خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٢
-إبراهيم

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وَقَالَ الشَّيْطَٰنُ} إِبليس خطيبا فى أشقياء الإِنس والجن قيل يسمع خطبته كل أحد {لَمَّا قُضِىَ الأَمْرُ} فرغ منه بأن دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة وقد اجتمع بالأَشقياء فى النار روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أنه يقوم بهذه الأَلفاظ التى ذكر الله سبحانه عنه خطيبا فى النار على أهلها عدد قولهم ما لنا من محيص" ، وظاهر رواية عقبة بن عامر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال "يقوم يوم القيامة خطيبان أحدهما إِبليس يقوم فى الكفرة بهذه الأَلفاظ والثانى عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ يقوم بقوله ما قلت لهم إِلا ما أمرتنى به" الآية إِنه يقول تلك الأَلفاظ قبل دخول النار ويجمع بينهما بأَن المراد بيوم القيامة ما يعم قبل الدخول وما بعده وزعم مقاتل أنه يوضع منبر فيجتمع له أهل النار فيقول ما ذكر الله جل وعلا عنه بقوله {إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} وعدا صادقا حقيقا بالوفاء وهو الوعد بالبعث والجزاء فيوفى به {وَوَعَدتُّكُمْ} وعدا باطلا كاذبا وهو أن لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار وإِن كانا شفعت لكم الأَصنام {فَأَخْلَفْتُكُمْ} سمى ظهور خلاف ما وعدهم اختلافا منه على طريق التجوز أو أرهم فى هذا الوقت أنه فى وقت الوعد فمعتقد للوفاء وقادر عليه لكنه أخلفهم وهذا على طريق الكذب فإِنه فى وقت الوعد عالم بأَنه لا طاقة له بالوفاء {وَمَا كَانَ لِىَ} وفتح الياء حفص {عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ} قوة قهرتكم بها على الكفر والمعاصى كالعصى والسيف والإِحراق والسجن فالاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} منقطع وإِن مصدرية أى الادعاء فى إِياكم أو الكفر والمعاصى بالوسوسة والتزيين ويجوز أن يكون متصلا بطريق الادعاء وإِن دعاءك إِياه جملة فى مكان السلطان وكأَنه من جنسه أى إِن كان الدعاء من جنس السلطان فقد اقتصرت عليه كقولك قرى الكافر رمح وتحيته ضرب عنقه بالسيف والأول أظهر فكأَنه قال لكن دعوتكم إلى الكفر والمعاصى {فَاسْتَجَبْتُمْ} أجبتم {لِى} دعائى قبل أن تنظروا فى دلائل الرسل بلا مهلة {فَلاَ تَلُومُونِى} على دعائى إِياكم فإِن من أظهر العداوة لا يلام على مثل ذلك وقرئ فلا يلومونى بالتحتية على طريق الالتفات من الخطاب للغيبة {وَلُومُوا أنفُسَكُم} إِذا اتبعتمونى تقليدا أو عصيتم ربكم مع دلائله وبراهينه والحق عندنا معشر الاّباضية والشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى مكسوبة لنا فمن حيث أنها مكسوبة لنا قال إِبليس ـ لعنه الله تعالى ـ للأشقياء لوموا أنفسكم أى إذ كسبتم باختياركم ما يوجب الشقاوة فبكل قول المعتزلة أن الآية دليل على أن العبد مستقل بأَفعاله وليس قولنا بأَنها مخلوقة لله تعالى قولا بالجبر، بل هى كسب لنا وليس كلام الزمخشرى نصا فى الاستقلال فإِن حاصله أن الإِنسان يختار الشقاوة والسعادة ويحصلها لنفسه أى يختار موجبها ويحصله وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين وأنه لو كان مجتبرا لقال فلا تلومونى ولأنفسكم فإِن الله قضى عليكم الكفر، وأجبركم عليه وأنه لو كان قول الشيطان فى ذلك باطلا لبينه الله تعالى وأنكره بل لا طائل له فى النطق بالباطل فى ذلك المقام ألا تروا أنه حذف فى قوله أن الله وعدكم وعد الحق الخ انتهى بل يحتمل مذهبنا {مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} مغيثكم من العذاب {وَمَآ أنتُم بِمُصْرِخِىَّ} قال أبو عمرو الدانى قول حمزة بكسر الباء وهو لغة حكاها الفراء وقطرب وأجاز عمرو والباقون بفتحها انتهى وكذا قال أبو حيان: أنه لغة وبها قرأ يحيى بن وثاب والأَعمش، ووجه الكسر أنه قدر أن باء الإضافة ساكنة وقبلها ياء الجمع ساكنة فكسر ياء الإِضافة على أصل التخلص من التقاء الساكنين وذلك ضعيف لأَن حركة ياء الإِضافة الفتح ولو بعد الأَلف على الأَفصح فكيف بعد الباء والاجتماع ياءين وثلاث كسرات وليس الساكن الذى هو حرف صحيح واقع قبل ياء الإضافة بأَولى من ياء ساكنة قبلها فى ذلك فضلا عما قد يقال إن الباء الأُولى جارية مجرى الجر والصحيح الساكن لإِدغامها فساغ كسر الياء بعدها على الأَصل، ويجوز أن يكون ذلك على لغة من يزيد ياء بعد ياء الإِضافة فحذفت لئلا تجتمع ثلاث ياءات ودلت عليها الكسر كما تزاد ياء بعد كاف المؤنث وتاء وألف بعد كاف المذكر فى لغة {إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} ما مصدرية ومن متعلقة بأَشرك أى كفرت بإِشراككم إِياى بالله فى الطاعة من قبل هذا اليوم فى الدنيا ومعنى الكفر بإِشراكهم التبرؤ منه واستنكاره أو ما اسم موصول مستعمل للعالم كما قيل فى والسماء وما بناها ومن متعلقه بكفر أى كفرت بالله الذى أشركتمونيه بطاعتكم إِياى فيما أدعوكم إِليه من عبادة غير الله من قبل إِشراككم حين أمرنى بالسجود لآدم فامتنعت، وعليه فالرابط محذوف هو هاء كما رأيت وتعدى أشرك لاثنين بإِدخال همزة التعدية، تقول شرك زيد خالدا وأشركته إِياى أى جعلته شريكا له وأثبت أبو عمرو الياء فى أشركتمونى فى الوصل {إِنَّ الظَّالِمِينَ} المشركين والمنافقين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} هذا من كلام الله جل جلاله ويحتمل أن يكون تتمة لكلام اللعين إبليس وإِنما حكى الله سبحانه وتعالى كلامه الذى سيقوله لتقشعر عنه قلوب الناس فيستعدوا لذلك الوقت ويحاسبوا أنفسهم. روى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "أنه إِذا فرغ الله من القضاء بين الخلق قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا إِلى ربنا قالوا انطلقوا إِلى آدم فذكر أن كل من آتوه من الأَنبياء ردهم للآخر قال ويأتون عيسى فيقول أدلكم على النبى الأُمى فيأتونى فيأذن الله لى أفأثنى عليه فأَقوم فيفور من مجلسى أطيب ريح شمها أحد وأسأَل ربى الشفاعة فيشفعنى ويجعل لى نورا من شعر رأسى إِلى ظهر قدمى ويقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إِلا إبليس هو الذى أضلنا فيَأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من شفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم تعظم جهنم ويقول عند ذلك إن الله وعدكم وعد الحق" الآية ذكره الشيخ هود ـرحمه الله ـ مبسوطا بلا مسند وذكره البغوى بسند عن عقبة بن عامر ويأتى كلام فى ذلك إِن شاء الله فى تفسير المقام المحمود.