خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٢
صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ
٥٣
-الشورى

التحرير والتنوير

عطف على جملة { { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } } [الشورى: 51] الآية، وهذا دليل عليهم أن القرآن أُنزل من عند الله أعقب به إبطال شبهتهم التي تقدم لإبطالها قوله: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } [الشورى: 51] الآية، أي كان وحينا إليك مثلَ كلامنا الذي كلّمنا به من قبلك على ما صُرح به في قوله تعالى: { { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } } [النساء: 163]. والمقصود من هذا هو قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان}.

والإشارة إلى سابق في الكلام وهو المذكور آنفاً في قوله: { { وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحياً } } [الشورى: 51] الآية، أي ومثل الذي ذكر من تكليم الله وَحْيُنا إليك رُوحاً من أمرنا، فيكون على حد قول الحارث بن حلزة:

مِثْلَها تَخْرُج النصيحةُ للقومفَلاَةً من دونها أفْلاَءُ

أي مثل نصيحتنا التي نصحناها للملك عمرو بن هند تكون نصيحة الأقوام بعضهم لبعض لأنها نصيحة قرابة ذوي أرحام. ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما يأتي من بعدُ وهو الإيحاء المأخوذُ من {أوحينا إليك} أي مثل إيحائنا إليك أوحينا إليك، أي لو أريد تشبيه إيحائنا إليك في رفعة القدر والهُدَى ما وجد له شَبيه إلا نفسُه على طريقة قوله تعالى: { { وكذلك جعلناكم أمةً وسَطاً } } كما تقدم في سورة البقرة (143). والمعنى: إنّ ما أوحينا إليك هو أعزّ وأشرف وحي بحيث لا يماثله غيره.

وكلا المعنيين صالح هنا فينبغي أن يكون كلاهما مَحْمَلاً للآية على نحو ما ابتكرناه في المقدمة التاسعة من هذا التفسير. ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة، وهو أيضاً مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات.

والروح: ما به حياة الإنسان، وقد تقدم عند قوله تعالى: { { ويسألونك عن الرّوح } } في سورة الإسراء (85). وأطلق الروح هنا مجازاً على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حَيّاً بعد أن كان جُثّة.

ومعنى {من أمرنا} مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن النّاس فالأمر المضاف إلى الله بمعنى الشأن العظيم، كقولهم: أمِرَ أمْر فلان، أي شأنه، وقوله تعالى: { { بإذن ربّهم من كل أمر } } [القدر: 4].

والمراد بالروح من أمر الله: ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى النّاس بلفظه دون تغيّر وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران: الهداية والإعجاز، أم كان غير مقيد بذلك بل الرّسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللّفظ وهو ما يكون بكلام غير مقصود به الإعجاز، أو بإلقاء المعنى إلى الرّسول بمشافهة المَلكِ، وللرّسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أُوحي إليه بما يريد التعبير به أو برؤيا المنام أو بالإلقاء في النّفس كما تقدم. واختتام هذه السورة بهذه الآية مع افتتاحها بقوله: { { كذلك أوحينا إليك } } [الشورى: 7] الآية فيه محسن ردّ العجز على الصدر.

وجملة {ما كنت تدري ما الكتاب} في موضع الحال من ضمير {أوحينا} أي أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان، أي أفضنا عليك موهبة الوحي في حال خلوّك عن علم الكتاب وعِلم الإيمان. وهذا تحدَ للمعاندين ليتأملوا في حال الرّسول صلى الله عليه وسلم فيعلموا أن ما أوتيه من الشريعة والآداب الخُلقية هو من مواهب الله تعالى التي لم تسبق له مزاولتها، ويَتضمن امتناناً عليه وعلى أمته المسلمين.

ومعنى عدم دراية الكتاب: عدم تعلق علمه بقراءة كتاب أو فهمه. ومعنى انتفاء دراية الإيمان: عدم تعلق علمه بما تحتوي عليه حقيقة الإيمان الشرعي من صفات الله وأصول الدين وقد يطلق الإيمان على ما يرادف الإسلام كقوله تعالى: { { وما كان الله ليضيع إيمانكم } } [البقرة: 143] وهو الإيمان الذي يزيد وينقص كما في قوله تعالى: { { ويزداد الذين آمنوا إيماناً } } [المدثر: 31]. فيزاد في معنى عدم دراية الإيمان انتفاء تعلق علم الرّسول صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام. فانتفاء درايته بالإيمان مثل انتفاء درايته بالكتاب، أي انتفاء العلم بحقائقه ولذلك قال: {ما كنت تدري} ولم يقل: ما كنت مؤمناً.

وكلا الاحتمالين لا يقتضي أن الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مؤمناً بوجود الله ووحدانية إلـٰهيته قبل نزول الوحي عليه إذ الأنبياء والرّسل معصومون من الشرك قبل النبوءة فهم مُوحّدُون لله ونابذون لعبادة الأصنام، ولكنهم لا يعلمون تفاصيل الإيمان، وكان نبيئنا صلى الله عليه وسلم في عهد جاهلية قومه يعلم بطلان عبادة الأصنام، وإذ قد كان قومه يشركون مع الله غيره في الإلـٰهية فبطلان إلـٰهية الأصنام عنده تمحِّضه لإفراد الله بالإلـٰهية لا محالة.

وقد أخبر بذلك عن نفسه فيما رواه أبو نعيم في «دلائل النبوءة» عن شداد بن أوس وذكره عياض في «الشفاء» غير معزو: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمّا نَشَأت (أي عقلت) بُغِّضَتَ إليَّ الأوْثانُ وبُغض إليَّ الشعرُ، ولم أهِمَّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أَعُدْ" . وعلى شدة منازعة قريش إياه في أمر التوحيد فإنهم لم يحاجُّوه بأنه كان يعبد الأصنام معهم. وفي هذه الآية حجة للقائلين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متعبداً قبل نبوءته بشرع.

وإدْخال {لا} النافية في قوله: {ولا الإيمان} تأكيد لنفي درايته إيّاه، أي ما كنت تدري الكتاب ولا الإيمان، للتنصيص على أن المنفي دراية كل واحدٍ منهما.

وقوله: {ولكن جعلناه نوراً} عطف على جملة {ما كنت تدري ما الكتاب}. وضمير {جعلناه} عائد إلى الكتاب في قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب}. والتقدير: وجعلنا الكتاب نوراً. وأقحم في الجملة المعطوفة حرف الاستدراك للتنبيه على أن مضمون هذه الجملة عكس مضمون جملة {ما كنت تدري ما الكتاب}.

والاستدراك ناشىء على ما تضمنته جملة {ما كنت تدري ما الكتاب} لأن ظاهر نفي دراية الكتاب أن انتفاءها مستمر فاستدرك بأن الله هداه بالكتاب وهدى به أمته، فالاستدراك واقع في المحزّ. والتقدير: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ثم هديناك بالكتاب ابتداء وعرفناك به الإيمان وهَدَيت به النّاس ثانياً فاهتدى به من شِئنا هدايته، أي وبقي على الضلال من لم نشأ له الاهتداء، كقوله تعالى: { { يضلّ به كثيراً ويهدي به كثيراً } } [البقرة: 26].

وشبه الكتاب بالنّور لمناسبة الهَدي به لأن الإيمان والهُدى والعلم تشبَّه بالنور، والضلال والجهل والكفر تشبه بالظلمة، قال تعالى: { { يخرجهم من الظلمات إلى النّور } } [البقرة: 257]. وإذا كان السائر في الطريق في ظلمة ضل عن الطريق فإذا استنار له اهتدى إلى الطريق، فالنّور وسيلة الاهتداء ولكن إنما يَهتدي به من لا يكون له حائل دون الاهتداء وإلا لم تنفعه وسيلة الاهتداء ولذلك قال تعالى: {نهدي به من نشاء من عبادنا}، أي نَخلُق بسببه الهداية في نفوس الذين أعددناهم للهُدى من عبادنا. فالهداية هنا هداية خاصة وهي خلق الإيمان في القلب.

{وَإِنَّكَ لَتَهْدِىۤ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}.

أي نهدي به من نشاء بدعوتك وواسطتك فلما أثبت الهديَ إلى الله وجعل الكتاب سبباً لتحصيل الهداية عطف عليه وساطةَ الرّسول في إيصال ذلك الهدي تنويهاً بشأن الرّسول صلى الله عليه وسلم.

فجملة {وإنك لتهدي} عطف على جملة {نهدي به من نشاء من عبادنا}. وفي الكلام تعريض بالمشركين إذ لم يهتدوا به وإذ كبر عليهم ما يدعوهم إليه مع أنه يهديهم إلى صراط مستقيم.

والهداية في قوله: {وإنك لتهدي} هداية عامة. وهي: إرشاد النّاس إلى طريق الخير فهي تخالف الهداية في قوله: {نهدي به من نشاء}. وحذف مفعول {لتهدي} للعموم، أي لتهدي جميع النّاس، أي ترشدهم إلى صراط مستقيم، وهذا كقوله: { { وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة } } [البلد: 10، 11].

وتأكيد الخبر بــ (إنَّ) للاهتمام به لأن الخبر مستعمل في تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة له بهذا المقام العظيم فالخبر مستعمل في لازم معناه، على أنه مستعمل أيضاً للتعريض بالمنكرين لِهَدْيِهِ فيكون في التأكيد ملاحظة تحقيقه وإبطال إنكارهم. فكما أن الخبر مستعمل في لازمين من لوازم معناه فكذلك التأكيدُ بــ (إنَّ) مستعمل في غرضين من أغراضه، وكلا الأمرين مما ألحق باستعمال المشترك في معنييه.

وتنكير {صراط} للتعظيم مثل تنكير (عظمٍ) في قول أبي خراش:

فلا وأبي الطير المُرِبَّة في الضحىعلى خالد لقد وقعن على عَظْم

ولأن التنكير أنسب بمقام التعريض بالذين لم يأبهوا بهدايته.

وعُدل عن إضافة {صراط} إلى اسم الجلالة ابتداء لقصد الإجمال الذي يعقبه التفصيل بأن يُبْدل منه بعد ذلك {صراط الله} ليتمكن بهذا الأسلوب المعنى المقصود فَضْلَ تمكُّن على نحو قوله: { { اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذين أنعمت عليهم } } [الفاتحة: 6، 7].

وإجراء وصف اسم الجلالة باسم الموصول وصلته للإيماء إلى أن سبب استقامة الصراط الذي يهدي إليه النبي بأنه صراط الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فلا يعْزب عنه شيء مما يليق بعباده، فلما أرسَل إليهم رسولاً بكتاب لا يُرتاب في أن ما أرسل لهم فيه صلاحُهم. {الأَرْضِ أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}.

تذييل وتنهية للسورة بختام ما احتوت عليه من المجادلة والاحتجاج بكلام قاطع جامع منذر بوعيد للمعرضين فاجع ومبشر بالوعد لكل خاشع. وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لاسترعاء أسماع النّاس. وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص، أي إلى الله لا إلى غيره.

و{المصير}: الرّجوع والانتهاء، واستعير هنا لظهور الحقائق كما هي يومَ القيامة فيَذهَب تلبيس الملبسين، ويَهِن جبروت المتجبرين، ويقرّ بالحق من كان فيه من المعاندين، وهذا كقوله تعالى: { { وإلى الله عاقبة الأمور } } [لقمان: 22] وقوله: { { وإليه يرجع الأمر كله } } [هود: 123]. والأمور: الشؤون والأحوال والحقائق وكل موجود من الذوات والمعاني.

وقد أخذَ هذا المعنى الكميت في قوله:

فالآن صِرتُ إلى أمية والأمورُ إلى مَصائر

وفي تنهية السورة بهذه الآية محسن حُسن الختام.