خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
-الكهف

هميان الزاد إلى دار المعاد

{مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} صلة فى المبتدأ للتأكيد، جملة مستأنفة ردا عليهم لا نعت لولد لا أنهم لا يقولون ما لهم به من علم ولا لآبائهم ويقولون ما لنا به من علم ولا لآبائنا إلا أن يقال: إنه نعت بحسب ما فى نفس الأمر لا باعتبار معتقدهم وهو يفيد منه منطق بعلم وقدم على المصدر لأنه ظرف ولأن العلم ولو كان مصدرا لكنه لا يكون المعنى هنا على انحلاله إلى فعل وحرف مصدر والهاء فى به عائدة إلى الولد أو إلى الاتخاذ الذى أشعر به اتخذ أو إلى القول الذى أشعر به قالوا وعلى هذين الوجهين الأخيرين لا يصح النعت قطعا.
وإن قلت: إنما بقى العلم بشئ إذا كان الشئ موجوداً فكيف يقال ما لهم علم بالولد أو باتخاذ الله الولد وهو منزه عن الولد واتخاذه.
قلت: أراد - والله أعلم - بنفى العلم بالولد أو باتخاذه نفى الولد أو اتخاذه نفيا للعلم بانتفاء متعلقه فإِنه إِذا لم يكن ما يتعلق به العلم فالعلم غير موجود وذلك أيضاً نفى للملزوم بنفى لازمه أو نفى لسبب ينفى مسببه فنفى الولد أو اتخاذه وهما ملزومان وسببان ينفى اللازم والمسبب وهما العلم بهما فإن وجود الشئ سبب وملزوم فى الجملة للعلم به والعلم ينفى لعدم إدراك الموجود وينفى لعدم ما يتعلق به الإدراك سواء لم يوجد ووجوده محال كما هنا أو لم يوجد ووجوده ممكن.
وإنما قالوا ذلك لعظم جهلهم وتوهمهم الكاذب أو لتقليد آبائهم فى قولهم: إن الله والد أو أنه متبن تعالى عن ذلك، وذلك لا يصح فى الشرع ولا يسوغ فى العقل أو التقليد لآبائهم من غير علم بالمعنى الذى أراده آباؤهم فإن آباءهم كانوا يطلقون الأب والابن المؤثر والأثر وتوهموا أن المراد الأب والابن الحقيقيان وقد استفرغت الوسع والحمد لله فظهر لى أنه لا يجوز لأحد أن يتلفظ بلفظ يوهم شركا أو نفاقا أو معصية ولو صح اعتقاده وكان حقًّا مخالفاً للفظه لأنه لفظ سوء يوهم الباطل ويسئ اعتقاد السامع ويكون داعية إلى ما لا يجوز وذلك كالوقف اختياراً حيث قام مانع شرعى.
{وَلاَ لآِبَائِهِمْ} فإنه لا علم لآبائهم فى الولد ولا فى اتخاذه ولا فى تبنيه لعدم وجود ذلك ولا فى إِطلاق لفظ الأب على الله بمعنى المؤثر لعدم جوازه.
{كَبُرَتْ} أى عظمت وفاعله مستتر يعود إلى مبهم فى اللفظ هو فى نفس الأمر مقالتهم المذكورة مفسر بالتمييز وهو قوله:
{كلِمَةً} والمخصوص بالذم محذوف يقدر بعد قوله من أفواههم أى مقالتهم أو هى وذلك أنه استعمل كبر هنا من باب نعم وبئس والقرينة أن المقام مقام استعظام لأم مقالتهم هذه عظيمة فى القبح والكفر لأن فيها تشبيهاً من حيث التحديد وإيهام احتياجه تعالى إلى ما يحتاجه الإنسان من الولد كإِعانة وتخلفه بعده وغير ذلك مما هو فى حق الله تعالى شرك وضلال. وباب نعم وبئس وباب التعجب من واد واحد فى الاستعظام ولم يخل باب نعم وبئس من تعجب ففى الآية تعجيب.
وقرئ بإسكان باء كبرت مع إشمام الضم لها ويجوز عود ضمير كبرت إلى جملة اتخذ الله أى كبرت هذه الجملة أو هذه الكلمة كما تسمى الجملتان والجمل الكثيرة كلمة.
وقرئ برفع كلمة على الفاعلية وقراءة النصب أقوى وأبلغ لأنها أظهر فى باب نعم وبئس والتعجب.
{تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} نعت لكلمة مفيد لكلمة زيادة استعظام كأنه قيل هب أن مضمونها قد انطوت عليه قلوبهم فكيف أطاقوا النطق بها واجتر مخارجها. وقيل: هذه الجملة نعت للمخصوص بالذم على أنه يقدر هنا نكرة قبل هذه الجملة.
{إِنْ يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً} أى ما قولهم ذلك إلا كذب فالمضمر إضافى منظور فيه إلى قولهم اتخذ الله ولداً أى ما قولهم هذا إلا باطل وإلا فقد يصدر منهم الصدق وقد يصدر الكذب فى سائر كلامهم. وفى الآية دليل على أن الكذب الإخبار بخلاف الواقع ولو لم يعلم المخبر أنه خلاف الواقع لأنهم أو أكثرهم يقولون اتخذ الله ولدا ولا يعلمون أن اتخاذه الولد غير واقع وسمى الله قولهم مع ذلك كذبا وأصل الكذب انصراف إلى غير مدلول اللفظ أو غير ظاهر العمل والكذب مصدر أو وصف لمحذوف أى مقولا كذبا كقوله عز وعلا
{ بدم كذب } }.