خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً
٦
-الكهف

التحرير والتنوير

تفريع على جملة { { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً } } [الكهف: 4] باعتبارهم مكذبين كافرين بقرينة مقابلة المؤمنين بهم في قوله: { { وبشر المؤمنين } } [الكهف: 2] ثم قوله: { { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً } } [الكهف: 4].

و (لعل) حقيقتها إنشاء الرجاء والتوقع، وتستعمل في الإنكار والتحذير على طريقة المجاز المرسل لأنهما لا زمان لتوقع الأمر المكروه.

وهي هنا مستعملة في تحذير الرسول عليه الصلاة والسلام من الاغتمام والحزن على عدم إيمان من لم يؤمنوا من قومه. وذلك في معنى التسلية لقلة الاكتراث بهم.

والباخع: قاتل نفسه، كذا فسره ابن عباس ومجاهد والسدّي وابن جبير. وفسره البخاري بمهلك. وتفسيره يرجع إلى أبي عبيدة.

وفي اشتقاقه خلاف، فقيل مشتق من البِخاع بالباء الموحدة (بوزن كتاب) وهو عرق مستبطن في القفا فإذا بلغ الذابحُ البخاع فذلك أعمق الذبح، قاله الزمخشري في قوله تعالى: لعلك باخع نفسك في سورة الشعراء (3) وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في الكشاف} و «الفائق» و «الأساس». قال ابن الأثير في «النهاية»: «بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البِخاع بالموحدة» يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق وبإثبات البخاع اسماً لهذا العرق. قلت: كفى بالزمخشري حجة فيما أثبته. وقد تبعه عليه المطرزي في «المُغرب» وصاحب «القاموس». فالبخع: أصله أن يبلغ الذابح بالذبح إلى القفا ثم أطلق على القتل المشوب بغيظ.

والآثار: جمع أثر وهو ما يؤثره، أي يُبقيه الماشي أو الراكب في الرمل أو الأرض من مواطىء أقدامه وأخفاف راحلته. والأثر أيضاً ما يبقيه أهل الدار إذا ترحلوا عنها من تافه آلاتهم التي كانوا يعالجون بها شؤونهم كالأوتاد والرماد.

وحرف (على) للاستعلاء المجازي فيجوز أن يكون المعنى: لعلك مهلك نفسك لأجل إعراضهم عنك كما يُعرض السائر عن المكان الذي كان فيه، فتكون (على) للتعليل.

ويجوز أن يكون المعنى تمثيل حال الرسول صلى الله عليه وسلم في شدة حرصه على اتباع قومه له وفي غمه من إعراضهم. وتمثيل حالهم في النفور والإعراض بحال من فارقه أهله وأحبتُه فهو يرى آثار ديارهم ويحزن لفراقهم. ويكون حرف (على) ظرفاً مستقراً في موضع الحال من ضمير الخطاب، ومعنى (على) الاستعلاء المجازي وهو شدة الاتصال بالمكان.

وكأن هذا الكلام سيق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر أوقات رجائه في إيمانهم إيماء إلى أنهم غير صائرين إلى الإيمان، وتهيئة نفسه أن تتحمل ما سيلقاه من عنادهم رأفة من ربه به، ولذلك قال: {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث} بصيغة الفعل المضارع المقتضية الحصول في المستقبل، أي إن استمر عدم إيمانهم.

واسم الإشارة وبيانُه مراد به القرآن، لأنه لحضوره في الأذهان كأنه حاضر في مقام نزول الآية فأشير إليه بذلك الاعتبار. وبُيّن بأنه الحديث.

والحديث: الخبر. وإطلاق اسم الحديث على القرآن باعتبار أنه إخبار من الله لرسوله، إذ الحديث هو الكلام الطويل المتضمن أخباراً وقصصاً. سمي الحديث حديثاً باعتبار اشتماله على الأمر الحديث، أي الذي حدث وجَد، أي الأخبار المستجدة التي لا يعلمها المخاطب، فالحديث فعيل بمعنى مفعول. وانظر ما يأتي عند قوله تعالى: { { الله نزل أحسن الحديث } } في سورة الزمر (23).

و{أسفاً} مفعول له من {باخع نفسك} أي قاتلها لأجل شدة الحزن، والشرط معترض بين المفعولين، ولا جواب له للاستغناء عن الجواب بما قَبْل الشرط.