خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٤
-المائدة

هميان الزاد إلى دار المعاد

{يَسئَلُونَكَ}: أى المؤمنون.
{مَاذا أُحِلَّ لَهُم}: لما ذكر المحرمات سألوا رسول الله ماذا أحل الله لهم من المطاعم، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية فى عدى بن حاتم، وزيد بن المهلهل، وهما من الصابئين ثم أسلما، وزيد هو زيد الخيل باللام، فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير بالراء، قالا: يا رسول الله انا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت هذه الآية، وهذا هو الأصح فى سبب نزولها فيما قال بعض.
روى عن عكرمة
"أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع فى قتل الكلاب، فقتل حتى بلغ العوالى، فدخل عاصم وسعد بن خيثمة وعويمر بن ساعدة على النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماذا أحل لنا، فنزلت: {يَسئَلُونَكَ مَاذا أُحِلَّ لَهُم}" الآية، وسبب أمره صلى الله عليه وسلم بقتلها ما رواه أبو رافع قال: "جاء جبريل عليه السلام الى النبى صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه فأذن له، فلم يدخل فقال أذنا لك رسول الله يعنى جبريل، لأنه رسول الله، قال: أجل أى نعم، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، قال أبو رافع فأمرنى أن أقتل كل كلب بالمدينة ففعلت، حتى انتهيت الى امرأة عندها كلب ينبح عنها فتركته رحمة لها، ثم جئت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التى قتلت، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {يَسئَلُونَكَ مَاذا أُحِلَّ لَهُم}" الآية فلما نزلت الآية أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اقتناء الكلاب التى ينتفع بها لحرث أو ماشية أو صيد.
قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من أمسك كلبا فانه ينقص من عمله كل يوم قيراط الا كلب حرث أو ماشية " أى أو كلب صيد ولم يذكره لشهرته بالقرآن، وفى رواية عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فانه ينقص من أجره قيراطان كل يوم " ومثل الروايتين عن جابر بن زيد، عن عائشة، والقيراط فى المثال مثل حبل أحد كذا ذكر الربيعرحمه الله ، وقيل: القيراط هنا كقيراط اتباع الجنازة والصلاة عليها، وقيل أقل، لأن باب الفضل أوسع، والظاهر أنه ينقص القيراط والقيراطان من عمل كل يوم من يوم اتخذه الى أن يزيله أو يزول، وقيل: مما مضى وهو يقيد كيف لا ينقص مما عمل حال المعصية ونقص مما قبلها، ثم انه ان كان ينقص منه الى أن تنقضى عدد أيامه الماضية، ولو أمسكه أقل فهو أيضا بعيد كما لا يخفى.
وان كان بحساب ما يمسكه فأيام امساكه أولى بذلك.
ثم أنه قيل: قيراط من عمل الليل، وقيراط من عمل النهار، وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، وانما كان فى رواية قيراط، وفى أخرى قيراطان، لأنه قال: قيراط فسمعه الراوى، ثم زاد الله قيراطا آخر فقال: قيراطان، فسمعه من سمعه، وقيل: القيراطان باعتبار كثرة الأضرار، والقيراط بما دونها، وقيل: القيراطان بالمدينة، والقيراط بغيرها من قراها، فيلحق بذلك سائر المدن وسائر القرى، وقيل: القيراط بالبادية لقلة الأذى، والقيراطان بغيرها، وقيل: القيراطان فيما لا أدمى، والقيراط فيما دونه.
قلت: ولعل القيراط فى المربوط والمحبوس، والقيراطان فى المطلق الذى يتبع الناس أو القيراط فيما يظهر للناس، والقيراطان فيما لا يعلم به حتى ينبح، وسبب نقص الأجر فزع الناس به، أو كون الملائكة لا تدخل بيتا هو فيه، أو كون بعضها شياطين أو مخالفة النهى، أو كونها قد تلغ فى الاناء، ولا يدرى به فيأكلون ويشربون نجسا ويصلون بلا غسل بطاهر، وينجس الطاهر، أو كون المكلف قد لا يقوم بغسل ما تلغ فيه، وانما ينقص القيراطان من أخبر، لحصول مثلهما من الذنب به، والنهى للتحريم ما لم يصرفه صارف، ولا سيما أن القتل يقوى التحريم، وكذا نقص الأجر، ولا يخفى ضعف قول من قال بكراهة اتخاذه دون تحريمه، فان ما يحبط العمل وبعضه حرام فذكر نقص العمل دليل للتحريم لا للكراهة كما قيل: انه لها، وانه لو حرم لحرم نقص الأجر أو لم ينقص، وقيل بجواز اتخاذها لحفظ الدروب، وانما قال: ماذا أحل لهم ولم يقل ماذا أحل لكم بالخطاب، لأن يسألونك غيبة بالواو، وذلك من الالتفات على مذهب الكسائى، لأن مقتضى الظاهر يسألونك ماذا أحل لنا لأنهم عند السؤال يقولون: ماذا أحل لهم.
{قُل أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}: ما لم يحرمه القرآن ولا السنة ولا القياس الصحيح، أو ما لم ينقل تحريمه ولم تستخبثه الطبائع السالمة، فلا نعتبر طبيعة بالغت فى اللذة حتى تستقذر ما لا يستقذر، ولا بطبيعة لا تقر عن شىء، ولو خبثت كبعض أهل البادية، وأجلاف الناس، وعبارة بعضهم الطيبات الحلال، وظاهره مشكل لأنه يكون الجواب عليه بنفس ما فى السؤال، كأنه قيل: يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الحلال.
ولعل مراد هذا البعض بالحلال ما لم يحرمه القرآن ولا السنة ولا القياس، أو ما لم تستخبثه الطبيعة السالمة، فجعل مكان هذه الألفاظ قوله الحلال ولم يرد أن لفظ الطيبات قائم مقام لفظ الحلال، كما يفسر به فى بعض الآيات، وسمى الحلال المأذون فيه طيبا فى بعض الآيات فى أحد التأويلات، تشبيها له هو مستلذ لخلو كل من المضرة.
{وَمَا عَلَّمتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ}: عطف على الطيبات على حذف مضاف، أى وصيد ما علمتم من الجوارح، لأن الكلام فى المأكول، فان كان السؤال عما يصاد به فالجواب مشتمل على السؤال، وزيادة أحل لكم الطيبات أو عما يكون حالا امساكه، فالجواب مشتمل على الزيادة المذكورة أيضا، ولا يقدر مضاف فى هذين الوجهين، لأن المعنى أحل لكم لأجل الصيد ما علمتم من الجوارح، وأحل لكم ما علمتم من الجوارح تمسكونه ما وان قدرت مضافا فى هذا الأخير هكذا، وامساك ما علمتم من الجوارح جاز.
ويجوز أن تكون ما شرطية لا معطوفة بالواو على الطيبات وجوابها: فكلوا مما أمسكن عليكم فلا يقدر ضميرها بعد علمتم بخلاف ما اذا عطفت، فيقدر أى ما علمتموه والجوارح جمع جارحة وهى ما يصاد به من السباع والطير التى تقبل التعليم كالصقر والبازى والعقاب والباشق والفهد والنمر والكلب.
وعن نافع: أنى وجدت فى كتاب على: ما قتل الكلب فكل، وما قتل الصقر أو البازى فلا تأكل، وسميت جارحة لأنها تكسب كقوله تعالى:
{ اجترحوا السيئات } أى كسبوها { ويعلم ما جرحتم } أى كسبتم أو لأنه يجرح الصيد بمخلبه أو نابه، ومكلبين حال من التاء، أى حال كونكم متخذين لها كلابا كاملة، أو كلابا لأنفسكم، لأن الجارحة اذا كانت كلبا فانها قبل تكليبها ليست كاملة بل ناقصة لعدم التعليم، ولأنها قبله تصيد لنفسها، فاذا كلبتها صادت لك خاصة فهى حينئذ خالصة لك، ووجه آخر أن يراد بمكلبين متخذين لها كلابا للصيد، على أن يراد بالجوارح غير الكلاب فتفهم الكلام من قوله: {مُكَلِّبينَ} اذا كان معناه متخذين لها ككلاب صيد، واختير اسم التكليب على الوجهين، لأن أكثر الصيد بالكلب، ولأنه أقبل للتعليم.
ووجه آخر أن يكون مكلبين متخذين لها سباعا لأنفسهم من قولهم للسبع، كلب كما قال صلى الله عليه وسلم فى ابن أبى لهب عتبة لما كفر به وبصق فى بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هى زوجته قبل أن يحرم تزويج المؤمنة بالكافر: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك، وقصته مشهورة فى السير.
ووجه آخر مبنى على غيره، وهو أن يكون مكلبين بمعنى مغيرين لها بالصيد، أو معلمين لها الصيد، والتعليم الأول بمعنى زجرها عما لا يحسن، وأمرها بما يحسن، وذلك أن يجنبها الأنجاس ويزجرها عن الأكل للصيد اذا صادت، الا أن يطعمها ويحسن أدبها فتجيبه اذا دعاها، وتنشلى اذا أشلاها، وبسط هذا الباب فى الفقه، وقرأ ابن عباس: وما علمتم بكسر العين واللام وضم العين آى وما علمتم من أمر الجوارح، وقرىء بسكون الكاف يقال: أكلب الحيوان وكلبه بمعنى واحد.
{تُعَلمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ}: أى شيئا ما علمكم الله من أن تأمروا بما تصل به الى الصيد من الحيل، وتزجروها عما يفوتها به كالأكل منه، وتزجروها عن النجس، وذلك مما علمناه الله بإلهام أو بكسب أو مما علمكم أن تعلموها من اتباع الصيد بعد الارسال، ولا تذهب وحدها، ومن الانزجار بالزجر، والانصراف بالدعاء، وعدم الأكل منه، واذا صادت بعد التعليم على هذا ثلاث مرات حل ما صادت فى الرابعة، وقيل: حل أول ما صادت بعد التعليم، وما صادت غير المكلب فلا يحل الا ان وجد حيا وذكى، وان وجد ما صاد المعلم حيا ذكى، وجملة تعلمونهن حال ثانية لتاء علمتم، أو مستأنفة وان صادت الجارحة ولم يجرح الصيد لو جرحته حل، وقيل: لا يحل ان قتلته غما ولم تجرحه.
{فَكُلوا مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم}: متعلق بأمسكن، وعلى بمعنى اللام أى أمسكن لكم، أو بمحذوف حال من النون، أى ثابتات عليكم أى على شأنكم ومنفعتكم بأن ترسلوها على أن تصيد لكم فصادت لكم، ولم تخرج عن شأن ارسالكم الى مقتضى طبعهن، فان أكلن منه فلم يصدن لكم، ولم يثبتن على شأنكم، فلا يحل ما صدن لأنهن صدن لأنفسهن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدى بن حاتم:
" اذا أرسلت كلبا فاذكر اسم الله تعالى، فان أدركته لم يقتل فاذبح واذكر اسم الله، وان أدركته وقد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، وان وجدته قد أكل فلا تطعم منه شيئا فانما أمسك على نفسه " وذكر عن الشافعى فى ثانية أنه يؤكل ولو أكل منه.
وقيل: ان كان كلبا لم يؤكل ان أكل منه، لأنه يقبل التأديب على الأكل فينزجر، وان كان غيره لم يؤكل ان أكل منه، ونسب لأبى حنيفة وما ذكرته أولا من أنه لا يؤكل مطلقا اذا أكل منه هو الأصح الأحوط، وهو مذهبنا وقديم الشافعى، وهو قول عطاء، وطاووس، والشعبى، والثورى، وابن المبارك للحديث السابق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ابن عمر أنه سئل عن أكل الكلب فقال: كل وان أكل ثلثيه. قال السائل: قلت: عمن؟ قال: عن سلمان الفارسى، وكذا روى بعض أنه أحله ابن عمر وسعد بن أبى وقاص، ومالك وأبو هريرة، وعلى هذا فأولى أن يؤكل مما أكل منه غير الكلب وهو حجة لثانى الشافعى.
ومثله ما روى عن أبى ثعلبة والخشنى: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صيد الكلب:
" اذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وان أكل منه " .
وقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس انه قال: " ما أكل الكلب فلا تأكل فانك تستطيع أن تمنعه، وما أكل الصقر والباز فكل، وان أكل منه فانك لا تستطيع أن تمنعه " وهو حجة لأبى حنيفة فى قوله المذكور، قال بعضهم فى ذلك الكلام المذكور عن عطاء: انه كره ما رخص فيه الناس، ورخص فيما كره الناس، وهذا الكلام عن البعض يدل أن من الناس من يقول يؤكل مما أكل الكلب، لا مما أكل غيره ولعل وجهه أن الكلب قد صاد لصاحبهن ولو أكل منه.
واذا خرج المكلب الى ارسال من صاحبه فأخذ وقتل فلا يحل، لأنه لم يأخذ لصاحبه الا ان أدرك الصيد حيا فذبحه، ومن قوله تعالى: {مِمَّا أَمسَكنَ عَلَيكُم} للابتداء أى اقطعوا منه وكلوا، فان اللحم يبتدىء منه وينتهى الى الفم، ويجوز أن تكون للتبعيض فتكون احترازا عن البعض الآخر وهو الدم، فانه حرام والفرث والريش والشعر فانهن لم يعتد أكلهن، ومن أجاز زيادة من فى الايجاب، ومع المعرفة أجاز زيادتها فتكون ما مفعولا لكلوا، ومن جعلها للتبعيض جعلها مفعولا ان جعلها اسما، والا فمحذوف أى شيئا هو بعض ما أمسكن، ومن جعلها للابتداء فكلوا منزل منزلة اللام عنده أو بقدر اللحم أو شيئا.
{وَاذكُرُوا اسمَ اللهِ عَلَيهِ}: أى على ما علمتم من الجوارح، أى اذكروا الله عند ارساله للصيد، فاذا ذكرتم الله عند ارساله فكل ما صاد وقتل حل ولو عشرة أو أكثر، وقيل: الهاء للصيد الذى أرسلتم الجارحة اليه، فان صادت غيره لم يؤكل، وقيل: الهاء له، ولكن المعنى ان أدركتم حياته فاذبحوه واذكروا اسم الله، والأول أكثر.
قال ابن عباس: اذا ارسلت جارحتك فقل باسم الله، فاذا نسيت فلا حرج، وقال صلى الله عليه وسلم:
" اذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل " وعن عدى بن حاتم، "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: انا قوم نصيد بهذه الكلاب؟ فقال: اذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك الا أن يأكل الكلب فلا تأكل فانى أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه، وان خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فانما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " ودل هذا الحديث على أن المراد بقوله فى أول الحديث: " اذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله " أنه ذكر اسم الله على الكلب، ودل على أن هذا هو المراد أيضا فى قوله صلى الله عليه وسلم لأبى ثعلبة الخشنى: " وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، ما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " أى فذكه وكل، وفى قول أبى هريرة، وسلمان، وسعد بن أبى وقاص: "اذا أكل الكلب ثلثيه وبقى ثلث وذكرت اسم الله عليه فكل" .
{وَاتقُوا الله}: فى ما حلل لكم وما حرم عليكم، لا تحرموا ما أحل ولا تحلوا ما حرم.
{إِنَّ الله سَرِيعُ الحِسَابِ}: لا يخفى عنه شىء، فهو يؤاخذ بما جل أو دق.