خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
١٠٣
وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ
١٠٤
قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ
١٠٥
-الصافات

هميان الزاد إلى دار المعاد

{فلما أسلما} انقاد لأمر الله ورضيا به فابراهيم انقاد لذبح ابنه ورضي به واسماعيل انقاد للذبح ورضي به فالإسلام بمعنى الاستسلام وقال قتادة المعنى أسلم هذا ابنه واسلم هذا نفسه وقرأ ابن عباس وجماعة تسلما وقرأه بعضهم سلما بالتشديد وبعضهم استسلما والاربعة من قولك سلم هذا لزيد بالتخفيف وكسر اللام أي خلص له لا ينازع فيه ولا يشارك.
{وتله} صرعة ابراهيم بغير لين لكن لم يضره بذلك الصرع وذلك لئلا تدخله الشفقة وليكون ادخل في طاعة الله وازيد في اغضاب الشيطان لعنه الله.
{للجبين} على الجبين أو اللام بمعنى إلى فإن صرعه انتهى إلى الجبين إذ كان جبينه تاليا للأرض وفي هذا زيادة انقياد ولكل انسان جبينان وهما جانبا الجبهة مكتنفان لهما من ها هنا وهاهنا وقيل كبه على وجهه بإشارة إسماعيل لذلك لئلا يرى وجهه أو تغير وجهه فيرق له والجبين يطلق على الجبهة أيضا وجواب لما هو قوله.
{وناديناه} بزيادة الواو وقال بعض البصرين جوابها محذوف التقدير اجزل ثوابهما ونحو هذا مما يقتضيه المعنى وقدره بعض العلماء بعد قوله.
{أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا} أي كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال من استبشارهما وشكرهما لله سبحانه وتعالى على ما انعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق له غيرهما واظهار فضلهما به على العالمين مع احراز الثواب العظيم إلى غير ذلك ولهذا التهويل والتفخيم حذفه وإن مخففة أي بأنه او مفسرة ومعنى تصديق الرؤيا عزمه على الذبح وشروعه في مقدماته قال عياض ولا خلاف أن ابراهيم أمر الشفرة على حلق ابنه فلم تقطع وكان امرارها بغاية قوته على حلقه مرارا وذلك عند الصخرة التي بمنى، وعن الحسن في الموضع المشرف عند مسجد منى وهو مسجد سيدنا ابراهيم عليه السلام، وقال الضحاك في الموضع الذي ينحر فيه اليوم وعن بعضهم عند الجمرة الوسطى.
{إنا كذلك نجزي المحسنين} تعليل لافراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما امتثال الأمر واحتج بالآية من جواز النسخ قبل العمل بالمنسوخ فإن إبراهيم عليه السلام امر الذبح وترك الله له هذا الأمر وعفى عنه ولم يحصل ذبح وذلك نسخ للعزم على الفعل وقد وقع ونسخ لما قد قيل وكأنه عمل. وقال جار الله فإن قلت قد أوحى إلى إبراهيم صلوات الله عليه في المنام بأن يذبح ولده ولم يذبح وقيل له قد صدقت الرؤيا وإنما يصدقها لو صح منه الذبح ولم يصح قلت قد بذل وسعه وفعل ما يفعله الذابح من بطحه على شقه وامرار الشفرة على حلقه ولكن الله سبحانه جاء بما يمنع الشفرة أن تمضي فيه وهذا لا يقدح في فعل ابراهيم ألا ترى انه لا يسمى عاصيا ولا مفرطا بل يسمى مطيعا ومجتهدا كما لو مضت فيه الشفرة وفرت الأوداج وانهرت الدم وليس هذا من ورود النسخ على المأمور به قبل الفعل ولا قبل أو أن الفعل في شيء كما يسبق إلى بعض الأوهام حتى يشتغل بالكلام فيه انتهى والذي نقول ان الله جل وعلا ازال قوة الذبح من السكين فلم تؤثر وهي باقية على حدتها أو خلق قوة وصلابة في عنق اسماعيل فلم يؤثر جر السكين عليها وقيل ان الله جل وعلا يخلق كل عرق ولحم قطعه ويصلهما فهو يفصل والله يصل وهو خلاف ظاهر القرآن وقيل خلق الله على عنقه صفحة نحاس لا يراها ابراهيم وهو قول باطل لا دليل عليه فان الله عز وعلا قادر على ابطال الذبح بغير ذلك ومما مر وليس ذلك منعا للذبح ونهيا عنه فضلا عن قول بعض في الرد ان الله عز وعلا اذا نهى عن شيء لا يتجاسر نبيه على فعله.