خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَٰلِدُونَ
١٧
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ
١٨
أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٩
ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ
٢٠
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ
٢١
خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
٢٢
يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٢٣
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ
٢٤
-التوبة

الميزان في تفسير القرآن

(بيان)
آيات تبين أن الأعمال إنما تكون حية مرضية إذا صدرت عن حقيقة الإِيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وإلا فإنما هي حبط لا تهدي صاحبها إلى سعادة، وإن من لوازم الإِيمان بحقيقته قصر الولاية والحب والوداد في الله ورسوله.
وهي ظاهرة الاتصال والارتباط فيما بينها أنفسها، وأما اتصالها بما تقدمها من الآيات فليس بذاك الوضوح، وما ذكره بعض المفسرين في وجه اتصالها بما قبلها لا يخلو من تكلف.
قوله تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} العمارة ضد الخراب يُقال: عمر الأرض إذا بنى بها بناء، وعمر البيت إذا أصلح ما أشرف منه على الفساد، والتعمير بمعناه ومنه العمر لأنه عمارة البدن بالروح، والعمرة بمعنى زيارة البيت الحرام لأن فيها تعميره.
والمسجد اسم مكان بمعنى المحل الذي يتعلق به السجدة كالبيت الذي يبنى ليسجد فيه لله تعالى، وأعضاء السجدة التي تتعلق بها السجدة نوع تعلق وهي الجبهة والكفان والركبتان ورؤوس إبهامي القدمين.
وقوله: {ما كان للمشركين} الآية لنفي الحق والملك فإن اللام للملك والحق، والنفي الحالي للكون السابق يفيد أنه لم يتحقق منهم سبب سابق يوجب لهم أن يملكوا هذا الحق وهو حق أن يعمروا مساجد الله ويرمّوا ما استرمّ منها أو يزوروها كقوله تعالى:
{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى } [الأنفال: 67] وقوله: { وما كان لنبي أن يغل } [آل عمران: 161]. والمراد بالعمارة في قوله: {أن يعمروا} إصلاح ما أشرف على الخراب من البناء ورم ما استرم منه دون عمارة المسجد بالزيارة فإن المراد بمساجد الله هي المسجد الحرام وكل مسجد لله ولا عمرة في غير المسجد الحرام، والدخول في المساجد للعبادة فيها وإن أمكن أن يسمى عمارة وزيارة لكن التعبير المعهود من القرآن فيه الدخول.
على أن في قوله في الآية الآتية: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} تأييداً ما لكون المراد بالعمارة هو إصلاح البناء دون زيارة البيت الحرام.
والمراد بمساجد الله بيوت العبادة المبنية لله لكن السياق يدل على أن المراد نفي جواز عمارتهم للمسجد الحرام، ويؤيده قراءة من قرأ {أن يعمروا مسجد الله} بالإِفراد.
ولا ضير في التعبير بالجمع والمقصود الأصيل بيان حكم فرد خاص من أفراده لأن الملاك عام، والتعليل الوارد في الآية غير مقيد بخصوص المسجد الحرام فالكلام في معنى: ما كان لهم أن يعمروا المسجد الحرام لأنه مسجد والمساجد من شأنها ذلك.
وقوله: {شاهدين على أنفسهم بالكفر} المراد بالشهادة أداؤها وهو الأعتراف إما قولاً كمن يعترف بالكفر لفظاً، وإما فعلاً كمن يعبد الأصنام ويتظاهر بكفره فكل ذلك من الشهادة والملاك واحد.
فمعنى الآية: لا يحق ولا يجوز للمشركين أن يرمُّوا ما استرمّ من المسجد الحرام كسائر مساجد الله والحال أنهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم.
قوله تعالى: {أُولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} في مقام التعليل لما أُفيد من الحكم في قوله: {ما كان} الخ ولذلك جيء به بالفصل دون الوصل.
والمراد بالجملة الأُولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم، والعمل إنما يؤتى به للتوسل به إلى أثر مطلوب، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها لم يكن ما يجوز لهم الإِتيان بها، والأعمال العبادية كعمارة مساجد الله إنما تقصد لما يطمع فيه ويرجى من أثرها وهو السعادة والجنة، والعمل الحابط لا يتعقب سعادة ولا جنة البتة.
والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الذي يستقرون فيه لولا السعادة والجنة وهو النار فكأنه قيل: أُولئك لا يهديهم أعمالهم العبادية إلى الجنة بل هم في النار الخالدة، ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبدة.
وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من أُصول التشريع:
أحدهما: أن تشريع الجواز بالمعنى الأعم الشامل للواجبات والمستحبات والمباحات يتوقف على أثر في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعاً في الدين، وهذا أصل يؤيده العقل، وهو منطبق على الناموس الجاري في الكون: أن لا فعل إلا لنفع عائد إلى فاعله.
وثانيهما: أن الجواز في جميع موارده مسبوق بحق مجعول من الله لفاعله في أن يأتى بالفعل من غير مانع.
قوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} الآية السياق كاشف عن أن الحصر من قبيل قصر الإِفراد كأن متوهماً يتوهم أن للمشركين والمؤمنين جميعاً أن يعمروا مساجد الله فافرد وقصر ذلك في المؤمنين، ولازم ذلك أن يكون المراد بقوله: {يعمر} إنشاء الحق والجواز في صورة الإِخبار دون الإِخبار، وهو ظاهر.
وقد اشترط سبحانه في ثبوت حق العمارة وجوازها أن يتَّصف العامر بالإِيمان بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين أن يكون لهم ذلك ولم يقنع بالإِيمان بالله وحده لأن المشركين يذعنون به تعالى بل شفَّع ذلك بالإِيمان باليوم الآخر لأن المشركين ما كانوا مؤمنين به، وبذلك يختص حق العمارة وجوازها بأهل الدين السماوي من المؤمنين.
ولم يقنع بذلك أيضاً بل ألحق به قوله: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله} لأن المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحق له بذلك أن يقترفه، ومن كان تاركاً للفروع المشروعة في الدين وخاصة الركنين: الصلاة والزكاة فهو كافر بآيات الله لا ينفعه مجرّد الإِيمان بالله واليوم الآخر وإن كان مسلماً، إذا لم ينكرها بلسانه، ولو أنكرها بلسانه أيضاً كان كافراً غير مسلم.
وقد خصّ من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين اللذين لا غنى عنهما في حال من الأحوال.
وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر أن المراد بقوله: {ولم يخش إلا الله} الخشية الدينية وهي العبادة دون الخشية الغريزية التي لا يسلم منها إلا المقرّبون من أولياء الله كالأنبياء قال تعالى:
{ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله } [الأحزاب: 39]. والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية أن الأعرف عند الإِنسان من علل اتخاذ الإِله للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته، ورجاء الرحمة أيضاً يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبد الله سبحانه أو عبد شيئاً من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك إما الخوف من شمول سخطه أو الخوف من انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثلة للخوف والخشية مصداق لها لتمثيلها إياها، وبينهما حالة الاستلزام، ولذلك كني بها عنها، فالمعنى - والله أعلم - ولم يعبد أحداً من دون الله من الآلهة.
وقوله: {فعسى أُولئك أن يكونوا من المهتدين} أي أُولئك الذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحداً غير الله سبحانه يرجى في حقهم أن يكونوا من المهتدين، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية، وأما هو تعالى فمن المستحيل أن يقوم به الرجاء الذي لا يتم إلا مع الجهل بتحقق الأمر المرجو الحصول.
وإنما أُخذ الاهتداء مرجو الحصول لا محقق الوقوع مع أن من آمن بالله واليوم الآخر حقيقة وحققه أعماله العبادية فقد اهتدى حقيقة لأن حصول الاهتداء مرة أو مرات لا يستوجب كون العامل من المهتدين، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها له، فالتلبس بالفعل الواقع مرة أو مرات غير التلبس بالصفة اللازمة فأُولئك حصول الاهتداء لهم محقق، وأما حصول صفة المهتدين فهو مرجو التحقق لا محقق.
وقد تحصَّل من الآية أن عمارة المساجد لا تحق ولا تجوز لغير المسلم أما المشركون فلعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وأما أهل الكتاب فلأن القرآن لا يعدّ إيمانهم بالله إيماناً قال تعالى:
{ إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً أُولئك هم الكافرون حقاً } [النساء: 150-151]، وقال أيضاً في آية 29 من السورة: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب} الآية.
قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} الآية، السقاية كالحكاية والجناية والنكاية مصدر يُقال: سقى يسقي سقاية.
والسقاية أيضاً الموضع الذي يسقى فيه الماء، والإِناء الذي يسقى به قال تعالى:
{ جعل السقاية في رحل أخيه } [يوسف: 70]، وقد رووا في الآثار أن سقاية الحاجّ كانت إحدى الشؤونات الفاخرة والمآثر التي يباهى بها في الجاهلية، وأن السقاية كانت حياضاً من أدم على عهد قصيّ بن كلاب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها الماء العذب من الآبار على الإِبل، ويسقى الحاج فجعل قصي أمر السقاية عند وفاته لابنه عبد مناف ولم يزل في ولده حتى ورثه العباس بن عبد المطلب.
وسقاية العباس هو الموضع الذي كان يسقى فيه الماء في الجاهلية والإِسلام وهو في جهة الجنوب من زمزم بينهما أربعون ذراعاً، وقد بني عليه بناء هو المعروف اليوم بسقاية العباس.
والمراد بالسقاية في الآية - على أي حال - معناها المصدري وهو السقي، ويؤيده مقابلتها في الآية عمارة المسجد الحرام والمراد بها المعنى المصدري قطعاً بمعنى الشغل.
وقد قوبل في الآية سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، ولا معنى لدعوى المساواة بين الإِنسان وبين عمل من الأعمال كالسقاية والعمارة أو نفيها فالمعادلة والمساواة إما بين عمل وعمل أو بين إنسان ذي عمل وإنسان ذي عمل.
ولذلك اضطر المفسرون إلى القول بأن تقدير الكلام: أجعلتم أهل سقاية الحاج وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر حتى يستقيم السياق.
وأوجب منه النظر في قيود الكلام المأخوذة في الآية الكريمة فقد أُخذ في أحد الجانبين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحدهما من غير أي قيد زائد، وفي الجانب الآخر الإِيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله وإن شئت فقل: الجهاد في سبيل الله مع اعتبار الإِيمان معه.
وهو يدلُّ على أن المراد: السقاية والعمارة خاليتين من الإِيمان، ويؤيده قوله تعالى في ذيل الآية: {والله لا يهدي القوم الظالمين} على تقدير كونه تعريضاً لأهل السقاية والعمارة لا تعريضاً لمن يسوّى بينهما كما يتبادر من السياق.
وهذا يكشف أولاً عن أن هؤلاء الذين كانوا يسوُّون بين كذا وكذا وبين كذا إنما كانوا يسوُّون بين عمل جاهلي خالٍ عن الإِيمان بالله واليوم الآخر كالسقاية والعمارة من غير أن يكون عن إيمان، وبين عمل ديني عن إيمان بالله واليوم الآخر كالجهاد في سبيل الله عن إيمان، أي كانوا يسوُّون بين جسد عمل لا حياة فيه وبين عمل حيّ طيِّب نفعه فأنكره الله عليهم.
وثانياً: أن هؤلاء المسوِّين كانوا من المؤمنين يسوُّون بين عمل من غير إيمان، كان صدر عنهم قبل الإِيمان أو صدر عن مشرك غيرهم، وبين عمل صدر عن مؤمن بالله عن محض الإِيمان حال إيمانه كما يشهد به سياق الإِنكار وبيان الدرجات في الآيات.
بل يشعر بل يدلّ ذكر نفس السقاية والعمارة من غير ذكر صاحبهما على أن صاحبيهما كانا من أهل الإِيمان عند التسوية فلم يذكرا حفظاً لكرامتهما وهما مؤمنان حين الخطاب ووقاية لهما بالنظر إلى التعريض الظاهر الذي في آخر الآية من أن يسمَّيا ظالمين.
بل يدلُّ قوله تعالى في الآية التالية في مقام بيان أجر هؤلاء المجاهدين في سبيل الله عن إيمان: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله} على أن طرفي التسوية في قوله: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن} الآية كانا من أهل مكة، وأن أهل أحد الطرفين وهو الذي آمن وجاهد كان ممن أسلم وهاجر، وأهل الطرف الآخر أسلم ولم يهاجر فإن هذا هو الوجه في ذكره تعالى أولاً الإِيمان والجهاد في أحد الطرفين ثم إضافة الهجرة إلى ذلك عندما أُعيد ثانياً، وقد ذكر تعالى السقاية والعمارة في الجانب الآخر ولم يزد على ذلك شيئاً لا أولاً ولا ثانياً فما هذه القيود بلاغية في قوله الفصل.
وهذا كله يؤيد ما ورد في سبب نزول الآية أن الآيات نزلت في العباس وشيبة وعلي عليه السلام حين تفاخروا فذكر العباس سقاية الحاج، وشيبة عمارة المسجد الحرام، وعلي الإِيمان والجهاد في سبيل الله فنزلت الآيات وستجيء الرواية في البحث الروائي المتعلق بالآيات.
وكيف كان فالآية وما يتلوها من الآيات تبيِّن أن الزنة والقيمة إنما هو للعمل إذا كان حيّاً بولوج روح الإِيمان فيه وأما الجسد الخالي الذي لا روح فيه ولا حياة له فلا وزن له في ميزان الدين ولا قيمة له في سوق الحقائق فليس للمؤمنين أن يعتبروا مجرَّد هياكل الأعمال، ويجعلوها ملاكات للفضل وأسباباً للقرب منه تعالى إلا بعد اعتبار حياتها بالإِيمان والخلوص.
ومن هذه الجهة ترتبط الآية: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} وما بعدها من الآيات بالآيتين اللتين قبلها: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} إلى آخر الآيتين.
وبذلك كله يظهر أولاً أن قوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} جملة حالية تبين وجه الإِنكار لحكمهم بالمساواة في قوله: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن} الآية.
وثانياً: أن المراد بالظلم هو ما كانوا عليه من الشرك في حال السقاية والعمارة لا حكمهم بالمساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد عن إيمان.
وثالثاً: أن المراد نفي أن ينفعهم العمل ويهديهم إلى السعادة التي هي عظم الدرجة والفوز والرحمة والرضوان والجنة الخالدة.
قوله تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} إلى آخر الآية بيان لحق الحكم الذي عند الله في المسألة بعد إنكار المساواة، وهو أن الذي آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله ما استطاع ببذل ما عنده من مال ونفس، أعظم درجة عند الله وإنما عبر في صورة الجمع - الذين آمنوا الخ - إشارة إلى أن ملاك الفَصل هو الوصف دون الشخص.
وما تقدم من دلالة الكلام على أن الأعمال من غير إيمان بالله لا فضل لها ولا درجة لصاحبها عند الله، قرينة على أن ليس المراد بالقياس الذي يدل عليه أفعل التفضيل في قوله: {أُولئك أعظم درجة} الخ هو أن بين الفريقين اشتراكاً في الدرجات غير أن درجة من جاهد عن إيمان أعظم ممن سقى وعمر.
بل المراد بيان أن النسبة بينهما نسبة الأفضل إلى من لا فضل له كالمقايسة المأخوذة بين الأكثر والأقل فإنها تستدعي وجود حد متوسط بينهما يقاسان إليه فهناك ثلاثة أُمور أمر متوسط يؤخذ مقياساً معدلاً وآخر يكون أكثر منه، وآخر يكون أقل منه فإذا قيس الأكثر من الأقل كان الأكثر مقيسا إلى ما لا كثرة فيه أصلاً.
فقوله: {أعظم درجة عند الله} أي بالقياس إلى هؤلاء الذين لا درجة لهم أصلاً، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقة بين الفريقين لأن أحدهما ذو قدم رفيع فيما لا قدم للآخر فيه أصلاً.
ويدل على ذلك أيضاً قوله: {وأُولئك هم الفائزون} بما يدل على انحصار الفوز فيهم وثبوتها لهم على نهج الاستقرار.
قوله تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات} إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أن ما يعده من الفضل في حقهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السابقة من فوزهم جيء به بلسان التبشير.
فالمعنى {يبشرهم} أي هؤلاء المؤمنين {ربهم برحمة منه} عظيمة لا يقدر قدرها {ورضوان} كذلك {وجنات لهم فيها} في تلك الجنات {نعيم مقيم} لا يزول ولا ينفد حال كونهم {خالدين فيها أبداً} لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد.
ثم لما كان المقام مقام التعجب والاستبعاد لكونها بشارة بأمر عظيم لم يعهد في ما نشاهده من أنواع النعيم الذي في الدنيا، رفع الاستبعاد بقوله: {إن الله عنده أجر عظيم}.
وسيوافيك الكلام في توضيح معنى رحمته تعالى ورضوانه فيما سيمر من موضع مناسب وقد تقدم بعض الكلام فيهما.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء} إلى آخر الآية نهي عن تولي الكفار ولو كانوا آباءً وإخواناً فإن الملاك عام، والآية التالية تنهى عن تولي الجميع غير أن ظاهر لفظ الآية النهي عن اتخاذ الآباء والإِخوان أولياء إن استحبوا الكفر ورجحوه على الإِيمان.
وإنما ذكر الآباء والإِخوان دون الأبناء والأزواج مع كون القبيلين وخاصة الأبناء محبوبين عندهم كالآباء والإِخوان لأن التولي يعطي للولي أن يداخل أمور وليّه ويتصرف في بعض شؤون حياته، وهذا هو المحذور الذي يستدعي النهي عن تولي الكفار حتى لا يداخلوا في أمورهم الداخلية ولا يأخذوا بمجامع قلوبهم، ولا يكف المؤمنون ولا يستنكفوا عن الإِقدام فيما يسوؤهم ويضرّهم، ومن المعلوم أن النساء والذراري لا يترقب منهم هذا الأثر السيء إلا بواسطة، فلذلك خصَّ النهي عن التولي بالآباء والإِخوان فهم الذين يخاف نفوذهم في قلوب المؤمنين وتصرفهم في شؤونهم.
وقد ورد النهي عن اتخاذ الكفار أولياء في مواضع من كلامه تقدم بعضها في سورة المائدة وآل عمران والنساء والأعراف وفيها إنذار شديد وتهديدات بالغة كقوله تعالى:
{ ومن يتولهم منكم فإنه منهم } [المائدة: 51]، وقوله: { ويحذركم الله نفسه } [آل عمران: 28]، وقوله: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } [آل عمران: 28]، وقوله: { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } [النساء: 144]. وأنذرهم في الآية التي نحن فيها بقوله: {ومن يتولهم منكم فأُولئك هم الظالمون} ولم يقل: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إذ من الجائز أن يتوهم بعض هؤلاء أنه منهم لأنهم آباؤه وإخوانه فلا يؤثر فيه التهديد أثراً جديداً يبعثه نحو رفض الولاية.
وكيف كان فقوله: {ومن يتولهم منكم فأُولئك هم الظالمون} بما في الجملة من المؤكدات كإسمية الجملة، ودخول اللام على الخبر وضمير الفصل يفيد تحقق الظلم منهم واستقراره فيهم، وقد كرر الله في كلامه أن الله لا يهدي القوم الظالمين، وقال في نظير الآية من سورة المائدة: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} فهؤلاء محرومون من الهداية الإِلهية لا ينفعهم شيء من أعمالهم الحسنة في جلب السعادة إليهم، والسماحة بالفوز والفلاح عليهم.
قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم} إلى آخر الآية التفت من مخاطبتهم إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيماءً إلى الإِعراض عنهم لما يستشعر من حالهم أن قلوبهم مائلة إلى الاشتغال بما لا ينفع معه النهي عن تولي آبائهم وإخوانهم الكافرين، وإيجاد الداعي في نفوسهم إلى الصدور عن أمر الله ورسوله، وقتال الكافرين جهاداً في سبيل الله وإن كانوا آباءهم وإخوانهم.
والذي يمنعهم من ذلك هو الحب المتعلق بغير الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وقد عدَّ الله سبحانه أُصول ما يتعلق به الحب النفساني من زينة الحياة الدنيا، وهي الآباء والأبناء والإِخوان والأزواج والعشيرة - وهؤلاء هم الذين يجمعهم المجتمع الطبيعي بقرابة نسبية قريبة أو بعيدة أو سببية - والأموال التي اكتسبوها وجمعوها - والتجارة التي يخشون كسادها والمساكن التي يرضونها - وهذه أُصول ما يقوم به المجتمع في المرتبة الثانية -.
وذكر تعالى أنهم إن تولوا أعداء الدين، وقدموا حكم هؤلاء الأُمور على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله فليتربصوا ولينتظروا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.
ومن المعلوم أن الشرط أعني قوله: {إن كان آباؤكم} إلى قوله: {في سبيله} في معنى أن يُقال: إن لم تنتهوا عما ينهاكم عنه من اتخاذ الآباء والإِخوان الكافرين أولياء باتخاذكم سبباً يؤدي إلى خلاف ما يدعوكم إليه، وإهمالكم في أمر غرض الدين وهو الجهاد في سبيل الله.
فقوله في الجزاء: {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} لا محالة إما أمر يتدارك به ما عرض على الدين من ثلمة وسقوط غرض في ظرف مخالفتهم، وإما عذاب يأتيهم عن مخالفة أمر الله ورسوله والإِعراض عن الجهاد في سبيله.
غير أن قوله تعالى في ذيل الآية: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعرّض لهم أنهم خارجون حينئذ عن زيّ العبودية، فاسقون عن أمر الله ورسوله فهم بمعزل من أن يهديهم الله بأعمالهم ويوفقهم لنصرة الله ورسوله، وإعلاء كلمة الدين وإمحاء آثار الشرك.
فذيل الآية يهدي إلى أن المراد بهذا الأمر الذي يأمرهم الله أن يتربصوا له حتى يأتي به أمر منه تعالى، متعلق بنصرة دينه وإعلاء كلمته فينطبق على مثل قوله تعالى في سورة المائدة بعد آيات ينهى فيها عن تولّي الكافرين:
{ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومه لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } [المائدة: 54]. والآية بقيودها وخصوصياتها - كما ترى - تنطبق على ما تفيده الآية التي نحن فيها.
فالمراد - والله أعلم - إن اتخذتم هؤلاء أولياء، واستنكفتم عن اطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، ويبعث قوماً لا يحبون إلا الله، ولا يوالون اعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل الله أفضل قيام فإنكم إذاً فاسقون لا ينتفع بكم الدين، ولا يهدي الله شيئاً من اعمالكم إلى غرض حق وسعادة مطلوبة.
وربما قيل: إن المراد بقوله: {فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره} الإِشارة إلى فتح مكة، وليس بسديد فإن الخطاب في الآية للمؤمنين من المهاجرين والأنصار وخاصة المهاجرين، وهؤلاء هم الذين فتح الله مكة بأيديهم، ولا معنى لأن يخاطبوا ويقال لهم: إن كان آباؤكم وابناؤكم "الخ" أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فواليتموهم واستنكفتم عن إطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يفتح الله مكة بأيديكم والله لا يهدي القوم الفاسقين، أو فتربصوا حتى يفتح الله مكة والله لا يهديكم لمكان فسقكم فتأمل.
(بحث روائي)
في تفسير البرهان في قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية عن أمالي الشيخ بإسناده عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد يرفعه إلى أبي ذر - في حديث الشورى - فيما احتج به علي عليه السلام على القوم: وقال لهم في ذلك: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} غيري؟ قالوا: لا.
وفي تفسير القميّ قال: وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب عليه السلام: {الذين آمنوا وهاجروا} إلى قوله {الفائزون} ثم وصف ما لعلي عليه السلام عنده فقال: {يبشّرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم}.
وفي المجمع روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده عن أبي بريدة عن أبيه قال: بينما شيبة والعبّاس يتفاخران إذ مرّ عليهما علي بن أبي طالب قال: بما تفتخران؟ قال العبّاس: لقد أُوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاج، وقال شيبة: أُوتيت عمارة المسجد الحرام، وقال علي: وأنا أقول لكما لقد أُوتيت على صغري ما لم تؤتيا فقالا: وما أُوتيت يا علي؟ قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله تبارك وتعالى ورسوله.
فقام العباس مغضباً يجرُّ ذيله حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أما ترى ما استقبلني به علي؟ فقال: ادعوا لي علياً، فدعي له فقال: ما حملك يا علي على ما استقبلت به عمك؟ فقال: يا رسول الله صدقته الحق فإن شاء فليغضب، وإن شاء فليرض.
فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول: أُتل عليهم: {أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} إلى قوله: {إن الله عنده أجر عظيم}.
وفي تفسير الطبري بإسناده عن محمد بن كعب القرظيّ قال: افتخر طلحة ابن شيبة والعباس وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال: العباس: وأنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ} الآية كلها.
وفي الدر المنثور أخرج الفاريابي عن ابن سيرين قال: قدم علي بن أبي طالب مكة فقال للعباس: أي عمّ ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أعمر المسجد الحرام وأحجب البيت فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج} الآية، وقال لقوم قد سمَّاهم: ألا تهاجرون؟ ألا تلحقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا فأنزل الله تعالى: {قل إن كان آباؤكم} الآية كلها.
وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال العباس حين أُسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج ونفكّ العاني فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ} الآية، يعني أن ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك.
وفيه أخرج مسلم وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبَّان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أُبالي أن لا أعمل لله عملاً بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاجّ، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم.
فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلَّيتم الجمعة دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ} إلى قوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين}.
أقول: قال صاحب المنار في تفسيره بعد إيراد هذه الروايات الأربع الأخيرة: والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحة سنده وموافقة متنه لما دلت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابته - من أعمال البر البدنية الهينة المستلذة - وبين الإِيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهي أشقّ العبادات النفسية البدنية المالية، والآيات تتضمن الرد عليها كلها. انتهى.
أما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها بصحة السند ففيه أولاً أن رواية القرظيّ أيضاً في مضمونها موافقة لرواية الحاكم في المستدرك وقد صححها. وثانياً: أن روايات التفسير إذا كانت آحاداً لا حجية لها إلا ما وافق مضامين الآيات بقدر ما يوافقها على ما بيّن في فن الأُصول فإن الحجّية الشرعية تدور مدار الآثار الشرعية المترتبة فتنحصر في الأحكام الشرعية وأما ما وراءها كالروايات الواردة في القصص والتفسير الخالي عن الحكم الشرعي فلا حجّية شرعية فيها.
وأما الحجية العقلية أعني العقلائية فلا مسرح لها بعد توافر الدس والجعل في الأخبار سيما أخبار التفسير والقصص إلا ما تقوم قرائن قطعية يجوز التعويل عليها على صحة متنه، ومن ذلك موافقة متنه لظواهر الآيات الكريمة.
فالذي يهم الباحث عن الروايات غير الفقهية أن يبحث عن موافقتها للكتاب فإن وافقتها فهي الملاك لاعتبارها ولو كانت مع ذلك صحيحة السند فإنما هي زينة زيّنت بها وإن لم توافق فلا قيمة لها في سوق الاعتبار.
وأما ترك البحث عن موافقة الكتاب، والتوغل في البحث عن حال السند - إلا ما كان للتوسل إلى تحصيل القرائن - ثم الحكم باعتبار الرواية بصحة سندها ثم تحميل ما يدل عليه متن الرواية على الكتاب، واتخاذه تبعاً لذلك كما هو دأب كثير منهم فمما لا سبيل إليه من جهة الدليل.
وأما ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها من جهة المتن مبيناً ذلك بأن الآيات تدل على أن موضوع المساواة أو المفاضلة كان بين خدمة البيت أو حجابته وهي من أعمال البر البدنية الهيّنة المستلذة، وبين الإِيمان والجهاد والهجرة وهي من أعمال البر النفسية والبدنية الشاقة، والآيات تتضمن الرد عليها كلها. انتهى.
ففيه أولاً: أن الذي ذكره من مدلول الآيات مشترك بين جميع ما أورده من الروايات:
أما رواية ابن عباس التي مضمونها وقوع الكلام في المساواة أو المفاضلة حين أُسر العباس يوم بدر بين العباس وبين المسلمين حيث عيّروه فقد ذكر فيها صريحاً المقايسة بين الإِسلام والهجرة والجهاد وبين سقاية الحاجّ وعمارة المسجد وفكّ العاني، وهناك روايات أُخر في معناها.
وأما رواية ابن سيرين الدالة على وقوع النزاع بين علي والعباس بمكة حين دعاه إلى الهجرة واللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجابه بأن له عمارة المسجد الحرام وحجابة البيت وقد روى هذا المعنى ابن مردويه عن الشعبيّ وفيها: أن العباس قال لعلي: أنا عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنت ابن عمه، وإليّ سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ} الآية.
ورواه أيضاً ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عبيدة وفيها: أن العباس قال لعلي: أو لست في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقي الحاجّ وأعمر المسجد الحرام فنزلت هذه الآية.
وعلى أي حال فالواقع في هذه الرواية أيضاً المقايسة بين السقاية والعمارة وبين الهجرة وما يترتب عليها مما يستلزمه اللحوق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كالجهاد وغيره من الأعمال الشريفة الدينية.
وأما رواية القرظيّ وما في معناها كالذي رواه الحاكم وصححه، وما رواه عبد الرزاق عن الحسن قال: نزلت في علي والعباس وعثمان وشيبة تكلموا في ذلك، وكذا رواية النعمان التي تقدمت فكون المنازعة فيها في السقاية والعمارة والإِيمان والجهاد ظاهر فإذا كان الحال هذا الحال فأي مزية في رواية النعمان بن بشير توجب اختصاصها بموافقة الكتاب من بين سائر الروايات.
وثانياً: أن قوله: إن موضوع المفاضلة هي أعمال البر الهينة المستلذة كالسقاية والحجابة وأعمال البر الشاقة كالإِيمان والهجرء والجهاد لا يوافق ما يدل عليه الآيات فإنها كما تقدم ظاهرة الدلالة على أن المقايسة كانت بينهم بين أجساد الأعمال الخالية عن روح الإِيمان وليست من البر حينئذ وبين أعمال حية بولوج روح الإِيمان فيها كالهجرة والجهاد عن إيمان بالله واليوم الآخر.
فالآيات تدل على أنهم كانوا يسوون أو يفضلون غير أعمال البر كالسقاية والعمارة من غير إيمان على أعمال البر كالجهاد عن إيمان وهجرة والهجرة عن إيمان فأين ما ذكره من أعمال البر الهينة قبال أعمال البر الشاقة؟.
ودلالة الآيات - بما فيها من القيود المأخوذة - على ذلك بمكان من الظهور والجلاء فقد قيد الجهاد فيها بالإِيمان بالله واليوم الآخر، وأطلق السقاية والعمارة من غير تقييد بالإِيمان ثم قال تعالى: {لا يستوون عند الله} ثم زاد: {والله لا يهدي القوم الظالمين} وحاشا أن يكون الآتي بأعمال البر عند الله من القوم الظالمين المحرومين عن نعمة الهداية الإِلهية.
حتى لو فرض أن المراد بالظالمين أُولئك المسوون أو المفضلون من المؤمنين للسقاية والعمارة على الجهاد فإن المؤمن على إيمانه إذا حكم بمثل هذا الحكم فإنما هو خاط يهتدي إذا دل على الصواب لا ظالم محروم من الهداية فافهم ذلك.
وثالثاً: ما تقدم من أن قوله: {كمن آمن بالله} الآية وقوله: {لا يستوون} الآية دليل على أن للشخص دخلاً فيما تتضمن الآيات من الحكم.
والتدبر في الآيات الكريمة والتأمل فيما ذكرناه هنا وهناك يوضح للباحث الناقد أن أضعف الروايات وأبعدها من الانطباق على مضمون الآيات هي رواية النعمان بن بشير فإنها لا تقبل الانطباق على الآيات الكريمة بما فيها من القيود المأخوذة.
ويليها في الضعف رواية ابن سيرين وما في معناها من الروايات فإن ظاهرها أن العباس إنما دعي إلى الهجرة وهو مسلم فافتخر بالسقاية والحجابة والآيات لا تساعد على ذلك كما مر.
على أن الواقع في رواية ابن سيرين ذكر العباس للسقاية وحجابة البيت ولم يكن له حجابة إنما هي السقاية.
ويليها في الضعف رواية ابن عباس فظاهرها أن المقايسة إنما كانت بين الأعمال فقط والآية لا تساعد على ذلك.
على أن فيها أن العباس ذكر فيما ذكر سقاية الحاجّ وعمارة المسجد وفك العاني وهو الأسير. ولو كان لذكر في الآية، وقد وقع في رواية ابن جرير وأبي الشيخ عن الضحاك في هذا المعنى قال: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أُسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك. فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني، ونحجب البيت ونسقي الحاج فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ} الآية، والكلام في فكّ العاني وحجابة البيت الواقعين فيها كالكلام في سابقها.
فأسلم الروايات في الباب وأقربها إلى الانطباق على الآيات مضموناً رواية القرظي وما في معناها كرواية الحاكم في المستدرك ورواية عبد الرزاق عن الحسن ورواية أبي نعيم وابن عساكر عن أنس الآتية، وقد تقدم توضيح ذلك.
وفي الدر المنثور أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس قال: قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران فقال العباس: أنا أشرف منك أنا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصي أبيه، وساقي الحجيج، فقال شيبة: أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته وخازنه أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟.
فاطلع عليهما علي فأخبراه بما قالا فقال علي: أنا أشرف منكما أنا أول من آمن وهاجر فانطلق ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه فما أجابهم بشيء فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام فأرسل إليهم فقرأ عليهم: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} إلى آخر العشر.
وفي تفسير القمي عن أبيه عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام: قال: نزلت في علي والعباس وشيبة. قال العباس: أنا أفضل لأن سقاية الحاج بيدي، وقال شيبة: أنا أفضل لأن حجابة البيت بيدي، وقال علي: أنا أفضل فإني آمنت قبلكما ثم هاجرت وجاهدت فرضوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاج} إلى قوله {إن الله عنده أجر عظيم}.
أقول: ورواه العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، وفيه عثمان بن أبي شيبة مكان شيبة.
وفي الكافي عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول الله: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} نزلت في حمزة وعلي وجعفر والعباس وشيبة، إنهم فخروا بالسقاية والحجابة فأنزل الله عزّ ذكره: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} وكان علي وحمزة وجعفر هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله. لا يستوون عند الله.
أقول: ورواه أيضاً العياشي في تفسيره عن أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام مثله.
والرواية لا تلائم ما يثبته النقل القطعي فقد كان حمزة من المهاجرين الأولين لحق برسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم استشهد في غزوة أُحد في السنة الثالثة من الهجرة، وقد كان جعفر هاجر إلى الحبشة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم رجع إلى المدينة أيام فتح خيبر وقد استشهد حمزة قبل ذلك بمدة فلو كان من الخمسة اجتماع على التفاخر فقد كان قبل الهجرة النبوية وحينئذ فما معنى ما وقع في الرواية: "وكان علي وحمزة وجعفر هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله"؟.
وإن كان المراد بالنزول فيهم انطباق الآية عليهم على سبيل الجري فقد كان العباس مثلهم فإنه آمن يوم أُسر ببدر ثم حضر بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي تفسير البرهان عن الجمع بين الصحاح الستة للعبدي في الجزء الثاني من صحيح النسائي باسناده قال: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار والعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب فقال طلحة: بيدي مفتاح البيت ولو أشاء بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، وقال علي: ما أدري ما تقولان؟ لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله: {أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام} الآية.
أقول: المراد بالصلاة ستة أشهر قبل الناس التقدم في الإِيمان بالله على ما تعرضت له الآية وإلا كان من الواجب أن تذكر في الآية، وقد ذكر ثالث القوم طلحة بن شيبة، وقد تقدم في بعضها أنه شيبة، وفي بعضها أنه عثمان بن أبي شيبة.
وفي تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإِيمان} قال: الإِيمان ولاية علي بن أبي طالب.
أقول: هو من باطن القرآن مبني على تحليل معنى الإِيمان إلى مراتب كماله.
وفي تفسير القمّي: لمّا أذن أمير المؤمنين أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك جزعت قريش جزعاً شديداً، وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاعت عيالنا وخربت دورنا فأنزل الله في ذلك: {قل} يا محمد {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم} إلى قوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين}.
أقول: وعلى هذا كان من الحري أن يفسر قوله في الآية: {حتى يأتي الله بأمره} بتدارك ما ينزل بهم من الكساد وفتح باب الرزق عليهم من وجه آخر كما وقع مثله في قوله تعالى في ضمن الآيات التالية:
{ يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم } [التوبة: 28]. بل اتّحد حينئذ موردا الآيتين، ولسان الرفق وكرامة الخطاب بمثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا} يأبى أن يكون الخطاب بقوله: {إن كان آباؤكم وأبناؤكم} الآية متوجهاً إليهم بأعيانهم على ما في آخرها من الخشونة في قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين}.
على أن الآية تذكر حب الآباء والإِخوان والعشيرة والأموال التي اقترفوها، ولم يذكر شيء منها في الرواية، ولا حسبت قريش ضيعة بالنسبة إليها فما معنى ذكرها في الآية والتهديد على اختيار حبها على حب الله ورسوله؟ وما معنى ذكر الجهاد في سبيله في الآية؟ فافهم ذلك.
وفي الدر المنثور أخرج أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"
].