خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٣٠
-البقرة

جواهر التفسير

في هذه الآية وما بعدها يحكي الله سبحانه وتعالى لنا قصة خلق الإِنسان ليتحمل أمانة الله على عاتقه. وتبدأ هذه القصة بإعلان منزلة هذا الكائن من مخلوقات الله في الملأ الأعلى، والقرآن ليس كتابا تاريخيا يُعني بسرد أحداث التاريخ وقضاياه، كما أنه ليس كتاب هندسة، ولا كتاب طب وما إلى ذلك، وإنما هو كتاب رسالة إلهية موجهة إلى الفطرة الإِنسانية، وفي إطار هذه الرسالة تلتقي الدعوة إلى الله مع التعليم والتشريع، والأمر والنهي، والوعظ والإِرشاد، والترغيب والترهيب، ولذلك فإنه عندما يتعرض للتاريخ أو لأي ناحية أخرى يكون تعرضه بقدر ما يعزز جانب هذه الرسالة ويُجليِّ بُرهانها كما تجد ذلك واضحا فيما يقصه من أنباء النبوات وأحوال الأمم، وأحداث الزمن، ولم تأت فيه قصة لقصد التسلية أو الفكاهة، فهو أرفع شأنا من ذلك، وأجل قدرا، وقد أخبر الله جلَّ شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن قصص القرآن هو أحسن القصص كما أن حديثه هو أصدق الحديث في قوله: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ } [يوسف: 3].
وقد يتبادر لقارئ القرآن أول مرة عندما يجد القصة الواحدة مذكورة في العديد من السور أن ذلك تكرار، ولكن إذا عاد إلى السور ومحتوياتها، ومقاصدها، والمعروض من القصة فيها، وأسلوب العرض، أدرك أن ذلك بعيد عن التكرار. فإن السورة لا تعرض القصص بطريق السرد كما هو شأن القصاصين، وإنما تأتي منها بقدر ما يخدم الموضوع الذي ذُكرت خلاله القصة، وبحسب ما يتلاءم مع هذا الجو، فقصة موسى عليه السلام مثلا عُرضت في سور شتى ولكن هذا العرض لم يأت على وتيرة واحدة، فتجدها تارة مطولة، وتارة مختصرة، وفي كل مرة يتميز العرض بفوائد شتى من جوانب القصة نفسها، ومن جانب العبر والعظات التي تمليها، وإذا علمت أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة واجه فيها تحديات المشركين العرب ومكر أهل الكتاب، ودسائس المنافقين، ومؤامرات الشعوب المختلفة أدركت السر في تعدد المقامات التي تستوجب ذكر القصة الواحدة إما للتذكير وإمَّا لتفنيد المزاعم أو لغير ذلك من الأغراض.
وجميع القصص القرآنية تحكي أحداثا واقعة، وأحوالا متقدمة، وليست مسوقة لغرض التمثيل فحسب - كما يجنح إلى ذلك بعض المتأخرين - فإن باب التمثيل معروف، وعندما يأتي في القرآن يأتي مقرونا بالقرائن اللفظية الدالة على قصده لتعميق المفاهيم في النفس، وترسيخ المعاني في الأذهان، فإن النفس - كما سبق - هي للمحسوس أَألف وبماهيته أعلم.
ولا توجد وثيقة تاريخية بشرية تحكي قصة بداية خلق الإِنسان، وتمكينه في الأرض، ولذلك كان الذين يعتمدون على أنفسهم في استلهام ذلك مُتخبطين في متاهات حائرة سالكين طرائق قددا، لم تقم على مزاعمهم حجة، ولم تعززها قرينة، بل كثيرا ما يكشف الواقع العلمي عكس ما يقولون، وإنما المستند في ذلك إلى خبر الله تعالى الذي خلق الإِنسان فسواه، ومنّ عليه فأعطاه، وهو العليم بكل شيء.
مظاهر تكريم الله للإِنسان
وطبيعة هذا الكائن وفطرته مغايرتان لطبائع وفطر جميع المخلوقات الأرضية وغيرها، فقد اختصه الله بمزايا متنوعة وفواضل مختلفة، ويشير إليها قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء: 70].
ومن مظاهر هذا التكريم وأنواع هذه المزايا اختصاص الإِنسان بقدرات متنوعة وملكات مختلفة هيأته للسيادة في الأرض ومكنته مما فيها من أنواع مخلوقات الله تعالى، ومن المعلوم أن من الحيوانات الأرضية ما هو أطول عمرا من الإِنسان، وأقوى جسما، وأعظم حجما، وأكثر إقداما، غير أنها لم تستطع أن تسخره كما سخرها، وأن تنال منه ما نال منها، فقد سخر هو الفيل وغيره من الحيوانات الضخمة الجريئة، واستخدمها في مصالحه، وانتفاع أي حيوان بالأرض وما فيها انتفاع نسبي محدود بينما انتفاع الإِنسان مطلق لا حدود له فهو ينتفع بالحيوانات البرية والبحرية، والنباتات المختلفة، والجمادات المتنوعة، والمعادن التي لا تُحصى انتفاعا متنوعا، بحيث يستخدم الشيء الواحد في مصالح شتى.
ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات - وإن تعاقبت عليها القرون وتوالت عليها الأحقاب - لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها، بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإِدارية، والصناعية، وغيرها... فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرماث البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسميا، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم، ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزُوى لهم الفضاء، وقس على بقية مطالب الحياة، وقُل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح لناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يُعد في وقتنا هذا من أكبر الثروات وأنفس المنتوجات لم يكن يزن شيئا في عهود الآباء والأجداد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله سبحانه هيأ هذا الإِنسان لمنصب كبير لا يرقى إليه غيره، وهو الخلافة في الأرض كما تقص علينا هذه الآية الكريمة.
وبجانب هذا التكريم الإِلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور إلى أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه، وأنه مستغنٍ بذاته عن غيره، ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، وجسده أضعف من أجساد الحيوانات في احتمال حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
ومن مظاهر نقصه ضرورته إلى النظافة والزينة، فهو دائم بحاجة إلى الماء للاستنجاء والاستحمام، وإلى السواك وإزالة التفث عنه، فلو لم يستنج ويستحم لنتن، ولو لم يستك لبخر، ولو لم يلق التفث عنه لتشوه، كما أنه بحاجة إلى ما يستر سوأته من اللباس، وبدون ذلك يكون أقبح منظرا وأسوأ حالة من أي حيوان، وهو أيضا بحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الشر من السلاح، بينما بقية الحيوانات جعل الله لها في نفسها وسائل للدفاع تقاوم بها عدوها.
والمولود البشري يمر بمراحل متطاولة حتى تكتمل قواه بخلاف المولود من الحيوانات فإنه سرعان ما يصل إلى غايته من القوة، ولذلك كان المولود البشري بحاجة زائدة إلى عناية بالغة ممن يقوم بتربيته، وثم كثير من النواقص المختلفة يكتشفها الإِنسان في نفسه إذا أمعن النظر فيها، وحسبنا أن الله سبحانه قال فيه:
{ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً } [النساء: 28].
ومن الظواهر الغريبة في الجنس البشري التفاوت الذي لا يُحد بمقياس بين أفراده وهي ظاهرة إن وجُدت في غيره فهي نسبية، فبينما ترى إنسانا لا ترتفع همته فوق موطئ قدميه شبرا واحدا إذا بآخر تعلو هممه حتى تسبح مع النجوم في أفلاكها، وبينما تشاهد جماعات من الناس هم أشبه ما يكونون بالحشرات المؤذية والزواحف السامة، إذا بك ترى آخرين كأنما هم طائفة من ملائكة الرحمة، وبينما تجد أحدا من الناس لا يعلو تفكيره شهوته البهيمية، وغريزته السبعية إذا بك تجد غيره يمشي على الأرض، وهو يعيش بفكره، وبصيرته مع الملأ الأعلى، وكم تجد إنسانا أضيق صدرا من سم الخياط، وآخر أوسع صدرا من رحاب الفضاء، وهذه الظاهرة إن دلت على شيء فإنما تدل على اختصاص الله سبحانه هذا الجنس من مخلوقاته بما لا يُكتنه من مواهبه، وعلى أن تكوينه يتميز بطابع الاستعداد للترقي في مدارج الكمال، وإنما انحطاط الذين سفلوا يكون غالبا بسبب إيثار الدنيا والإِخلاد إليها من قبل أنفسهم، وهذا الاختصاص الرباني لهذ النوع الإِنساني بهذه المزِية العظمى ما هو إلا مظهر من مظاهر ترشيحه لمنصب الخلافة الذي تحدثت عنه هذه الآية.
الإِنسان خليفة الله في الأرض
وارتباط الكلام هنا بما سبقه واضح، ذلك لأن فيما تقدم تذكيرا للإِنسان بمختلف نعم الله الجُلىّ التي أفاضها على النوع الإِنساني، ومنها خلق جميع ما في الأرض له، ثم الاستواء إلى السماء وتسويتهن سبع سماوات، وفي ذلك أيضا نعم لا تُحصى لأن الأرض مرتبطة بالأجرام السماوية برباط الجاذبية كما تقدم، وبهذه التسوية أمكن للإِنسان أن يستقر على الأرض، وأن يستمتع بمنافعها التي على ظهرها والتي في أعماق بطنها، وهذا التكريم الإِلهي يترتب عليه ما ذُكر هنا من تبوئة الإِنسان لهذا المنصب الجليل، منصب الخلافة في الأرض الذي تحدثت عنه هذه الآية، وبعد هذه التوطئة الإِجمالية لتفسيرها نأتي إلى تفصيل ألفاظها ومعانيها:-
(إذ) ظرف زماني دال على وقوع نسبة في الزمن الماضي مع وقوع نسبة أخرى ماضية أيضا، وذهب ابن قتيبة وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أنها في هذا الموضع وما يشبهه زائدة، وهي مجازفة من القول يجب أن لا يُصغى إليها في تفسير كتاب الله تعالى المنزه عن كل حشوٍ، فإن الزيادة لا تكون إلا في كلام الذين يعييهم ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب المعاني، فيأتون بالدخيل من القول لقصد تنميق الكلام وتزويقه، وهذا ما لا ينطبق أبدا على كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأصدقه، وأحسن الحديث وأصحه، وقد أجاد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في رد هذا الزعم وتفنيد جميع شُبهه، وقد حذا حذوه معظم المفسرين حتى أن القرطبي حكى اتفاقهم عليه، كما أن جماعة من أئمة العربية قاموا بدورهم في الرد على هذه الدعوى، منهم الزّجاج والنّحاس غير أن مما يثير الاستغراب أن ينبري أحد أئمة التفسير في العصر الحديث يُعدُّ في مقدمة مفسري هذا العصر معرفة بعلوم القرآن وأساليب البيان - وهو الإِمام ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير - فيؤيد هذه الفكرة الواهية واقفا مع القائلين بزيادة "إذ"، وهو أمر يدعو حقا إلى الحيرة والاستغراب، فإن عَدَّ أي كلمة مما في القرآن زائدة يعني فراعها من المعنى، وهو ينافي الإِحكام الذي وصف الله به كتابه المبين، وإذا كانت زيادة الألفاظ لغير أي معنى يترفع عنها كلام بلغاء البشر فما بالكم بكلام خالق البشر الذي وهبهم ملكات البيان، والذي يبدو أن القول بزيادة "إذ" هنا ناشئ عن الحيرة، واضطراب الأفهام فيما ترتبط به صناعة ومعنى، ومثل هذا القول في الغرابة والبعد عن الصواب قول من زعم أنها بمعنى "قد".
والقائلون بعدم زيادتها اختلفوا في إعرابها، فمنهم من جعلها على بابها - وهو الظرفية الزمانية - وجعلها متعلقة بقالوا، جوز ذلك الزمخشري، واختاره أكثر أهل التفسير حتى أن منهم - كأبي حيان - من عدّه الوجه الوجيه الذي لا يُعدل عنه، وردّه كل من أبي السعود وابن عاشور من حيث أنه يؤدي إلى أن يكون قول الملائكة المحكى هو المقصود الأساسي من القصة وذلك مستبعد لأن العبرة المستفادة منها كامنة في إعلام الله لهم أنه جاعل في الأرض خليفة، وما أجابوا به إنما هو مترتب على هذا الخطاب، وأضاف ابن عاشور إلى ذلك بأن هذا الإِعراب لا يتأتى في كل موضع كما في قوله تعالى:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ } [البقرة: 34] فإن فاء التعقيب مانعة من جعل الظرف متعلقا بمدخولها، وأن الأظهر أن قوله: {قَالُواْ} حكاية للمراجعة والمحاورة، على طريقة أمثاله كما سيأتي بيانه. وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة بمحذوف تقديره ابتداء خلقكم إذ قال ربك، أو ابتدأ خلقكم إذ قال ربك، فعلى الأولى هي في موضع رفع على الخبرية، وعلى الثاني فهي في موضع نصب، وثم أقوال أخرى موغلة في الضعف، وأضعفها القول بأنها متعلقة ببشر من قوله تعالى: { وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } [البقرة: 25].
وضعف هذا القول باد للعيان فإن المعنى والصناعة يرفضانه، وأما المعنى فلأن التبشير لم يحصل عندما قال الله ذلك للملائكة، وأما الصناعة فلأنه لا يُعقل أن يحصل في كلام البلغاء، ارتباط كملة بأخرى بينهما مسافات من الكلام الخارج عن إطار الموضوع القاضي بالارتباط، فكيف يحصل ذلك في القرآن؟ أما قول من زعم أنها متعلقة بخلقكم من قوله تعالى:
{ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } [البقرة: 21] فهو أوهن من أن يُكترث به فيرد عليه وكفى بمجيء حرف العطف قبل إذ شاهدا على بطلان هذا القول والذي قبله فإن الظرف لا يتخلل بينه وبين متعلقة عاطف.
وذهب آخرون إلى أنها وإن كانت ظرفا بحسب وضعها فهي في إعرابها هنا خارجة عن الظرفية إلى المفعولية، والعامل فيها محذوف تقديره اذكر، وهذا كما يتصرف في كثير من الظروف فتنصب نصب المفاعيل نحو: اذكر يوم قلت كذا، وهذا القول هو الذي صدّر به الزمخشري، واختاره ابن هشام وصححه قطب الأئمة -رحمه الله - في الهيميان مستدلا له بصرف "إذ" إلى الإِضافة في نحو يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، وإذا جاز صرفها إلى الإِضافة فلم لا يجوز أن تُصرف إلى المفعول، وهذا الرأي هو الذي أختاره لبعده عن الكلفة، وإن رده من رده من المفسرين وغيرهم زاعمين أن فيه إخراج "إذ" عما وضعت له وهو الظرفية من غير مُسَوِّغ، وإني لأعجب من هؤلاء كيف يأبون ذلك مع قيام الشواهد على صحته من الكتاب نحو قوله تعالى:
{ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } [الأعراف: 86]. وقوله: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } [الأعراف: 69]، وقوله: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ } [الأعراف: 74]، فإن مفعوليتها في جميع ذلك واضحة، إذ من المستبعد أن تكون ظرفا للذكر المطلوب مع سبق ما أضيفت إليه على طلب الذكر، والمطلوب لا يأتي إلا بعد الطلب، والمراد بذكر الزمان، ذكر ما يحتويه من الأحداث لأن العرب اعتادت أن تسند الأحداث إلى أزمنتها، ودلالة الزمان المذكور على أحداثه إنما تكون بالطريق البرهاني وذلك أبلغ.
والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم، والمعطوف عليه قصة خلق منافع الأرض للإِنسان، وما تبع ذلك من ذكر تسوية السماوات، وبناء على ما ختاره ابن عاشور من كون "إذ" مزيدة ذهب إلى أن هذا العطف من باب عطف الجملة على الجملة، فجملة {قَالَ رَبُّكَ} معطوفة على جملة {خَلَقَ لَكُمْ} وقد علمت ما في القول بزيادة "إذ" من الضعف، على أن ابن عاشور نفسه ذكر في بداية تفسير الآية أن العطف هو من باب عطف القصة على القصة، وعضد ذلك فيما بعد بكون إذ تبتدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة الله تعالى، كما في قوله:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ } [البقرة: 34].
هذا وجعل "إذ" مفعولا لمحذوف تقديره "اذكر"، مع كونها دالة على زمن مضى وقعت فيه نسبة - يقتضي أن المراد ذكر تلك النسبة الواقعة فيه، وقد اعتاد الناس إسناد الحوادث إلى الأزمان كما تقدم.
وصدور هذا القول من الله إلى الملائكة كان بحسب ما جعل الله لهم من طريقة لفهم مراده ويقول في هذا ابن عاشور: "وكلام الله تعالى للملائكة أطلق على ما يفهمون منه إرادته وهو المعبر عنه بالكلام النفسي فيحتمل أنه كلام سمعوه فإطلاق القول عليه حقيقة وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة، ويحتمل أنه دال آخر على الإِرادة، فإطلاق القول عليه مجاز، لأنه دلالة للعقلاء، والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم:
"اشتكت النار إلى ربها" وقوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} وقول أبي النجد:
"إذ قالت الآطال للبطن الحق.. ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين".
والملائكة جمع ملك، ومن شأن الجموع أن تراعي فيها أصول المفردات وقد اتضح من هذا الجمع أن أصل مَلأْك، حذفت همزته تخفيفا وألقيت حركتها على اللام قبلها، وقد جاء على أصله في بعض الأشعار كقوله:

فلست لإِنسىٍّ ولكن لملأك تنزل في جو السماء يصوب

وقول الآخر:

................. من نبي وملأك ورسول

وهو من لأك بمعنى أرسل، وهي لغة محكية، وقيل هو من ألك فقدمت عينه وأخرت لامه، وهو من الألوكة بمعنى الرسالة، ومنه قول الشاعر:

وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل

والظاهر أن أَلَكَ ولأك يتعاقبان كتعاقب الجذب والجبذ، ولا داعي إلى القول بالتقديم والتأخير، وقيل هو من الْمَلْك بمعنى القوة، وعليه فإن الهمزة زائدة فيه، وهو غير واضح.
صفات الملائكة
والملائكة هم صنف من مخلوقات الله سبحانه خلقهم الله لطاعته وتنفيذ أمره في ملكوته، وسخرهم لذلك، فلا يخرجون عن طاعته في جميع الأحوال، كما وصفهم بقوله:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] وبقوله: { عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنيباء: 26 -27] وقد آتاهم الله قوة على التشكل عندما يظهرون لبعض البشر حسب إرادته تعالى، وهم من عالم الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به كما أخبرنا تعالى، وهم من الكثرة بحيث يملأون ملكوت الله عز وجل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد" وللعلماء فيهم أقوال بحسب ما فهمه كل منهم من صفاتهم، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
والجعل يصح أن يكون بمعنى الخلق فيتعدى لمفعول واحد، وبمعنى التصيير فيتعدى لمفعولين، وعلى الثاني فالمفعول الأول خليفة وهو مؤخر، والمفعول الثاني ما يتعلق به قوله {فِي ٱلأَرْضِ}، وقد قُدم على الأول، وعلى الأول فالمفعول خليفة و{فِي ٱلأَرْضِ} متعلق بجاعل، وانتصر بعض المفسرين له بأنه أبعد عن التكليف في تأويل ما حكاه الله عن الملائكة وهو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، فإن تأويله بالتصيير يقتضي تقدير مفعول ثانٍ محذوف وهو خليفة، والأصل عدم الحذف.
خلافة آدم
والخليفة يكون بمعنى الفاعل أي الذي يخلف غيره، وبمعنى المفعول أي الذي يخلفه غيره، ومن هنا اختلف المفسرون في المراد بالخليفة هنا، هل هو الخالف أو المخلوف؟ كما اختلفوا فيه، هل هو آدم وحده أو هو الجنس البشري كله؟
ذهب فريق من المفسرين إلى أن المراد بخلافة آدم كونه خلف مخلوقات عمرت الأرض من قبله ثم أبادها الله بسبب إفسادها، واستند هؤلاء إلى جواب الملائكة لله تعالى حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] وذلك أنهم - حسب زعم هؤلاء القائلين - قاسوا آدم وذريته على تلك المخلوقات التي سفك بعضها دم بعض، وأشاعت الفساد في الأرض فكان هذا الجواب منهم، وقد قيل إن هذا القول سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس، وليس ذلك ببعيد فإن الفرس كانوا يزعمون أن الجنس البشري مسبوق في عمارة الأرض بخلائق كانت تمسى الطّم والرّم، ولهذين الاسمين وجود في بعض المؤلفات القصصية في الإِسلام، وهو دليل هذا السريان، ولا يبعد أن يكون ساريا إليهم من خرافات اليونان الذين كانوا يزعمون وجود خلائق في الأرض قبل البشر تدعى التيتان.
وقالت طائفة أُريد بخلافته أنه يخلف الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد أن حاربوا الجن فيها وألجأوهم إلى جزائر البحر وقلل الجبال، وذلك أنهم زعموا أن الأرض كانت معمورة بالجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فأرسل الله إليهم إبليس مع مجموعة من الملائكة يُدعون الجن أيضا فقاتلوهم حتى ألجأوهم ألى جزائر البحر وأطراف الجبال، وسكنت هذه المجموعة من الملائكة الأرض إلى آخر ما جاء في القصة، وقد نُسب هذا التفسير إلى جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم كما أورده ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، ويظهر لي ان هذه القصة مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب من أساطير التي اختلطت بخرافات اليونان، وقد راقت لبعضهم فعزاها إلى من عزاها إليه من الصحابة.
وقيل هي خلافة آدم لمن كان قبله من الجن في الأرض، وقيل هي خلافته عن الله سبحانه من حيث القيام بتدبير شئون الحياة على هذه الأرض وسيأتي إن شاء الله مزيد إيضاح لهذا المعنى.
وقيل إن هذا الخلافة ليست لآدم وحده بل له ولذريته، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ } [الأنعام: 165] وقوله: { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ } [النمل: 62] وقوله لداود: { يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } [ص: 26] وعليه فهل المراد بهذه الخلافة ما تقدم ذكره من خلافة الجنس البشري عن الجن، أو الملائكة فيها، أو خلافتهم عن الله سبحانه بتدبير شئون الحياة الأرضية، أو كونهم يخلف بعضهم بعضا، فكل قرن خالف لما قبله؟ وعلى هذا الأخير يتوجه في الخليفة أن يكون بمعنى الخالف وبمعنى المخلوف، فإن كل جيل يعمر الأرض خالف لمن قبله، ومخلوف بمن بعده، والذين قالوا إنها خلافة الله في أرضه اختلفوا في خصوص هذه الخلافة بالصالحين من البشر أو عمومها للبر والفاجر منهم، واستأنس القائلون بأنها خاصة بالصالحين بقوله تعالى: { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } [النور: 55] وما يماثلها من الآيات.
وأظهر هذه الأقوال ان الخلافة ليست لأدم وحده بل هو ذريته مشتركون فيها، وليس المراد بالخليفة الفرد بل أُريد به الجنس، وقتدل على ذلك الآيات التي أسلفنا ذكرها في الخلفاء وتشمل هذه الخلافة البر والفاجر من ذريته لأن الجميع مؤتمنون من قبل الله سبحانه في الأرض ومسؤولون عن القيام بالواجب فيها، وما هذه الخلافة إلا ابتلاء واختبار منه تعالى، كما يدل على قوله:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنعام: 165] فإن ذكر الابتلاء فيه وقرنه بالوعد والوعيد دليل على أن هذه الخلافة هي مسؤولية وأمانة يتحمل الإِنسان ثقلها ويبوء بوزرها أو أجرها، ومما هو صريح في شمولها للبر والفاجر قوله سبحانه: { أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } [النمل: 62] فإنه جاء في سياق إقامة الحجة على المشركين بوحدانية الله تعالى مع اتخاذهم آلهة أخرى، وقوله تعالى حاكيا نداء هود لعاد: { وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } [الأعراف: 69] ومثله في حكاية خطاب صالح لثمود: { { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ } [الأعراف: 74] وقوله عز وجل بعد أن ذكر إهلاك القرون من قبل بظلمهم وتكذيبهم رسلهم: { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } [يونس: 14].
وقد أشكل على كثير من الناس جعل جميع الجنس البشري خلفاء في الأرض عن الله سبحانه مع كثرة الكفار والفجار فيهم، وندرة الصالحين الأبرار بينهم، وهذا الإِشكال ناتج عن عدم فهم المراد بالخلافة، فالخلافة ليست جزاء على عمل يعمله الإِنسان فحسب كما يُجازى المؤمنون بالتمكين في الأرض، بل كثيرا ما تكون ابتلاء من الله سبحانه لينظر ما يقوم به هذا المستخلف، ولا فارق بين الخلافة والأمانة، فإن أمانة الله في رقاب جميع عباده برهم وفاجرهم.
كما يقتضيه قوله تعالى:
{ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب: 72] وبهذا يتضح أن مسؤولية هذه الخلافة هي في أعناق جميع المكلفين، وإنما اختلافها في الخفة والثقل بحسب ما يكون للإِنسان من تمكين، فمن كان أكثر تمكينا كان أثقل حملا وأفظع مسؤولية.
مظاهر الاستخلاف
ومن مظاهر هذا الاستخلاف ما أوتيه الناس في هذه الدنيا من قوة التسخير لما في الأرض حسب منافعهم، وتطورهم في ابتكار الصناعات العجيبة، واستخدام الآلات الغريبة فيما يعود عليهم بالمنفعة ويزيد الأرض عمارة، وليس ذلك محصورا في المؤمنين وحدهم، بل نجد في عصرنا غيرهم أكثر براعة فيه وأرسخ قدما وأقوى يدا بسبب تخلف المسلمين عن اتباع مراشد دينهم، وتنفيذ أوامر ربهم، وهل من الممكن أن يقال مع ما نراه من التمكين لغير المسلمين إن الخلافة محصورة في المتقين الأبرار وحدهم؟ ومما يزيد ما قلته وضوحا أن هذا الرأي هو الذي يقتضي التناسب بين هذه الآية وما مر قبلها من تذكير الناس بأن الله خلق لهم ما في الأرض جميعا، والخطاب فيما مر لم يكن للمؤمنين وحدهم، بل هو موجه بالأصالة إلى الكفار الذين نعى الله عليهم كفرهم مع وفرة آلائه عليهم وظهور آياته لهم.
ولا يستلزم الاستخلاف حلول الخليفة مكان من استخلفه بعد فناد المستخلف أو انتقاله حتى شكل أن يكون آدم وذريته خلفاء الله في أرضه مع تَعالي الله عن الزمان والمكان، وعن مشابهة خلقه في أي صفة من صفاتهم، بل يكفي في تحقق الاستخلاف تمكين المستخلف لخليفته من أمر لم يكن بإمكانه أن يتمكن منه بدونه، وإباحة التصرف له فيه تصرفا يستمد شرعيته من هذا التمكين.
وشعور الإِنسان بأنه خليفة الله في أرضه يجعله يحس أولا بمكانته عند الله وعظم منته تعالى عليه، وثانيا بثقل حِمْلِه وعِظَمِ مسؤوليته، وهذا الشعور يستلزم تحري مرضاة الله تعالى في كل أمر واستلهام منهج الحياة منه سبحانه في الفعل والترك، والأخذ والرد، والعطاء والمنع، فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له مَن استخلفه، وأن لا يخرج عن إِطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها هو مِلكُه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمناء من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيما وُكلوا فيه وائتمنوا عليه بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حمّلهم هذه الأمانة وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال:
{ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } [الحديد: 7] وقوله: { { وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ } [النور: 33].
ولئن قيل ما هي الفائدة من إعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غني بواسع علمه عن آراء خلقه؟
فالجواب عن هذا السؤال انه سبحانه أراد أولا تعريفهم بقيمة هذا النوع من الخلق، وفضله على من عداه بما اختصه الله تعالى به، ورفع ما عسى أن يحدث في صدورهم من الحيرة والاستغراب بسبب تكريم الله لهذا النوع بتبوئته هذا المقام، فإنهم لو فوجئوا بوجود الإِنسان على عرش الخلافة مع ما يعلمونه في طبعه من النقص لكان ذلك داعيا إلى تراكم الاستغراب في صدورهم، واستيلاء الحيرة على عُقولهم، فكان هذا الإِعلام طريقا إلى دركهم حقيقة الأمر بعدما يحدث بينهم وبينه تعالى من سؤال وجواب، وأراد ثانيا تكريم ملائكته بعرض هذا الخبر عليهم في صورة الاستشارة منه لهم، فهو تعليم في إطار التكريم، وفي هذا الإِنباء سنًّ للاستشارة بين الخلق، فإن الله جل شأنه - وهو العليم بطوايا الخفايا، والغني بكماله عن كل شيء - وجّه هذا الخطاب إلى ملائكته كالمستشير لهم، فما بالكم بالمخلوقين، وكل أحد منهم متلبس بصفات النقص، لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها، كيف يستغنى بعضهم عن استشارة بعض؟ ولعله لا يُستبعد أن يكون الأمر كما قال ابن عاشور، وإليكم نص كلامه:
"وعندي أن هذه الاستشارة جُعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموسا أُشربته نفوس ذريته، لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن، ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعا لذوات مقام أمر التكوين في الذوات، فكما أن أمره إذا أراد شيئا أي إنشاء ذات أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس، أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قبول العلم من خصائص الإِنسان علم آدم الأسماء عندما خلقه.
وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضا للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا طلبت منا الشريعة تخير أكمل الحالات وأفضل الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب".
وإيراد هذه القصة ينطوي على فوائد أخرى، ذكر منها الإِمام محمد عبده أربع فوائد:
الأولى: أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من أسرار خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها (كالبحث العملي والاستدلال العقلي، والإِلهام الإِلهي)، وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروف لأحد من البشر، فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.
الثانية: إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإِنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا.
الثالثة: أن الله هدى الملائكة في حيرتهم وأجابهم عن سؤالهم لإِقامة الدليل بعد الإِرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.
الرابعة: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب الناس ومحاجتهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان في ما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها، وكون الكلام لا يزال في موضع الكتاب وكونه لا ريب فيه، وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده، وفي اختلاف الناس فيهما.
وقد سبق ذكر وجه ارتباط هذه القصة بما سبقها من الآيات، وهو أن تكريم الانسان بمنصب الخلافة في الأرض ينسجم ذكره مع ما سلف من تذكير الإِنسان بآلاء الله الواسعة التي من بينها خلق جميع ما في الأرض له، وتسوية السماوات السبع بما أودع الله فيها من نظام يربط بها الأرض، وهذا الوجه في نظري أجدر بأن يُعتد به في مراعاة التناسب بين الآيات مما ذكره الإِمام لوضوحه، وهو لا ينافي ما ذكره من كون الكلام لا يزال يدور حول رسالة الرسول وصدق الكتاب الذي أُنزل عليه. وبعدما حكى الله قوله للملائكة حكى جوابهم له، ومن المعلوم أن قولهم مترتب على قوله لهم غير أنه لم يوصل به بالفاء الترتيبية، وهذا الفصل - عند أكثر علماء التفسير - لأجل ملاحظة تساؤلٍ من السامع، فعندما يسمع أحد حكاية هذا الإِعلان الإِلهي الموجه إلى عباده المكرمين فإن من شأنه أن يتطلع إلى ما يكون من جوابهم، فلسان حاله يقول كيف أجابوا ربهم، فيقال له: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] وخالفهم في ذلك ابن عاشور حيث قال: "فُصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات، وهي طريقة عربية، قال زهير:

قيل لهم ألا اركبوا ألاتا قالوا جميعا كلهم ألافا

أي فاركبوا، ولم يقل فقالوا، وقال رؤبة بن العجاج:

قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدما قالت وإن

وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العطف بتكرير أفعال القول، فإن المحاورة تقتضي الإِعادة في الغالب، فطردوا الباب، فحذفوا العاطف في الجميع، وهو كثير في التنزيل، وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكته تقتضي مخالفة الاستعمال، وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر، والأصل وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي.
وما ذكره ابن عاشور واضح لمن تدبر الأسلوب القرآني في حكاية المحاروات، ألا ترى الى العطف بالفاء في قوله تعالى:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ } [البقرة: 34] مع عدم الفارق إلا من حيث إن في قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ} إخبارا عن فعل، وفي قوله: {قَالُواْ} حكاية قول، غير أنه لا يسلم لابن عاشور أن هذا مما لم يُسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي، فهناك من سبقوه إلى ذكر ذلك منهم الإِمام أبو حيان في البحر المحيط، وإليكم نص كلامه: "والجملة المفتتحة بالقول إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى فالأصح في لسان العرب أنها لا يؤتى فيها بحرف ترتيب اكتفاء بالترتيب المعنوي، نحو قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} أتى بعده {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ} ونحو {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ}، ونحو { قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ } [المائدة: 27]، { قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ } [البقرة: 259] { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ } [البقرة: 259] { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ } [البقرة: 260] وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعا في قصة موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه، ومحاورة السحرة إلى آخر القصة دون ثلاثة جاء منها اثنان جوابا وواحد كالجواب، ونحو هذا في القرآن كثير".
واختلف في هذا الاستفهام في قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} الآية، قيل هو تعجبي محض، وذلك أنهم عجبوا من جعل الله في الأرض خليفة يمكن فيها وهو يفسد فيها ويسفك الدماء مع ما هم عليه من ملازمة عبادته تعالى بالتسبيح بحمده والتقديس له، وذلك أنهم عليهم السلام تبادر لهم أن الحكمة تقتضي استخلاف من طبع بطبعهم لا النوع الذي رُكز في طبعة من الأسباب ما يدعوه إلى الفساد وأعطى من القوة في خلقه ما يمكنه منه، وقيل إن الاستفهام على حقيقته، وأنهم أرادوا به استجلاء ما خفي عليهم من حكمة الله سبحانه في هذا الأمر، واستبعاد الشبهة التي خطرت لهم، وذلك أنهم علموا أن أفعال الله كلها لا تخلو من الحكم، فتطلعوا إلى حكمته في هذا الخبر الذي ألقاه إليهم، ويبعد هذا القول قولهم من بعد {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، وقيل هو على بابه غير أنه أُشرب معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق حكمة الله بذلك، وعليه فقد كنوا بالاستفهام عما هم متلبسون به من الدهشة والاستغراب طالبين بذلك إزالتهما بما لا يدع لبسا في نفوسهم، وقيل: إن الاستفهام على بابه والمراد به اكتِناهُ حقيقة المجعول في الأرض خليفة هل هو من جنس الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، أو من جنس المصلحين، وعليه فالمعادل محذوف تقديره أم من يصلح فيها، ويرد هذا القول أيضا ما حكاه الله عنهم من بعد من قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] وقيل: إن الاستفهام واقع على قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي هل نحن نبقى على هذا التسبيح والتقديس مع وجود خليفة في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء، أو ننتقل عن حالتنا هذه إلى حالة أخرى، والتكلف فيه ظاهر، ودخول الاستفهام على الجعل دليل على أنه هو المستفهم عنه دون غيره، وأعدل هذه الأقوال أن الاستفهام على بابه وإنما أُشرب معنى التعجب، ومثله وارد في كلام العرب وهو لا ينافي عصمة الملائكة من الزلل، فإنما كان هذا الاستفهام منهم بعد خطاب الله لهم الذي آذنهم فيه بأنه جاعل في الأرض خليفة ولا ريب أنهم كانوا مدركين لما سوف يصدر من هذا الجنس المستخلف من أنواع الفساد في الأرض وهم قد فُطروا على صفاء السرائر وسلامة النفوس. وصدق الحديث، وقد فهموا من توجيه هذا الخطاب إليهم أنهم مطالبون بأن يبدوا ما في طوايا نفوسهم تجاه هذا الخبر وهم قد خامرهم منه العَجَبُ فلا غرو أن أجابوا بما أجابوا به مما ينم عن استغرابهم لهذا الأمر وطلب كشف الحكمة لهم من ورائه.
واختُلف في سبب معرفتهم أن من شأن هذا الجنس المستخلف الإِفساد في الأرض وسفك الدماء فيها؛ قيل: إنهم علموا ذلك بإعلام الله لهم، وهو مروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فقد أخرج ابن جرير عنهما وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة، قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، وقيل: إنهم عرفوا ذلك بعد أن قرأوه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وقيل: عرفوه بقياس الجنس البشري على الأجناس التي كانت تعمر الأرض من قبل فأفسدت فيها وسفكت الدماء، وقيل إنهم فهموا ذلك بنظرهم إلى أحوال الإِنسان الفطرية، فهو ذو إرادة واسعة واختيار واسع، وعلمه لا يحيط بجميع وجوه المصالح والمنافع فإذا ما عنت له أعمال متعارضة واحتاج إلى الترجيح بينهما ربما انساق في ترجيحه إلى غير الصالح النافع لقصور علمه.
ولم يأت في الباب شيء مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وغالب ما قيل مبني على التخمين، والأولى أن يوكل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه مع احتمال كبير لأن يكونوا فهموا ذلك من طبيعة فطرة الإِنسان، فهو كما قيل ذو إرادة تمكنُه من الخروج عن الجبلة إلى الاكتساب، وفي نفسه قوى متعارضة أهمها العقل والشهوة والغضب، وقد تدعو الشهوة - كما هو شأنها - إلى الانسياق وراء الفساد وعدم المبالاة بما يترتب على هذا الإِنسياق من مضار بالغة بالنفس أو الغير، كما يدفع الغضب إلى الانتقام من الغير انتقاما لا حدود له، والعقل وإن كان له سلطان على صاحبه فإن سرعان ما يضعف ويتزلزل أمام عواصف الشهوة والغضب فهما قوتان مؤثرتان على النفس المجبولة على الرغبة فيما تتطلبانه، وماذا عسى أن يصنع العقل وإذا عشيته غواشيهما من كل جانب فصار كنور الذبالة بين الزوابع الهوجاء، ولا غرو في معرفة الملائكة بذلك، فإنهم ذوو نفوس زكية، وأرواح قدسية لا يستغرب معها أن يعرفوا طبيعة الشيء باطلاعهم على طريقة تكوينه غير أنهم مع ما جبلوا عليه من الصفاء النفسي لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء، فقد فاتهم أن الله عز وجل سيستصفى من هذا الجنس المستخلف عبادا متقين أخيارا يعملون بأمره، ويقفون عند حكمه، ويسخرون ما آتاهم الله تعالى من قوى جسمية وروحية في طاعته التي يقتضيها خلقهم واستخلافهم في الأرض، وأن مواهبهم العقلية ستقوى - بهداية الله - فتسخر قواهم الغضبية والشهوانية فيما تتطلبه هذه الخلافة.
وقد سبق معنى الإِفساد وهو هنا شامل لجميع المعاصي فإنها إما مضرة بالنفس أو بالغير، وذلك مناف لما تتطلبه الخلافة من التعمير الحسي والمعنوي للأرض، وعطف سفك الدماء عليها من باب عطف الخصوص على العموم لبيان جدارته بالاهتمام والعناية، كما في قوله تعالى:
{ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ } [البقرة: 238] وهذا أولى من تفسير بعضهم الإِفساد بالشرك، وجعل سفك الدماء رمزا إلى المعاصي العملية لأنه أفحشها، والسفك الصّب والإِراقة كالسفح، وإنما يستعمل السفك في إراقة الدم دائما، والسفح يكون غالبا في الدم، وقد يكون في غيره، ولا يدل قولهم هذا على عدم عصمتهم من الذنوب، فإنهم كما علمت ما أرادوا إلا الإِطلاع على حكمة الله من وراء هذا الأمر، وقد فهموا أنهم مطالبون بأن يفصحوا عما في قرارة نفوسهم والمستشار مؤتمن فلم يجدوا مناصا عن القول الذي قالوه.
والواو في قولهم {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} للحال، وقد صدرت هذه الجملة من كل الملائكة الذين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] خلافا لما حكاه أبو حيان في البحر عن صفي الدين أبي عبد الله الحسين ابن الوزير علي بن أبي منصور الخزرجي أنه قال في كتاب فك الأزرار "ظاهر كلام الملائكة يشعر بنوع من الاعتراض وهم منزهون عن ذلك، والبيان أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين، وكان إبليس مندرجا في جملتهم، فورد منهم الجواب مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهور إبليسيته واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه كان عن إبليس، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه". وقد اعجب هذا الكلام أبا حيان فقال فيه: "وهو تأويل حسن، وشبهه بقوله تعالى:
{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ } [البقرة: 135] لأن الجملة كلها مقولة والقائل نوعان، فرُد كل قول لمن ناسبه".
وقد حكاه أيضا الألوسي في تفسيره ولم يتعقبه إلا بقوله: "وهو تأويل لا تفسير" بعدما نسبه إلى الغرابة.
وما أجدر هذا الكلام بالاستغراب! فإن الجملة الحالية مرتبطة بما قبلها بحيث لا يصح استقلالها دونها لفظا ولا معنى، فلا يتأتى أن تكون وحدها جوابا ممن صدرت عنه لقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقد حكاها الله مع ما قبلها عازيا ذلك كله إلى الملائكة فكيف يصح لنا أن نعزو بعضه إلى طائفة وبعضه إلى طائفة أخرى؟ وانفصال طائفة عن طائفة بعدما كانت مندرجة فيها لا يسوغ فصل الكلام الصادر منهما معا قبل الانفصال، ولا يصح أن يناظر ما هنا بما في قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} لجواز استقلال كل واحد من طائفتي اليهود والنصارى بالدعوة إلى ملتها وذلك هو الواقع والمراد من هذا الحكي عنهم، ولم يكونوا مندمجين من قبل حال صدورهم هذا القول عنهم ثم استقل بعضهم عن بعض فأُعطي كل فريق من الحكاية ما يلائمه.
وقولهم هذا ينطوي على تعريض بأنهم أجدر بالاستخلاف، فإن الدائب على التسبيح بحمد الله والتقديس له أنزه وأطهر ممن يتلوث بالفساد وتصدر منه المعاصي وانتهاك الحرمات، ومن المعلوم أن الحكمة من الاستخلاف عمارة الأرض وما ذكر من الافساد فيها وسفك الدماء أمر ظاهره منافٍ لهذه الحكمة واستظهر الفقهاء من هذا القول جواز ترشيح الإِنسان نفسه لوظيفة يرى أنه أقدر على حمل أعبائها من غيره، واستدلوا لذلك أيضا بما حكاه الله عن يوسف الصديق عليه السلام من قوله لملك مصر:
{ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف: 55].
وذكر الإِمام ابن عاشور وجها آخر لقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وهو أن يكونوا أرادوا به تفويض الأمر إلى الله واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسدُّ منه رأيا وأرجح عقلا فليشير ثم يفوض، كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت:
{ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ } [النمل: 32] فأجابوها بقولهم: { نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } [النمل: 33]، أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} ثم ردوا الأمر إليها في قولهم: { وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } [النمل: 33].
وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأن ذلك مبلغ علمه وأن القول الفصل للأستاذ أو أنهم أرادوا به إعلان التنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم. وبراءة نفوسهم من شائبة الاعتراض والله تعالى العليم ببراءتهم من ذلك غير أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير، أو لأن في هذا التصريح تبركا وعبادة، أو أرادوا به إعلان ذلك في الملأ الأعلى.
والظاهر أن ابن عاشور أميل إلى هذا الوجه بدليل أنه صدّر به قبل ما سلف، وهو وجه وجيه وحمل قول الملائكة عليه أنسب بما عُرف من نزاهتهم وعصمتهم ولكن ردُّ الله تعالى عليهم بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الذي فصله من بعد قوله عز وجل:
{ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } [البقرة: 33]. يقتضي خلافه.
والتسبيح والتقديس مأخوذان - في رأي الزمخشري - من سبح في الأرض أو الماء، وقدس في الأرض، إذا ذهب فيهما وأبعد، وعليه فالتضعيف للتعدية، ويراد بهما تبعيد الله عن السوء أي تنزيهه عن كل الصفات غير اللائقة بجلاله وعلو شأنه سواء كان بالقول أو الاعتقاد أو العمل، واختار ابن عاشور كون التسبيح مأخوذا من كلمة "سبحان" بدليل أنه لم يستعمل إلا مضعّفا، واختُلف في مرادهم بالتسبيح هنا، فقيل هو الصلاة وعليه ابن عباس وابن معسود رضي الله عنهما، كما أخرجه عنهما ابن جرير وغيره، وقد شاع استعمال التسبيح بمعنى الصلاة ومنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى وإني لأسبحها"، وحُمل عليه قوله تعالى:
{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ } [الصافات: 143] وقيل هو التنزيه، وعليه قتادة، وقيل: الخضوع والتذلل، وبه قال ابن الأنباري، وقال المفضل هو رفع الصوت بذكر الله تعالى، وعن مجاهد أنه التعظيم، وقيل هو تسبيح خاص، وهو سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العظمة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، ويُعرف بتسبيح الملائكة.
وأنت إذا دريت أن معنى التسبيح هو التنزيه لم يشكل عليك هذا الخلاف، فإِنه خلاف لفظي، وكلمة العبادة كلمة عامة تنتظم جميع ما قيل، فأولى ما يُقال في تفسير التسبيح أنه عبادة الله سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.
وتسبيحهم بحمده تعالى يعني تلبسهم في حال تنزيهه عز وجل بالثناء عليه الثناء اللائق بعظمة شأنه وسعة احسانه، فالباء هنا للمصاحبة، وقيل: هو على غرار قولهم فعلت هذا بحمد الله، أي بتوفيقه الذي يستوجب به الحمد، فالباء للسببية.
وقد علمت تقارب معنى التسبيح والتقديس، وإنما يفرق بينهما من حيث أن التسبيح مختص به تعالى فلا يُقال في شخص أو بلد أو أي مخلوق إنه مُسبَّح بخلاف التقديس كما في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام:
{ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } [المائدة: 21]، وفي الحديث "لا قُدِّست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها" وقد استعمله العرب في جاهليتهم فيمن كان منزها عند أبناء ملته نحو قول امرئ القيس:

فأدركنه يأخذ بالساق والنَّسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس

وأصله بمعنى التطهير ولذلك سمى السَّطل قَدَساً لأنه يتوضأ به ويُتطهر.
واحتيج لدفع التكرار الذي يوهمه اقتران التسبيح بالتقديس - مع ما علمته من التقارب بينهما - إلى التفرقة بين معنييها، فقيل: إن أحدهما باعتبار الاعتقادات، والثاني: باعتبار الطاعات البدنية، وقيل: التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أُخِّر نحو سُبُّوح قُدوس.
وفعل قدَّس يتعدى بنفسه وإنما اللام هنا لتأكيد وقوع النسبة كما في قولهم شكرت لك ونصحت لك، وقيل: إن التقديس بمعنى التطهير، ومرادهم به تطهيرهم لأنفسهم من معاصي الله لأجله تعالى، فكأنهم قابلوا الإِفساد في الأرض المتوقع صدوره من البشر، والذي أفحشُهُ الإِشراك بالله سبحانه بتسبيحه تعالى الذي هو من مقتضيات توحيده، وقابلوا سفك الدماء الذي هو من أشنع المعاصي العملية بتقديس أنفسهم - أي تطهيرها من أكدار المعاصي - من أجله تعالى، فاللام على هذا أصلية مفيدة للتبيين ولا تخلو من التعليل، وعليه فلا إيهام للتكرار، ومجيء هذه الجملة إسمية لأجل إفادة الدوام والثبوت فهم - عليهم السلام - من شأنهم الاستمرار على هذه الحالة التي وصفوا بها أنفسهم بحيث لا ينفكون عنها.
واختلف في المراد بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، فقيل: أراد به تعالى ما يعلمه من وجوه المصلحة في استخلاف هذا الجنس من خلقه في الأرض، وقيل: أراد علمه بذنبهم واستغفارهم، وقيل أراد به أنه عليم بمن يطيعه وهم الأنبياء والأولياء والصالحون، وبمن يعصيه وهو إبليس وحزبه، وقيل: أراد به الرد على قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقد كان من بينهم إبليس وهو منطوٍ على ما ظهر من بعد من الكفر والشقاق وهم لايعلمون ذلك، والله به عليم، وجوز القطب -رحمه الله - أن يكون المراد به أنه تعالى عليم بما لا يعلمونه من غلبة القوة العقلية على القوة الشهوية والغضبية بحيث تضمحلان فيها اضمحلال الظلمة عند النور حتى تكونان مسخرتين لها فيقوى الإِنسان على استعمال الغضبية في جهاد المشركين والمنافقين وفي قهر النفس والشيطان، وفي الأمر والنهي غضبا لله تعالى وعلى استعمال الشهوية فيما يشتهيه من أمر الآخرة والدين وإعزازه وإقامته.
وأرى أن جميع هذه الأقوال غير وافية بالمقصود من المعنى فإن ما لا يعلمونه غير منحصر فيما ذُكر، و(ما) من أدوات العموم، والأصل فيها وفيما أشبهها إبقاؤها على عمومها حتى يقوم دليل التخصيص ولا مخصص هنا، وقد أوضح المراد قوله تعالى فيما بعد: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} وجميع ما ذُكر مندرج في هذا المفهوم العام، والقرآن أولى بتفسير بعضه بعضا.
وهذا وقد استظهر القرطبي من هذه الآية الكريمة وجوب وجود خليفة للمسلمين يرجعون إليه فيما يعنيهم من أمور الدين والدنيا، وذكر في تفسيرها جانبا من أحكام الإِمامة وتابعه على ذلك الإِمام ابن كثير في تفسيره كما تابعه الإِمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وأسهب في بيان الأحكام المتعلقة بالموضوع، وأرى أن غير هذا الموضع من التفسير أنسب بما ذكروه هنا.
الملائكة عباد معصومون
والمحكي عن الملائكة لا ينافي عصمتهم لما سبق من أنهم لم يقولوه على سبيل الاعتراض، ومما يستغرب ما نقله الألوسي عن الشعراني أنه نقل عن شيخه الخواص أن العصمة خاصة بملائكة السماء، وعلله بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة بخلاف ملائكة الأرض فهم عنده غير معصومين، ولذلك وقع إبليس فيما وقع فيه، وهذا القول إنما هو صادر من ملائكة الأرض، وهذه دعوى واهية، إما أولا فإن الله عز وجل أثنى على ملائكته جميعا بقوله:
{ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 26-27]، وقوله: { يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } [الأنبياء: 20]، فدعوى خروج طائفة منهم عما يقتضيه هذا الوصف من العصمة ليس عليها شاهد ولا دليل، وما هي إلا تحكم لعدم المخصص؛ وإما ثانيا فإن الذي يقتضيه سياق قصة آدم أن الخطاب ليس مقصورا على بعض الملائكة دون بعض فإن الله سبحانه ذكرهم بلفظ التعريف الدال على قصد الجنس وهو يوحي بالشمول، ويتأكد ذلك بقوله سبحانه من بعد: { فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [الحجر: 30] حيث أكد الشمول الذي يفيده الجنس بمؤكدين وهما "كل وأجمعون"، ومن الظاهر جدا أن الملائكة المأمورين بالسجود لآدم هم المخاطبون أولا بنبأ الاستخلاف لأن السجود هو تكريم من الله له بعد أن أثبت سبحانه تفوق قدره على الملائكة بمعرفته الأسماء التي لم يعرفوها، والأمر به مترتب على ما سبق من مقاولة في شأنه، والقول بأن الملائكة الذي آذنهم الله بخبر الاستخلاف هم جميع أفراد الجنس الملكي هو قول أكثر المفسرين، وقد خالفهم في ذلك جماعة منهم قطب الأئمة -رحمه الله - في الهيميان، فقالوا إنهم ملائكة الأرض وحدهم، وذكر الألوسي عن الصوفية أنهم خصوا هذا الخطاب بمن عدا العالين منهم، وهم الذين استودعوا أسماء الله وصفاته فهاموا بها وحدها ولم يشعروا بما سواها، وحملوا على ذلك قوله تعالى لإِبليس: { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } [ص: 75] وذلك لأن العالين عندهم غير داخلين في هذا الخطاب ولا مكلفين بالسجود وهو تأويل بعيد عن الصواب لا يصح أن يحمل عليه كلام الله تعالى الذي أنزله بلسان عربي مبين، وقول الجمهور هو الصحيح لأنه المفهوم من صيغة الكلام.
ويستفاد من رد الله على الملائكة بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وجوب الانقياد التام لجميع أوامر الله من غير أن تعرض على العقول المخلوقة، فإن علم الله محيط بكل شيء وحكمته تسمو على أفكار الخلق، والعقل لا يمكن له أن يحيط بدقائق الأمور، فإن مثله مثل البصر الذي تحول الحوائل بينه وبين إبصار ما وراءها، وإذا كانت الحواجز الحسية تمنع العين عن إدراك المبصرات فإن الحواجز المعنوية الكثيفة هي أيضا مانعة للعقل عن الوصول إلى فهم كثير من الحقائق، وكل طاقة في المخلوق محدودة بقدره بما في ذلك الطاقة العقلية على أن العقل كثيرا ما يتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية فتكدر صفوه وتحجب شعاعه، فمن المؤثرات النفسية ما جبلت عليه النفس من الغضب والشهوة، فكم من عاقل تأجج في نفسه الغضب فدفعه إلى ارتكاب ما يجعله يعض من بعد على بنان الندم طول حياته، وكم من عقل كبل بأسر شهوات النفس فلم يستطع الفكاك منها، ومن أهم المؤثرات الاجتماعية البيئة فإنها ذات أثر كبير على من ينشأ فيها ويتربى في محيطها، ولذلك تختلف أفكار الناس استحسانا واستهجاناً بحسب اختلاف بيئاتهم، بحيث تجد أمرا يُعد عند أهل بيئة من أحسن الأمور، بينما يعد عند غيرهم من أقبحها، والكل معدودون في العقلاء، ولذلك كان الواجب الاحتكام إلى الشرع المنزل من السماء لا إلى عقول الناس المتغيرة الأطوار المختلفة الأحوال.
والمؤمن عندما يسمع خطاب الله الموجه إليه بأمر أو نهي لا يملك إلا أن يسلم تسليما ويتهم عقله إن وجده رافضا لهذا الخطاب أو لشيء منه:
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً } [الأحزاب: 36].
أما الذين يتطاولون على أحكام الله بالنقد فهم ليسوا من الإِيمان في شيء بل هم ليسوا من العقل في شيء لأن العقل السليم هو الذي يدرك أن المصلحة فيما أمر الله به، وأن المفسدة فيما نهى عنه، ويدرك قصُوره عن استيعاب حكم الله في أحكامه كما يدرك عجزه عن احتواء اسرار الله في خلقه، ولذلك ذكر الله عن أصحاب النار أنهم يقولون بعدما يصلونها:
{ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } [الملك: 10] وفقنا الله للهدى وجنبنا مسالك الردى إنه ولي التوفيق...