خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٧٤
-البقرة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ثُمّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ}: عطف على محذوف، أى فعقلتم ثم قست قلوبكم، أو فتذكرتم ثم قست قلوبكم، أو لنتم ثم قست قلوبكم أيها اليهود، ومعنى قسوتها امتناعها عن قبول الحق، شبّه عدم تأثير الحق فيها بعدم تأثير الغمز فى الأجسام الصلبة كالحجر والحديد، أو شبه قلوبهم بالأجسام الصلبة، ففى ذلك استعراة بالكناية رمز إليها بقست، أو شبه عدم قبول الحق بقسوة الأجسام الصلبة، فالاستعارة تصريحية تبعية، أو شبه توجيه الحق إلى قلوبهم وامتناعها عن قبولها بتوجيه نحو الغمز إلى الأجسام الصلبة وعدم تأثيره فيها، فهى استعارة تمثيلية تبعية، ولاعتبار الاستعارة بأوجهها حسن التفريع بقوله فهى كالحجارة، ولك أن تعتبر التعقل الصادر منهم أو التذكر أو اللين الصادر منهم كلا تعقل أو تذكر أو لين لعدم كماله ورسوخه، فتكون ثم لغير التراخى فى الزمان بلا لاستبعاد قسوة القلوب بعد تلك الآيات العظام، فإن نور العقل يستبعدها وتكون عنده مستحيلة، فيجوز العطف بثم على المحذوف الآخر، وهو قولنا فحيى أو على يريكم وما ذكرته أولا أولى، ويدل له قول قتادة وغيره المراد قلوب بنى إسرائيل جميعاً فى معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك، وكذا يدل له قوله: {من بعد ذلك} فإن ذلك يناسب كونها للتراخى فى الزمان على الأصل فيها.
{مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: المذكور فى إحياء القتيل أو المذكور من إحياء القتيل وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ورفع الجبل، وفرق البحر، ونحو ذلك فإن كل واحد من ذلك مما يوجب الأيمان ولين القلب والعمل بالشرع.
{فَهِىَ}: أى قلوبهم.
{كَالْحِجَارَةِ}: فى قسوتها.
{أَوْ أَشَدُّ}: منها فحذفه لدليل كقولك عمروٌ وكريمٌ وزيدٌ أكرم أى منه.
{قَسْوَةً}: أى أو زائدة على الحجارة فى القسوة، وقسوة تمييز، ويجوز أن يكون المعنى أنها مثل الحجارة أو مثل ما هو أشد من الحجارة وهو الحديد مثلا، ووجه التوصل إلى هذا الوجه أن تجعل الكاف اسماً ظاهراً فى محل رفع لا حرفاً، والحجارة مضاف إليها وأشد بالرفع معطوفاً على الكاف على حذف مضاف، أى أو كأشد فالكاف معطوفة على الكاف، وأشد مضاف إليهِ فلما حذف المضاف وهو الكاف الثانية ناب عنه المضاف إليه وهو أشد فارتفع وهذا على إجارة مجئ الكاف اسماً فى السعة، وإن تجعل أشد معطوفاً على ثابتة المقدر قبل الكاف أو على كالحجارة النائب عنهُ على مقدر مضاف، أى أو مثل أشد منها، ويدل على المعنى الثانى وهو أنها كالحجارة، أو مثل ما هو أشد بوجهى التوصل إليه. قرأه الحسن البصرى والأعمش، أو أشد بفتح الدال جراً عطفاً على الحجارة، فهو بمنزلة قولك كالحجارة أو أشد قسوة، ولا يخفى أن الحديد أقوى من الحجر وأقسى، فإنهُ يكسر الحجر ولا يكسره الحجر إلا بعد اللذيا واللتيا وإلا ما رق منه أو داخلته علة، ولا يخفى أيضاً أن الحجر لا يقبل الغمز والحديد يقبله بشدة، ويقبله بالنار، فجاز أن يقال أو مثل أشد من الحجارة وهو الحديد مثلا من حيث أنهُ يكسر الحجر، وقد يقال أشد منه ليس مراداً به الحديد، لأن الكلام فى عدم الليانة والحديد يلين بالنار، بل المراد بأشد الجسم الصلب الذى لا يلين بها، لكن هذا باعتبار الغالب فى أعمال الناس وإلا فالحجارة أيضاً تلين بالنار، لأنها تذوب بعقاقيرها، ولا يستدل على لين الحديد بلينه لداود ـ عليه السلام ـ بلا نار، لأنهُ أمر خارق للعادة، وإنما لم يقل فهى كالحجارة أو أقسى، مع أن قسا يقسو مستكمل لشروط صوغ اسم التفضيل، لأن بعض أشد أدل على فرط القسوة من لفظ أقسى، ولأنهُ يدل على شدة قسوة قلوبهم على شدة قسوة الحجارة، فإن المفضل والمفضل عليه مشتركان فى أصل ما فيه التفضيل، وذكر بعض أنهُ لم يكمل شروط اسم التفضيل لأنه من الأمور الخلقية والعيوب، وقرئ: قيساوة أو على أصلها من الدلالة على النسبة لأحد الشيئين أو الأشياء، فهى للشك باعتبار المخلوق، يعنى أن من عرف حال قلوبهم تردد بين أن يشبهها بالحجارة أو بما هو أشد منها، واختار أبو حيان أنها للتنويع، أى منها ما هو كالحجارة ومنها ما هو أشد، ومن أجاز وقوع أو التخييرية أو الإباحية بعد غير الأمر والنهى أجاز أن تكون هنا للتخيير أى الناس مخيرون بين أن يشبهوا قلوبكم يا بنى إسرائيل بالحجارة أو بما هو أشد أو للإباحة أى أبيح للناس أن يشبهوها بالحجارة أو بما هو أشد لصدق من يشبهها بالحجارة، ولصدق من يشبهها بالحديد، لأن فيها شدة الحجارة وشدة ما هو أقوى منها، ويجوز أن يكون للإضراب كبل، وعليهِ اقتصر الشيخ هودرحمه الله . قال ابن هشام: أو بمعنى بل، عند الفراء: أى بل أشد. وقال بعض البصريين: للإبهام، وقيل للتخيير، أى إذا رأهم الرائى تحير بين أن يقول كالحجارة أو أشد، نقله ابن الشجرى عن سيبويه، وفى ثبوته عنه نظر إذ لا يصح التخيير بين شيئين، الواقع فى نفس الأمر أحدهما لا غير انتهى. قلت: يصح لأن معنى التخيير أنهُ مخير باعتبار قصور نظره، ويقدر فى قوله كما يخير فى أمور شرعية، ويعذر ولو لم يوافق الحق عند الله وكما يخير فى شيئين، وقد قضى الله فى الأزل بأحدهما، قال: وقيل هى للشك مصروفاً إلى الرأى، ذكره ابن جنى، ولا يجوز أن تكون بمعنى الواو انتهى. قلت: يجوز أن تكون بمعنى الواو فإن فى الحديد مثلا قوة الحجارة وزيادة، فما أشبه الحديد قد أشبه الحجارة أيضاً، ففى قلوبهم قسوة الحجارة، والقوة التى زيدت فى الحديد مثلا، روى البزاز عن النبى صلى الله عليهِ وسلم:
"أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا" . قال الغزالى فى المنهاج: أول الذنب قسوة وآخره ـ والعياذ بالله ـ شؤم وشقوة، وسواد القلب يكون من الذنوب، وعلامة سواد القلب ألا تجد للذنوب مفرعاً، وللطاعة موقعاً، وللموعظة منجعاً.
{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ}: نتفتح بسعة وكثرة وقرئ هنا وفى الذين بعد هذا، وإن بإسكان النون، فتكون أن مخففة، واللام فى قوله لما فارقه بين النفى والإثبات. وقرأ مالك بن دينار: ينفجر بالنون الساكنة.رحمه الله .
{مِنْهُ الأَنهَارُ}: والمراد كل حجر من الحجارة التى انفجر منها عين كبيرة. وقيل أراد الحجر الذى يضرب عليه موسى، والاثنى عشر عينا التى تتفجر منه.
{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ}: ينخرق طولا وعرضاً.
{فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}: فيكون عينا صغيرة، والأصل يتشقق أبدلت التاء شيناً، وأدغمت الشين فى الشين، وقرأ الأعمش: يتشقق على الأصل.
{وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ}: وقرئ بضم الباء الموحدة، أى ينزل من علو لأسفله، وقيل هبوط الحجر بفئ ظله.
{مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}: يخلق الله جل وعلا فيه تمييزاً فيخاف الله خوفاً مقروناً بتعظيم، فينزل لتلك الخشية، فمن للتعليل، ويجوز أن تكون الخشية مجازاً عن الانقياد لما أراد الله سبحانه به، ثم رأيت الوجه والحمد لله، ذكره النسفى مستدلا له بقوله عز وجل:
{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله } واختاره ابن عطية، قال بعض: يخلق فى بعض الأحجار خشية يهبط بها من علو تواضعا، ويأتى كلام فى (سبحان) إن شاء الله، والأول للقاضى كجار الله، ويجوز عود قوله: { من خشية الله } إلى قوله: {يتفجر} وقوله: {يشقق} وقوله: {يهبط} فهو متنازع فيه، ويدل له قول مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج ماء منه إلا من خشية الله ـ عز وجل ـ نزل بذلك القرآن. وقال مثله ابن جريج وقوله تعالى: {وإن من الحجارة} إلى قوله: {من خشية الله} تعليل فى المعنى لقوله: {أو أشد قسوة} ومعطوف فى اللفظ على قوله {هى كالحجارة} ومن يزعم أن الواو تكون للتعليل كالفاء قال إنه تعليل فى اللفظ والمعنى، كأنه قيل أو أشد قسوة من الحجارة، لأن الحجارة يتأثر فيها كلام الله وجلاله وتطاوع فيما أريد منها فمنها ما يتفجر منه العيون، ومنها ما يتشقق فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، وقلوبكم لا يؤثر فيها ذلك ولا تطاوع فهى لا تلين ولا تخشع. قال الشيخ هود ـرحمه الله ـ وقتادة: عذر الله الحجارة ولم يعذر شقىّ بنى آدم، يعنى أنه تعالى ذكر عن الحجر الإذعان والامتثال فهو غير مقطوع العذر عند الله لأنه ممتثل.
{وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}: ولكن يؤخركم لوقت يأتى لا محالة، فيجازيكم على ما تعملون من المعاصى المترتبة على قسوة القلوب، أو من قسوة القلوب، لأنها حصلت بأسبابكم وذلك وعيد، قال أبو عمر والدانى: قرأ ابن كثير:{وما الله بغافل عما يعملون} بالتحتية والباقون بالفوقية، وفى التحتية طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فإن الخطاب فى قلوبكم لبنى إسرائيل وكذا فى (تعلمون) فى قراءة الفوقية، ولا يخفى أن فى التحتية انضماماً إلى قوله: {أن يؤمنوا لكم} وليس فى الفوقية انضمام إلى قوله: {أفتطمعون} لأن الخطاب فى تعلمون ليس لهم وليس كما قيل: إن نافعاً وابن كثير ويعقوب وخلفا وأبا بكر يقرءون بالتحتية، والباقين بالفوقية، قالوا: [من قسا قلبه على أخيه أو ضاق صدره على أهله أو تغير عن حاله الحسن فليأخذ شقف فخار جديد عمل من طين طيب الرائحة كما طلع من التنور، ويكتب فيه بقلم شجرة الآس قوله تعالى: {ثم قست} إلى قوله: {عما تعملون} بنية الشخص الذى يريد أن يلين قلبه، بعسل لم تمسه النار، وخل خمر يدبر الكتابة سبع مرات ويرمى به فى القدح الذى يشرب منه المعمول لهُ فإنهُ يرجع إلى حالهِ الأول إن شاء الله. وإذا تغير السلطان على الرعية فليكتب فى قرطاسه كما تكتب فى الشقفة باسمه واسم أمه، ويجعل فى أعلى موضع من الجبل، فإن سيرتهُ تصلح بإذن الله، وكذا إذا انقطع عليه البئر أو العين أو قل فاكتبها فى شقف طين وارمه فى البئر يكثر ماؤها بإذن الله، وكذلك إذا قل لبن شاة أو بقرة فاكتبها فى طاسة نحاس وامحها بماء طاهر واسقها منه، فإن اللبن يكثر بحول الله تعالى].