خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٧٤
-البقرة

جواهر التفسير

عطف المذكور هنا على ما قبله بـ"ثم" لإِفادة المهلة الرتبية التي كثيرا ما تفيدها هذه الأداة العاطفة في عطف الجمل بعضها على بعض، وذلك أن من شأن الآيات الجلية والمعجزات الحسية أن ترق لها القلوب وتتأثر بها النفوس فإذا كانت آثارها عكس ذلك فهي حرية بأن يعجب منها ويستغرب من شأنها.
فمع ما ذكر من الآيات لا يبقى في نفوس السامعين شك في أن الذين خصوا بها سيقلعون عن كل غي ويرجعون عن كل شطط إلا أن الواقع لما كان خلاف ذلك عطف بيانه بـ "ثم" للاتنقال بهم من النتيجة التي كانوا يرجونها إلى النتيجة التي صاروا يرونها.
والمشار إليه بذلك قيل هو هذه الآية وحدها وهي إحياء قتيل بضربه ببعض حيوان أُمِيت، وقيل: هو جميع الآيات والنعم والعقوبات التي تتابع ذكرها من قوله سبحانه: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ...} لأن كلا من ذلك من دواعي الرشد والإِقلاع عن كل غي، وكلا الأمرين محتمل.
وفي قوله: {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} تأكيد للتعجيب من حالهم.
وذهب الإِمام محمد عبده إلى أن الذين نودي عليهم بالقسوة هنا هم الذين جاءوا بعد سلفهم الأولين الذين شاهدوا تلك الآيات، واستدل لما ذهب إليه بهذا العطف المقتضي للمهلة، وهو قول غير سديد، فإن ثم كما تفيد المهلة الزمنية تفيد المهلة الرتبية، بل ذهب كثير من علماء الإِعراب إلى أنها إن عطفت جملة على أخرى لا تفيد إلا المهلة الرتبية، وقد سبق بيان ذلك، والتأريخ الإِسرائيلي المستفاد من القرآن ومما بأيدي اليهود أنفسهم من كتب يعتبرونها سواء كانت مقدسة أو غير مقدسة يدل على مدى قسوة قلوب الذين عاصرهم موسى عليه السلام منهم، وغلظ أكبادهم، والتواء مسلكهم، وهذا الذي أدى بهم إلى تحريم الأرض المقدسة عليهم، فبقوا في التيه يترددون أربعين سنة حتى انقرض ذلك الجيل وعقبه جيل له خصائص إيمانية ففتح الله على أيديهم الأرض واستخلفهم فيها، وجعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا، وآتاهم من فضله ما فضلهم به على عالمي زمانهم، حتى نشأ فيهم مرة أخرى الداء العضال الذي كان في آبائهم الأقدمين، فأبدلهم الله بقوتهم ضعفا، وباجتماعهم تشتتا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله.
وعلى قول الإِمام محمد عبده فالبعدية الواردة في الجملة المعطوفة - وهي قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} - واضحة لأنها بعدية زمانية، وأما على القول الذي اخترته فقد يتبادر منها إشكال، ذلك لأن القسوة حاصلة فيهم قبل القصة وأثناءها، وبعدها إن قلنا إن الاشارة بذلك خاصة بهذه القصة بالذات، كما أنها حاصلة فيهم في جميع أحوالهم وهم يرون آيات الله تعالى، وينعمون تارة بلطف آلائه، ويتململون أخرى تحت وطأة بلائه إن قلنا إن الإِشارة شاملة لكل ما سبق ذكره عنهم من إنجائهم من عدوهم، وابتلائهم مرة بالنعم وأخرى بالنقم، وينجلي عنكم غيم هذا الإِشكال عندما تعلمون أن البعدية لا يلزم أن تكون زمانية بل تكون أيضا باعتبار بُعدِ الوصف الذي يليها في الذكر في درجات الخير أو دركات الشر، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى:
{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } [القلم: 10-13]، فإن كونه عتلا وزنيما سابق في الوجود على الأوصاف المتقدمة في الذكر، لأنهما صفتا ذات، وتلك صفات فعل، وإنما ذكرا إثر "بعد" للاعتبار الذي ذكرته.
والقسوة الشدة والصلابة، وهي وضعا خاصة بالأجسام كالصخر والحديد، ثم استعملت في المعاني كالعقل والوجدان، وهما المعبر عنهما بالقلوب هنا، وفي كثير من آيات القرآن، وطريقة هذا الاستعمال ما يسمى الاستعارة بالكناية، فإن من شأن الأجسام القاسية كالصلد والحديد أن لا يتخللها الماء ولا الهواء، وكذا القلوب المراد بها العقل والوجدان، فإن الموعظة والتذكير لا يجدان إليها سبيلا، فأشبهت الأجسام الصامتة وقد شاع هذا الاستعمال وصار مجازا مشهورا لا يحتاج إلى قرينة حتى عده بعضهم حقيقة عرفية.
وبعد هذا الوصف الموحى بالتشبيه صرح به قوله: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} لتجلية المفهوم المعنوي في صورة المشاهد الحسي، فإن الناس أدرى بما يحسونه منهم بما يفهمونه، وقد بٌني هذا التشبيه على ما قبله بالفاء للإِشعار بأنه مفرع عنه.
و"أو" موضوعة للشك، وهو مستحيل في جانب من يعلم الخفايا كالظواهر، وإنما روعي المخاطبون وما هم به أحرياء من الشك في مدى قسوة أولئك المعنيين، هل هي كقسوة الحجارة - التي اشتهرت بشدة القسوة في أوساط الناس، خصوصا في جزيرة العرب حيث تنزل القرآن، لما فيها من الجبال الغليظة ذات الصخور الصلدة - أو أشد منها كالأجسام المتلاحمة ذراتها كالحديد؟ وقيل: إن "أو" للإِضراب كما هي في قوله تعالى:
{ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } [الصافات: 147]، أي بل يزيدون، وعليه فإن قلوب هؤلاء جديرة بتشبيهها بما هو أقسى من الحجارة، وإنما ذكرت الحجارة في التشيبه لمعرفة الناس بها، وكونها عندهم مثلا في الغلظة.
وقيل هي معنى الواو نحو قوله تعالى:
{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [الانسان: 24]، أي وكفورا، لأن الكفور لا يكون إلا آثما، وقيل هي للتخيير نحو قوله تعالى: { أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } [المائدة: 89]، ومقتضى هذا التخيير أن السامع مخير بين تشبيه قسوتهم بالحجارة وتشبيهها بما هو أغلظ منها، وقيل: هي للتنويع، فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أقسى منها لأن القساة متفاوتون في إظلام عقولهم، وغلظة أحاسيسهم، وتعنتهم على الحق، ومقاومتهم لأهله، وسائر أوصاف الشر، كما أن ذوي العقول النيرة والمشاعر الرقيقة متفاوتون أيضا في أوصاف الخير، وهو رأي سائغ.
وبعد هذا التأكيد على تفوق قلوبهم في القسوة ذكر سبحانه وتعالى ما للحجارة من مزايا خيرية ليست في هذه القلوب ليكون في ذلك دليل على التفاوت بين قلوبهم المشبهة والحجارة المشبهة بها وتفوق قلوبهم في وجه الشبه وهو القسوة، وصُدور ذلك بإن التوكيدية المفيدة لأهمية خبرها والمؤذنة بالتعليل.
ومن لطائف التعبير اتباع أداة التأكيد المصدر بها بمن المفيدة للتبعيض للإِيذان بأن الأحجار ليست كلها مشتركة في هذه المزية، وإنما هي لنوع خاص منها، وهو ما يفيده علم طبقات الأرض الحديث، وخلاصته: (أن مياه الأمطار النازلة على الأرض تتخللها تدريجيا حسبما تقتضيه سنة الجاذبية في النزول إلى الأسفل، فإذا تكاثر تصاعد إما لضغط ثقله عليه أو لضغوط أهوية الأرض، ولا تقف في وجه تصاعده الطبقات الترابية لعجزها عن مقاومته فإن من شأن التراب أن يتخلله الماء، ولكن تعترضه الطبقات الصخرية فتمنعه من تصاعده إلا إن كانت هذ الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماء مختلطا بأجزاء من معدن الحامض الفحمي الذي له خاصية تحليل الكلس، ففي هذه الحالة تتشقق تلك الصخور فيخرج منها لماء نابعا كالعيون، وإذا اجتمعت هذه العيون في موضع نشأت عنها الأنهار الكبيرة، وأما غير الصخور الكلسية فلا يفتتها الماء إلا إذا اقترن بعوامل أخرى كالزلازل).
وهذه الدقة في التعبير كما تعد أسلوبا بيانيا بليغا صالحة لأن تعد من وجوه الإِعجاز العلمي في هذا الكتاب المنزل في وقت لم يدرس فيه علم طبقات الأرض.
ولأولي العناية بإعراب القرآن أقوال في الواو من قوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ} أظهرها ما استظهره ابن عاشور أنها اعتراضية، وأن هذه الجملة وما يليها جمل معترضة بين قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وجملة الحال منها وهي قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
واختلف في المراد بالخشية من قوله سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} فأكثر مفسري السلف ومن تبعهم يرونها خشية حقيقية تكون في الأحجار وغيرها من مخلوقات الله نعجز عن تصور كيفيتها، وذهب بعض السلف وكثير من الخلف إلى أنها ليست حقيقة لأنها في الأصل خوف باعث على اتقاء الخائف سخط المخوف، وحقيقتها الشرعية امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الإِمتثال، ولما تعذر ذلك في الجمادات - حسب رأيهم - حملوه على قبول الأمر التكويني، وجعلوه من باب المجاز المرسل بعلاقة التقييد والإِطلاق، أو تمثيلا للهيئة الحاصلة من الجماد عند التكوين بهيئة المكلف حال الامتثال.
وبالغ ابن حزم في كتابه "الفصل" في الرد على أصحاب القول الأول مستندا في ذلك إلى أن الخشية ليست إلا نتيجة الإِدراك ولا إدارك للجماد، وأن الحجارة - وغيرها من الجمادات - لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها رسول، وكذب من قال إن للحيوان والجماد تمييزا، وادعى أن العيان يكذب قائل ذلك، وخرج هذه الآية على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ} راجعا إلى القلوب المذكرة في صدر الآية في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، ومعنى ذلك أن من تلك القلوب القاسية ما يلين فيهبط عن تلك القسوة الى الرقة فيما زجه الإِيمان، وهذا كما يشاهد من تحول الكافر إلى الإِيمان، والعاصي إلى الطاعة وقد حصل ذلك في أهل الكتاب كما يقتضيه قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}.
ثانيها: ما ذكرته من قبل عن الذين فسروا الخشية بقبول الأمر التكويني.
ثالثها: أن المراد بـ {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} الجبل الذي جعله الله دكا بتجليه له لبيان استحالة رؤيته، لكونه من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وعد ابن حزم هذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة، وبناء على ذلك فقد حمل "يهبط" على معنى "هبط" كقوله تعالى:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الأنفال: 30]، ومعناه وإذ مكر واستدل لتعذر إدراكها بقوله تعالى - حاكيا إنكار الخليل ابراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الحجارة - { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ } [مريم: 42]، ومثله قوله: { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } [الزمر: 43]، وذهب ابن حزم إلى أن كل ما روي من الأحاديث الدالة على خلاف هذا من الخرافات الموضوعة التي نقلها كل كذاب وضعيف، ولا يصح منها شيء من طريق الإِسناد أصلا، واستأنس لقوله هذا بأنه لم يُدخل شيئا من هذه الأحاديث من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث أو ما تستجاز روايته مما يقارب الصحة.
وهذا كله عناء فيما لا جدوى منه، وفرار من الحقيقة إلى الوهم، فإن كتاب الله تعالى يصرح لنا بأوضح عبارة أن الكائنات على اختلافها خاشعة لله، مسبحة بحمده، ساجدة لجلاله، وهذا لا ينافي كون الجمادات لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر لأنه من غير المستحيل أن يكون لها إدارك خاص لعظمة الله يختلف عن إدراك أجناس العقلاء، ومن النصوص الواضحة في ذلك قوله تعالى:
{ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21]، وقوله: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب: 72]، وأخبرنا في آيات كثيرة وفي سور متعددة أن الكائنات بأسرها تسبح بحمده، ومن ذلك قوله تعالى: { تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء: 44]، ولا عبرة بقول من زعم أن هذا التسبيح هو مجرد الدلالة على وجود الله وعلى تنزهه من النقائص، فإن هذه الدلالة آية بينة لكل أحد تتجلى لجميع الأبصار ويقرع صوتها جميع الأسماع إلا من تعامى عنها وتصامم، فلو كانت هي المراد بالتسبيح لم يكن معنى لما في الآية من استدراك وهو قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} فإنه واضح وضوح الشمس أن تسبيح غامض ليس في وسع الأفهام إدراكه، ومثل ذلك اخباره عز وجل بسجود الجمادات له في قوله: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ } [الحج: 18].
وانكار ابن حزم ورود شيء من الأحاديث الصحيحة بما يفيد خلاف قوله مردود بما في صحيح مسلم مرفوعا:
"إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث" . ونحوه أنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه.
وحمل الخشية في الآية على أي وجه من الوجوه التي اختارها ضعيف.
أما الأول ففيه خروج عما يقتضيه السياق بغير قرينة، ولبس فيما تعود إليه الضمائر، وما استشهد به له من قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية، ليس شاهدا على ما ذهب إليه، فإن الآية في طائفة خاصة من أهل الكتاب ليسوا من ضمن هؤلاء القساة المعنيين في هذه الآية وإنما هم الذين وصفهم الله بقوله:
{ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف: 159]، قوله: { ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } [القصص: 52-53]، ويكفي أن الله وصفهم في آخر الآية التي استشهد بها بقوله: {خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، فأين هذه الصفات من أولئك القساة الذين حرفوا الكلم عن موضعه ونسوا حظا مما ذكروا به؟ وحكى الألوسي هذا الوجه قولا لأبي مسلم، ووصفه بأنه أكثف من الحجر، وقرنه بقول آخر لم ينسبه إلى أحد، وهو أن الخشية هنا حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البَردُ، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله، ووصف هذا القول بأنه أبرد من الثلج.
وأما الثاني فهو ينافي ما أريد به من تأكيد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لأنها مشتركة معها في هذا الوصف وهو قبول الأمر التكويني، فإن الإِنسان مهما كانت قسوته لا يخرج عن السنن الكونية العامة في ذلك، وليست أنفاسه المتلاحقة ونبضاته المتتابعة وسائر حركاته الفطرية إلا مظهرا من مظاهر هذا القبول وللأمر التكويني والإِنسجام مع نواميس الوجود.
وأما الثالث فالتكلف فيه واضح لأن المتبادر من قوله: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أن هذه حالة مستمرة في بعض الأحجار، فحصره في حالة مضت دون غيرها حمل للكلام على ما لا يدل عليه، والفعل المضارع موضوع للحال والاستقبال، ولا يحمل على الأحداث الماضية إلا بقرينة، وما من قرينة على ذلك هنا. وأما قوله سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فقرينة المضي هنا واضحة وهي "إذ" التي لا تدل إلا على ظرف زماني مضى.
فنخلص من هذا كله إلى أن القول الصحيح في الآية هو القول الأول مع سكوتنا عن كيفية هذه الخشية وتفويض علم ذلك إلى الله عز وجل.
ولا شكل كون هذا الهبوط ناشئا عن أسباب طبيعية كالزلازل والإِنفجارات البركانية، والعواصف والأمطار والسيول، إذ لا يبعد أن تكون وراء الأسباب الطبيعية الظاهرة حقائق روحية خفية، وذلك كتسبيح الرعد بحمد الله الذي نص عليه القرآن مع أن كلا من الرعد والبرق ظاهرة كونية ناشئة عن أسباب طبيعية معلومة.
هذا وذهب جماعة من المفسرين إلى أن مفاد قوله: {مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} مفاد من أجلك في قولهم: فعلت هذا من أجلك، ومحصله أن هبوط الحجارة لأجل إثارة الخشية في نفوس العباد لما يقترن به من أمور مزعجة كالزلازل والبراكين.
وحكى علامة الشام القاسمي في تفسيره "محاسن التأويل" عن الإِمام الراغب أنه حاول التوسط في تفسيره للآية بين آراء السلف والخلف بعبارة تقارب بينها، فقسم المعارف إلى خمسة أقسام:
1-المعرقة التامة وهي العلم المطلق الذي لا يكون إلا لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما.
2-المعرفة النامية وهي خاصة بالإِنسان الذي آتاه الله معرفة غريزية وجعل له بذلك سبيلا إلى تعرف كثير مما لم يعرف.
3-معرفة دون ذلك وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإِيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها، واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها.
4-معرفة الناميات من الأشجار والنباتات وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها.
5-معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به، كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلو، وذلك بتسخير الله تعالى بلا اختيار منه.
وأتبع ذلك أن الدلالة على هذا كون كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرا أبي إلا العود إليه طوعا، وأن مما يوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه ويأبى الماء الذي يطفئه، وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره، ونسب الراغب هذا التفصل الى قوم من المتقدمين، وبنى عليه أنه إذا قيل لهذه الأشياء معرفة فليس ببعيد متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة، فأما اذا قيل إن للجمادات معارف الإِنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول، واستحسن هذا التأويل منه العلامة القاسمي.
وفي هذا التقسيم خلط بين المعرفة - التي هي الإِدراك - والقوى الطبيعية، الاضطرارية مع أن الفارق بينهما واضح، والخشية المعنية هنا ليست من باب ما أشار اليه، وإنما هي من باب عرض الأمانة المذكور في آخر الأحزاب، والسجود المذكور في سورة الحج والتسبيح المذكور في كثير من السور.
وجملة: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} حال من فاعل "قست" وتذييل للآية الكريمة ينطوي على تهديد لأولئك القساة بأن الله يحصى أعمالهم ويتولى جزاءهم فلا مفر لهم من بطشه، ولا مناص لهم عن حكمه، وهو بتاء الخطاب في قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير من السبعة وخلف ويعقوب من العشرة "يعملون" بياء الغيبة للانتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين تمهيدا لما يأتي في الآية المستقبلة وما بعدها.