خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
-يوسف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وقالَ للَّذى ظَنَّ أنه ناجٍ مِنْها} أى علم أنه ناج بدليل قوله: {قضى الأمر} فإن المعنى قضى الله، وهو مقضى ما مر من أن الله جل وعلا أتحفه بتأويل الرؤيا، وإلقاء جبريل لؤلؤة صفراء فى فيه، وإن كان الأمر فى ذلك موكولا إلى اجتهاد، فكان على شك فى التعبير، ولو كان لا بد من صدق تعبيره فالظن رجحان، فمعنى {قُضى الأمر} فرغت من التعبير والحكم، وعلى هذا الوجه قتادة، والضمير فى ظن ليوسف كالذى فى قال، ويجوز كونه لصاحب الشراب، وعليه فيحتمل أنه رجحان، ويحتمل أنه جزم بصدق يوسف، والاحتمالان فى جانب صاحب الشراب، ولو كان تعبير يوسف بوحى لا باجتهاد إن لم يؤمر إلا بعد ذلك، أو قد آمن وضعف إيمانه، أو لم يعلم أنه بالوحى، وذلك الناجى هو صاحب الشراب المذكور.
{اذْكُرنى} اذكر حالى {عِنْد ربِّك} سيدك وهو الملك الأكبر يخلصنى من السجن، وقل له: إن فى السجن غلاما محبوسا ظلما، وفى رواية بعد ذلك طال سجنه، وفى رواية: قل له: إن فى حبسك غلاما عبرانيا منذ خمس سنين ظلما، ونسبة إلى ما هو منه برئ، ويجوز أن يكون المراد اذكر منزلتى فى الحسب والنسب، والعلم والمكانة، أو اذكر هذا وكونى مظلوما إذ سجنت بما أنا برئ منه، فقال صاحب الشراب: إن شاء الله.
{فأنْساهُ الشَّيطانُ} وسوس له بما يشغله حتى يقع فى النسيان، وأما الإنساء ابتداء فلا يقدر عليه إلا الله {ذِكْر ربِّه} أنسى الشيطان ذلك الساقى ذكر يوسف عند ربه، أى سيده، وأضاف الذكر لربه، لأن ذكر يوسف إنما يقع من الساقى عند الملك، والإضافة تصح لأدنى ملابسة، ويجوز أن يقدر مضاف، أى ذكر إخبار ربه بكسر الهمزة، ويجوز أن تعود الهاءان إلى يوسف، فيكون الرب هو الله جل وعلا، أى أنسى الشيطان يوسف أن يذكر الله حين وكَّل أمره إلى غيره، وعليه الأكثر، وفى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا يقل أحدكم عبدى وأمتى وليقل فتاى وفتاتى، ولا يقل المملوك لسيده وسيدته ربى وربتى وليقل سيدى وسيدتى كلهم عبيد والله هو الرب" .
{فَلَبثَ فى السِّجنِ} الفاء سببية، والسبب إنساء الشيطان، والمعطوف عليه قوله: {أنساه الشيطان} أو السبب هو قوله: {للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى} وعليه فالعطف على قوله: {قال} ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله أخى يوسف لو لم يقل اذكرنى عند ربك ما لبث فى السجن ما لبث" وعن ابن عباس: عند يوسف ثلاث عثرات: هم بها فسجن، وقال اذكرنى عند ربك فلبث فى السجن بضع سنين، وقال لإخوته إنكم لسارقون، قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
{بِضْعَ سِنينَ} قال قتادة: يطلق البضع على ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: إلى العشر، وعليه ابن عباس، والمراد هنا سبع سنين لبثها بعد خمس سنين، وذلك اثنتا عشرة سنة، وقيل: إنه ما لبث فى السجن إلا سبع سنين أو أنها البضع، وأن تمامها فى السجن مسبب الإنساء، وعن قوله: اذكرنى، وذلك عقوبة على قوله: اذكرنى.
قال الله تعالى:
{ وتعاونوا على البر والتقوى } وقال عيسى: { من أنصارى إلى الله } وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعانة وتفريج الكرب، ولم يأخذه النوم ليلة، وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد فأخذه النوم، ولو كان الملك كافرا إذ يجوز الاستعانة بالكفار فى دفع المضار، لكن لما كانت مناصب الأنبياء أعظم منصب عند الله سبحانه، كان اللائق بهم أن يتمسكوا بأعلى درجة فى الصبر، وعدم ملاحظة الخلق، ولا سيما أن هذا ملك كافر، فإذا استعان به قال الكفرة لو كان الأمر كما قال لأغناه ربه عن الملك، وكان الحسن إذا قرأها بكى وقال: نحن إذا أنزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
روى أنه لما قال يوسف: {اذكرنى عند ربك} أوحى الله إليه: اتخذت من دونى وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى وقال: يا رب أنسى قلبى كثرة البلوى فقلت ما قلت فويل لإخوتى.
قال فى عرائس القرآن: يحكى أن جبريل عليه السلام دخل عليه فى السجن فعرفه يوسف فقال: يا أخا المنذرين ما لى أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا أطهر الطاهرين يقرئ عليك السلام رب العالمين ويقول لك: أم استحيت منى أن استشفعت بالآدميين، فوعزتى وجلالى لألبثنك فى السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو عنى فى ذلك راض؟ قال: نعم، قال: إذن لا أبالى.
قال كعب: قال جبريل: يقول الله عز وجل: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن رزقك؟ قال: الله، قال: فمن حببك إلى أبيك؟ قال: الله تعالى، قال: فمن آنسك فى البئر؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استغثت بآدمى مثلك؟ فسكت ولم يجبه. انتهى كلام عرائس القرآن.
وروى أنه قال: زلة منى، ولا أعود لمثلها، وفى زهر الأكمام: أوحى الله إلى جبريل عليه السلام: اهبط على عبدى يوسف وعاتبه كيف استشفع بعبد دونى لا يعرفنى، قد وكلته إلى الملك ريان سبع سنين، فهبط ونادى: السلام عليك يا طيب الطيبين، يقرئك السلام رب العالمين ويقول لك: من خلقك ولم تكن شيئا؟ قال: الله، قال: ومن نجى أباك يعقوب من أخيه بعد ما هم بقتله؟ قال: الله، قال: ومن فدى جدك إسماعيل بذبح عظيم؟ قال: الله، قال: ومن نجا جدك إبراهيم من النار وصيرها عليه بردا وسلاما؟ قال: الله، قال: ومن خلصك من أيدى إخوتك إذ هموا بقتلك؟ قال: الله، قال: ومن أخرج من ظلمات الجبّ وحببك للسيارة؟ قال: الله، قال: ومن عطف عليك قلب العزيز حتى آثرك منزلة وسلطانا؟ قال: الله، قال ومن صرف كيد النسوة عنك؟ قال: الله، قال: يا يوسف انظر إلى الأرض، فنظر فسعت الأرضون السبع فرأى تحت الثرى حجرا أبيض، فضربه جبريل فانشق، فخرجت من الحجر دودة صغيرة فى فمها ورقة خضراء، فقال: يا يوسف يقول لك ربك: أنا الذى خلقتها وأوصلت إليها رزقها ولم أنسها، ولا أنس أحدا من خلقى، والكل يسعهم علمى، فكيف أنساك وأنت نبيى، وابن صفيى، وابن ذبيحى، وابن خليلى، حتى تقول لعبد لا يعرفنى ولا يملك لك ولا لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خفضاً ولا رفعا: {اذكرنى عند ربك} بقاؤك فى السجن بعدد حروف كلماتك.
وكان يقف على كوة فى حائط السجن، يرى الناس ويرونه، إذ أتت قافلة من الشام يوما من الأيام، وكان معهم أعرابى معه ناقة من ناحية كنعان يسمى شمردال، فلما رآها يوسف ورأته بركت بإذن الله تعالى تحت الكوة، ونادت بلسان فصيح: يا يوسف أبوك قد نحل من الاشتياق إليك، فبكى ولم يسمع كلامها غيره، فضربها صاحبها فابتلعته الأرض إلى ساقية، فقال له يوسف: دعها يا أعرابى وألق العصى من يدك لئلا تهلك، فألقى العصى فخرج من الأرض، فدنا من الكوة فقال له يوسف: من أين أنت؟ قال: من أرض كنعان؟ فقال: يا أعرابى أقسمت عليك بربك الذى أنشأك هل تعرف بأرض كنعان شجرة باسقة لها اثنا عشر غصنا، فقطع منها غصن واحد فالشجرة تبكى عليه بكاءً شديداً، وكان الغصن الذى قطع منها أحسن أغصانها؟ فبكى الأعرابى، فقال: والله هذه صفة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أو أولاده، فبكى بكاء شديدا.
وقال يوسف: كم نويت أن تربح؟ قال: ما شاء الله تعالى، فرمى إليه سوارا من ياقوته حمراء، وقال خذ هذه فإنه يساوى عشرين ألف دينار، على أنك تؤدى رسالتى إلى تلك الشجرة، وأنت مأجور إن شاء الله تعالى، فإذا وصلت عند بيت الأحزان بأرض كنعان، فاصبر إلى الليل، ثم اقصد ذلك الحزين، وقل له: غريب بمصر محبوس فى السجن يقرئك السلام، فقال له الأعرابى: ما اسمك يا فتى؟ قال: ما أخبرك باسمى.
فركب ناقته وخرج فرحا حتى وصل أرض كنعان، ولما جن الليل أتى منزل يعقوب عليه السلام، ونادى يا آل إبراهيم، فأجابته زينة أخت يوسف عليه السلام: لبيك يا هذا من تكون؟ ومن أين أقبلت؟ قال لها: أين يعقوب؟ قالت: ماذا تريد؟ قال: أنا رسول غلام غريب إليه، فقامت وقعدت ونادت يا والدى وكان واقفا يصلى، فأوجز فى الصلاة، فقال: مالك يا زينة؟ قالت له: يا والدى هذا رسول إليك من بعض الغرباء، فقام فقعد فأخذت بيده حتى خرج إليه.
فقال له: من أين أنت أيها الرسول، فإنى أشم منك ريحا طيبا؟ قال: أنا رسول غلام غريب من شأنه كذا وكذا، فقال له: هل رأيت وجهه؟ قال: لا، ولكن ناجانى من وراء حجاب، فبكى يعقوب عليه السلام وزينة وانتحبا، فقال يعقوب: هل ذكر لك اسمه؟ قال: لا، قال: اسأل حاجتك يا أعرابى؟ قال: مالى حاجة إلى الدنيا، فإن ذلك الغريب أغنانى، فقال: إذن هون الله عليك سكرات الموت.
وفى رواية أن ذلك قبل أن يسجن، وأن زليخا تلبسه الديباج وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد، فإذا فرغ من خدمتها خرج يتحسن الأخبار فبينما هو يمشى يوما فى أزقة مصر إذا بأعرابى راكب على قعود يقول:

حدتُ ربِّى وهو الحميدُ بالحمد يُبْدى وبه يعبد
ليسَ له ندٌّ ولا عنيدٌ يفْعل فى الأشياء ما يريد

فلما سمعه يوسف علمه غريبا فقال: يا أعرابى ما سمعت بهذا الكلام فى هذه البلاد، كأنك لست منها؟ قال: نعم، قال: فمن أين أنت؟ قال: من مراعى آل يعقوب من كنعان، من وادى الأردن، فلما سمع يوسف باسم يعقوب صاح وصعق، فرق له الأعرابى ونزل عن قعوده، ومسح العرق عن وجهه ورأسه، فى حجره، فقال: مالك يا غلام؟ فقال ذكرت بلادا أودعتنى، وإلى الغربة رمتنى، فهل تعرف الشيخ يعقوب؟ قال: ومن لا يعرفه، وهو نبى الله، ابن ذبيح الله، ابن خليل الله، به نتوسل إلى ربنا، وبحرمته نستسقى إذا قحطنا.
قال: فأسلك بالله إلا أخبرتنى كيف تركته؟ قال: تركته وقد انحنى صلبه، وتقوس ظهره، وتضعضع ركنه، وكابده الشيب قبل أوانه، وترك أهله، وهجر أولاده، وبنى على تل كنعان بيتا يسمى بيت الأحزان، يبكى فيه وينوح على قرة عين له يسمى يوسف، اختلس من بين يديه.
فزاد يوسف بكاء وقال: ليت أمى لم تلدنى، وليت السباع أكلت لحمى ولم يصب حبيبى ذلك من أجلى، فبكى الأعرابى معه، فقال يوسف: إنى محملك رسالة البركة والدعوة والأمانة، أما الأمانة فتؤديها إلى يعقوب دون غيره، وأما البركة فتصيبك بركة آل يعقوب، وأما الدعوة فأدعو الله أن يكثر مالك وولدك، ويطيل عمرك,
قال: فاذكرها إذن، فقال: إذا وصلت كنعان وقد سألت الله أن يبلغك سالما فأت باب يعقوب إذا ذهب هون من الليل، وجاء وقت قيام الأنبياء لرب الأرض والسماء، فقف واستمع صوت يعقوب ومناجاته وتسبيحه ودعاءه وبكاءه، فناد بأعلى صوتك وقل: السلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم، الذى بيع بيع العبيد، وصير حيرانا طريدا، ويقول لك: إنى حرمت على نفسى النوم على فراش وطئ والتوسد حتى ألقاك، فكن أنت كذلك فقال الأعرابى، سبحان الله، من يطيق تأدية هذه الرسالة، قال: من يريد الأجرة والبركة.
فركب الأعرابى قعوده، ووصل كنعان ليلا، ففرح أهله وحط رحله، فقالوا له: انزل، فقال: لا والله لا رأيت أحدا منكم، ولا عملت عملا حتى أؤدى رسالة المغموم إلى المكظوم، فأتى البيت ينتظر الوقت، فلما سمع حركته وبكاءه، رفع صوته ونادى:السلام عليك أيها المكظوم، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم.
ولما سمعت زينة ذلك قالت: له يا هذا، فإنى أخشى أن ينفطر قلبه، فإن كنت حملت رسالة فأدها إلىَّ أؤدها إليه فى وقت غير هذا، قال: والله لا أؤديها إلا لمن أرسلت إليه، وكانت أختا ليوسف من أبيه، وقد بنت بحذاء بيت يعقوب بيتا، وحلفت لا تضحك حتى تراه يضحك، فتقدمت إلى الباب ونادت: السلام عليك يا أبت، فقال: وعليك السلام يا بنيتى ما الذى جاء بك فى هذا الوقت؟ قالت: البشارة، قال: أما المال فلا حاجة لى إليه، وأما الأولاد فلا سبيل لى إليهم ولا حاجة، قالت: بل البشارة بقرة عينك، وحبيب قلبك، قال: يوسف؟ قالت: نعم، فقام يخرج يسقط ويقوم يبادر الباب، فوصل الباب وصعق كأنه ميت، ولما أفاق أدى الأعرابى الرسالة على نحو ما تقدم.
فقال له يعقوب: صفه لى يا أعرابى، فوصفه كما هو، ولم يذكر الخال الذى على خده، وقال: ولِمَ لم تذكره؟ قال: قال لى: إن سألك عنه فقل محنه كثرة البكاء، فقال: وأنا أيضا ذهبت عيناى لكثرة البكاء عليه، ثم قال: يا أعرابى لا أجد ما أكافئك به، فهل أبصرته بعينك؟ قال: نعم، قال: فقدمهما إلى أقبلهما، وقبلهما وقال: لا تأكل النار عينا رأته، سل ما شئت من أمر الدنيا والآخرة أجمعهما إليك، قال: يا نبى الله سل الله أن يهين على سكرات الموت، وأن يجعلنى رفيقك فى الجنة، وأن يكثر مالى وولدى، فإن بنى عمرى يعايروننى بالفقر.
فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال: اللهم إن كنت رحمت لى عبرة، وأجبت لى دعوة، فاجعل هذا الأعرابى رفيقى فى الجنة، وهوِّن عليه سكرات الموت، وكثر ماله وولده.
ولما تم ما قضى الله أن يلبث يوسف فى السجن سجد وقال فى سجوده إلهى خلصنى من السجن، فكان يدعو والملك يرى ما ذكره الله عز وجل من أمر البقرات والسنبلات، وكانت رؤيا سبب لخروج يوسف من السجن.
وروى أن الله جل جلاله أرسل جبريل إلى يوسف على هيئة جميلة، ووقف على باب بيته وسلم عليه، فرد يوسف السلام، وجعل ينظر إليه وتعجب من حسنه، وأنكر أن يكون مثله فى السجن، فقال: هل تعرفنى أيها الصديق؟ قال: يوسف صوت شيخ، وريح طيب لا يشبه ريح الخاطئين فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا أخوك جبريل، قال: كيف أنت يا أطيب الطيبين، ورأس المقربين؟ فقال له: أبشر فقد جعلك الله رأس الصديقين، وعدك مع آبائك المخلصين، وأوجب لك جزاء الصابرين، لأنه لم يغيرك ما جرى عليك عن أمر الله ولم تطأ فراش سيدك فى طاعة ربك، وأن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول: كيف حالك وهو أعلم بحالك منك؟ فقال: لربى الحمد على كل حال، وهل لك علم بأبى؟ قال: وهبه الله تعالى الصبر الجميل، وقد عدل حزنه حزن مائة ثكلى، وصبره ما استوجب به أجر مائة شهيد، لأن الله جل جلاله كتم أمرك عليه، ولم يدر أحى فيرجوك، أو ميت فيحتسبك، وذلك ليعظم أجره، وهذا هو الوقت الذى يظهرك فيه الله، ويجعلك لك اليد العليا على إخوتك وغيرهم، ويصدق رؤياك.
وسبب ذلك أن الملك ريان بن الوليد، يرى الليلة كذا وكذا، وتأويلها كذا وكذا، ثم خرج وتركه، ولما جن الليل، وذهب ثلثاه، نام ريان وحاجبه ومضحكه وساقيه ومسامره، وطائفة من عظماء دولته، وانتبه الملك ريان فزعا، فقال هؤلاء: ما الذى أفزعك أيها الملك جعلنا الله فداءك؟ فقال: على بعلماء قومى ومنجميهم وكهنتهم، والعقلاء منهم، فإنى رأيت رؤيا افزعتى أعلم بأن لله شأنا، وأنى على رجل منها، فأشفقوا له وأسرعوا فى إحضار هؤلاء، فقال لهم ما حكى الله عز وجل بقوله: {وقالَ الملكُ...}