خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١٢٤
-النحل

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ} وقرئ بالبناء للفاعل وهو الله سبحانه، ونصب السبت وقرأ ابن مسعود إِنا أنزلنا السبت، {عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} أى إِنما جعل الله وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه بأَن أحل الصيد فيه تارة وحرموه أُخرى وكان الواجب عليهم أن يتفقوا فى تحريمه على كلمة واحدة بعد ما حتم عليهم الصبر عن الصيد ـ فيه وتعظيمه، وذلك أن الله أوجب على اليهود الصبر عن الصيد فيه وتعظيمه على لسان موسى فاحتالوا للصيد فكان بعض يقول إِنما نهينا عن أكله فكانوا يصيدون ولا يأْكلون إِلا بعد السبت وبعض يقول؛ إِنما نهينا عن أخذه فكانوا يتخذون حياضاً على الساحل يجتمع فيه يوم السبت فيأْخذونه بعده وبعض لا يصيد فيه فمسخ الذين يصصادون قردة وخنازير فى زمان داود، وقيل إِن الله تعالى أمرهم أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأَبوا إِلا طائفة منهم، فقالوا نريد يوم السبت، لأَنه سبحانه فرغ فيه من خلق السماوات والأَرض فألزمهم الله السبت وشدد الأَمر عليهم فذلك هو اختلافهم على نبيهم موسى، وقيل إِن موسى هو المعين لهم يوم الجمعة فبدلوه بالسبت إِلا قليلا فهم راضون بالجمعة فأَذن لهم فى السبت فشدد عليهم بتحريم الصيد فيه فرضى به الراضون بالجمعة فلم يصيدوا وكذا المختارون للسبت ثم جاءت أعقابهم فصادوا فمسخوا، وقيل اصطاد أيضاً مختار السبت، وقيل لما رضى القليل بالجمعة راجعهم الجمهور فاتبعوهم فى اختيار السبت وعن الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس أن موسى أمرهم بتعظيم الجمعة والتفرغ فيه عن الأَشغال للعبادة فأَبوا إِلا السبت، ثم جاء عيسى عليه السلام بيوم الجمعة، فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم عيدنا، فاتخذوا الأَحد فأعطى الله تبارك وتعالى هذه الأُمة الجمعة فقبلوها، فبورك لهم فيها. قال الربيع بن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر ابن زيد عن أبى هريرة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "نحن الأَولون والآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم هذا يومهم الذى فرض عليهم فاختلفوا فيه فهداه الله إِليه والناس فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد" ، ومثله للبخارى ومسلم والظاهر أن الاختلاف المذكور فى الحديث هو الذى فى الآية، وقيل الذى فيها بين اليهود، والذى فى الحديث بين اليهود والنصارى وفى رواية لمسلم "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة" وفى رواية له أيضاً، "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا وكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأَحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأَحد ولذلك هم لنا تبع يوم القيامة نحن الآخرون فى الدنيا الأَولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق" ، وهذه رواية له عن حذيفة وفيها تفسير التأْخير والسبق وذكر ابن حجر "أننا أول من يحشر ويحاسب ويقضى بينهم ويدخل الجنة، وآخر الأُمم وجوداً فى الدنيا" . قال النووى الآخرون وجوداً السابقون للفضل ودخول الجنة وبيد بفتح الموحدة وإِسكان الياء بمعنى غير منصوبة على الاستثناء من باب تأْكيد المدح بما يشبه الذم ووجه التأكيد ما أدمج فيه من معنى النسخ لأَن الناسخ هو السابق فى الفضل وإِن تأَخر فى الوجود وكون بيد بمعنى غير هو مذهب الخليل بن أحمدرحمه الله وجماعة من أهل اللغة. وقال المازنى حرف جر وتعليل، وبه قال الشافعى واستبعده عياض ولا يعد فيه بل المعنى سبقنا للفضل إِذ هدينا للجمعة مع تأَخرنا فى الزمان بسبب أنهم ظلوا عنها مع تقدمهم وتدل له رواية أبى صالح عن أبى هريرة "نحن الآخرون فى الدنيا ونحن أول من يدخل الجنة لأَنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" ، وقيل بمعنى على، وقيل بمعنى مع فهو منصوب على الظرفية والكتاب الجنس فهو التوراة والإِنجيل فى جنب اليهود والنصارى، والقرآن فى جنبنا. قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه فتركوه لأَنه لا يجوز لأَحد أن يترك ما فرض الله وهو مؤمن بل فرض عليهم يوم يقيمون فيه دينهم ووكل إِلى اختيارهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة، واختاره عياض وقواه بأَنه لو فرض بعينه لقيل فخالفوا بدل فاختلفوا، قال: وفرض الله تبارك وتعالى على هذه الأُمة معيناً ففازوا بفضيلته وأُجيب بأَنه قيل اختلفوا لأَنهم أمروا به معيناً فاختلفوا هل يجب إِبقاؤه أو يجوز إِبداله واختلفوا فيه فبعض عصى فاصطاد وبعض أطاع وذلك اختلاف على نبيهم موسى عليه السلام قال: الفخر اتفقت اليهود على أن المأْمور به هو السبت وإِنما اختلفوا فيما ذكر، وقيل إِن الاختلاف هو قول بعض اليهود أن السبت أعظم الأَيام حرمة لأَنه يلى يوم الفراغ من خلق الأَشياء، وقول بعض اليهود إِن الأَحد أعظم، لأَن الله تبارك وتعالى ابتدأ الخلق فيه، ورد بأَن الأَحد إِنما اختاره النصارى بعدهم بزمان طويل، ويدل على التعيين رواية الكلبى السابقة، ورواية أن الله فرض على اليهود الجمعة فأَبوا وقالوا: يا موسى إِن الله لم يخلق يوم السبت شيئاً فجعله لنا فجعل عليهم وليس ذلك بأَعجب من مخالفتهم لمثل قوله تعالى { وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة } وغير ذلك وهم القائلون سمعنا وعصينا وما تقدم من أن الجمعة عينت لنا لا ينافى ما روى أن الأَنصار قالوا: هلم نجعل لنا يوماً للعبادة كما جعلت اليهود السبت والنصارى الأحد فاجعلوه الجمعة فاجتمعوا إِلى سعد بن زرارة فصلى بهم وذلك قبل قدوم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة لأَنه لا مانع من أن يكون ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوحى وهو بمكة ولم يتمكن من إِقامتها ولما قدم المدينة صلاها فتحصل الهداية بالبيان وبالاختيار، وقد نزل: إِذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ـ الآية، قيل الحكمة فى اختيارهم الجمعة خلق آدم عليه السلام فيها والإِنسان إِنما خلق للعبادة فناسب أن يشتغلوا فيه بالعبادة وأن الله جل جلاله أكمل فيه الموجودات وأوجد فيه الإِنسان الذى ينتفع بها فناسب أن يشكر بالعبادة فيه على ذلك وحصول الكمال يوجب الفرح والسرور ولأن آدم وذريته أفضل المخلوقات وقد خلق فيه ولأَنه تاب عليه فيه لأَن الله جل جلاله أعطاه لنا فكان ما أعطاه أفضل مما اختاره البشر وقيل بعث موسى بتعظيم السبت ثم نسخ بالأَحد ثم نسخ الأَحد بالجمعة فهى أفضل الأَيام كما أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته أفضل الأَنبياء والأُمم والسبت آخر الأسبوع والأَربعاء رابعه وقيل السبت أوله والأَربعاء خامسه وعليه الأكثر والشافعية وهو الذى صح به الخبر فيما قيل. قال السهيلى: لم يقل إِن أوله الأَحد إِلا ابن جرير، روى مسلم عن أبى هريرة: أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيدى فقال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكر يوم الثلاثاء وخلق النور الأَربعاء وبث الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة فى آخر الخلق فى آخر ساعة من النهار" ولذا صوب السهيلى وابن عساكر والإِسنوى أن أوله السبت، وقال النووى: فى يوم الأثنين أسمى به لأَنه ثانى الأَيام وهو يقتضى أن أوله الأََحد وبه قال القفال. والخبر السابق تفرد به مسلم وقد جعله البخارى وغيره من كلام كعب وإِنما سمعه أبو هريرة منه واشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا وأُجيب بأَن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ولا حجة فى اشتقاق الأَحد من الواحد هكذا لأَن هذه التسمية لم تثبت بأَمر من الله ولا من رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلعل اليهود وضعوها على مذهبهم فأَخذتها العرب منهم ولم يرد فى القرآن إِلا الجمعة والسبت وليسا من أسماء العدد بل لو ثبتت هذه التسمية لم يكن فيها دليل إِلا أن العرب تسمى خامس العدد أربعا، وهكذا. ومن ذلك قال ابن عباس: يوم عاشوراء تاسع المحرم وتاسوعا ثامنه وهكذا وخلق الله جل وعلا آدم بعد الفراغ من الخلق إِشارة لكونها خلقت لمصالحه ومصالح بنيه، {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمد، {لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر السبت بإِثباته الطائع وتعذيب العاصى المنتهك لحرمة السبت.