خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
٩٥
دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٩٦
-النساء

التحرير والتنوير

ولمّا لام الله بعض المجاهدين على ما صدر منهم من التعمّق في الغاية من الجهاد، عقَّب ذلك ببيان فضل المجاهدين كيْلا يكون ذلك اللومُ موهِماً انحطاط فضيلتهم في بعض أحوالهم، على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالبشارة دفعاً لليأس من الرحمة عن أنفُس المسلمين.

يقول العرب «لا يستوي وليس سواءً» بمعنى أنّ أحد المذكورين أفضل من الآخر. ويعتمدون في ذلك على القرينة الدالّة على تعيين المفضّل لأنّ من شأنه أن يكون أفضل. قال السموأل أو غيره:

فليس سواءً عالم وجهول

وقال تعالى: { ليسوا سواء } [آل عمران: 113]، وقد يُتبعونه بما يصرّح بوجه نفي السوائية: إمّا لخفائه كقوله تعالى: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } [الحديد: 10]، وقد يكون التصريح لمجرّد التأكيد كقوله: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } [الحشر: 20]. وإذ قد كان وجه التفاضل معلوماً في أكثر مواقع أمْثال هذا التركيب، صار في الغالب أمثال هذا التركيب مستعملة في معنى الكناية، وهو التعريض بالمفضول في تفريطه وزُهده فيما هو خير مع المكنة منه، وكذلك هو هنا لظهور أنّ القَاعد عن الجهاد لا يساوي المجاهد في فضيلة نصرة الدين، ولا في ثوابه على ذلك، فتعيّن التعريض بالقاعدين وتشنيع حالهم. وبهذا يظهر موقع الاستثناء بقوله: {غيرَ أولي الضرر} كيلا يحسِبَ أصحاب الضرر أنهم مقصودون بالتحريض فيَخرجوا مع المسلمين، فيكلفّوهم مؤونة نقلهم وحفظهم بلا جدوى، أو يظنّوا أنّهم مقصودون بالتعريض فتنكسر لذلك نفوسهم، زيادة على انكسارها بعجزهم، ولأنّ في استثنائهم إنصافاً لهم وعذراً بأنّهم لو كانوا قادرين لما قعدوا، فذلك الظنّ بالمؤمن، ولو كان المقصود صريحَ المعنى لما كان للاستثناء موقع. فاحفظوا هذا فالاستثناء مقصود، وله موقع من البلاغة لايضاع، ولو لم يذكر الاستثناء لكان تجاوز التعريض أصحاب الضرر معلومات في سياق الكلام فالاستثناء عدول عن الاعتماد على القرينة إلى التصريح باللفظ. ويدلّ لهذا ما في «الصحيحين»، عن زيد بن ثابت. أنّه قال: نزل الوحي على رسول الله وأنا إلى جنبه ثم سريّ عنه فقال: اكتُب، فكتبت في كَتف (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم)، وخَلْفَ النبي ابنُ أمّ مكتوم فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت مكانها {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرَ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله} الآية. فابن أمّ مكتوم فَهم المقصود من نفي الاستواء فظنّ أنّ التعريض يشمله وأمثاله، فإنّه من القاعدين، ولأجل هذا الظنّ عُدل عن حراسة المقام إلى صراحة الكلام، وهما حالان متساويان في عرف البلغاء، هما حال مراعاة خطاب الذكي وخطاب الغبي، فلذلك لم تكن زيادة الاستثناء مفيتة مقتضى حال من البلاغة، ولكنها معوّضته بنظيره لأنّ السامعين أصناف كثيرة.

وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر، وخلف: {غيرَ} ــــ بنصب الراء ــــ على الحال من {القاعدون}، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب ــــ بالرفع ــــ على النعت لــــ{القاعدون}.

وجاز في «غير» الرفعُ على النعت، والنصب على الحال، لأنّ (القاعدون) تعريفهُ للجنس فيجوز فيه مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى.

والضرر: المرض والعاهة من عمّى أو عرج أو زَمانةٍ، لأنّ هذه الصيغة لمصادر الأدواء ونحوها، وأشهر استعماله في العمى، ولذلك يقال للأعمى: ضرير، ولا يقال ذلك للأعرج والزمن، وأحسب أنّ المراد في هذه الآية خصوص العمى وأنّ غيره مقيس عليه.

والضرر مصدر ضرِر ــــ بكسر الراء ــــ مثل مرض، وهذه الزنة تجيء في العاهات ونحوها، مثل عَمي وعَرج وحَصر، ومصدرها مفتوح العين مثل العَرج، ولأجل خفّته ــــ بفتح العين ــــ امتنع إدغام المثلين فيه، فقيل: ضَرَر بالفكّ، وبخلاف الضُرّ الذي هو مصدر ضَرّه فهو واجب الإدغام إذ لا موجب للفكّ. ولا نعرف في كلام العرب إطلاق الضرر على غير العَاهات الضارّة؛ وأمّا ما روي من حديث "لا ضَرر ولا ضِرار" فهو نادرٌ أوْ جرى على الإتْباع والمزاوجة لاقترانه بلفظ ضِرَار وهو مفكّك. وزعم الجوهري أنّ ضرر اسم مصدر الضرّ، وفيه نظر؛ ولم يحفظ عن غيره ولا شاهد عليه.

وقوله: {بأموالهم وأنفسهم} لأنّ الجهاد يقتضي الأمرين: بذل النفس وبذل المال، إلاّ أنّ الجهاد على الحقيقة هو بذل النفس في سبيل الله ولو لم يتفق شيئاً، بل ولو كان كَلاًّ على المؤمنين، كما أنّ من بَذل المال لإعانة الغزاة، ولم يجاهد بنفسه، لا يسمّى مجاهداً وإن كان له أجر عظيم، وكذلك من حبسه العذر وكان يتمنّى زوال عذره واللحاق بالمجاهدين، له فضل عظيم، ولكن فضل الجهاد بالفعل لا يساويه فضل الآخرين.

وجملة: {فضّل الله المجاهدين} بيان لجملة: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين}.

وحقيقة الدرجة أنّها جزء من مكان يكون أعلى من جزء أخرَ متّصل به، بحيث تتخطّى القدَم إليه بارتقاء من المكان الذي كانت عليه بصعود، وذلك مثل درجة العُلَيّة ودرجة السلَّم.

والدرجة هنا مستعارة للعلوّ المعنوي كما في قوله تعالى: { وللرجال عليهنّ درجة } [البقرة: 228] والعلوّ المراد هنا علوّ الفضل ووفرة الأجر.

وجيء بــــ (درجة) بصيغة الإفراد، وليس إفرادُها للوحدة، لأنّ درجة هنا جنس معنوي لا أفراد له، ولذلك أعيد التعبير عنها في الجملة التي جاءت بعدها تأكيداً لها بصيغة الجمع بقوله: {درَجاتٍ منه} لأنّ الجمع أقوى من المفرد.

وتنوين {درجة} للتعظيم. وهو يساوي مفاد الجمع في قوله الآتي {درجات منه}.

وانتصب {درجة} بالنيابة عن المفعول المطلق المبيّن للنوع في فعل {فَضْل} إذ الدرجة هنا زيادة في معنى الفضل، فالتقدير: فَضْل الله المجاهدين فَضْلاً هو درجة، أي درجةً فضلاً.

وجملة {وكُلاً وعد الله الحسنى} معترضة. وتنوين «كلاً» تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير: وكلُّ المجاهدين والقاعدين.

وعُطف {وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} على جملة {فضّل الله المجاهدين}، وإن كان معنى الجملتين واحداً باعتبار ما في الجملة الثانية من زيادة {أجراً عظيماً} فبذلك غايرت الجملةُ المعطوفة الجملةَ المعطوفَ عليها مغايرة سوّغت العطف، مع ما في إعادة معظم ألفاظها من توكيد لها.

والمراد بقوله: {المجاهدين} المجاهدون بأموالهم وأنفسهم فاستُغني عن ذكر القيد بما تقدّم من ذكره في نظيره السابق. وانتصَب {أجراً عظيماً} على النيابة عن المفعول المطلق المبيِّن للنوع لأنّ الأجر هو ذلك التفضيل، ووصف بأنّه عظيم.

وانتصب درجات على البدل من قوله {أجراً عظيماً}، أو على الحال باعتبار وصف درجات بأنّها {منه} أي من الله.

وجُمع {درجات} لإفادة تعظيم الدرجة لأنّ الجمع لما فيه من معنى الكثرة تستعار صيغته لمعنى القوّة، ألا ترى أنّ علقمة لمّا أنشد الحارثَ بنَ جبلة ملِكَ غسان قولَه يستشفع لأخيه شَأس بن عبْدة:

وفي كلّ حي قد خَبَطْتَ بنعمةفحقّ لشَأس من نَداك ذَنُوب

قال له الملك «وأذنبة».