خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٥٠
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَٰتِنَا يَجْحَدُونَ
٥١
-الأعراف

التحرير والتنوير

{وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا}.

القول في {نادى} وفي {أنْ} التّفسيريّة كالقول في: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا } [الأعراف: 44] الآية. وأصحاب النّار مراد بهم من كان من مشركي أمّة الدّعوة لأنّهم المقصود كما تقدّم، وليوافق قوله بعدُ { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه } [الأعراف: 52].

فعل الفيض حقيقته سيلان الماء وانصبابه بقوّة ويستعمل مجازاً في الكثرة، ومنه ما في الحديث: "ويَفيض المالُ حتّى لا يقبَله أحد" . ويجيء منه مجاز في السّخاء ووفرة العطاء، ومنه ما في الحديث أنّه قال لطلحة: «أنت الفيَّاض». فالفيض في الآية إذا حمل على حقيقته كان أصحاب النّار طالبين من أصحاب الجنّة أن يصبّوا عليهم ماء ليشربوا منه، وعلى هذا المعنى حمله المفسّرون، ولأجل ذلك جعل الزمخشري عطف {ما رزقكم الله} عطفاً على الجملة لا على المفرد. فيقدّر عامل بعد حرف العطف يناسب ما عدَا الماءَ تقديره: أو أعطونا، ونظّره بقول الشّاعر (أنشده الفراء):

عَلَفْتُها تِبْنا وماءً بارداًحتّى شَبَتْ هَمَّالَةً عيناها

تقديره: علفتها وسَقيتها ماء بارداً، وعلى هذا الوجه تكون (مِن) بمعنى بعض، أو صفة لموصوف محذوف تقديره: شيئاً من الماء، لأنّ: {أفيضوا} يتعدّى بنفسه.

ويجوز عندي أن يحمل الفيض على المعنى المجازي، وهو سعة العطاء والسّخاء، من الماء والرزق، إذ ليس معنى الصبّ بمناسب بل المقصود الإرسال والتّفضل، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد وهو أصل العطف. ويكون سُؤلهم من الطّعام مماثلاً لسؤْلهم من الماء في الكثرة، فيكون في هذا الحمل تعريض بأن أصحاب الجنّة أهل سخاء، وتكون (مِن) على هذا الوجه بيانية لمعنى الإفاضة، ويكون فعل {أفيضوا} مُنزلاً منزلة اللاّزم، فتتعلّق مِنْ بفعل {أفيضوا}.

والرّزق مراد به الطّعام كما في قوله تعالى: { كلما رزقوا منها من ثمرة } [البقرة: 25] الآية.

وضمير {قالوا} لأصحاب الجنّة، وهو جوابهم عن سؤال أصحاب النّار، ولذلك فصل على طريقة المحاورة.

والتّحريم في قوله: {حرمهما على الكافرين} مستعمل في معناه اللّغوي وهو المنع كقول عنترة:

حَرُمَتْ عليّ وليتَها لَمْ تَحْرُم

وقولِه: { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } [الأنبياء: 95].

والمراد بالكافرين المشركون، لأنّهم قد عُرفوا في القرآن بأنّهم اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً، وعُرفوا بإنكار لقاءِ يوم الحشر.

وقد تقدّم القول في معنى اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرّتهم الحياة الدّنيا عند قوله تعالى: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرتهم الحياة الدنيا } في سورة الأنعام (70).

وظاهر النّظم أنّ قوله: {الذين اتخذوا دينهم ــــ إلى قوله ــــ الحياة الدنيا} هو من حكاية كلام أهل الجنّة، فيكون: {اتخذوا دينهم لهواً} إلخ صفة للكافرين.

وجُوز أن يكون: {الذين اتخذوا دينهم لهواً} مبتدأً على أنّه من كلام الله تعالى، وهو يفضي إلى جعل الفاء في قوله: {فاليوم ننساهم} داخلة على خبر المبتدأ لتشبيه اسم الموصول بأسماء الشّرط، كقوله تعالى: { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما } [النساء: 16] وقد جُعلَ قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً ــــ إلى قوله ــــ وما كانوا بآياتنا يجحدون} آية واحدة في ترقيم أعداد آي المصاحف وليس بمتعيّن.

{فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ}.

اعتراض حكي به كلام يُعْلَن به، من جانب الله تعالى، يَسمعه الفريقان. وتغيير أسلوب الكلام هو القرينة على اختلاف المتكلّم، وهذا الأليق بما رجحناه من جعل قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} إلى آخره حكاية لكلام أصحاب الجنّة.

والفاء للتّفريع على قول أصحاب الجنّة: {إنّ الله حرّمهما على الكافرين الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} الآية، وهذا العطف بالفاء من قبيل ما يسمّى بعطف التّلقين الممثَّل له غالباً بمعطوف بالواو فهو عطف كلام. متكلّم على كلام متكلّم آخَر، وتقدير الكلام: قال الله {فاليوم ننساهم}، فحذف فعل القول، وهذا تصديق لأصحاب الجنّة، ومَن جعلوا قوله: {الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً} كلاماً مستأنفاً من قِبل الله تعالى تكون الفاء عندهم تفريعاً في كلام واحد.

والنّسيان في الموضعين مستعمل مجازاً في الإهمال والتّرك لأنّه من لوازم النّسيان، فإنّهم لم يكونوا في الدّنيا ناسين لقاء يوم القيامة، فقد كانوا يذكرونه ويتحدّثون عنه حديثَ من لا يصِدّق بوقوعه.

وتعليق الظّرف بفعل: {ننساهم} لإظهار أنّ حرمانهم من الرّحمة كان في أشدّ أوقات احتياجهم إليها. فكان لذكر اليوم أثرٌ في إثارة تحسّرهم وندامتهم، وذلك عذاب نفساني.

ودلّ معنى كاف التّشبيه في قوله: {كما نسوا} على أنّ حرمانهم من رحمة الله كان مماثلاً لإهمالهم التّصديق باللّقاء، وهي مماثلَة جزاءِ العمللِ للعمل، وهي مماثلة اعتباريّة، فلذلك يقال: إنّ الكاف في مثله للتّعليل، كما في قوله تعالى: { واذكروه كما هداكم } [البقرة: 198] وإنّما التّعليل معنى يتولّد من استعمال الكاف في التّشبيه الاعتباري، وليس هذا التّشبيه بمجاز، ولكنّه حقيقة خفيّة لخفاء وجه الشّبه.

وقوله: {كما نسوا} ظرف مستقرّ في موضع الصّفة لموصوف محذوف دلّ عليه {ننساهُم} أي نسياناً كمَا نَسُوا.

و(مَا) في: {كما نسوا} وفي {وما كانوا} مصدريّة أي كنسيانهم اللّقاء وكجَحْدهم بآيات الله. ومعنى جحد الآيات تقدّم عند قوله تعالى: { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } في سورة الأنعام (33).