خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٨
-النحل

التحرير والتنوير

انتقال لحكاية مقالة أخرى من شنيع مقالاتهم في كفرهم، واستدلال من أدلّة تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يخبر به إظهاراً لدعوته في مظهر المحال، وذلك إنكارهم الحياة الثانية ولبعث بعد الموت. وذلك لم يتقدم له ذكر في هذه السورة سوى الاستطراد بقوله: { فالذين لا يؤمنون بالآخرة } [سورة النحل: 22].

والقسم على نفي البعث أرادوا به الدّلالة على يقينهم بانتفانه.

وتقدّم القول في جهد أيمانهم} عند قوله تعالى: { أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم } في سورة العقود (53).

وإنما أيقنوا بذلك وأقسموا عليه لأنّهم توهّموا أن سلامة الأجسام وعدم انخرامها شرط لقبولها الحياة، وقد رأوا أجساد الموتى معرّضة للاضمحلال فكيف تعاد كما كانت.

وجملة {لا يبعث الله من يموت} عطف بيان لجملة {أقسموا} وهي ما أقسموا عليه.

والبعث تقدّم آنفاً في قوله تعالى: { وما يشعرون أيّان يبعثون } [سورة النمل: 65].

والعدول عن (الموتى) إلى {من يموت} لقصد إيذان الصّلة بتعليل نفي البعث، فإن الصّلة أقوى دلالة على التعليل من دلالة المشتق على عليّة الاشتقاق، فهم جعلوا الاضمحلال منافياً لإعادة الحياة، كما حكي عنهم { وقال الذين كفروا أإذا كنا تراباً وآباؤنا أإنا لمخرجون } [سورة النمل: 67].

و{بَلى} حرف لإبطال النفي في الخبر والاستفهام، أي بل يبعثهم الله. وانتصب {وعداً} على المفعول المطلق مؤكداً لما دلّ عليْه حرف الإبطال من حصول البعث بعد الموت. ويسمى هذا النوع من المفعول المطلق مؤكداً لنفسه، أي مؤكداً لمعنى فعل هو عين معنى المفعول المطلق.

و{عليه} صفة لــــ{وعداً}، أي وعداً كالواجب عليه في أنه لا يقبل الخلف. ففي الكلام استعارة مكنية. شبه الوعد الذي وعده الله بمحض إرادته واختياره بالحقّ الواجب عليه ورُمز إليه بحرف الاستعلاء.

و{حقاً} صفة ثانية لــــ{وعداً}. والحقّ هنا بمعنى الصدق الذي لا يتخلّف. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: { وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن } في سورة براءة (111).

والمراد بأكثر الناس المشركون، وهم يومئذٍ أكثر الناس. ومعنى {لا يعلمون} أنهم لا يعلمون كيفيّة ذلك فيقيمون من الاستبعاد دليل استحالة حصول البعث بعد الفناء.

والاستدراك ناشىء عن جعله وعداً على الله حقّاً، إذ يتوهّم السامع أن مثل ذلك لا يجهله أحد فجاء الاستدراك لرفع هذا التوهّم، ولأن جملة {وعداً عليه حقاً} تقتضي إمكان وقوعه والناس يستبعدون ذلك.