خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٦٢
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ
١٦٣
-الأنعام

التحرير والتنوير

استئناف أيضاً، يتنزّل منزلة التّفريع عن الأوّل، إلاّ أنَّه استؤنف للإشارة إلى أنّه غرض مستقلّ مُهِمّ في ذاته، وإن كان متفرّعاً عن غيره، وحاصل ما تضمّنه هو الإخلاص لله في العبادة، وهو متفرّع عن التّوحيد، ولذلك قيل: الرياءُ الشّرك الأصغر. عُلّم الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله عقب ما عُلّمه بما ذكر قبله لأنّ المذكور هنا يتضمّن معنى الشّكر لله على نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم، فإنَّه هداه ثمّ ألهمه الشّكر على الهداية بأن يجعل جميع طاعته وعبادته لله تعالى. وأعيد الأمر بالقول لما علمتَ آنفاً.

وافتتحت جملة المقول بحرف التّوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه، أو لأنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يُرائي بصلاته، فقد قال بعض المشركين لمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند الكعبة: "ألاَ تنظرون إلى هذا المُرائي أيُّكم يقوم إلى جَزور بني فلان فيعمِد إلى فَرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه" . فتكون (إنّ) على هذا لردّ الشكّ.

واللاّم في {لله} يجوز أن تكون للملك، أي هي بتيسير الله فيكون بياناً لقوله: { { إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } } [الأنعام: 161]. ويجوز أن تكون اللام للتعليل أي لأجل الله.

وجعل صلاته لله دون غيره تعريضاً بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام. ولذلك أردف بجملة {لا شريك له}.

والنّسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك.

والمحْيَا والممات يستعملان مصدرين ميميين، ويستعملان اسمي زمان، من حيي ومات، والمعنيَان محتمَلان فإذا كان المراد من المحيا والممات المعنى المصدري كان المعنى على حذف مضاف تقديره: أعمال المحيَا وأعمال الممات، أي الأعمال التي من شأنها أن يتلبّس بها المرء مع حياته، ومع وقت مماته. وإذا كان المراد منهما المعنى الزمني كان المعنى ما يعتريه في الحياة وبعد الممات.

ثمّ إنّ أعمال الحياة كثيرة وفيرة، وأمّا الأعمال عند الموت فهي ما كان عليه في مدّة الحياة وثباتُه عليه، لأنّ حالة الموت أو مدّته هي الحالة أو المدّة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدّة الحياة وتلك حالة الاحتضار، وتلك الحالة قد تؤثّر انقلاباً في الفكر أو استعجالاً بما لم يكن يستعجل به الحي، فربّما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في مدّة الصحّة، اتّقاءً أو حياءً أو جلباً لنفع، فيرى أنَّه قد يئس ممّا كان يُراعيه، فيفعل ما لم يكن يفعل، وأيضاً لتلك الحالة شؤون خاصّة تقع عندها في العادة مثل الوصيّة، وهذه كلّها من أحوال آخر الحياة، ولكنّها تضاف إلى الموت لوقوعها بقربه، وبهذا يكون ذكر الممات مقصوداً منه استيعاب جميع مدّة الحياة حتّى زمن الإشراف على الموت.

ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصّلاة والسّلام بعد وفاته من توجهاته الرّوحيّة نحو أمّته بالدّعاء لهم والتّسليم على من سلّم عليه منهم والظّهور لخاصّة أمَّته في المنام فإنّ للرّسول بعد مماته أحكام الحياة الرّوحيّة الكاملة كما ورد في الحديث: "إذا سلّم عليّ أحد من أمَّتي رَدّ الله عليّ روحِي فرددتُ عليه السّلام" وكذلك أعماله في الحشر من الشّفاعة العامّة والسّجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي كلّها لله تعالى لأنَّها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم، فيكون قوله: {ومماتي} هنا ناظراً إلى قوله في الحديث: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم" .

ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في إمعائه. ففي الحديث "ما زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبْهَري" .

وبقوله: {ومحياي ومماتي لله رب العالمين} تحقّق معنى الإسلام الذي أصله الإلقاء بالنّفس إلى المُسْلَم له، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله: { { فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } } كما تقدّم في سورة آل عمران (20)، وهو معنى الحنيفية الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام في قوله: { { إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } } كما في سورة البقرة (131).

وقوله: {رب العالمين} صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته له لا لغيره، لأنّ غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد، كما أشار إليه قوله في أوّل السورة (1): { { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } }. وجملة: {لا شريك له} حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر. والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنَّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم، وبأنَّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة.

وقَرأ نافع: {ومحياي} ــــ بسكون الياء الثّانية ــــ إجراء للوصل مُجرى الوقف وهو نادر في النّثر، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية، ومعلوم أنّ الندرة لا تُناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي: «أنَّها شاذّة عن القياس لأنَّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي، ورؤياي، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي يائين مفتوحتين فيه ثقل، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزاً فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها». وقرأه البقيّة ــــ بفتح الياء ــــ وروي ذلك عن وَرش، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعاً رجع عن الإسكان إلى الفتح.

وجملة: {وبذلك أمرت} عطف على جملة {إن صلاتي} إلخ. فهذا ممّا أمر بأن يقوله، وحرف العطف ليس من المقول.

والإشارة في قوله: {وبذلك} إلى المذكور من قوله: {إن صلاتي ونسكي} إلخ، أي أنّ ذلك كان لله بهدي من الله وأمرٍ منه، فرجع إلى قوله: { { إنَّني هداني ربي إلى صراط مستقيم } } [الأنعام: 161] يعني أنَّه كما هداه أمره بما هو شكر على تلك الهداية، وإنَّما أعيد هنا لأنَّه لما أضاف الصّلاة وما عطف عليها لنفسه وجعلها لله تعالى أعقبها بأنّه هَدْي من الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: { { قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين } } [الزمر: 11، 12]. وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار إليه.

وقوله: {وأنا أول المسلمين} مثل قوله: {وبذلك أمرت} خبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو لازم معناه، يعني قبول الإسلام والثّبات عليه والاغتباط به، لأنّ من أحبّ شيئاً أسرع إليه فجاءه أوّل النّاس، وهذا بمنزلة فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكّن والترجّح، كما قال النّابغة:

سَبَقْتَ الرّجالَ الباهشين إلى العلاكسَبْق الجواد اصطادَ قبل الطوارد

لا يريد أنّه كان في المعالي أقدم من غيره لأنّ في أهل المعالي من هو أكبر منه سِنّاً، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من نوال العلا وأصبح الحائز له والثّابت عليه.

وفي الحديث: "نحن الآخِرون السّابقون يوم القيامة" . وهذا المعنى تأييس للمشركين من الطّمع في التّنازل لهم في دينهم ولو أقَلّ تنازلٍ. ومن استعمال (أوّل) في مثل هذا قوله تعالى: { { ولا تكونوا أول كافر به } كما تقدّم في سورة البقرة (41). وليس المراد معناه الصّريحَ لقلّة جدوى الخبر بذلك، لأنّ كلّ داع إلى شيء فهو أوّل أصحابه لا محالة، فماذا يفيد ذلك الأعداء والأتباعَ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتَّبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم، لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مسلماً وكان بنوه مسلمين، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السّلام: { { فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون } } [البقرة: 132] وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا: { { ونحن له مسلمون } } [البقرة: 136].

وقرأ نافع وأبو جعفر ــــ بإثبات ألف «أنَا» إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدّها على قاعدة المدّ، وحذفَها الباقون قبل الهمزة، واتَّفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفاً جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو: «أنا يُوسف» واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل، وأحسب أنّ الأفصح إثباتها مع الهمز للتّمكّن من المدّ.