خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٧٧
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ
٧٨
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
٧٩
-الأنبياء

تفسير كتاب الله العزيز

قوله عزّ وجل: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} أي: على القوم {الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَآ} كقوله عز وجل: { رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } [المؤمنون: 26] {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} فأغرقهم الله.
قال عز وجل: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ} أي: وقعت فيه غنم القوم ليلاً فأفسدته. قال بعضهم: النفش بالليل والهمل بالنهار.
وذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً، فرفع ذلك إلى داود فقضى بالغنم لصاحب الزرع. فقال سليمان: [ليس كذلك ولكن] له نسلها ورِسلها وعوارضها وجزازها، ويُزرع له مثل ذلك الزرع، حتى إذا كان من العام القابل كهيئته يوم أُكِل دُفِعت الغنم إلى صاحبها وقبض صاحب الزرع زرعه، فقال الله عزّ وجلّ: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}.
وتفسير الكلبي أن أصحاب الحرث استعدوا على أصحاب الغنم، فنظر داود ثمن الحرث فإذا هو قريب من ثمن الغنم فقضى بالغنم لأهل الحرث. فمرّوا بسليمان فقال: كيف قضى بينكم نبيُّ الله؟ فأخبروه. فقال: نِعمَ ما قضى، وغيره كان أرفق بالفريقين كليهما. فدخل أصحاب الغنم على داود فأخبروه. فأرسل إلى سليمان فدخل عليه، فعزم عليه داود بحق النبوة وبحق الملك وبحق الوالد لَمَا حدثتني كيف رأيتَ فيما قضيتُ. قال سليمان: قد عدل النبي وأحسن، وغيره كان أرفق. قال: ما هو؟ قال: تدفع الغنم إلى أهل الحرث فينتفعون بسمنها ولبنها وأصوافها وأولادها عامهم، وعلى أهل الغنم أن يزرعوا لأهل الحرث مثل الذي أفسدت غنمهم. فإذا كان مثله يوم أفسد قبضوا غنمهم. فقال له داود: نِعمَ ما قضيته. قال الكلبي: وكان الحرث عِنَباً.
وقال مجاهد: إن داود أعطى أصحاب الحرث الغنم بأكلها الحرث، وحكم سليمان بجز الغنم وألبانها لأهل الحرث. وعلى أهل الحرث رِعيتُها، ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون كهيئته يوم أكل، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم.
قوله تعالى: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} يعني داود وسليمان، أي لقضائهم شاهدين، {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} أي: عدل القضية.
وكان هذا القضاء يومئذ. وقد تكون لأمة شريعة، ولأمة أخرى شريعة أخرى وقضاء غير قضاء الأمة الأخرى.
وقد ذكروا عن سعيد بن المسيب أن ناقة البراء بن عازب وقعت في حائط رجل من الأنصار فأفسدت فيه، فرفع ذلك إلى النبي عليه السلام فقال:
"ما أجد لكم إلا قضاء سليمان بن داوود." وقضى بحفظ أهل المواشي على أهلها بالليل، وقضى على أهل الحوائط بحفظ حوائطهم بالنهار.
قال بعضهم: فإنما يكون في هذا الحديث أن يضمن ما كان من الماشية بالليل، وليس فيه كيف القضاء في ذلك. وإنما القضاء في ذلك الفساد ما بلغ الفساد من النقصان.
ذكروا عن شريح قال في شاة دخلت بيت حائط نهاراً فأفسدت عمله فاختصما إليه فقال: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ} والنفش لا يكون إلا بالليل، [إن كان ليلاً ضمن وإن كان نهاراً لم يضمن]، ولم يجعل فيه شيئاً.
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"الدابة العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس." قال بعضهم: وهذا عندنا في حديث النبي عليه السلام في ناقة البراء بن عازب أنه بالنهار، وأما إن أفسدت بالليل فصاحبها ضامن والله أعلم.
قوله تعالى: {وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا} أي: أعطينا {حُكْماً وَعِلْماً} أي فهماً وعقلاً، يعني داوود وسليمان.
قال تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ}. كانت جميع الجبال وجميع الطير تسبح مع داوود بالغداة والعشي، أي: يصلين، ويفقه ذلك داوود. قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي قد فعلنا ذلك بداوود.