خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
٤٤
-الإسراء

هميان الزاد إلى دار المعاد

{تُسبِّحُ لَهُ السَّمَٰوَاتُ السَّبْعُ والأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} عن الشركة والحدوث وتوابع ذلك والمراد بمن فيهن الملائكة والإِنس والجن ويحتمل أن يراد به من ذكره وغيره تغليباً للعاقل، ويحتمل أن يكون المراد يسبح له من فى السماوات والأَرض، فأَسند التسبيح إِلى السماوات والأَرض أيضاً أولا للمبالغة لا حقيقة ويدخلن بالحقيقة فيما بعد كما إِذا بالغت فى حب علم زيد قلت: أحب زيداً وعلمه وأنت تريد أحب علمه. {وَإِن مِّن شَئٍْ} إِن نافية ومن صلة للتأْكيد وهذا تعميم بعد تخصيص فإِن الشئ يشمل ذلك كله وغيره كسائر الأَرضين وما تحتهن والعرش والكرسى وغير ذلك ويحتمل أن يراد بالأَرض جنس الأَرض، فتشمل سبع الأَرضين ويحتمل أن يراد بالشئ خصوص غير ما ذكر قبله {إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} ينزه الله ملتبساً بحمده عن الشركة والحدوث وجواز الوجود، والمراد التسبيح بلسان الحال فى حق العاقل وغيره من الحيوان والجماد كالسماوات والأَرض والجبال والشجر فإِن كل شئ يدل بكونه ممكناً وحادثاً ومتغيراً ومركبا وعاجزاً على الخالق القديم الواجب الوجود. قال الأَندلسى المذكور آنفاً:

وفى كل معبود سواك دلائل من الصنع تنبى أنه لك عابد

ويجوز أن يكون المراد التسبيح بالنطق والصوت فإِن غير الحيوان قد يخرج منه صوت أو كلام إِذا أراد الله، وقد يخرج منه بالتقائه مع غيره كحجر مع آخر وصرير الباب ونقيض السقف، فانظر الريح كيف يصوت، وذلك كله تسبيح، ويمكن أن تتكلم الأَشياء ولا يسمعها أحد. قال ابن مسعود: لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وروى جابر بن سمرة عنه - صلى الله عليه وسلم - أن بمكة حجراً كان يسلم على ليالى بعثت إِنى لأَعرفه الآن. رواه مسلم، قال على كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فخرجنا إِلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إِلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله، أخرجه الترمذى، وقال: حديث غريب. وروى البخارى "عن جابر بن عبد الله كان فى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جذع فى قبلته يقوم إِليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليه" ، وفى رواية "صاحت النخلة صياح الصبى فنزل النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى أخذها فضمها فجعلت تئِن أنين الصبى الذى يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر وقد تكلم البعير والظبى وغير ذلك" مما يطول عده واختار بعضهم هذا وضعف الأَول، وأما الحمل على تسبيح اللسان النطق فيما له لسان، وتسبيح لسان الحال فيما لا لسان له، فإِنما هو على جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وأجاز بعض أيضاً استعمال الكلمة فى معنييها الحقيقيين ويجوز أن يراد بالتسبيح مطلق التعظيم والخضوع واختار بعضهم الأَول واعلم أن الآية عمت أن الأَشياء كلها تسبح، وهنا بحثان الأَول: التحقيق عندى أن تسبيحها قد يتفق وقد يختلف وأخذ بعض بظاهر اللفظ، فقال إِنها تقول سبحان الله وبحمده، وليس كذلك فإِن الآية أفادت أن الأَشياء تنزه الله سبحانه وتعالى وتحمده فتصدق على التنزيه بأَى لفظ كان وعلى الحمد بأَى لفظ كان، الثانى: أن الأَشياء كلها تسبح على الإِطلاق كما هو ظاهر الآية، وقال الشيخ هودرحمه الله عن الحسن: إِن الجبال يسبحن فإِذا قطع منها شئ لم يسبح المقطوع وكذلك الشجرة ما قطع منها لم يسبح، وزعم بعض أن التراب يسبح فإِذا ابتل لم يسبح، وإِن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإِذا رفعت تركت التسبيح، وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإِذا سقطت تركت التسبيح، وإن الماء يسبح ما دام جارياً فإِذا ركد ترك التسبيح وأن الثوب يسبح ما دام جديداً فإِن توسخ ترك التسبيح، وإن الطير والوحش تسبح فإِذا سكنت تركت التسبيح. وقرئ تسبح بحمده بالتاء الفوقية بتأْويل الجماعة لأَن شيئاً نكرة فى سياق النفى بمعنى جماعة الأَشياء، وقرأ الكسائى وحمزة وأبو عمرو بذلك. {وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ} لا تعلمون أيها المشركون أو لا تفهمون. {تَسْبِيحَهُمْ} لإِخلالكم بالنظر الصحيح وإِنما يفهمه من ينظر نظراً صحيحاً يتطلب به الحق وتبعه، أو لا تفهمون أيها الناس مطلقاً تسبيحهم لأَنه بغير لغتكم وهذا هو الذى يظهر لى وأقول به ويبحث على الوجه الأَول بناء على أن التسبيح بلسان الحال كيف لا يفقه المشركون تسبيحهم وهم إِذا سئلوا من خلق السماوات والأَرض. قالوا: الله، ويجاب بأَنهم لما وصفوه تعالى بصفات الخلق وجعلوا له شركاء صاروا كأنهم لم يفقهوا التسبيح، وقوله ولكن لا تفقهون تسبيحهم يقوى أن المراد بشئ فى قوله عز وجل: وإن من شئ، خصوص الأَشياء التى لا لسان لها والتى لها لسان لا يعلم ما تقول به والهاء عائدة إِلى شئ ولك عودها إِلى الشئ مع السماوات والأَرض ولك عودها إِلى ذلك كله ومن علم أن المراد تسبيح لسان الحال {إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً} لا يعاجلكم بالعقوبة على شرككم وغفلتكم عن أمر التسبيح {غَفُوراً} لمن تاب.