجميع.
والمراد بالآية - والله أعلم - إنا لا نأمركم بأمر غير واقع أو خارج عن طوق البشر فإنّ ممّن خلقنا أُمة متلبسة بالاهتداء الحقيقي هادين بالحقّ لأن الله كرّمهم بهدايته الخاصّة.
قوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجةً فدرجةً، والاستدناء من أمر أو مكان، وقرينة المقام تدل على أن المراد به هنا الاستدناء من الهلاك إما في الدنيا أو في الآخرة.
وتقييد الاستدراج بكونه من حيث لا يعلمون للدلالة على أن هذا التقريب خفي غير ظاهر عليهم بل مستبطن فيما يتلهون فيه من مظاهر الحياة المادية فلا يزالون يقتربون من الهلاك باشتداد مظالمهم فهو تجديد نعمة بعد نعمة حتى يصرفهم التلذذ بها عن التأمل في وبال أمرهم كما مر في قوله تعالى:
{ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا } [الأعراف: 95]، وقال تعالى: { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 196]. ومن وجه آخر لما انقطع هؤلاء عن ذكر ربهم وكذبوا بآياته سلبوا اطمئنان القلوب وأمنها بالتشبث بذيل الأسباب التي من دون الله وعذبوا باضطراب النفوس وقلق القلوب وقصور الأسباب وتراكم النوائب، وهم يظنون أنها الحياة ناسين معنى حقيقة الحياة السعيدة فلا يزالون يستزيدون من مهلكات زخارف الدنيا فيزدادون عذاباً وهم يحسبونه زيادة في النعمة حتى يردوا عذاب الآخرة وهو أمر وأدهى، فهم يستدرجون في العذاب من لدن تكذيبهم بآيات ربهم حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.
قال تعالى:
{ ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28]، وقال: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً } [طه: 124]، وقال: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } [التوبة: 55]، وهذا معنى آخر من الاستدراج لكن قوله تعالى بعده: {وأملي لهم} لا يلائم ذلك فالمتعين هو المعنى الأول.
قوله تعالى: {وأملي لهم إن كيدي متين} الإِملاء هو الإِمهال، وقوله: {إن كيدي متين} تعليل لمجموع ما في الآيتين، وفي قوله {وأملي} بعد قوله: {سنستدرجهم} الآية، التفات من التكلم مع الغير إلى التكلم وحده للدلالة على مزيد العناية بتحريمهم من الرحمة الإِلهية وإيرادهم مورد الهلكة.
وأيضاً الإِملاء هو إمهالهم إلى أجل مسمى. فيكون في معنى قوله:
{ ولو لا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم } [الشورى: 14]، وهذه الكلمة هي قوله لآدم عليه السلام حين إهباطه إلى الأرض: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } [البقرة: 36] وهو القضاء الإِلهي والقضاء مختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره، وهذا بخلاف الاستدراج الذي هو إيصال النعمة بعد النعمة وتجديدها فإنها نعم إلهية مفاضة بالوسائط من الملائكة والأمر فلهذا السبب جيء في الاستدراج بصيغة المتكلم مع الغير، وغير ذلك في الإِملاء وفي الكيد الذي هو أمر متحصل من الاستدراج والإِملاء إلى لفظ المتكلم وحده.
قوله تعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين} في تركيب الكلام اختلاف شديد بينهم، والذي يستبق إلى الذهن من السياق أن يكون قوله: {أولم يتفكروا} كلاماً تاماً سيق للإِنكار والتوبيخ ثم قوله: {ما بصاحبهم من جنة} الآية كلاماً آخر سيق لبيان صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعواه النبوّة، وهو يشير إلى ما يتفكرون فيه كأنه قيل: أولم يتفكروا في أنه ما بصاحبهم من جنة الآية حتى يتبين لهم ذلك؟ نعم، ما به من جنة إن هو إلا نذير مبين.
والتعبير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصاحبهم للإِشارة إلى مادة الاستدلال الفكري فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصحبهم ويصحبونه طول حياته بينهم فلو كان به شيء من جنة لبان لهم ذلك البتة فهو فيما جاء به نذير لا مجنون، والجنة بناء نوع من الجنون على ما قيل وإن كان من الجائز إن يكون المراد به الفرد من الجن بناءً على ما يزعمونه أنّ المجنون يحل فيه بعض الجنّ فيتكلم من فيه وبلسانه.
قوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} إلى آخر الآية قد مر كراراً أن الملكوت في عرف القرآن على ما يظهر من قوله تعالى:
{ إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 82 - 83] هو الوجه الباطن من الأشياء الذي يلي جهة الرب تعالى، وأنّ النظر إلى هذا الوجه واليقين متلازمان كما يفهم من قوله: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]. فالمراد توبيخهم في الإِعراض والانصراف عن الوجه الملكوتي للأشياء لم نسوه ولم ينظروا فيه حتى يتبين لهم أنّ ما يدعوهم إليه هو الحق؟
وقوله: {وما خلق الله من شيء} عطف على موضع السماوات، وقوله {من شيء} بيان لما الموصولة، ومعنى الآية: لمَ لم ينظروا في خلق السماوات والأرض وأي شيء آخر ممّا خلقه الله؟ لكن لا من الوجه الذي يلي الأشياء حتى ينتج العلم بخواص الأشياء الطبيعية بل من جهة أن وجوداتها غير مستقلة بنفسها مرتبطة بغيرها محتاجة إلى ربّ يدبر أمرها وأمر كلّ شيء، وهو رب العالمين.
وقوله: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} عطف على قوله {ملكوت} الآية لكونه في تأويل المفرد والتقدير: أو لم ينظروا في أنه عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فإنّ النظر في هذا الاحتمال ربما صرفهم عن التمادي على ضلالهم وغيهم فأغلب ما يصرف الإِنسان عن الاشتغال بأمر الآخرة، ويوجه وجهه إلى الاغترار بالدنيا نسيان الموت الذي لا يدري متى يرد رائده، وأما إذا التفت إلى ذلك وشاهد جهله بأجله وأنّ من المرجو المحتمل أن يكون قد اقترب منهم فإنه يقطع منابت الغفلة ويمنعه عن اتباع الهوى وطول الأمل.
وقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} الضمير للقرآن على ما يستدعيه السياق، وفي الكلام إيئاس من إيمانهم بالمرة أي إن لم يؤمنوا بالقرآن وهو تجليه سبحانه عليهم بكلامه يكلمهم بما يضطر عقولهم بقبوله من الحجج والبراهين والموعظة الحسنة وهو مع ذلك معجزة باهرة فلا يؤمنون بشيء آخر البتة، وقد أخبر سبحانه أنه طبع على قلوبهم فلا سبيل لهم إلى فقه القول والإِيمان بالحق، ولذلك عقبه بقوله في الآية التالية: {من يضلل الله فلا هادي له} الآية.
قوله تعالى: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} العمه الحيرة والتردد في الضلال أو عدم معرفة الحجة، وإنما لم يذكر ما يقابله وهو أن من يهدي فلا مضل له لأن الكلام مسوق لتعليل الآية السابقة: {فبأي حديث} الآية كأنه قيل: لمَ لا يؤمنون بحديث البتة؟ فقيل: لأن من يضلل الله الآية.
(كلام في الأسماء الحسنى في فصول)
1 - ما معنى الأسماء الحسنى: وكيف الطريق إليها؟ نحن أول ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده يقع إداركنا على أنفسنا وعلى أقرب الأمور منا وهي روابطنا مع الكون الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لإِبقائنا فأنفسنا، وقوانا، وأعمالنا المتعلقة بها هي أول ما يدق باب إدراكنا لكنا لا نرى أنفسنا إلا مرتبطة بغيرها ولا قوانا ولا أفعالنا إلا كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإِنسان، يشاهدها من نفسه ومن كل ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة، وعند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسد خلته، وإليه ينتهي كل شيء، وهو الله سبحانه، ويصدقنا في هذا النظر والقضاء قوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني}.
وقد عجز التاريخ عن العثور على بدء ظهور القول بالربوبية بين الأفراد البشرية بل وجده وهو يصاحب الإِنسانية إلى أقدم العهود التي مرت على هذا النوع حتى أن الأقوام الوحشية التي تحاكي الإِنسان الأولي في البساطة لما اكتشفوهم في أطراف المعمورة كقطان أميركا واستراليا وجدوا عندهم القول بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة ينتحلون بها، وهو قول بالربوبية وإن اشتبه عليهم المصداق فالإِذعان بذات ينتهي إليها أمر كل شيء من لوازم الفطرة الإِنسانية لا يحيد عنه إلا من انحرف عن إلهام فطرته لشبهة عرضت له كمن يضطر نفسه على الاعتياد بالسم وطبيعته تحذره بإلهامها، وهو يستحسن ما أبتلي به.
ثم إن أقدم ما نواجهه في البحث عن المعارف الإِلهية أنا نذعن بانتهاء كل شيء إليه، وكينونته ووجوده منه فهو يملك كل شيء لعلمنا أنه لو لم يملكها لم يمكن أن يفيضها ويفيدها لغيره على أن بعض هذه الأشياء مما ليست حقيقته إلا مبنية على الحاجة منبئة عن النقيصة، وهو تعالى منزه عن كل حاجة ونقيصة لأنه الذي إليه يرجع كل شيء في رفع حاجته ونقيصته.
فله الملك - بكسر الميم وبضمها - على الإِطلاق، فهو سبحانه يملك ما وجدناه في الوجود من صفة كمال كالحياة والقدرة والعلم والسمع والبصر والرزق والرحمة والعزة وغير ذلك.
فهو سبحانه حي، قادر، عليم، سميع، بصير لأن في نفيها إثبات النقص ولا سبيل للنقص إليه، ورازق ورحيم وعزيز ومحيي ومميت ومبدء ومعيد وباعث إلى غير ذلك لأن الرزق والرحمة والعزة والإِحياء والإِماتة والإِبداء والإِعادة والبعث له، وهو السبوح القدوس العلي الكبير المتعال إلى غير ذلك نعني بها نفي كل نعت عدمي وكل صفة نقص عنه.
فهذا طريقنا إلى إثبات الأسماء والصفات له تعالى على بساطته، وقد صدقنا كتاب الله في ذلك حيث أثبت الملك - بكسر الميم - والملك - بضم الميم - له على الإِطلاق في آيات كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.
2 - ما هو حد ما نصفه: أو نسميه به من الاسماء؟ تبين من الفصل الأول أنا ننفي عنه جهات النقص والحاجة التي نجدها فيما نشاهده من أجزاء العالم، وهي تقابل الكمال كالموت والفقد والفقر والذلة والعجز والجهل ونحو ذلك، ومعلوم أن نفي هذه الأمور، وهي في نفسها سلبية يرجع إلى إثبات الكمال فإن في نفي الفقر إثبات الغنى، وفي نفي الذلة والعجز والجهل إثبات العزة والقدرة والعلم وهكذا.
وأمّا صفات الكمال التي نثبتها له سبحانه كالحياة والقدرة والعلم ونحو ذلك فقد عرفت أنا نثبتها بالإِذعان بملكه جميع الكمالات المثبتة في دار الوجود غير أنا ننفى عنه تعالى جهات الحاجة والنقص التي تلازم هذه الصفات بحسب وجودها في مصاديقها.
فالعلم في الإِنسان مثلاً إحاطة حضورية بالمعلوم من طريق انتزاع الصورة وأخذها بقوى بدنية من الخارج والذي يليق بساحته أصل معنى الإِحاطة الحضورية، وأما كونه من طريق أخذ الصورة المحوج إلى وجود المعلوم في الخارج قبلاً وإلى آلات بدنية مادية مثلاً فهو من النقص الذي يجب تنزيهه تعالى منه، وبالجملة نثبت له أصل المعنى الثبوتي ونسلب عنه خصوصية المصداق المؤدية إلى النقص والحاجة.
ثم لما كنا نفينا عنه كل نقص وحاجة. ومن النقص أن يكون الشيء محدوداً بحد منتهياً بوجوده إلى نهاية فإن الشيء لا يحد نفسه وإنما يحده غيره الذي يقهره بضرب الحدّ والنهاية له، ولذلك نفينا عنه كل حد ونهاية فليس سبحانه محدوداً في ذاته بشيء ولا في صفاته بشيء وقد قال تعالى:
{ وهو الواحد القهار } [الرعد: 16] فله الوحدة التي تقهر كل شيء من قبله فتحيط به.
ومن هنا قضينا أن صفاته تعالى عين ذاته، وكل صفة عين الصفة الأخرى، فلا تمايز إلا بحسب المفهوم، ولو كان علمه غير قدرته مثلاً، وكل منهما غير ذاته كما فينا معاشر الإِنسان مثلاً لكان كل منها يحد الآخر والآخر ينتهي إليه فكان محدود وحد ومتناه ونهاية فكان تركيب وفقر إلى حاد يحدها غيره، تعالى عن ذلك وتقدس، وهذه صفة أحديته تعالى لا ينقسم من جهة من الجهات، ولا يتكثر في خارج ولا في ذهن.
ومما تقدم يظهر فساد قول من قال: إن معاني صفاته تعالى ترجع إلى النفى رعاية لتنزيهه عن صفات خلقه فمعنى العلم والقدرة والحياة هناك عدم الجهل والعجز والموت، وكذا في سائر الصفات العليا، وذلك لاستلزامه نفي جميع صفات الكمال عنه تعالى، وقد عرفت أن سلوكنا الفطري يدفع ذلك، وظواهر الآيات الكريمة تنافيه، ونظيره القول بكون صفاته زائدة على ذاته أو نفي الصفات وإثبات آثارها وغير ذلك مما قيل في الصفات فكل ذلك مدفوعة بما تقدم من كيفية سلوكنا الفطري، ولتفصيل البحث عن بطلانها محل آخر.
3 - الانقسامات التي لها: يظهر ممّا قدمناه من كيفية السلوك الفطري أن من صفات الله سبحانه ما يفيد معنى ثبوتياً كالعلم والحياة وهي المشتملة على معنى الكمال، ومنها ما يفيد معنى السلب وهي التي للتنزيه كالسبوح والقدوس، وبذلك يتم انقسام الصفات إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية.
وأيضاً من الصفات ما هي عين الذات ليست بزائدة عليها كالحياة والقدرة والعلم بالذات، وهي الصفات الذاتية، ومنها ما يحتاج في تحققه إلى فرض تحقق الذات قبلاً كالخلق والرزق وهي الصفات الفعلية، وهي زائدة على الذات منتزعة عن مقام الفعل، ومعنى انتزاعها عن مقام أنا مثلاً نجد هذه النعم التي نتنعم بها ونتقلب فيها نسبتها إلى الله سبحانه نسبة الرزق المقرر للجيش من قبل الملك إلى الملك فنسميها رزقاً، وإذ كان منتهياً إليه تعالى نسميه رازقاً، ومثله الخلق والرحمة والمغفرة وسائر الصفات والأسماء الفعلية، فهي تطلق عليه تعالى ويسمى هو بها من غير أن يتلبس بمعانيها كتلبسه بالحياة والقدرة وغيرها من الصفات الذاتية، ولو تلبس بها حقيقة لكانت صفات ذاتية غير خارجة من الذات فللصفات والأسماء انقسام آخر إلى الذاتية والفعلية.
ولها انقسام آخر إلى النفسية والإِضافية فما لا إضافة في معناها إلى الخارج عن مقام الذات كالحياة نفسي، وما له إضافة إلى الخارج سواء كان معنى نفسياً ذا إضافة كالصنع والخلق هي النفسية ذات الإِضافة، أو معنى إضافياً محضاً كالخالقية والرازقية هي الإِضافية المحضة.
4 - نسب الصفات والأسماء إلينا: ونسبتها فيما بينها. لا فرق بين الصفة والاسم غير أن الصفة تدل على معنى من المعاني يتلبس به الذات أعم من العينية والغيرية، والاسم هو الدال على الذات مأخوذة بوصف. فالحياة والعلم صفتان، والحي والعالم اسمان وإذ كان اللفظ لا شأن له إلا الدلالة على المعنى وانكشافه به فحقيقة الصفة والاسم هو الذي يكشف عنه لفظ الصفة والإِسم فحقيقة الحياة المدلول عليها بلفظ الحياة هي الصفة الإِلهية وهي عين الذات، وحقيقة الذات بحياتها التي هي عينها هو الاسم الإِلهي، وبهذا النظر يعود الحي والحياة اسمين للاسم والصفة وان كانا بالنظر المتقدم نفس الاسم ونفس الصفة.
وقد تقدم أنا في سلوكنا الفطري إلى الأسماء إنما تفطنا بها من جهة ما شاهدناه في الكون من صفات الكمال فأيقنا من ذلك أن الله سبحانه مسمى بها لما أنه مالكها الذي أفاض علينا بها، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة فأيقنا أنه تعالى منزه منها متصف بما يقابلها من صفة الكمال وبها يرفع عنا النقص والحاجة فيما يرفع، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى اليقين بأن له سبحانه علماً وقدرة يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة، ومشاهدة الجهل والعجز في الوجود تدلنا على أنه منزه عنهما متصف بما يقابلهما من العلم والقدرة الذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ترفع، وهكذا في سائرها.
ومن هنا يظهر أن جهات الخلقة وخصوصيات الوجود التي في الأشياء ترتبط إلى ذاته المتعالية من طريق صفاته الكريمة أي أن الصفات وسائط بين الذات وبين مصنوعاته فالعلم والقدرة والرزق والنعمة التي عندنا بالترتيب تفيض عنه سبحانه بما أنه عالم قادر رازق منعم بالترتيب، وجهلنا يرتفع بعلمه، وعجزنا بقدرته، وذلتنا بعزته، وفقرنا بغناه، وذنوبنا بعفوه ومغفرته، وإن شئت فقل بنظر آخر هو يقهرنا بقهره ويحدنا بلا محدوديته، وينهينا بلا نهايته، ويضعنا برفعته، ويذللنا بعزته، ويحكم فينا بما يشاء بملكه - بالضم - ويتصرف فينا كيف يشاء بملكه - بالكسر فافهم ذلك.
وهذا هو الذي نجري عليه بحسب الذوق المستفاد من الفطرة الصافية فمن يسأل الله الغنى ليس يقول: يا مميت يا مذل أغنني، وإنما يدعوه بأسمائه: الغني والعزيز والقادر مثلاً، والمريض الذي يتوجه إليه لشفاء مرضه يقول: يا شافي يا معافي يا رؤوف يا رحيم ارحمني واشفني، ولن يقول: يا مميت يا منتقم يا ذا البطش اشفني، وعلى هذا القياس.
والقرآن الكريم يصدقنا في هذا السلوك والقضاء، وهو أصدق شاهد على صحة هذا النظر فتراه يذيل آياته الكريمة بما يناسب مضامين متونها من الأسماء الإِلهية ويعلل ما يفرغه من الحقائق بذكر الاسم والاسمين من الأسماء بحسب ما يستدعيه المورد من ذلك. والقرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي يستعمل الأسماء الإِلهية في تقرير مقاصده، ويعلمنا علم الأسماء من بين ما بلغنا من الكتب السماوية المنسوبة إلى الوحي.
فتبين أنا ننتسب إليه تعالى بواسطة أسمائه، وبأسمائه بواسطة آثارها المنتشرة في أقطار عالمنا المشهود فآثار الجمال والجلال في هذا العالم هي التي تربطنا بأسماء جماله وجلاله من حياة وعلم وقدرة وعزة وعظمة وكبرياء، ثم الأسماء تنسبنا إلى الذات المتعالية التي تعتمد عليها قاطبة أجزاء العالم في استقلالها.
وهذه الآثار التي عندنا من ناحية أسمائه تعالى مختلفة في أنفسها سعة وضيقاً، وهما بإزاء ما في مفاهيمها من العموم والخصوص فموهبة العلم التي عندنا تنشعب منها شعب السمع والبصر والخيال والتعقل مثلاً، ثم هي والقدرة والحياة وغيرها تندرج تحت الرزق والإِعطاء والإِنعام والجود، ثم هي والعفو والمغفرة ونحوها تندرج تحت الرحمة العامة.
ومن هنا يظهر أن ما بين نفس الأسماء سعة وضيقاً، وعموماً وخصوصاً على الترتيب الذي بين آثارها الموجودة في عالمنا فمنها خاصة، ومنها عامة، وخصوصها وعمومها بخصوص حقائقها الكاشفة عنها آثارها وعمومها، وتكشف عن كيفيه النسب التي بين حقائقها النسب التي بين مفاهيمها فالعلم اسم خاص بالنسبة إلى الحي وعام بالنسبة إلى السميع البصير الشهيد اللطيف الخبير والرازق خاص بالنسبة إلى الرحمن، وعام بالنسبة إلى الشافي الناصر الهادي وعلى هذا القياس.
فللاسماء الحسنى عرض عريض تنتهي من تحت إلى اسم أو اسماء خاصة لا يدخل تحتها اسم آخر ثم تأخذ في السعة والعموم ففوق كل اسم ما هو أوسع منه وأعم حتى تنتهي إلى اسم الله الأكبر الذي يسع وحده جميع حقائق الأسماء وتدخل تحته شتات الحقائق برمتها، وهو الذي نسميه غالباً بالاسم الأعظم.
ومن المعلوم أنه كلما كان الاسم أعم كانت آثاره في العالم أوسع، والبركات النازلة منه أكبر وأتم لما أن الآثار للأسماء كما عرفت فما في الاسم من حال العموم والخصوص يحاذيه بعينه أثره، فالاسم الأعظم ينتهي إليه كل أثر، ويخضع له كل أمر.
5 - ما معنى الاسم الأعظم: شاع بين الناس أنه اسم لفظي من أسماء الله سبحانه إذا دعي به استجيب، ولا يشذ من أثره شيء غير أنهم لما لم يجدوا هذه الخاصة في شيء من الأسماء الحسنى المعروفة ولا في لفظ الجلالة اعتقدوا أنه مؤلف من حروف مجهولة تأليفاً مجهولاً لنا لو عثرنا عليه أخضعنا لإِرادتنا كل شيء.
وفي مزعمة أصحاب العزائم والدعوات أن له لفظاً يدل عليه بطبعه لا بالوضع اللغوي غير أن حروفه وتأليفها تختلف باختلاف الحوائج والمطالب، ولهم في الحصول عليه طرق خاصة يستخرجون بها حروفاً أولاً ثم يؤلفونها ويدعون بها على ما نعرفه من راجع فنهم.
وفي بعض الروايات الواردة إشعار ما بذلك كما ورد أن {بسم الله الرحمن الرحيم} أقرب إلى اسم الله الأعظم من بياض العين إلى سوادها، وما ورد أنه في آية الكرسي وأول سورة آل عمران، وما ورد أن حروفه متفرقة في سورة الحمد يعرفها الإِمام وإذا شاء ألفها ودعى بها فاستجيب له.
وما ورد أن آصف بن برخيا وزير سليمان دعا بما عنده من حروف اسم الله الأعظم فأحضر عرش ملكة سبأ عند سليمان في أقل من طرفة عين، وما ورد أن الاسم الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً قسم الله بين أنبيائه اثنين وسبعين منها، واستأثر واحداً منها عنده في علم الغيب، إلى غير ذلك من الروايات المشعرة بأن له تأليفاً لفظياً.
والبحث الحقيقي عن العلة والمعلول وخواصها يدفع ذلك كله فإن التأثير الحقيقي يدور مدار وجود الأشياء في قوته وضعفه، والمسانخة بين المؤثر والمتأثر، والاسم اللفظي إذا اعتبرنا من جهة خصوص لفظه كان مجموعة أصوات مسموعة هي من الكيفيات العرضية، وإذا اعتبر من جهة معناه المتصور كان صورة ذهنية لا أثر لها من حيث نفسها في شيء البتة، ومن المستحيل أن يكون صوت أوجدناه من طريق الحنجرة أو صورة خيالية نصورها في ذهننا بحيث يقهر بوجوده وجود كل شيء، ويتصرف فيما نريده على ما نريده فيقلب السماء أرضاً والأرض سماء ويحول الدنيا إلى الآخرة وبالعكس وهكذا، وهو في نفسه معلول لإِرادتنا.
والأسماء الإِلهية واسمه الأعظم خاصة وإن كانت مؤثرة في الكون ووسائط وأسباباً لنزول الفيض من الذات المتعالية في هذا العالم المشهود لكنها انما تؤثر بحقائقها لا بالألفاظ الدالة في لغة كذا عليها، ولا بمعانيها المفهومة من ألفاظها المتصورة في الأذهان ومعنى ذلك أن الله سبحانه هو الفاعل الموجد لكل شيء بما له من الصفة الكريمة المناسبة له التي يحويها الاسم المناسب، لا تأثير اللفظ أو صورة مفهومة في الذهن أو حقيقة أُخرى غير الذات المتعالية.
إلا أن الله سبحانه وعد إجابة دعوة من دعاه كما في قوله:
{ أُجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186]، وهذا يتوقف على دعاء وطلب حقيقي، وأن يكون الدعاء والطلب منه تعالى لا من غيره - كما تقدم في تفسير الآية - فمن انقطع عن كل سبب واتصل بربه لحاجة من حوائجه فقد اتصل بحقيقة الاسم المناسب لحاجته فيؤثر الاسم بحقيقته ويستجاب له، وذلك حقيقة الدعاء بالاسم فعلى حسب حال الاسم الذي انقطع إليه الداعي يكون حال التأثير خصوصاً وعموماً، ولو كان هذا الاسم هو الاسم الأعظم انقاد لحقيقته كل شيء واستجيب للداعي به دعاؤه على الإِطلاق. وعلى هذا يجب أن يحمل ما ورد من الروايات والأدعية في هذا الباب دون الاسم اللفظي أو مفهومه.
ومعنى تعليمه تعالى نبياً من أنبيائه أو عبداً من عباده اسماً من أسمائه أو شيئاً من الاسم الأعظم هو أن يفتح له طريق الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في دعائه ومسألته فإن كان هناك اسم لفظي وله معنى مفهوم فإنما ذلك لأجل أن الألفاظ ومعانيها وسائل وأسباب تحفظ بها الحقائق نوعاً من الحفظ فافهم ذلك.
واعلم أن الاسم الخاص ربما يطلق على ما لا يسمى به غير الله سبحانه كما قيل به في الاسمين: الله، والرحمن. أما لفظ الجلالة فهو علم له تعالى خاص به ليس اسماً بالمعنى الذي نبحث عنه، وأما الرحمن فقد عرفت أن معناه مشترك بينه وبين غيره تعالى لما أنه من الأسماء الحسنى، هذا من جهة البحث التفسيري، وأما من حيث النظر الفقهي فهو خارج عن مبحثنا.
6 - عدد الأسماء الحسنى: لا دليل في الآيات الكريمة على تعين عدد للأسماء الحسنى تتعين به بل ظاهر قوله:
{ الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى } [طه: 8]، وقوله: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [الأعراف: 180]، وقوله: { له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض } [الحشر: 24]، وأمثالها من الآيات أن كل اسم في الوجود هو أحسن الأسماء في معناها فهو له تعالى فلا تتحدد أسماؤه الحسنى بمحدد.
والذي ورد منها في لفظ الكتاب الإِلهي مائة وبضعة (127) وعشرون اسماً هي.
أ- الإِله، الأحد، الأول، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم. أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين، أهل التقوى، أهل المغفرة، الأقرب الأبقى.
ب - البارئ، الباطن، البديع، البر، البصير.
ت - التواب.
ج - الجبار، الجامع.
ح - الحكيم، الحليم، الحي، الحق، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الخفي.
خ - الخبير، الخالق، الخلاق، الخير، خير الماكرين، خير الرازقين، خير الفاصلين، خير الحاكمين، خير الفاتحين، خير الغافرين، خير الوارثين، خير الراحمين، خير المنزلين.
ذ - ذو العرش، ذو الطول، ذو الانتقام، ذو الفضل العظيم، ذو الرحمة، ذو القوة، ذو الجلال والإِكرام، ذو المعارج.
ر - الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الرب، رفيع الدرجات، الرزاق، الرقيب.
س - السميع، السلام، سريع الحساب، سريع العقاب.
ش - الشهيد، الشاكر، الشكور، شديد العقاب، شديد المحال.
ص - الصمد.
ظ - الظاهر.
ع - العليم، العزيز، العفو، العلي، العظيم، علام الغيوب، عالم الغيب والشهادة.
غ - الغنيّ، الغفور، الغالب، غافر الذنب، الغفار.
ف - فالق الإِصباح، فالق الحب والنوى، الفاطر، الفتاح.
ق - القوي، القدوس، القيوم، القاهر، القهار، القريب: القادر، القدير، قابل التوب، القائم على كل نفس بما كسبت.
ك - الكبير، الكريم، الكافي.
ل - اللطيف.
م - الملك، المؤمن، المهيمن، المتكبر، المصور؛ المجيد، المجيب، المبين المولى، المحيط، المقيت، المتعال، المحيي، المتين، المتقدر، المستعان، المبدي، مالك الملك.
ن - النصير، النور.
و - الوهاب، الواحد، الولي، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود.
ه - الهادي.
وقد تقدم أن ظاهر قوله: {ولله الأسماء الحسنى} {له الأسماء الحسنى} أن معاني هذه الأسماء له تعالى حقيقة وعلى نحو الأصالة، ولغيره تعالى بالتبع فهو المالك لها حقيقة، وليس لغيره إلا ما ملكه الله من ذلك، وهو مع ذلك مالك لما ملكه غيره لم يخرج عن ملكه بالتمليك، فله سبحانه حقيقة العلم مثلاً وليس لغيره منه إلا ما وهبه له وهو مع ذلك له لم يخرج من ملكه وسلطانه.
ومن الدليل على الاشتراك المعنوي في ما يطلق عليه تعالى وعلى غيره من الأسماء والأوصاف ما ورد من أسمائه تعالى بصيغة أفعل التفضيل كالأعلى والأكرم فإن صيغة التفضيل تدل بظاهرها على اشتراك المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، وكذا ما ورد بنحو الإِضافة كخير الحاكمين وخير الرازقين وأحسن الخالقين لظهوره في الاشتراك.
7 - هل أسماء الله توقيفية؟ تبين مما تقدم أن لا دليل على توقيفيه أسماء الله تعالى من كلامه بل الأمر بالعكس، والذي استدل به على التوقيف من قوله: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} الآية مبني على كون اللام للعهد، وأن يكون المراد بالإِلحاد التعدي إلى غير ما ورد من أسمائه من طريق السمع، وكلا الأمرين مورد نظر لما مر بيانه.
وأما ما ورد مستفيضاً مما رواه الفريقان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة" أو ما يقرب من هذا اللفظ فلا دلالة فيها على التوقيف. هذا بالنظر إلى البحث التفسيري، وأما البحث الفقهي فمرجعه فن الفقه والاحتياط في الدين يقتضي الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع، وأما مجرد الإِجراء والإِطلاق من دون تسمية فالأمر فيه سهل.
(بحث روائي)
في التوحيد بإسناده عن الرضا عن آبائه عن علي عليه السلام: إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسماً من دعا الله بها استجاب له؛ ومن أحصاها دخل الجنة.
أقول: وسيجيء نظيره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق أئمة أهل البيت عليهم السلام والمراد بقوله: "من أحصاها دخل الجنة" الإِيمان باتصافه تعالى بجميع ما تدل عليه تلك الأسماء بحيث لا يشذ عنها شاذ.
وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو عبد الله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن لله تسعة وتسعين اسماً مائه إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر"
]. أقول: رواها عن أبي نعيم وابن مردويه عنه، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لله مائة اسم غير اسم من دعا بها استجاب الله له دعاءه، وعن الدار قطني في الغرائب عنه ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:قال عز وجل: لي تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة"
]. وفيه أخرج أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة"
]. أقول: ورواه أيضاً عن أبي نعيم عن ابن عباس وابن عمر ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن"
]. أقول: والرواية تعارض ما سيأتي من روايات الإِحصاء حيث إن جميعها مشتملة على أسماء ليست في القرآن بلفظها إلا أن يكون المراد كونها من القرآن بمعناها.
وفي التوحيد بإسناده عن الصادق عن آبائه عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
"إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة"
]. وهي: الله، الإِله، الواحد، الأحد، الصمد، الأول، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلي، الأعلى، الباقي، البديع، الباري، الأكرم، الظاهر الباطن، الحي، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الرحمن، الرحيم، الذاري، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، السيد، سبوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الظاهر، العدل، العفو، الغفور، الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتاح، الفالق، القديم، الملك، القدوس، القوي، القريب، القيوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنان، المحيط، المبين، المغيث، المصور، الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الوهاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التواب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي.
وفي الدر المنثور أخرج الترمذي وابن المنذر وابن حبان وابن منده والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب الرازق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإِكرام، الوالي، المتعال، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.
وفيه أخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني كلاهما وبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة"
]: اسأل الله الرحمن، الرحيم، الإِله، الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الحكيم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدئ، المعيد، النور، البادي - وفي لفظ: القائم - الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفو، الغفار، الوهاب، الفرد - وفي لفظ: القادر - الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعال، ذا الجلال والإِكرام، المولى، النصير، الحق، المبين، الوارث، المنير، الباعث القدير - وفي لفظ: المجيب - المحيي، المميت، الحميد - وفي لفظ: الجميل - الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتاح، التواب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، العظيم، الغني، المليك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلاق، الكفيل، الجليل.
أقول: وذكر لفظ الجلالة في هذه الروايات المشتملة على الإِحصاء لإِجراء الأسماء عليه. وإلا فهو خارج عن العدد.
وفيه أخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة فقال: هي في القرآن: ففي الفاتحة خمسة أسماء، يا الله يا رب يا رحمن يا رحيم يا مالك، وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً: يا محيط يا قدير يا عليم يا حكيم يا علي يا عظيم يا تواب يا بصير يا ولي يا واسع يا كافي يا رؤوف يا بديع يا شاكر يا واحد يا سميع يا قابض يا باسط يا حي يا قيوم يا غني يا حميد يا غفور يا حليم يا إله يا قريب يا مجيب يا عزيز يا نصير يا قوي يا شديد يا سريع يا خبير.
وفي آل عمران: يا وهاب يا قائم يا صادق يا باعث يا منعم يا متفضل، وفي النساء: يا رقيب يا حسيب يا شهيد يا مقيت يا وكيل يا علي يا كبير، وفي الأنعام يا فاطر يا قاهر يا لطيف يا برهان، وفي الأعراف: يا محيي يا مميت، وفي الأنفال يا نعم المولى يا نعم النصير، وفي هود: يا حفيظ يا مجيد يا ودود يا فعالاً لما يريد، وفي الرعد: يا كبير يا متعال، وفي إبراهيم: يا منان يا وارث، وفي الحجر: يا خلاق.
وفي مريم: يا فرد، وفي طه: يا غفار، وفي قد أفلح: يا كريم، وفي النور: يا حق، يا مبين، وفي الفرقان: يا هادي، وفي سبأ يا فتاح، وفي الزمر: يا عالم، وفي غافر: يا غافر يا قابل التوب يا ذا الطول يا رفيع، وفي الذاريات: يا رزاق يا ذا القوة يا متين، وفي الطور: يا بر.
وفي اقتربت: يا مليك يا مقتدر، وفي الرحمن: يا ذا الجلال والإِكرام يا رب المشرقين يا رب المغربين يا باقي يا محسن، وفي الحديد: يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن، وفي الحشر: يا ملك يا قدوس يا سلام يا مؤمن يا مهيمن يا عزيز يا جبار يا متكبر يا خالق يا بارئ يا مصور، وفي البروج يا مبدئ يا معيد، وفي الفجر: يا وتر، وفي الإِخلاص: يا أحد يا صمد.
أقول: والرواية لا تخلو عن تشويش فإن فيه إدخال لفظ الجلالة في الأسماء التسعة والتسعين وليس منها، وقد كرر بعض الأسماء كالكبير، وقد ذكر في أولها التسعة والتسعون، وأُنهيت إلى مائة وعشرة أسماء، وفيها مع ذلك موضع مناقشات أُخر فيما يذكر من وجود الاسم في بعض السور كالفرد في سورة مريم، والبرهان في سورة الأنعام. إلى غير ذلك.
وعلى أي حال ظهر لك من هذه الروايات وهي التي عثرنا عليها من روايات الإِحصاء أنها لا تدل على انحصار الأسماء الحسنى فيما تحصيها مع ما فيها من الاختلاف في الأسماء، وذكر بعض ما ليس في القرآن الكريم بلفظ الإِسمية، وترك بعض ما في القرآن الكريم بلفظ الأسمية بل غاية ما تدل عليه أن من أسماء الله تسعة وتسعين من خاصتها أن من دعا بها استجيب له، ومن أحصاها دخل الجنة.
على أن هناك روايات أخرى تدل على كون أسمائه تعالى أكثر من تسعة وتسعين كما سيأتي بعضها، وفي الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام شيء كثير من أسماء الله غير ما ورد منها في القرآن وأُحصي في روايات الإِحصاء.
وفي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، وبالتشبية غير موصوف، وباللون غير مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود، محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور.
فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معاً ليس منها واحداً قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها؛ وحجب واحداً منها وهو الاسم المكنون والمخزون فهذه الأسماء التي ظهرت فالظاهر هو الله، تبارك، وتعالى، وسخر سبحانه لكل اسم من هذه الأسماء أربعة أركان فذلك اثنا عشر ركناً، ثم خلق لكل ركن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً إليها: فهو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، الخالق، البارئ، المصور، الحي، القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، الحكيم، العزيز، الجبار، المتكبر، العلي، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرازق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث.
فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتى تتم ثلاثمائة وستين اسماً فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهذه الأسماء الثلاثة أركان، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله عز وجل: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}.
أقول: قوله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوت "الخ" هذه الصفات المعدودة صريحة في أن المراد بهذا الاسم ليس هو اللفظ، ولا معنى يدل عليه اللفظ من حيث إنه مفهوم ذهني فإن اللفظ والمفهوم الذهني الذي يدل عليه لا معنى لاتصافه بالأوصاف التي وصفه بها وهو ظاهر، وكذا يأبى عنه ما ذكره في الرواية بعد ذلك فليس المراد بالاسم إلا المصداق المطابق للفظ لو كان هناك لفظ، ومن المعلوم أن الاسم بهذا المعنى - وخاصة بالنظر إلى تجزية بمثل: الله وتبارك وتعالى - ليس إلا الذات المتعالية أو هو قائم بها غير خارج عنها البتة.
فنسبة الخلق إلى هذا الاسم في قوله: "خلق اسماً" يكشف عن كون المراد بالخلق غير المعنى المتعارف منه، وأن المراد به ظهور الذات المتعالية ظهوراً ينشأ به اسم من الأسماء وحينئذ ينطبق الخبر على ما تقدم بيانه أن الأسماء مترتبة فيما بينها وبعضها واسطة لثبوت بعض، وتنتهي بالأخرة إلى اسم تعينها عين عدم التعين. وتقيد الذات المتعالية به عين عدم تقيدها بقيد.
وقوله: "فالظاهر هو الله تبارك وتعالى" إشارة إلى الجهات العامة التي تنتهي إليها جميع الجهات الخاصة من الكمال ويحتاج الخلق إليها من جميع جهات فاقتها وحاجتها، وهي ثلاث: جهة استجماع الذات لكل كمال، وهي التي يدل عليها لفظ الجلالة وجهة ثبوت الكمالات ومنشئية الخيرات والبركات، وهي التي يدل عليه اسم تبارك، وجهة انتفاء النقائص وارتفاع الحاجات وهي التي يدل عليه لفظ تعالى.
وقوله: فعلاً منسوباً إليها "أي إلى الأسماء" وهو إشارة إلى ما قدمناه من انتشاء إسم من اسم. وقوله: "حتى تتم ثلاث مائة وستين اسماً" صريح في عدم انحصار الأسماء الإِلهية في تسعة وتسعين.
وقوله: "وهذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب" الخ فإن الاسم المكنون المخزون لما كان اسماً فهو تعين وظهور من الذات المتعالية، وإذ كان مكنوناً بحسب ذاته غير ظاهر بحسب نفسه فظهوره عين عدم ظهوره وتعينه عين عدم تعينه، وهو ما يعبر عنه أحياناً بقولنا: إنه تعالى ليس بمحدود بحد حتى بهذا الحد العدمي لا يحيط به وصف ولا نعت حتى هذا الوصف السلبي، وهذا بعينه توصيف منا والذات المتعالية أعظم منه وأكبر.
ولازمه أن يكون اسم الجلالة الكاشف عن الذات المستجمعة لجميع صفات الكمال اسماً من أسماء الذات دونها ودون هذا الاسم المكنون المخزون، وكذا "تبارك" و "تعالى" ثلاثة أسماء معاً سدنة وحجاباً للاسم المكنون من غير أن يتقدم بعضها بعضاً، وهذه الحجاب الثلاثة والاسم المكنون المحجوب بها جميعاً دون الذات، وأما هي فلا ينتهي إليها إشارة ولا يقع عليها عبارة، إذ كلما تحكيه عبارة أو تومئ إليه إشارة اسم من الأسماء محدود بهذا النحو، والذات المتعالية أعلى منه وأجلّ.
وقوله: وذلك قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً مّا تدعوا فله الأسماء الحسنى} وجه الاستفادة أن الضمير في قوله: {فله} راجع إلى "أي" وهو اسم شرط من الكنايات لا تعين لمعناه إلا عدم التعين، ومن المعلوم أن المراد بالله وبالرحمن في الآية هو مصداق اللفظين لا نفسهما فلم يقل ادعوا بالله أو بالرحمن بل ادعوا الله الآية فمدلول الآية أن الأسماء منسوبة قائمة جميعاً بمقام لا خبر عنه ولا إشارة إليه إلا بعدم الخبر والإِشارة فافهم ذلك.
وفي الرواية أخذ "تبارك" وكذا "تعالى" وكذا {لا تأخذه سنة ولا نوم} من الأسماء وهو مبني على مجرد الدلالة على الذات المأخوذة بصفة من صفاته من غير رعاية المصطلح الأدبيّ.
والرواية من غرر الروايات تشير إلى مسألة هي أبعد سمكاً من مستوى الأبحاث العامة والأفهام المتعارفة، ولذلك اقتصرنا في شرح الرواية على مجرد الإِشارات، وأما الإِيضاح التام فلا يتم إلا ببحث مبسوط خارج عن طوق المقام غير أنها لا تبتني على أزيد مما تقدم من البحث عن نسب الأسماء والصفات إلينا ونسب ما بينها الموضوع في الفصل الرابع من الكلام في الاسماء فعليك بإبقائها حتى تنجلي لك المسألة حق الانجلاء والله الموفق.
وفي البصائر بإسناده عن الباقر عليه السلام قال: ان اسم الله الأعظم على ثلاثه وسبعين حرفاً، وإنما عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالأرض فيما بينه وبين سرير بلقيس ثم تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفه عين، وعندنا نحن من الاسم اثنان وسبعون حرفاً، وحرف عند الله أستاثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.
وفيه أيضاً بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عز وجل جعل اسمه الأعظم على ثلاث وسبعون حرفاً فأعطى آدم منها خمسة وعشرين حرفاً وأعطى نوحاً منها خمسة وعشرين حرفاً، وأعطى منها إبراهيم ثمانية أحرف، وأعطى موسى منها أربعة أحرف، وأعطى عيسى منها حرفين وكان يحيي بهما الموتى ويبرئ بهما الأكمه والأبرص، وأعطى محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثنين وسبعين حرفاً، واحتجب حرفاً لئلا يعلم ما في نفسه ويعلم ما في نفس غيره ظ.
أقول: وفي مساق الروايتين بعض روايات أُخر، ولا ينبغي أن يرتاب في أن كونه مفرقاً إلى ثلاثة وسبعين حرفاً أو مؤلفاً من حروف لا يستلزم كونه بحقيقة مؤلفاً من حروف الهجاء كما تقدمت الإِشارة إليه، وفي الروايتين دلالة على ذلك فإنه يعد الاسم وهو واحد ثم يفرق حروفه بين الأنبياء ويستثني واحداً، ولو كان من قبيل الأسماء اللفظية الدالة بمجموع حروفه على معنى واحد لم ينفع أحداً منهم عليهم السلام ما أُعطيه شيئاً البتة.
وفي التوحيد بإسناده عن علي عليه السلام في خطبه له: إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف؟ عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله، وبعد كل شيء لا يقال له بعد شاء الأشياء لا بهمة، دراك لا بخديعة، هو في الأشياء كلها غير متمازج بها ولا بائن عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلاك رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، جاعل لا باضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة.
أقول: هو عليه السلام - كما يشاهد - يثبت في صفاته وأسمائه تعالى أصل المعاني وينفي خصوصيات المصاديق الممكنة ونواقص المادة، وهو الذي قدمنا بيانه سابقاً: وهذه المعاني واردة في أحاديث كثيرة جداً مروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وخاصة ما ورد عن علي والحسن والحسين والباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام في خطب كثيرة من أرادها فليراجع جوامع الحديث، والله الهادي.
وفي المعاني بإسناده عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث: فليس له شبه ولا مثل ولا عدل، ولله الأسماء الحسنى التي لا يسمى بها غيره؛ وهي التي وصفها الله في الكتاب فقال: {فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} جهلاً بغير علم وهو لا يعلم ويكفر وهو يظن أنه يحسن؟ فذلك قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} فهم الذين يلحدون في أسمائه بغير علم فيضعونها غير مواضعها.
أقول: والحديث يؤيد ما قدمناه في معنى كون الأسماء حسنى والإِلحاد فيها، وقوله عليه السلام: "لا يسمى بها غيره" أي لا يوصف بالمعاني التي جردت لها وصح تسميته بها غيره تعالى كإطلاق الخالق بحقيقة معناه الذي له تعالى لغيره، وعلى هذا القياس.
وفي الكافي بإسناده إلى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} قال: نحن والله الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد إلا بمعرفتنا.
أقول: ورواه العياشي عنه عليه السلام، وفيه أخذ الاسم بمعنى ما دل على الشيء سواء كان لفظاً أو غيره، وعليه فالأنبياء والأوصياء عليهم السلام أسماء دالة عليه تعالى وسائط بينه وبين خلقه، ولأنهم في العبودية بحيث ليس لهم إلا الله سبحانه فهم المظهرون لأسمائه وصفاته تعالى.
وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: {وممن خلقنا أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون} قال هم الأئمة.
أقول: ورواه العياشي عن حمران عنه عليه السلام قال: وقال محمد بن عجلان عنه عليه السلام "نحن هم" وقد تقدم ما يؤيده في البيان المتقدم.
وفي الدر المنثور أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: {وممن خلقنا أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"إن من أُمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل"
]. وفي تفسير البرهان عن موفق بن أحمد عن السري عن ابن المنذر عن الحسين بن سعيد عن أبيه عن أبان بن تغلب عن فضل عن عبد الملك الهمداني عن زادان عن علي قال يفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهم الذين قال الله عز وجل في حقهم: {وممن خلقنا أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون} أنا وشيعتي.
أقول: وروى العياشي عن زادان عنه عليه السلام مثله، وفي آخره: "وهم على الحق" مكان قوله: "أنا وشيعتي". وقد تقدم في ذيل قوله تعالى: {ومن قوم موسى أُمة يهدون بالحق وبه يعدلون}، رواية العياشي عن أبي الصهباء عن علي عليه السلام ما في معناه، وكذا رواية السيوطي في الدر المنثور بطرق عنه مثله.
وفي الكافي بإسناده عن سفيان بن السمط قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله إذا أراد بعبد خيراً فأذنب ذنباً أتبعه بنقمة ويذكّره الاستغفار، وإذا أراد بعبد شراً فأذنب ذنباً أتبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى بها، وهو قوله عز وجل: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} بالنعم عند المعاصي.
وفيه بإسناده عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال: هو العبد يذنب الذنب فيجدد له النعم معه تلهية تلك النعم عن الاستغفار من ذلك الذنب.
أقول: ورواه أيضاً بإسناده عن ابن رئاب عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام مثله.
وفيه بإسناده عن الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما روى الناس: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة" قلت: كيف؟ يتفكر؟ قال: يمر بالخربة أو بالدار فيقول أين ساكنوك؟ أين بانوك؟ مالك لا تتكلمين؟.
أقول: وهو من قبيل إراءة بعض المصاديق الظاهرة.
وفيه بإسناده عن معمر بن خلاد قال سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم. إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل.
وفيه بإسناده عن الربعي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: التفكر يدعو إلى البر والعمل به.
وفيه بإسناده عن محمد بن أبي النصر عن بعض رجاله عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته.
وفي تفسير القمي في تفسير قوله تعالى: {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} قال: قال نكله إلى نفسه.
أقول: ومعنى تركهم يعمهون في طغيانهم عدم إعانتهم على أنفسهم وتركهم وإياها بقطع التوفيق فينطبق على الوكول إلى النفس.