خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
٢
-الأنفال

هميان الزاد إلى دار المعاد

{إنَّما المؤمِنُونَ} أى الكاملو الإيمان {الَّذينَ إذا ذُكرَ اللهُ} فى القرآن وغيره {وَجلَت} خافت أو رقت، أو اقشعرَّت لذكره، إعظاما له ومهابة من جلاله، وقرئ بفتح الجيم وهو لغة، وقرأ ابن مسعود فرقت بتخفيف الراء من الفرق بمعنى الخوف {قلُوبُهم} وقيل: الآية فيمن يريد معصية فيقال له: اتق الله فيتركها خوفا من عقابه، فالخوف على القول الأول خوف الخواص، وهو خوف إجلال، وعلى الثانى خوف العصاة، وهو خوف عقاب، والمراد باطمئنان القلوب بذكر الله فى الآية الأخرى عدم اضطرابها بالشك فى الله، والمراد بلينها إلى ذكره فى الأخرى لينها إلى رحمته ورأفته، فلا منافاة بينهما وبين الآية.
{وإذا تُليَتْ} قرئت {عَليهم آياتهُ} من القرآن {زادَتْهم إيماناً} تصديقا بالله، فإن التصديق القلبى يزيد وينقص بكثرة النظر والأدلة، وعدم ذلك، ومعلوم أن ما يزيد بشئ ينقص بفقد ذلك الشئ، فالإيمان يزيد وينقص، وقد ذكر بالزيادة فى آيات غير هذه، فإيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، لأنه لا تعتريه الشبهة، وهذا هو الحق، وعليه الأكثر، ويدل له ما ورد:
"لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح" .
وقال أبو حنيفة: لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاوت فيه الناس، وأما زيادة الإيمان ونقصه بعمنى حدوث شئ مما يؤمن به فيؤمن به أو يكفر، أو بمعنى زيادة عمل شرعى مثل أن تنزل الزكاة فيؤمن بها، ثم الصوم فيؤمن به، ومثل أن يصلى، ثم يصوم، ومثل أن يسبح ثم يسكت، وأن يقر بكلمة الإخلاص، ثم يميط الأذى عن الطريق، فلا يختلف فى ذلك عاقل.
وأكثر أدلة الفقهاء على زيادة الإيمان ونقصه من هذا القبيل، وليست بشئ، وليس كل عالم يحسن الاستدلال، وإنما يحسنه من مارس المعقول والمنقول، فتمسك بما قررته لك، فانك لا تجده مسطرا على هذا التحقيق فى غير هذا الكتاب، ثم خذ عنى تحقيقا آخر هو أن الإيمان يجوز إطلاقه على مجرد التوحيد وهو التصديق، كما يطلق على ذلك مع الإقرار والعمل وهو الإيمان الكامل، لا يدخل أحد الجنة إلا به، فيشتق منه مؤمن بمعنى موحد، ومؤمن بمعنى موحد مقر عامل، ولا نلتفت إلى غير ذلك مما تجده مسطرا، ولولا أنه لا يجوز لى كتمان علم ظهر لى لاجتماع شروط النظر ما فهمت بذلك مما يخالف غيرى، وزعم مالك أن الإيمان يزيد ولا ينقص، واتفقوا على هذا فى حق الأنبياء والملائكة.
{وعَلَى ربِّهم} لا على غيره {يتوكلون} فى جميع أمورهم دنيوية وأخروية، ومن قسى قلبه من الموعظة، وعطاء السائل، وعمل الخير، فليعمل قرصا من شعير خالص من قمح قبل طلوع الشمس، ويكتب فيه بقلم فارغ من المداد سبع مرات {إنما المؤمنون} إلى {يتوكلون} فيرق قلبه بإذن الله.