خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
٣٣
-البقرة

جواهر التفسير

بعد أن عرض الله أجناس المسميات على الملائكة وأمرهم أن ينبئوه بأسمائها فاستعصى ذلك عليهم فلجأوا إلى تسبيحه تعالى معلنين أنهم لا علم لهم إلا ما علمهم إياه، وجه تعالى هذا الخطاب إلى آدم حتى يتبين لهم ما اختصه الله تعالى به من العلم ومنحه إياه من الفهم إذا ما جاء بما نَدَّ عَنْ أفهامهم، واستعصى على مداركهم ووجه إليه هذا الخطاب مصدرا بندائه بإسمه لما في ذلك من الإِيناس والتكريم، كيف والمقام مقام دهشة واضطراب فإن المخاطب هو الله الذي له ملك السماوات والأرض وهو بكل شيء محيط؟ وهذه سنته تعالى في خطابه لأنبيائه نحو: يا نوح ... يا هود ... يا صالح .. يا شعيب .. يا موسى .. يا عيسى بن مريم .. وانما اختص عز وجل عبده ورسوله محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام فلم يناده باسمه العلم، بل كان غالب ندائه له بلقب النبوة أو الرسالة، وذلك لأجل الإِعلان عن قدرة والإِشعار بمكانته، وفي ذلك تعليم ضمني بكيفية مخاطبة الناس له صلى الله عليه وسلم.
آدم ينبئ الملائكة
وقد أمر سبحانه آدم عليه السلام أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي لم يفهمونها ولم يأمره أن ينبئه هو كما سبق في أمره إياهم للفارق بين الأمرين فإن أمره سبحانه للملائكة كان امتحانا لهم بخلاف أمره لآدم، فإنه أمر تشريف وتكريم أراد تعالى به إظهار مزيته وبيان ما تنطوي عليه فطرته من الخصائص التكوينية لدرك المعارف التي لم تكن فيهم، ومثل ذلك - والله المثل الأعلى - أن يمتحن أستاذ تلامذته في درس من الدروس التي أملاها عليهم ويطالبهم بتحليل معانيه واستنتاج فوائده، وهو واثق أن أفهامهم لم تستوعب ذلك، ومداركهم لم تستجله، وإنما يريد منهم معرفة قصورهم، فإذا تبين لهم فشلهم قال لتلميذ آخر أيقن منه توقد الفطنة وسعة الإِدراك، قم يا فلان وأخبرهم بما لم يفهموه، وفصل هم ما عزب عن مداركهم وأفهامهم.
وقد قام آدم بهذه المهمة التي نيطت به خير قيام فأوضح ما انبهم من أسماء هذه الأجناس التي عُرضت على الملائكة كما يدل عليه قوله سبحانه: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} وعندئذ نودي عليهم من قبله تعالى بأن أسراره في خلقه، وحكمه في أفعاله لا يحيط بها غيره سبحانه، فليس لأحد بأن يعترضه في أمره، إذ له سبحانه الخلق والأمر، وهذا مطوى تحت إجابته لهم بقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ولم يذكر سبحانه في سالف القصة نص هذا القول وإنما ذكر ما يتضمن معناه وهو قوله لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وفي هذا دليل على أن المراد بما لا يعلمون هناك هو ما فصله هنا بأنه غيب السماوات والأرض فما حكي هنا تقرير وتفصيل لما حكي هنالك.
والأولى إجراء غيب السماوات والأرض على العموم فيدخل في ذلك كل ما انطوى عليه هذا الوجود من حقائق لم تكتنهها أفهام الخلق، وكل ما حدث أو سيحدث في الكون من أمور لم تحط بها المخلوقات علما، ومن كان محيطا بهذه الخفايا كلها لم يخرج شيء من أفعاله عن الحكمة، ولم يكن شيء من أمره محلا للنقد أو الإِعتراض.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة، والمراد بغيب الأرض قتل قابيل لأخيه هابيل، وهو تفسير ضعيف جدا فإن غيب السماوات والأرض أوسع من ذلك بكثير، ومن ناحية أخرى فإن كلا من الأكل أو القتل لم يكن حاصلا عندما وجه الله إلى الملائكة هذا الخطاب.
وذهب بعضهم إلى أن غيب السماوات هو ما قضاه من أمور خلقه، وغيب الأرض هو ما فعلوه فيها بعد القضاء.
وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا الغيب أحوال آدم التي علمها الله سبحانه قبل خلقه، وهذا من باب قصر عموم اللفظ على خصوص السبب، والمعول على ما صححه الأصوليون من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ وإنما دخول السبب الخاص في المراد من اللفظ العام أولوي لأنه مقطوع به، وإبقاء اللفظ هنا على عمومه أليق بكمال الله الذي أحاط بكل شيء علما.
والاستفهام في قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ...} تقريري، فإن ذلك القول لا ريب في وقوعه، والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه، ومن شأن الاستفهام التقريري إذا أريد به إثبات شيء أن يدخل عليه منفيا نحو قوله تعالى:
{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [الانشراح: 1]، وقوله: { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [المرسلات: 20]، وما في هذه الآية، وهذا لأن في الاستفهام معنى النفي، ونفي النفي اثبات ولذلك إذا أدخل على ما يراد نفيه لم يقترن بحرف النفي نحو قوله عز وجل: { أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ } [الواقعة: 59]، وقوله: { ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } [يونس: 59]، وقوله: { أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [المائدة: 116]، ولا داعي إلى ما قاله ابن عاشور من أن أداة النفي مقحمة وأن ذلك غالبي في الإِستفهام التقريري لقصد التوسيع على المقرَّر حتى يُخيل إليه أنه يُسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسع المقرِّر عليه ذلك ولكنه يُتحقق أنه لا يستطيع إنكاره، فلذلك يقرره على نفيه، فإذا أقر كان إقراره لازما له لا مناص له منه، وأخرج ابن عاشور من هذا الغالب نحو {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ}، وقوله: { قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ } [الأنبياء: 62]، وفي كلامه ما لا يخفى من الخلط بين ما يراد به الإِثبات وما يراد به النفي، وقد علمت الفرق بينهما.
ماذا يبدي الملائكة ويكتمون؟
واختلف في المراد بما يبدون وما كانوا يكتمون، قيل ما يبدونه هو قولهم:
{ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ } [البقرة: 30] وما كانوا يكتمونه هو ما كان ابليس ينطوي عليه من العجب والكبر، أخرج هذا القول ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، واختاره ابن جرير وحمل اسناد ما كان ينطوي عليه إبليس إليهم على مثل ما تقول العرب قُتل الجيش وهُزموا، وإن كان المقتول أو المهزوم واحد منهم، ومثله في القرآن: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ } [الحجرات: 4] مع أن المنادي لم يكن إلا واحدا من بني تميم، وروى ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن المراد به أن الله يعلم السر كما يعلم العلانية، وقد علم من أمر إبليس ما لم يعلموا إذ قالوا: { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } [البقرة: 30].
وروى عن أبي العالية والربيع ابن أنس والحسن وقتادة: أن المراد بما يكتمونه هو قولهم فيما بينهم لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه وذلك عندما رأوا خلقه آدم حسبما روى ابن جرير وغيره، وإنما عُدَّ ذلك مما يكتمونه مع إفضاء بعضهم به إلى بعض لأن هذا الإِفضاء لم يكن إلى عموم الملائكة بل كان افضاءاً محدودا حسبما قيل، وفي المنار عن الإِمام محمد عبده أن الذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم، وقد جيء بكان الدالة على المضي مع ذكر الكتمان دون الإِبداء، قيل لأن كتمانهم كان فيما سبق أما بعد أن كشف الله أمرهم فلم يكن كتمان، والأظهر أنها أريد بها تعميق مفهوم خبرها وهو ضرب من التأكيد كثيرا ما يجيء في القرآن نحو قوله تعالى:
{ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } [الفتح: 14]، ففائدتها في هذا الكلام تأكيد أنهم كتموا ما كتموه حرصا منهم على أن لا يبدو شيء منه لغيرهم.
ومما يُستفاد من هذا الدرس وجوب مراقبة النفس في كل ما يلم بها من الخواطر وينتابها من الأفكار فإن الله سبحانه عليم بطوايا الصدور وخفايا الأمور فلا يخفى عليه شيء مما يتلجلج في صدر أحد، وبحصول هذه المراقبة من الانسان لنفسه يكون يقظا في أمره، بصيرا بما يأتي وما يذر.