خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
١٦
وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
١٧
إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
١٨
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ
١٩
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
٢٠
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
٢١
وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
٢٢
وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ
٢٣
وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ
٢٤
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٢٥
-الحجر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: لما ذكر - سبحانه - كفر الكافرين، وعجز أصنامهم، ذكر كمال قدرته ليستدل بها على وحدانيته.
والبروج: القصور والمنازل. قال ابن عباس. أى جعلنا فى السماء بروج الشمس والقمر، أى: منازلهما. وأسماء هذه البروج: الحمل والثور والجوزاء والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدى، والدلو، والحوت.
والعرب تعد المعرفة لمواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب ...
وقال الحسن وقتادة: البروج: النجوم، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها ... وقيل البروج: الكواكب العظام ....
قال بعض العلماء ومرجع الأقوال كلها إلى شئ واحد، لأن أصل البروج فى اللغة الظهور، ومنه تبرج المرأة، بإظهار زينتها، فالكواكب ظاهرة، والقصور ظاهرة، ومنازل الشمس والقمر كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه ...
و{جعلنا} أى خلقنا وأبدعنا، فيكون قوله {فى السماء} متعلقاً به، وجوز أن يكون بمعنى التصيير، فيكون قوله. فى السماء. متعلقاً بمحذوف على أنه مفعول ثان له و{بروجاً} هو المفعول الأول.
أى: ولقد خلقنا وأبدعنا منازل وطرقا فى السماء، تسير فيها الكواكب بقدراتنا، وإرادتنا، وحكمتنا، دون خلل أو اضطراب.
وفى ذلك الخلق ما فيه من منافع لكم، حيث تستعملون هذه البروج فى ضبط المواقيت وفى تحديد الجهات، وفى غير ذلك من المنافع، كما قال - تعالى -
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } }. وافتتح - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد، تنزيلاً للمخاطبين الذاهلين عن الالتفات إلى مظاهر قدرة الله - تعالى - منزلة المنكرين، فأكد لهم الكلام بمؤكدين لينتبهوا ويعتبروا.
والضمير فى قوله {وزيناها ...} يعود إلى السماء. أى: وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والأضواء، لتكون جميلة فى عيون الناظرين إليها، وآية للمتفكرين فى دلائل قدرة الله - تعالى - وبديع صنعه.
وهذه الجملة الكريمة، تلفت الأنظار إلى أن الجمال غاية مقصودة فى خلق هذا الكون، كما تشعر المؤمنين بأن من الواجب عليهم أن يجعلوا حياتهم مبنية على الجمال فى الظاهر وفى الباطن، تأسيا بسنة الله - تعالى - فى خلق هذا الكون.
ثم وضح - سبحانه - بأن هذا التزيين للسماء، مقرون بالحفظ والصيانة والطهارة من كل رجس فقال - تعالى - {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}.
والمراد بالشيطان هنا: المتمرد من الجن، مشتق من شطن بمعنى بعد، إذ الشيطان بعيد بطبعه عن كل خير.
والرجيم، أى المرجوم المحقر، مأخوذ من الرجم، لأن العرب كانوا إذا احتقروا أحداً رجموه بالقطع من الحجارة، وقد كان العرب يرجمون قبر أبى رغال الثقفى، الذى أرشد جيش الحبشة إلى مكة لهدم الكعبة. قال جرير:

إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبى رغال

والمعنى: ولقد جعلنا فى السماء منازل وطرقا للكواكب، وزيناها - أى السماء - للناظرين إليها، وحفظناها من كل شيطان محقر مطرود من رحمتنا بأن منعناه من الاستقرار فيها، ومن أن ينفث فيها شروره ومفاسده، لأنها موطن الأخيار الأطهار.
قال - تعالى -:
{ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ } }. وقال - تعالى -: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ .... } }. وقوله - سبحانه -: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} فى محل نصب على الاستثناء واستراق السمع: اختلاسه وسرقته، والمراد به: الاستماع إلى المتحدث خفية، حتى لكأن المستمع يسرق من المتكلم كلامه الذى يخفيه عنه، فالسمع هنا بمعنى المسموع من الكلام.
والشهاب: هو الشعلة الساطعة من النار، المنفصلة من الكواكب التى ترى فى السماء ليلاً، كأنها كوكب ينقض بأقصى سرعة. وجمعه شهب .. أصله من الشهبة، وهى بياض مختلط بسواد.
و{مبين} أى ظاهر واضح للمبصرين.
والاستثناء منقطع، فيكون المعنى: وحفظنا السماء من كل شيطان رجيم لكن من اختلس السمع من الشياطين، بأن حاول الاقتراب منها، فإنه يتبعه شهاب واضح للناظرين فيحرقه، أو يحول بينه وبين استراق السمع.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ} أى. لكن من استرق السمع، أى الخطفة اليسيرة، فهو استثناء منقطع.
وقيل: هو متصل، أى: إلا ممن استرق السمع. أى: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئاً من الوحى وغيره، إلا من استرق السمع فإنا لم نحفظها منه أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحى، فأما الوحى فلا تسمع منه شيئاً لقوله - تعالى -
{ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } }. وإذا استمع الشياطين إلى شئ ليس بوحى، فإنهم يقذفونه إلى الكهنة فى أسرع من طرفة عين، ثم تتبعهم الشهب فتقتلهم أو تخبلهم ...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -
{ إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَىٰ ٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ ٱلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } }. قال بعض العلماء ما ملخصه: والمقصود منع الشياطين من الاطلاع على ما أراد الله عدم اطلاعهم عليه .. وربما استدرج الله - تعالى - الشياطين وأولياءهم، فلم يمنع الشياطين من استراق شئ قليل يلقونه إلى الكهان؛ فلما أراد - سبحانه - عصمة الوحى منعهم من ذلك بتاتا ..
وفى سورة الجن دلالة على أن المنع الشديد من استراق السمع كان بعد البعثة النبوية، وبعد نزول القرآن، إحكاماً لحفظ الوحى من أن يلتبس على الناس بالكهانة ..
قال - تعالى -:
{ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } }. وعلى ذلك يكون ما جاء فى بعض الأحاديث من استراق الجن السمع - وصفا للكهانة السابقة، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم "ليسوا بشئ ..." وصفا لآخر أمرهم ..
ففى صحيح البخارى عن عائشة: " أن ناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكهانة، فقال: ليسوا بشئ. - أى لا وجود لما يزعمونه - فقيل - يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً بالشئ فيكون حقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فَيقرُّها فى أذن وليه قَرَّ الدجاجة - أى فيلقيها بصوت خافت كالدجاجة عندما تخفى صوتها - فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة" .
وبعد أن بين - سبحانه - بعض الدلائل السماوية الدالة على قدرته ووحدانيته، أتبع ذلك ببيان بعض الدلائل الأرضية فقال - تعالى -: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}. وقوله: {رواسى} من الرسو وهو ثبات الأجسام الثقيلة. يقال رسا الشئ يرسو أى ثبت.
أى: ومن الأدلة - أيضاً - على وحدانيتنا وقدرتنا، أننا مددنا الأرض وفرشناها وبسطناها، لتتيسر لكم الحياة عليها قال - تعالى -
{ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ } }. وأننا - أيضاً وضعنا فيها جبالاً ثوابت راسخات تمسكها عن الاضطراب وعن أن تميد بكم. قال - تعالى -: { خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ... } }. وأننا - أيضاً - أنبتنا فى الأرض من كل شئ {موزون} أى: مقدر بمقدار معين وموزون بميزان الحكمة، بحيث تتوفر فيه كل معانى الجمال والتناسق.
قال - تعالى -:
{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } }. وأننا - كذلك - {جَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ...} والمعايش: جمع معيشة، وهى فى الأصل مصدر عاش يعيش عَيْشا وعَيْشةً ومعاشاً، ومعيشة، إذا صار ذا حياة. ثم استعمل هذا اللفظ فيما يعاش به، أو فيما يتوصل به إلى العيش.
أى: وجعلنا لكم فى الأرض ما تعيشون به من المطاعم والمشارب والملابس وغيرها، مما تقتضيه ضرورات الحياة التى تحيونها.
وجملة {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} معطوفة على {معايش}.
والمراد بمن لستم له برازقين: ما يشمل الأطفال والعجزة والأنعام وغير ذلك من مخلوقات الله التى تحتاج إلى العون والمساعدة.
أى: وجعلنا لكم فى الأرض ما تعيشون به أو ما تتوصلون به إلى ذلك من المكاسب والتجارات، وجعلنا لكم فيها - أيضاً - من لستم له برازقين من العيال والخدم والدواب ... وإنما الرازق لهم هو الله - تعالى - رب العالمين، إذ ما من دابة فى الأرض إلا على الله وحده رزقها. وما يزعمه الجاهلون من أنهم هم الرازقون لغيرهم، هو لون من الغرور والافتراء، لأن الرازق للجميع هو الله رب العالمين.
وعبر بمن فى قوله {ومن لستم} تغليباً للعقلاء على غيرهم.
قال الإِمام ابن كثير: "والمقصود - من هذه الجملة - أنه - تعالى - يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب، وصنوف المعاشات وبما سخر لهم من الدواب التى يركبونها والأنعام التى يأكلونها، والعبيد والإِماء التى يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله - تعالى -".
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن كل شئ فى هذا الكون، خاضع لإِرادته وقدرته، وتصرفه .. فقال - تعالى - {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
و"إن" نافية بمعنى ما، و"من" مزيدة للتأكيد. و{خزائنه} جمع خزانة، وهى فى الأصل تطلق على المكان الذى توضع فيه نفائس الأموال للمحافظة عليها.
والمعنى: وما من شئ من الأشياء الموجودة فى هذا الكون، والتى يتطلع الناس إلى الانتفاع بها. إلا ونحن قادرون على إيجادها وإيجاد أضعافها بلا تكلف أو إبطاء، كما قال - تعالى -:
{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } }. فقد شبه - سبحانه - اقتداره على إيجاد كل شئ، بالخزائن المودعة فيها الأشياء، والمعدة لإِخراج ما يشاء إخراجه منها بدون كلفة أو إبطاء.
والمراد بالإِنزال فى قوله {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}. الإِيجاد والإِخراج إلى هذه الدنيا، مع تمكين الناس من الحصول عليه.
أى: وما نخرج هذا الشىء إلى حيز الوجود بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به إلا ملتبساً بمقدار معين، وفى وقت محدد، تقتضيه حكمتنا، وتستدعيه مشيئتنا، ويتناسب مع حاجات العباد وأحوالهم، كما قال - تعالى -
{ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } }. ثم انتقل - سبحانه - من الاستدلال على وحدانيته وقدرته بظواهر السماء وبظواهر الأرض، إلى الاستدلال على ذلك بظواهر الرياح والأمطار فقال - تعالى -: { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } والآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} وما بينهما اعتراض لتحقيق ما سبق ذكره من النعم.
والمراد بإرسال الرياح هنا: نقلها من مكان إلى آخر بقدرة الله - تعالى - وحكمته.
وقوله {لواقح} يصح أن يكون جمع لاقح. وأصل اللاقح: الناقة التى قبلت اللقاح فحملت الجنين فى بطنها ..
ووصف - سبحانه - الرياح بكونها لواقح. لأنها حوامل تحمل ما يكون سببا فى نزول الأمطار كما تحمل النوق الأجنة فى بطونها.
أى: وأرسلنا بقدرتنا ورحمتنا الرياح حاملة للسحاب وللأمطار ولغيرهما، مما يعود على الناس بالنفع والخير والبركة.
ويصح أن يكون لفظ {لواقح} جمع ملقح - اسم فاعل - وهو الذى يلقح غيره، فتكون الرياح ملقحة لغيرها كما يلقح الذكر الأنثى.
قال الإِمام ابن كثير: قوله {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أى: تلقح السحب فتدر ماء، وتلقح الأشجار فتتفتح عن أوراقها وأكمامها.
وقال بعض العلماء: ومعنى الإِلقاح أن الرياح تلقح السحاب بالماء بتوجيه عمل الحرارة والبرودة متعاقبين، فينشأ عن ذلك البخار الذى يصير ماء فى الجو، ثم ينزل مطراً على الأرض، وأنها تلقح الشجر ذا الثمرة، بأن تنقل إلى نوره غبرة دقيقة من نوْر الشجر الذكر، فتصلح ثمرته أو تثبت ..
وهذا هو الإِبار. وبعضه لا يحصل إلا بتعليق الطلع الذكر على الشجرة المثمرة. وبعضه يكتفى منه بغرس شجرة ذكر فى خلال شجر الثمر
ومن بلاغة الآية الكريمة، إيراد هذا الوصف - لواقح - لإِفادة كلا العملين اللذين تعملهما الرياح - وهما الحمل للسحاب والمطر وغيرهما، أو التلقيح لغيرها -.
وقوله {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ..} تفريع على ما تقدم.
أى: وأرسلنا الرياح بقدرتنا من مكان إلى آخر، حالة كونها حاملة للسحاب وغيره، فأنزلنا - بسبب هذا الحمل - من جهة السماء، ماء كثيراً هو المطر، لتنتفعوا به فى شرابكم، وفى معاشكم، وفى غير ذلك من ضرورات حياتكم.
قال - تعالى -:
{ هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ... } }. وقوله {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} تتميم لنعمة إنزال الماء.
أى: أنزلنا المطر من السماء، وليست خزائنه عندكم. وإنما نحن الخازنون له، ونحن الذين ننزله متى شئنا، ونحن الذين نمنعه متى شئنا، كما قال - تعالى - قبل ذلك: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
ويصح أن يكون المعنى: أنزلنا المطر من السماء فجعلناه لسقياكم، وأنتم لستم بقادرين على خزنه وحفظه فى الآبار والعيون وغيرها، وإنما نحن القادرون على ذلك. قال - تعالى -
{ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } }. ثم بين - سبحانه - أن الإِحياء والإِماتة بيده وحده، فقال - تعالى -: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ}.
أى: وإنا وحدنا القادرون على إيجاد الحياة فى المخلوقات، والقادرون على سلبها عنها، ونحن الوارثون لهذا الكون بعد فنائه، الباقون بعد زواله.
قال - تعالى -
{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِـي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ } }. وقال - تعالى - { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } }. وشبه - سبحانه - بقاءه بعد زوال كل شئ سواه بالوارث، لأن الوارث هو الذى يرث غيره بعد موته.
وأكد - سبحانه - الآية الكريمة بإن واللام وضمير الفصل {نحن} تحقيقا للخبر الذى اشتملت عليه، ورداً على المشركين الذين زعموا أنه لا حياة ولا ثواب ولا عقاب بعد الموت.
ثم أكد - سبحانه - شمول علمه لكل شئ بعد أن أكد شمول قدرته فقال - تعالى -:
{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ } }. والمراد بالمستقدمين من تقدم على غيره ولادة وموتا، كما أن المراد بالمستأخرين من تأخر عن غيره فى ذلك، ولم يمت بعد، أو لم يوجد بعد فى عالم الأحياء.
والسين والتاء فى اللفظين للتأكيد.
وقيل: المراد بهما الأحياء والأموات، وقيل المراد بالمستقدمين: من تقدم فى الوجود على الأمة الإِسلامية، وبالمستأخرين: الأمة الإِسلامية.
وقيل: المراد بهما: من قتل فى الجهاد ومن لم يقتل، وقيل المراد بهما من تقدم فى صفوف الصلاة ومن تأخر ...
قال الإِمام ابن جرير بعد أن ساق جملة من الأقوال فى ذلك: "وأولى الأقوال عندى بالصحة، قول من قال: ولقد علمنا الأموات منكم يا بنى آدم فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين تأخر موتهم ممن هو حى ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد ...".
ثم بين - سبحانه - أن مرجع الخلق جميعاً إليه فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
أى: وإن ربك - وحده - أيها المخاطب - هو الذى يتولى حشر الأولين والآخرين، وجمعهم يوم القيامة للحساب والثواب والعقاب، إنه - سبحانه - {حكيم} فى كل تصرفاته وأفعاله {عليم} بأحوال خلقه ما ظهر منها وما بطن.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد اشتملت على ألوان من الأدلة الدالة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وبديع صنعه، وشمول علمه، مما يوجب الإِيمان به - سبحانه - وإخلاص العبادة له، ومقابلة نعمه بالشكران لا بالكفران، وبالطاعة لا بالمعصية ...
وبعد أن ساق - سبحانه - ألواناً من الأدلة على وحدانيته وقدرته، عن طريق خلقه للسماء وما فيها من بروج وشهب .. وللأرض وما عليها من جبال ونبات .. وللرياح وما تحمله من سحب وأمطار ...
أتبع ذلك بأدلة أخرى على كمال ذاته وصفاته عن طريق خلقه للإِنسان وللجن وللملائكة .. فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}.