خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٢٢
-آل عمران

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ}: أى بأن تفشلا، أى بأن تتأخرا عن القتال وتنصرفا مع عبد الله بن أبى، وهما بنو حارثة وبنو سلمة، وكانا جناحى العسكر، كما مر، ولما انخذل عبد الله بن أبى بثلثمائة وقال: عَلاَم نقتل أنفسنا وأولادنا؟ تبعه أبو جابر السلمى واسمه عمرو.
وابن حزم الأنصارىرحمه الله يقول: أنشدكم الله فى نبيكم، وأنفسكم فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وعصم الله الطائفتين فثبتتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد، فثبتوا فذكرهم الله عظيم نعمته، وإذ بدل من إذ قبلها بدل كل، لأن الوقت واحد وقع فى بعض الغدو، وفى بعض: ألهم بالفشل، ومتعلق بسميع، أو عليم، ويقدر مثله لآخر لا على التنازع، وإنما فسرت الفشل بالتأخر لا بالجبن، كما فسره بعض، لأن الجبن ليس باختيارى، نعم يجوز أن يراد بالهم بالفشل مقاربة النفس إلى الجبن، والظاهر أنها ما كانت إلا همة، وحديث النفس كما لا تخلو النفس عند الشدة عن القلق ثم تثبت كما فى بيت النحو:

أقول لها إذا جاءت وجاست مكانك تحملى أو تستريحى

وهو شعر لعمرو بن الإطنابة، قال معاوية: عليك بحفظ الشعر، وقد كدت أضع رجلى فى الركاب يوم صفين، لأهرب فما ثبت إلا بقول عمرو بن الإطنابة، أقول: البيت. ولو كان ذلك منهم عزيمة لم تثبت معه ولاية الله لهم، والله يقول:
{وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا}: مُتَولى أمرهما بالعصمة عن الفشل، ويجوز أن يكون المعنى: كيف تفشلان ولا تتوكلان والله متولى أمرهما بالنصر؟ والجملة حال من ألف تفشلا، ثم إنه لا مانع من التعنيف.
قال جابر بن عبد الله: نزلت فينا بنى حارثة وبنى سلمة: "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" والله ما يسرنا أنا لم نهم بالذى هممنا به وقد أخبرنا الله بأنه ولينا، وذلك استشار منه إذ لو لم ينزل فيهم {والله وليهما} وذلك أنه ليس ذلك عزماً وتصميماً، وقيل ذلك عزم وتصميم لكن منعه من إمضاء ذلك فضلا منه، فالجملة مستأنفة، وقرأ عبد الله بن مسعود: {والله وليهم}.
{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: قدم {على الله} للحصر، والفاصلة أى لا تكلوا أمركم أى لا تتركوه إلا إلى الله اعتماداً عليه ولقيامه به ولا تظهروا العجز إلا لله معتمدين عليه، أو لا تفوضوا الأمر إلا إليه ثقة به فينصركم كما نصركم يوم بدر، كما قال الله جل وعلا: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ}.