خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
٨٦
-النساء

روح المعاني

{وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ} ترغيب كما قال شيخ الإسلام: في فرد شائع من [أفراد] الشفاعة الحسنة إثر ما رغب فيها على الإطلاق وحذر عما يقابلها من الشفاعة السيئة، فإن تحية الإسلام من المسلم شفاعة منه لأخيه عند الله عز وجل، وهذا أولى في الارتباط مما قاله الطبرسي: «إنه لما كان المراد بالسلام المسالمة التي هي ضد الحرب ـ وقد تقدم ذكر القتال ـ عقبه به للإشارة إلى الكف عمن ألقى إلى المؤمنين السلم وحياهم بتحية الإسلام»، والتحية مصدر حيـي أصلها تحيية ـ [كتتمية]، وتزكية ـ وأصل الأصل تحيـي بثلاث ياءات فحذفت الأخيرة وعوض عنها هاء التأنيث ونقلت حركة الياء الأولى إلى ما قبلها، ثم أدغمت وهي في الأصل كما قال الراغب: الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء، وكانت العرب إذا لقي بعضهم بعضاً تقول: حياك الله تعالى، ثم استعملها الشرع في السلام، وهو تحية الإسلام قال الله تعالى: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَـٰمٌ } [الأحزاب: 44] وقال سبحانه: { فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } [النور: 61]، وفيه على ما قالوا: مزية على قولهم: حياك الله تعالى لما أنه دعاء بالسلامة عن الآفات، وربما تستلزم طول الحياة، وليس في ذلك سوى الدعاء بطول الحياة أو به وبالملك، ورب حياة الموت خير منها.

ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حرّ تصدق بالممات على أخيه

وقال آخر:

ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفاً باله قليل الرجاء

ولأن السلام من أسمائه تعالى والبداءة بذكره مما لا ريب في فضله ومزيته أي إذا سلم عليكم من جهة المؤمنين / كما قال الحسن وعطاء، أو مطلقاً كما أخرج ابن أبـي شيبة والبخاري في «الأدب» وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

{فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا} أي بتحية أحسن من التحية التي حييتم بها بأن تقولوا وعليكم السلام ورحمة الله تعالى إن اقتصر المسلم على الأول، وبأن تزيدوا وبركاته إن جمعهما المسلم وهي النهاية، فقد أخرج البيهقي عن عروة بن الزبير ـ أن رجلاً سلم عليه فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته فقال عروة: ما ترك لنا فضلاً إن السلام قد انتهى إلى وبركاته ـ وفي معناه ما أخرجه الإمام أحمد والطبراني عن سلمان الفارسي مرفوعاً وذلك لانتظام تلك التحية لجميع فنون المطالب التي هي السلامة عن المضار، ونيل المنافع ودوامها ونمائها، وقيل: يزيد المحيـي إذا جمع المحيـي الثلاثة له، فقد أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عن سالم مولى عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر إذا سلم عليه فرد زاد فأتيته فقلت: السلام عليكم فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى، ثم أتيته مرة أخرى فقلت: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيب صلواته، ولا يتعين ما ذكر للزيادة، فقد ورد خبر رواه أبو داود والبيهقي عن معاذ زيادة ومغفرته، فما في «الدر» من أن المراد لا يزيد على ـ وبركاته ـ غير مجمع عليه.

{أَوْ رُدُّوهَا} أي حيوا بمثلها؛ و {أَوْ} للتخيير بين الزيادة وتركها، والظاهر أن الأول هو الأفضل في الجواب، بل لو زاد المسلم على السلام عليكم كان أفضل، فقد أخرج البيهقي عن سهل بن حنيف قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: السلام عليكم كتب الله تعالى له عشر حسنات فإن قال السلام عليكم ورحمة الله تعالى كتب الله تعالى له عشرين حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كتب الله تعالى له ثلاثين حسنة" وورد في معناه غير ما خبر. «وقد نصوا على أن جواب ـ السلام ـ المسنون واجب، ووجوبه على الكفاية، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم [لحقه] لأن الحق لله تعالى، ودليل الوجوب الكفائي خبر أبـي داود، وفي معناه ما أخرجه البيهقي عن زيد بن أسلم ولم يضعفه ـ «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزي عن الجلوس أن يردّ أحدهم» فبه يسقط الوجوب عن الباقين (ويختص بالثواب) فلو ردوا كلهم ولو مرتباً أثيبوا ثواب الواجب» وفي «المبتغى» يسقط عن الباقين برد صبـي يعقل لأنه من أهل إقامة الفرض في الجملة بدليل حل ذبيحته، وقيل: لا، وظاهر «النهاية» ترجيحه ـ وعليه الشافعية ـ قالوا: «ولو رد صبـي أو [من] لم يسمع منهم لم يسقط بخلاف نظيره في الجنازة لأن القصد ثم الدعاء، وهو منه أقرب للإجابة، وهنا الأمن، وهو ليس من أهله وقضيته أنه يجزىء تشميت الصبـي عن جمع لأن القصد التبرك والدعاء ـ كصلاة الجنازة» ـ ويسقط بردّ العجوز. وفي رد الشابة قولان عندنا، وعند الشافعية لو ردّت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها وعليه فلا يختص بالعجوز بل المحرم وأمة الرجل وزوجته كذلك، وفي «تحفتهم» ويدخل في المسنون سلام امرأة على امرأة أو نحو محرم أو سيد أو زوج، وكذا على أجنبـي وهي عجوز لا تشتهى، ويلزمها في هذه الصورة ردّ سلام الرجل، أما مشتهاة ليس معها امرأة أخرى فيحرم عليها ردّ سلام أجنبـي، ومثله ابتداءُه، ويكره له رد سلامها ومثله ابتداءُه أيضاً، والفرق أن ردها وابتداءها يطمعه فيها أكثر بخلاف ابتدائه ورده؛ والخنثى مع رجل كامرأة ومع امرأة كرجل في النظر فكذا هنا، ولو سلم على جمع نسوة وجب ردّ إحداهن إذ لا يخشى فتنة حينئذٍ، ومن ثَمَّ حلت الخلوة بامرأتين، والظاهر أن الأمرد هنا كالرجل ابتداءاً وردّاً، وفي «الدر المختار» لو قال: / السلام عليك يا زيد لم يسقط برد غيره، ولو قال: يا فلان أو أشار لمعين سقط، ولو سلم جمع مترتبون على واحد فرد مرة قاصداً جميعهم، وكذا لو أطلق على الأوجه أجزأه ما لم يحصل فصل ضار، ولا بدّ في الابتداء والردّ من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ولو في ثقيل السمع، نعم إن مرّ عليه سريعاً بحيث لم يبلغه صوته فالذي يظهر أنه يلزمه الرفع وسعه، ولا يجهر بالرد الجهر الكثير، والمروي عن الإمام رضي الله تعالى عنه لعله مقيد بغير هذه الصورة دون العدو خلفه، واستظهر أنه لا بد من سماع جميع الصيغة ابتداءاً ورداً، والفرق بينه وبين إجابة أذان سمع بعضه ظاهر، ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ، ولكن لا يزيد في الجواب على قوله: وعليك كما في «الخانية»، وروي ذلك مرفوعاً في «الصحيح»، ولا يسلم ابتداءاً على كافر لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" رواه البخاري؛ وأوجب بعض الشافعية ردّ سلام الذمي بعليك فقط، وهو الذي يقتضيه كلام «الروضة» لكن قال البلقيني والأذرعي والزركشي: إنه يسن ولا يجب، وعن الحسن يجوز أن يقال للكافر: وعليك السلام، ولا يقل رحمة الله تعالى فإنها استغفار، وعن الشعبـي أنه قال لنصراني سلم عليه ذلك ـ فقيل له فيه فقال: أليس في رحمة الله تعالى يعيش. وأخرج ابن المنذر من طريق يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال في الآية: إن ـ حيوا بأحسن منها ـ للمسلمين أو ردوها لأهل الكتاب، وورد مثله عن قتادة، ورخص بعض العلماء ابتداءهم به إذا دعت إليه داعية ويؤدي حينئذٍ بالسلام، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول للذمي ـ والظاهر عند الحاجة ـ السلام عليك ويريد ـ كما قال الله تعالى عليك ـ أي هو عدوك، ولا مانع عندي إن لم يقصد ذلك من أن يقصد الدعاء له بالسلامة بمعنى البقاء حياً ليسلم أو يعطي الجزية ذليلاً، وفي «الأشباه» النص على ذلك في الدعاء له بطول البقاء، بقي الخلاف في الاتيان بالواو عند الردّ له، وعامة المحدثين ـ كما قال الخطابـي ـ بإثباتها في الخبر غير سفيان بن عيينة فإنه يرويه بغير واو، واستصوب لأن الواو تقتضي الاشتراك معه، والدخول فيما قال، وهو قد يقول السام عليكم كما يدل عليه خبر عمر رضي الله تعالى عنه، ووجه العلامة الطيبـي إثباتها بأن مدخولها قد يقطع عما عطف عليه لإفادة العموم بحسب اقتضاء المقام فيقدر هنا عليكم اللعنة، أو الغضب، وعليكم ما قلتم، ولا يخفى خفاء ذلك، وإن أيده بما ظنه شيئاً فالأولى ما في «الكشف» من أن رواية الجمهور هو الصواب وهما مشتركان في أنهما على سبيل الدعاء. ولكن يستجاب دعاء المسلم على الكافر ولا يستجاب دعاؤه عليه، فقد جاء في «الصحيح» عن النبـي صلى الله عليه وسلم "لما قالت عائشة في رهط اليهود القائلين له عليه الصلاة والسلام: السام عليك، بل عليكم السام واللعنة، أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا تكوني فاحشة، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟! قال: رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في" ويجب في الردّ على الأصم الجمع بين اللفظ والإشارة ليعلم، بل العلم هو المدار، ولا يلزمه الرد إلا إن جمع له المسلم عليه بينهما، وتكفي إشارة الأخرس ابتداءاً ورداً ويجب ردّ جواب كتاب التحية كردّ السلام. وعند الشافعية يكفي جوابه كتابة ويجب فيها ـ إن لم يرد لفظاً ـ الفور فيما يظهر، ويحتمل خلافه، ولو قال لآخر: أقرىء فلاناً السلام يجب عليه أن يبلغه وعللوه بأن ذلك أمانة ويجب أداؤهما، ويؤخذ منه أن محله ما إذا رضي بتحمل تلك الأمانة أما لو ردها فلا، وكذا إن سكت أخذاً من قولهم: لا ينسب لساكت قول، / ويحتمل التفصيل بين أن تظهر منه قرينة تدل على الرضا وعدمه، وإذا قلنا بالوجوب، فالظاهر عند بعض أنه لا يلزمه قصد الموصي له بل إذا اجتمع به وذكر بلغه، وقال بعض المحققين الذي يتجه أنه يلزمه قصد محله حيث لا مشقة شديدة عرفاً عليه لأن أداء الأمانة ما أمكن واجب، وفرق بعضهم بين أن يقول المرسل: قل له فلان يقول: السلام عليك وبين ما لو قال له سلم لي، والظاهر عدم الفرق وفاقاً لما نقل عن النووي فيجب فيهما الرد ويسن الردّ على المبلغ والبداءة فيقول: وعليك وعليه السلام للخبر المشهور فيه.

وأوجبوا ردّ سلام صبـي أو مجنون مميز، وكذا سكران مميز لم يعص بسكره، وقول «المجموع»: لا يجب ردّ سلام مجنون وسكران يحمل على غير المميز وزعم أن الجنون والسكر ينافيان التمييز غفلة عما صرحوا به من عدم التنافي، ولا يجب ردّ سلام فاسق أو مبتدع زجراً له أو لغيره، وإن شرع سلامه، وكذا لا يجب ردّ سلام السائل لأنه ليس للتحية بل لأجل أن يعطى، ولا ردّ سلام المتحلل من الصلاة إذا نوى الحاضر عنده على الأوجه لأن المهم له التحلل وقصد الحاضر به لتعود عليه بركته وذلك حاصل وإن لم يرد، وإنما حنث به الحالف على ترك الكلام والسلام لأن المدار فيهما على صدق الاسم لا غير، وقد نص على ذلك علماء الشافعية ولم أر لأصحابنا سوى التصريح بالحنث فيمن حلف لا يكلم زيداً فسلم على جماعة هو فيهم، وأما التصريح بهذه المسألة فلم أره، وصرح في «الضياء» بعدم وجوب الردّ لو قال المسلم: السلام عليكم بجزم الميم، وكأنه على ما في «تحفتنا» لمخالفة السنة، وعليه لو رفع الميم بلا تنوين ولا تعريف كان كجزم الميم في عدم وجوب الرد لمخالفته السنة أيضاً.

وجزم غير واحد من الشافعية أن صيغة السلام ابتداءاً وجواباً عليك السلام وعكسه، وأنه يجوز تنكير لفظه وإن حذف التنوين، وأنه يجزىء سلاماً عليكم، وكذا سلام الله تعالى، بل وسلامي عليك وعكسه، واستظهر إجزاء سلمت عليك، وأنا مسلم عليك، ونحو ذلك أخذاً مما ذكروه أنه يجزىء في التشهد صلى الله تعالى على محمد والصلاة على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونحوهما، ولا بأس فيما قالوه عندي، ولعل تفسير تحية في الآية لتشمل كل هذه الصيغ، وقال بعض الجماعة: السلام معرفة تحية الأحياء ونكرة تحية الموتى، ورووا في ذلك خبراً والشيعة ينكرون مطلقاً وينكرون.

وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر وأبـي هريرة وأنس «أن السلام في السلام اسم من أسماء الله تعالى» وهذا يقتضي أولوية التعريف أيضاً فافهم، والأفضل في الرد واو قبله، ويجزىء بدونه على الصحيح، ويضر في الابتداء كالاقتصار في أحدهما على أحد جزئي الجملة، وإن نوى إضمار الآخر، وفي «الكشف» ما يؤيده، والخبر الذي فيه الاكتفاء ـ بو عليك ـ في الجواب لا يراد منه الاكتفاء على هذه اللفظة، بل المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم أجاب بمثل ما سلم به عليه، ولم يزد كما يشعر به آخره، وذكر الطحاوي أن المستحب الرد على طهارة أو تيمم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي الجهم قال: "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغائط فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد على الرجل السلام" والظاهر عدم الفرق بين الرد والابتداء في ذلك، ويسن السلام عيناً للواحد وكفاية للجماعة كما أشرنا إليه ابتداءاً عند إقباله وانصرافه للخبر الصحيح الحسن «إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم السلام»، وفارق الرد بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء، وأفتى غير واحد بأن الابتداء أفضل ـ كإبراء المعسر أفضل من إنظاره ـ ويؤخذ من قولهم: ابتداءاً أنه لو أتى به بعد تكلم لم / يعتد به، نعم يحتمل في تكلم سهواً أو جهلاً، وعذر به أنه لا يفوت الابتداء فيجب جوابه، ومثل ذلك بل أولى لمشروعيته الكلام للاستئذان، فقد صرحوا بأنه إذا أتى دار إنسان يجب أن يستأذن قبل السلام، ويسن إظهار البشر عنده، فقد أخرج البيهقي عن الحسن قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الصدقة أن تسلم على الناس وأنت منطلق الوجه" وعن عمر «إذا التقى المؤمنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وتصافحا كان أحبهما إلى الله تعالى أحسنهما بشراً لصاحبه» ويسن عليكم في الواحد، وإن جاء في بعض الآثار بالإفراد نظراً لمن معه من الملائكة، ويقصدهم ليردوا عليه فينال بركة دعائهم، ولو دخل بيتاً ولم ير أحداً يقول: السلام علينا وعلى عباد الله تعالى الصالحين، فإن السكنة تردّ عليه، وفي «الآكام» إن في كل بيت سكنة من الجن، ويسن عند التلاقي سلام صغير على كبير، وماش على واقف أو مضطجع، وراكب عليهم، وراكب فرس على راكب حمار، وقليلين على كثيرين لأن نحو الماشي يخاف من نحو الراكب، ولزيادة نحو مرتبة الكبير على نحو الصغير، وخرج بالتلاقي الجالس والواقف والمضطجع، فكل من ورد على أحدهم يسلم عليه مطلقاً ولو سلم كل على الآخر فإن ترتبا كان الثاني جواباً أي ما لم يقصد به الابتداء وحده ـ كما قيل ـ وإلا لزم كلا الرد، وكره أصحابنا السلام في مواضع، وفي «النهر» عن صدر الدين الغزي:

سلامك مكروه على من ستسمع ومن بعد ما أبدى يسن ويشرع
مصل وتال ذاكر ومحدث خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع
مكرر فقه جالس لقضائه ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا
مؤذن أيضاً مع مقيم مدرس كذا الأجنبيات الفتيات أمنع
ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم ومن هو مع أهل له يتمتع
ودع كافراً أيضاً ومكشوف عورة ومن هو في حال التغوط أشنع
ودع آكلاً إلا إذا كنت جائعا وتعلم منه أنه ليس يمنع
كذلك أستاذ مغن مطير فهذا ختام والزيادة تنفع

فلو سلم على هؤلاء لا يستحق الرد عند بعضهم، وأوجب بعض الرد في بعضها وذكر الشافعية أن مستمع الخطيب يجب عليه الرد، وعندنا يحرم الرد كسائر الكلام بلا فرق بين قريب وبعيد على الأصح، وكرهوه لقاضي الحاجة ونحوه كالمجامع، وسنوه للآكل كسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم ويلزمه الرد حينئذٍ ولمن بالحمام ونحوهما باللفظ. ورجحوا أنه يسلم على من بمسلخه ولا يمنع كونه مأوى الشياطين فالسوق كذلك والسلام على من فيه مشروع، وإن اشتغل بمساومة ومعاملة ومصل ومؤذن بالإشارة، وإلا فبعد الفراغ إن قرب الفصل، وحرموا الرد على من سلم عليه نحو مرتد وحربـي، وندبه بعضهم على القارىء وإن اشتغل بالتدبر، وأوجب الرد عليه، ومحله في متدبر لم يستغرق التدبر قلبه وإلا لم يسن ابتداءاً، ولا جواب كالداعي المستغرق لأنه الآن بمنزلة غير المميز، بل ينبغي فيمن استغرقه الهم كذلك أن يكون حكمه ذلك، وصرحوا أيضاً بعدم السلام على فاسق بل يسن تركه على مجاهر بفسقه، ومرتكب ذنب عظيم لم يتب عنه، ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة، وعلى ملب وساجد وناعس ومتخاصمين بين يدي قاض، وأفتى بعضهم بكراهة حني الظهر، / وقال كثيرون: حرام للحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه، وعن التزام الغير وتقبيله، وأمر بمصافحته ما لم يكن ذمياً، وإلا فيكره للمسلم مصافحته بل يكفر إن قصد التبجيل كما يكفر بالسلام عليه كذلك.

وأفتى البعض أيضاً بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو الرأس أو يد أو رجل لا سيما لنحو غني لحديث: "من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه" وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبّل يد عمر رضي الله تعالى عنهما، ولا يعدّ ـ نحو صبحك الله تعالى بالخير، أو قواك الله تعالى ـ تحية ولا يستحق مبتدأ به جواباً، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحباً مثل ذلك في ذلك، وذكر أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، فقال الراد: عليك السلام فقط أجزأه لكنه خلاف الأولى، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر فيها دائر بين الجواب بالأحسن والجواب بالمثل، وليس ما ذكر شيئاً منهما، وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة الدين، وقيل: المراد بها الهدية والعطية، وأوجب القائل العوض أو الرد على المتهب ـ وهو قول قديم للشافعي ـ ونسب أيضاً لإمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعلل ذلك بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على الهدية وقد جاء إطلاقها عليها، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبـي:

قفى تغرم الأولى من اللحظ مقلتي بثانية والمتلف الشيء غارمه

وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية: أترون هذا في السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافه، فإن لم تجد فادع له واثن عليه عند إخوانه، ولعل مرادهرحمه الله تعالى قياس غير السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره لخفاء ذلك، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدى إلى الشخص مما تطيب به حياته {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء حَسِيباً} فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم؛ ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولاً أولياً.

هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ يُقَـٰتِلُونَ} أنفسهم {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} فيهلكونها بسيوف المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَـٰتِلُونَ} عقولهم وينازعونها {فِى سَبِيلِ} طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات {فَقَـٰتِلُواْ أَوْلِيَاء ٱلشَّيْطَـٰنِ} وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها { إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } [النساء: 76] فوليه ضعيف عاذ بقرملة {أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ} أي قال لهم المرصدون {كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} عن خاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ} حين أداء ما أمروا بأدائه {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ} لضعف استعدادهم {يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} فلا يستطيعون هجرهم، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم، أو إعراضهم عنهم، {وَقَالُواْ} بلسان الحال: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ} الآن {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ} وهو الموت الاضطراري، فالمنية ولا الدنية، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفاً من الملامة، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم ـ ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون ـ {قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} / فلا ينبغي أن يلاحظوا الناس في تركه وعدم الالتفات إليه {وَٱلأَخِرَةُ خَيْرٌ لّمَنِ ٱتَّقَىٰ} فينبغي أن يتحملوا الملامة في تحصيلها { وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [النساء: 77] مما كتب لكم فينبغي عدم خشية سوى الله تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ} وتفارقون ولا بد من تخشون فراقه إن سلكتم ففارقوهم بالسلوك وهو الموت الاختياري قبل أن تفارقوهم بالهلاك وهو الموت الاضطراري {وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} أي أجساد قوية:

فمن يك ذا عظم صليب رجابه ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره

{وَإِن تُصِبْهُمْ} أي المحجوبين {حَسَنَةٌ} أي شيء يلائم طباعهم {يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فيضيفونها إلى الله تعالى من فرح النفس ولذة الشهوة لاتبعت المعرفة والمحبة {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي شيء تنفر عنه طباعهم وإن كان على خلاف ذلك في نفس الأمر {يَقُولُواْ} لضيق أنفسهم {هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ} فيضيفونها إلى غيره تعالى ويرجعون إلى الأسباب لعدم رسوخ الإيمان الحقيقي في قلوبهم {قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهذا دعاء لهم إلى توحيد الأفعال، ونفي التأثير عن الأغيار، والإقرار بكونه سبحانه خالق الخير والشر {فَمَالِ هَٰـؤُلآءِ ٱلْقَوْمِ} المحجوبين { لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } [النساء: 78] لاحتجابهم بصفات النفوس وارتياج آذان قلوبهم التي هي أوعية السماع والوعي، ثم زاد سبحانه في البيان بقوله عز وجل: {مَّا أَصَـابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} صغرت أو عظمت {فَمِنَ ٱللَّهِ} تعالى أفاضها حسب الاستعداد الأصلي {وَمَا أَصَـابَكَ مِن سَيّئَةٍ} حقرت أو جلت {فَمِن نَّفْسِكَ} أي من قبلها بسبب الاستعداد الحادث بسبب ظهور النفس بالصفات والأفعال الحاجبة للقلب المكدرة لجوهره حتى احتاج إلى الصقل بالرزايا والمصائب والبلايا والنوائب، لا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره {وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} فأنت الرحمة لهم فلا يكون من عندك شر عليهم { وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } [النساء: 79] على ذلك { مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } [النساء: 80] لأنه صلى الله عليه وسلم مرآة الحق يتجلى منه للخلق، وقال بعض العارفين: إن باطن الآية إشارة إلى عين الجمع {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ} ليرشدهم إلى أنك رسول الله تعالى، وأن إطاعتك إطاعته سبحانه حيث إنه مشتمل على الفرق والجمع، وقيل: ألا يتدبرونه فيتعظون بكريم مواعظه ويتبعون محاسن أوامره، أو أفلا يتدبرونه ليعلموا أن الله جل شأنه تجلى لهم فيه { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } [النساء: 82] أي لوجدوا الكثير منه مختلفاً بلاغة وعدمها فيكون مثل كلام المخلوقين فيكون لهم مساغ إلى تكذيبه وعدم قبول شهادته، أو القول بأنه لا يصلح أن يكون مجلى لله تعالى، {وَإِذَا جَآءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} إخبار عمن في مبادي السلوك أي إذا ورد عليهم شيء من آثار الجمال أو الجلال أفشوه وأشاعوه {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي عرضوه {إِلَى ٱلرَّسُولِ} إلى ما علم من أحواله، وما كان عليه {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم الراشدون الكاملون الذين نالوا مقام الوراثة المحمدية {لَعَلِمَهُ} أي لعلم مآله وأنه مما يذاع أو أنه لا يذاع {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} ويتلقونه منهم أي من جهتهم وواسطة فيوضاتهم، والمراد بالموصول الرادون أنفسهم، وحاصل ذلك أنه لا ينبغي للمريد إذا عرض له في أثناء سيره وسلوكه شيء من آثار الجمال أو الجلال أن يفشيه لأحد قبل أن يعرضه على شيخه فيوقفه على حقيقة الحال فإن في إفشائه قبل ذلك ضرراً كثيراً {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أيها الناس بالواسطة العظمى رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَرَحْمَتُهُ} بالمرشدين الوارثين {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} والنفس أعظم جنوده إن لم تكنه { إِلاَّ قَلِيلاً } [النساء: 83] وهم السالكون بواسطة نور إلهي أفيض عليهم فاستغنوا به كبعض أهل الفترة، قيل: وهم على قدم الخليل عليه الصلاة والسلام {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} أي قاتل من يخالفك / وحدك {وَحَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} على أن يقاتلوا من يحول بينهم وبين ربهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ستروا أوصاف الربوبية {وَٱللَّهُ أَشَدُّ} منهم {بَأْسًا} أي نكاية {وَأَشَدَّ} منهم { تَنكِيلاً } [النساء: 84] أي تعذيباً {مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً} أي من يرافق نفسه على الطاعات {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا} أي حظ وافر من ثوابها {وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيّئَةً} أي من يرافق نفسه على معصية {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا} أي مثل مساو من عقابها { وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء مُّقِيتاً } [النساء: 85] فيوصل الثواب والعقاب إلى مستحقيهما {وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] تعليم لنوع من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وقيل: المعنى إذا منّ الله تعالى عليكم بعطية فابذلوا الأحسن من عطاياه أو تصدقوا بما أعطاكم وردوه إلى الله تعالى على يد المستحقين، والله تعالى خير الموفقين.