خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢٨
بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ
٢٩
وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ
٣٠
-الزخرف

أضواء البيان في تفسير القرآن

الضمير المنصوب في جعلها على التحقيق راجع إلى كلمة الإيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله { إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } [الزخرف: 26-27] لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات.
وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله
{ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ } [الزخرف: 26].
ومعنى الإثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله.
وهذا المعنى جاء موضحاً في قوله:
{ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } [الزخرف: 27].
وضمير الفاعل المستتر في قوله {وَجَعَلَهَا} [الزخرف: 28].
قال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم وهو ظاهر السياق.
وقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى.
فعلى القول الأول فالمعنى صيَّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه أي ولده وولد ولده.
وإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين:
أحدهما: وصيته لأولاده بذلك وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله:
{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ } [البقرة: 130-132] الآية.
والأمر الثاني هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإيمان والصلاح، كقوله تعالى
{ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي } [البقرة: 124]، أي واجعل من ذريتي أيضاً أئمة، وقوله تعالى عنه { رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي } [إبراهيم: 40] وقوله عنه { وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } [إبراهيم: 35] وقوله عنه هو وإسماعيل { رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّك } [البقرة: 128] إلى قوله { رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ } [البقرة: 129].
وقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور ببعثه محمداً صلى الله عليه وسلم.
ولذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال
"أنا دعوة إبراهيم" .
وقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَاب } [العنكبوت: 27]، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ } [الحديد: 26] الآية.
وعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال.
وقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه، لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا صلى الله عليه وسلم من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه صلى الله عليه وسلم وقالوا إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى {بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ} يعني كفار مكة وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين، هو محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف: 30].
وما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة:
{ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ } [البقرة: 124] أي الظالمين من ذرية إبراهيم.
وقوله تعالى في الصافات
{ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } [الصافات: 113].
فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك.
وقوله تعالى في النساء
{ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } [النساء: 54-55].
وقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون وذلك في قوله
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } [الحديد: 26].
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين لمهتدين منهم، لأن الحق ما دام قائماً في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول كما دل عليه قوله {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزخرف: 28].
والرجاء المذكور بالنسبة إلى بني آدم، لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى، ومن يصير إلى الضلال.
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. ا هـ منه.
وإيضاح كلامه، أن المعنى أن إبراهيم، قال لأبيه وقومه: إنني براء مما تعبدون لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق.
والضمير في قوله لعلهم يرجعوا على هذا راجع إلى أبيه وقومه.
وعلى ما ذكرناه أولاً فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه، لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب.
فرجوع ضميرهم إلى العقب لا إشكال فيه وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم عند الله تعالى.
مسألة
ظاهر هذه الآيات الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين، لأنه قال في بعضها عن إبراهيم
{ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ } [إبراهيم: 35].
وقال عنه في بعضها
{ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي } [إبراهيم: 40] وفي بعضها { رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ } [إبراهيم: 37] الآية، وفي بعضها { قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي } [البقرة: 124] وفي بعضها { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ } [العنكبوت: 27] وفي بعضها {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28].
فالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد، لأن جميعها في شيء واحد. وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن، يدل على أن من وقف وقفاً أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه، أن حكم ذلك واحد.
وقد دلت بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين.
وإذا دل القرآن على دخول ولد البنت، في اسم الذرية والبنين والفرض أن العقب بمعناها، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضاً، فمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى
{ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَان } [الأنعام: 84] إلى قوله { وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ } [الأنعام: 85] وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية، لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.
ومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى
{ { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم } [النساء: 23] وقوله تعالى { وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ } [النساء: 23] لأن لفظ البنات في الألفاظ الثلاثة، شامل لبنات البنات وبنات بناتهن وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن.
فتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه.
وكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب ولم نبسط على ذلك الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك فقط.
أما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه.
وذلك في قوله تعالى
{ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ } [النساء: 11] الآية، فإن قوله في أولادكم لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد.
وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء.
ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم.
أما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات لأن قوله تعالى
{ { ذٰلِكَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [السجدة: 6-8] ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى.
والألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظاً ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات وواحد بخلاف ذلك وهو الولد.
وأما الستة الباقية منها فهي الآل والأهل ومعناهما واحد.
والقرابة والعشيرة والقوم والموالي، وكلام العلماء فيها مضطرب.
ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب إلا لفظين منها وهما القرابة والعشيرة.
أما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم
"أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل" مبيناً أن ذلك هو معنى قوله تعالى { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ } [الأنفال: 41] كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه.
وأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عباس أنه لما نزلت
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي "يا بني فهر يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا" الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له صلى الله عليه وسلم.
وفي رواية أبي هريرة في الصحيح. أنه لما نزلت الآية المذكورة قال
"يا معشر قريش أو كلمة نحوها" الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة، والأول هو الأظهر لحديث ابن عباس المذكور وعليه الأكثر.
تنبيه
[فإن قيل] ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين والشاعر يقول في خلاف ذلك:

بَنُونا بَنُوا أبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأَبَاعِدِ

وكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين، ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم وكثيراً ما يتبع الولد أباه وعصبته، في عداوة أخواله وبغضهم كما هو معلوم.
[فالجواب] أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى منفي عن والد أمه، فلا يقال له ابن بهذا الاعتبار وثابت لأبيه الذي خلق من مائه، وله جهة أخرى هي كونه خارجاً في الجملة من هذا الشخص، سواء كان بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه صلى الله عليه وسلم في قوله في الحسن بن علي رضي الله عنهما
"إن ابني هذا سيد" الحديث وهو المراد في الآيات القرآنية كقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُم } [النساء: 23] وقوله تعالى { وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ } [النساء: 23] وكقوله تعالى: { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِيۤ آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ } [الأحزاب: 55] الآية.
فلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، وهو إطلاق لفظ الابن على كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة بناته.
وأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول.
فإن بني البنات، ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك الاعتبار لأنهم لم يخلقوا من مائهم، وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما كانوا أباعد وربما كانوا أعداء.
فصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت.
وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له ولا تناقض مع انفكاك الجهة.
وإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه.
فاعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن ابني هذا سيد" وقوله تعالى: { وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ } [النساء: 23] ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين:
وقوله تعالى:
{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ } [الأحزاب: 40] يتنزل على الجهة الأخرى. وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله:

*وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد*

ويزيد ذلك إيضاحاً: أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجل وأخواله، فيكون مع عصبته دائماً على أخواله، كما في البيت المذكور.
وقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم. كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول:

إذا كنت في سعد وأمك منهم شطيراً فلا يغررك خالك من سعد
فإن ابن أخت القوم مصغي إناؤه إذا لم يزاحم خاله بأب جلد

فقوله مصغي إناؤه من الإصغاء وهو الإمالة، لأن الإناء إذا أميل ولم يترك معتدلاً لم يتسع إلا للقليل، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته.
وعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجد والإخوة.
فمن رأى منهم أنه أب يحجب الإخوة، فقد راعى في الجد إحدى الجهتين.
ومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى.
ولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد عشر لفظاً خوف الإطالة. ولأننا لم نجد نصوصاً من الوحي تحدد شيئاً منها تحديداً دقيقاً.
ومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإناث.
وإن الإناث قد يدخلن فيه بحكم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك.
لأن الله تعالى قال:
{ { لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ } [الحجرات: 11] الآية. فعطفه على النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم.
ونظيره من كلام العرب قول زهير:

وما أدري وسوف إخال أدري قوم آل حصن أم نساء

وأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل على ذلك، فقد بينه قوله تعالى في ملكة سبأ: { وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ } [النمل: 43].
وأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب يوالي ويوالى به.
ولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء.
ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين في قوله تعالى:
{ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } [محمد صلى الله عليه وسلم: 11].
وأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله تعالى:
{ وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [يونس: 30]. كما أثبت لهم ولاية النار في قوله: { مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ } [الحديد: 15] الآية.
وأطلق تعالى اسم الموالي على العصبة في قوله تعالى:
{ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ } [النساء: 33].
وأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله تعالى:
{ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً } [الدخان: 41].
ويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:

مهلاً بني عمنا مهلاً موالينا لا تظهرن لنا ما كان مدفونا

وقول طرفة بن العبد:

وأعلم علماً ليس بالظن أنه إذ ذل مولى المرء فهو ذليل

والحاصل أن من قال هذا وقف، أو صدقة على قومي، أو موالي أنه إن كان هناك عرف خاص، وجب اتباعه في ذلك، وإن لم يكن هناك عرف فلا نعلم نصاً من كتاب ولا سنة يحدد ذلك تحديداً دقيقاً.
وكلام أهل العلم فيه معروف في محاله.
والعلم عند الله تعالى.