خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
٥
-الحج

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَأَيُّهَا النَّاسَ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} في شك {مِّنَ الْبَعْثِ} من امكان البعث واتيانه.
ومن للابتداء متعلقة بمحذوف نعت لريب أو بمعنى {فِي} متعلقة بريب. وقرئ بفتح العين كالجلب والطرد باسكان اللام والراء وفتحهما.
{فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ} أي ان ارتبتم في البعث فمزيل ارتيابكم ان تنظروا في بدء خلقكم وقد مر الكلام على خلقنا من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} ان اريد خلق الناس من الاغذية التي هي من تراب فلا تقدير وان أريد خلقنا اباكم من تراب فالتقدير {ثم خلقنا ذريته من نطفة} كذا قيل واصل النطفه: (الماء القليل) والنطف (الصب) وقيل: النطفه (الماء القليل أو الكثير) {ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ} قطعة الدم الجامدة وذلك ان النطفة تصير دما غليظا وادعى بعضهم جواز ان يراد بالعلقة الدم المصاحب للنطفة وفيه انه ليس كل نطفة مقرونة بدم بل هذا قليل الا ان اراد المجموع الحكمي وفيه ايضا ان ثم تنافي الاقتران الا ان جعلها للترتيب في الاخبار {ثُمَّ مِن مُضْغةٍ} اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُّخَلَّقَةٍ}.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: تامة الخلق وغير تامة يقال: (خلق زيد العود إذا سواه وملسه) وصخرة خلقا أي (ملساء) يخلق الله بعض الناس املس من العيوب كامل الخلقة وبعضا على غير ذلك فيتقارب الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم وهو قول مجاهد
قال بعضهم: التشديد للمبالغة.
وقيل: المعنى مصورة وغير مصورة وهي السقط.
وفي رواية عن مجاهد كلاهما السقط يسقط مصورا وغير مصور والكل يسمى خلقا.
وعنه صلى الله عليه وسلم
"إن خلق أَحدكم يجمع في بطن أُمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا يكتب رزقه واجله وعمله وشقي ام سعيد ثم ينفخ فيه الروح فوالله الذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" و (حتى) في الموضعين للابتداء غير منصوب ما بعدها ولذا دخلت على ما النافية.
وروي ان النطفة إذا استقرت في الرحم اخذها ملك موكل بالرحم فيقول اي ربي مخلقة أو غير مخلقة فان قال: غير مخلقة قذفها الرحم دما وان قال مخلقة قال أي ربي ذكر أم انثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الاجل؟ وما العمل؟ وما الاثر وما الرزق وبأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى ام الكتاب تجد فيه ذلك فينسخه فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته.
وعن ابي ذر: إذا مكث في الرحم اربعين يوما اتاه ملك القدس فيعرج به في راحته ويقول يا رب عبدك ذكر ام انثى فيقضي الله فيه ما هو قاض من شقاوة أو سعادة يعني بظهر ذلك للملك ويكتب الملك ما هو لاق بين عينيه ثم قرء أبو ذر من أول سورة التغابن خمس آيات.
{لنبين لكم} متعلق بمحذوف أي فعلنا ذلك التدريج لنبين لكم كما قدمنا وحكمتنا لتستدلوا بابتداء الخلق على اعادته فان من قدر على خلق البشر من ذلك قدر على تحول صفة إلى اخرى مباينة لها اقدر على الاعادة في القياس بل قدرته على الاشياء سواء وحذف المفعول اعلاما بان هذه الافعال تبين من قدرته ما لا يحيط به الوصف.
وقرأ ابن ابي عبلة بالمثناة التحت على طريق الالتفات اي (الله).
وقدر بعضهم لنبين لكم ما تاتون وما تذرون وما تحتاجون في العبادات {ونقر} استئناف * {فِي الأَرْحَامِ} نثبت فيها * {مَا نَشَآءُ} ان نثبته بلا ان تسقطه أو تمجه (وما) واقعة على الانسان لانه إذ ذاك كغيره مما لا يعقل أو تغليبا لحال بدئه (نطفة وعلقة ومضغة) لم يكن فيه روح مع معونة انه في البطن كسائر الحيوان ومع انه بالنسبة إلينا مجهول الحال انسان أو ريح أو غير ذلك.
{إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً} وقت الوضع. وادناه تمام ستة أشهر ولا غاية لاكثره وقد بقي حمل في البطن نيفا وعشرين عاما ثم ولد حيا.
وقيل: اكثره اربع سنين وقرئ بنصب {نُقِرُّ} عطفا على نبين أي لنبين قدرتنا ولنقره في الرحم وقتا اقتضت الحكمة ان يولد بعد تمام ويحيا ويبلغ التكليف وقرأ ابن ابي عبلة {ويقر} بالتحتية والرفع.
وقرأ بعض بها وبالنصب وقرأ يعقوب بضم القاف من (قر الماء) إذا صبه وقرئ بضم التحتية وفتح القاف {ثم نخرجكم}.
وقرئ بالنصب وقرأ ابن أبي عبلة بالتحتية والرفع وقرأ بعض بها وبالنصب {طِفْلاً} أفرد لان المراد الجنس أو لان المعنى (نخرج كل واحد منكم طفلا) أو لانه في الاصل مصدر وهذا مع ما بعده دليل على ان {مَا نَشَآءُ} المراد به (من يولد ويحيا).
وقيل: يجوز ان يراد مطلق الجنين من يسقط ومن يكمل ويخرج حياً فيصرف ذلك وما بعده إلى من يكمل ويخرج حيا.
{ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} كمال القوة والعقل قيل: (وهو ما بين الثلاثين والاربعين بل تمام الاربعين داخل لام التعليل على تبلغون يعضد نصب نقر ونخرج.
{وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى} يتوفاه الله كما قرئ بالبناء للفاعل والمراد التوفية قبل الاشد أو فيه أو بعده بدون ان يبلغ ارذل العمر.
{وَمِنكُم مَّن يَرَدُّ إِلَى أَرْذَالِ الْعُمْرِ} أخسه وهو الهرم والخرف وقرأ أبو عمرو باسكان الميم * {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً} وذلك انه يكون كالولد ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم كثير النسيان إذا علم شيئا نسيه وسئل عنه من ساعته يقول لك من هذا فتقول: فلان فما يلبث الا قليلا الا سألك عنه وفى ذلك بيان انه كما قدر ان يرقيه في درجات الزيادة حتى يبلغه التمام قدر ان يحطه حتى ينتهي إلى الحالة السفلى.
قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بتلك الحالة ولو كثرت سنينه {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} يابسة ساكنة، شبه انباتها بتحركها؛ وخلوها من النبات بسكونها * {فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} تحركت بالنبات.
اما من قولك: (قام زيد لفعل كذا) ولو كان الفعل مما لا يحتاج إلى القيام اي قصده أو شرع فيه.
واما من الاهتزاز الذي هو نوع من التبختر أو الرقص شبه انباتها بالتبختر أو الرقص.
واما بمعنى الحركة فان النبات لا ينبت الا بعد تحرك ما تلاه من الارض وتفسحه عنه ولو كان لا يرى متحركا * {وَرَبَتْ} انتفخت وارتفعت ارتفاعاً يصدر عن التحرك المذكور أو المراد ارتفاعها بالنبات فانه منها وبعضها؛ سلمنا انه ليس بعضها لكن اسند الارتفاع اليها لارتفاع النبات فيها.
أو المراد شأنها أو تشبيهها بالمترفع المتكبر و(ربأ) بمعنى ارتفع ولو كان مهموزا لكن يجوز قلب همزة الفاء فتحذف وقد قرئ ربأت بالهمز * {وَأَنْبَتَتْ} اسند الانبات إليها مع انه فعل له تعالى لوقوعه فيها {مِنْ كُلِ زَوْجٍ} صنف قيل: (من) زائدة بناء على جواز زيادتها في الايجاب.
ويجوز كونها غير زائدة متعلقة بمحذوف نعت لمفعول محذوف أي نباتا من كل زوج.
وقيل: (من) مفعول بناء على ان من التبعيضية اسم مضاف {بَهِيجٍ} حسن يسر الناظرين احمر واخضر واصفر وأبيض وغير ذلك.
وفي اهتزاز الارض دليل على البعث.