خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٦
وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ
٢٧
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٨
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ
٢٩
فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
٣٠
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣١
قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣٢
قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٣٣
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
٣٤
وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ
٣٥
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
٣٦
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ
٣٧
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ
٣٨
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
٤١
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
٤٢
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٣
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ
٤٤
-الحجر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ} آدم - عليه السلام - لأنه أصل النوع الإِنسانى، وأول فرد من أفراده.
والصلصال: الطين اليابس الذى يصلصل، أى: يحدث صوتاً إذا حرك أو نقر عليه، كما يحدث الفخار قال - تعالى -
{ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ } }. وقيل: الصلصال: الطين المنتن، مأخوذ من قولهم: صَلَّ اللحم وأصلَّ، إذا أنتن ..
قال الإِمام ابن جرير: "والذى هو أولى بتأويل الآية، أن يكون الصلصال فى هذا الموضع، الطين اليابس الذى لم تصبه النار، فإذا نقرته صل فسمعت له صلصلة - وذلك أن الله - تعالى - وصفه فى موضع آخر فقال:
{ خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ } فشبهه - تعالى ذكره - بأنه كالفخار فى يُبسِه، ولو كان معناه فى ذلك المنتن لم يشبهه بالفخار، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبه به فى النتن غيره".
والحمأ: الطين إذا اشتد سواده وتغيرت رائحته.
والمسنون: المصور من سن الشئ إذا صوره.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله {من حمأ} أى: من طين تغير واسود من مجاورة الماء، ويقال للواحدة حمأة - بسكون الميم - ...
وقوله {مسنون} أى: مصوَّر من سُنَّة الوجه وهى صورته. وأنشد لذلك ابن عباس قول عمه حمزة يمدح النبى صلى الله عليه وسلم:

أغرُّ كأن البدرَ سنَّةُ وجهه جلا الغيم عنه ضوؤه فتبددا

وقيل مسنون: "أى مصبوب، من سنَّ الماء بمعنى صبه. ويقال شَنَّ - بالشين أيضاً -: أى: مفرغ على هيئة الإِنسان ... وقيل: المسنون: المنتن ...".
والذى يتدبر القرآن الكريم يرى أن الله - تعالى - قد وضح فى آيات متعددة أطوار خلق آدم - عليه السلام -، فقد بين فى بعض الآيات أنه خلقه من تراب، كما فى قوله - تعالى -
{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ... } }. وبين فى آيات أخرى أنه - سبحانه - خلقه من طين، كما فى قوله - تعالى - { ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ } }. وبين هنا أنه - سبحانه - خلقه {مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}.
قال الجمل: "وهذا الطور آخر أطوار آدم الطينية، وأول ابتدائه أنه كان ترابا متفرق الأجزاء، ثم بُلَّ - أى التراب - فصار طينا، ثم ترك حتى أنتن وأسود فصار حمأ مسنونا.
أى: متغيرا، ثم يبس فصار صلصالاً، وعلى هذه الأحوال والأطوار تتخرج الآيات الواردة فى أطواره الطينية، كآية خلقه من تراب، وآية {بَشَراً مِّن طِينٍ} وهذه الآية التى نحن فيها".
والمقصود من هذه الآيات الكريمة، التنبيه على عجيب صنع الله - تعالى - وعظيم قدرته، حيث أخرج - سبحانه - الجملة الكريمة بلام القسم وقد، لزيادة التحقيق، وللإِرشاد إلى أهمية هذا الخلق، وأنه بهذه الصفة.
و{من} فى قوله {من صلصال} لابتداء الغاية أو للتبعيض، وفى قوله {من حمأ} ابتدائية.
والجار والمجرور صفة لصلصال أى: من صلصال كائن من حمأ، ومسنون صفة لحمأ.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك المادة التى خلق منها الجان فقال - سبحانه -:
{ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } }. والمراد بالجان هنا: أبو الجن عند جمهور المفسرين. وقيل هو إبليس. وقيل هو اسم لجنس الجن. وسمى جانا لتواريه عن الأعين، واستتاره عن بنى آدم.
أى: والجان خلقناه {من قبل} أى: من قبل خلق آدم {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} أى: من الريح الحارة التى تقتل. وسميت سموماً، لأنها لشدة حرارتها، وقوة تأثيرها تنفذ فى مسام البدن.
قال ابن كثير: وقد ورد فى الحديث الصحيح:
"خُلِقت الملائكة من نور، وخُلِقت الجان من مارج من نار، وخُلق بنو آدم مما وصف لكم" .
ثم حكى - سبحانه - ما أمر به ملائكته عندما توجهت إرادته - سبحانه - لخلق آدم، فقال - تعالى -: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}.
أى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال ربك - سبحانه - للملائكة - الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - {إنى خالق} بقدرتى {بشرا} أى: إنسانا، وعبر عنه بذلك اعتبارا بظهور بشرته وهى ظاهر الجلد {مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}.
{فإذا سويته} أى: سويت خلق هذا البشر، وكملت أجزاءه، وجعلته فى أحسن تقويم ...
{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} أى: وضعت فيه ما به حياته وحركته وهو الروح، الذى لا يعلم حقيقته أحد سواى.
قال القرطبى: قوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} النفخ إجراء الريح فى الشئ. والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة فى البدن مع ذلك الجسم. وحقيقته إضافة خلق إلى خالق، فالروح خلق من خلقه أضافه - سبحانه - إلى نفسه تشريفاً وتكريماً، كقوله، أرضى وسمائى وبيتى وناقة الله وشهر الله ....
وقوله {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} أمر منه - سبحانه - للملائكة بالسجود لآدم.
أى: فإذا سويت خلقه، وأفضت عليه ما به حياته، فاسقطوا وخروا له ساجدين، سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، فإن سجود العبادة لى وحدى.
وقال - سبحانه - {فقعوا ..} بفاء التعقيب، للإشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير.
وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام -، وله - سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما يشاء، وكيف شاء ..
{ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } }. ثم بين - سبحانه - ما كان من الملائكة بعد ذلك فقال: {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أى: امتثل الملائكة لأمر الله بعد أن خلق - سبحانه - آدم وسواه ونفخ فيه من روحه، فسجدوا له كلهم أجمعون دون أن يتخلف منهم أحد.
وجمع - سبحانه - بين لفظى التوكيد {كلهم أجمعون} للمبالغة فى ذلك، ولإِزالة أى التباس بأن أحداً شذ عن طاعة الله - تعالى -.
وقوله {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} بيان لموقف إبليس من أمر الله - تعالى -. وإبليس: اسم مشتق من الإِبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس، وفعله أبلس، والراجح أنه اسم أعجمى، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة. وهو كائن حى، وقد أخطأ من حمله على معنى داعى الشر الذى يخطر فى النفوس، لأنه ليس من المعقول أن يكون الأمر كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه.
قال - تعالى -
{ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ... } }. وقوله {أبى} من الإِباء وهو الامتناع عن فعل الشئ مع القدرة على فعله، بسبب الغرور والتكبر والتعاظم.
أى: فسجد الملائكة كلهم أجمعون، امتثالاً وطاعة لله - تعالى -، إلا إبليس فإنه امتنع عن أن يكون مع الساجدين. تكبرا وغرورا وعصياناً لأمر الله - تعالى -.
وللعلماء فى كون إبليس من الملائكة، أم لا، قولان:
أحدهما: أنه كان منهم، لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لما كان عاصيًا، ولما استحق الطرد واللعنة، ولأن الأصل فى المستثنى أن يكون داخلاً تحت اسم المستثنى منه، حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه. وعلى هذا الرأى اختاره ابن عباس وابن مسعود وغيرهما يكون الاستثناء متصلاً.
والثانى: أنه لم يكن من الملائكة، لقوله - تعالى -:
{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ.. } فهو أصل الجن، كما أن آدم أصل الإِنس، ولأنه خلق من نار، والملائكة خلقوا من نور، ولأن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم ..
وعلى هذا الرأى الذى اختاره الحسن وقتادة وغيرهما يكون الاستثناء منقطعًا.
قال الشيخ القاسمى: "وقد حاول الإِمام ابن القيم -رحمه الله - أن يجمع بين الرأيين فقال: والصواب التفصيل فى هذه المسألة، وأن القولين فى الحقيقة قول واحد. فإن إبليس كان مع الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله فإن أصله من نار وأصل الملائكة من نور، فالنافى كونه من الملائكة والمثبت كونه منهم لم يتواردا على محل واحد".
والذى نميل إليه فى هذه المسألة أن إبليس لم يكن من الملائكة، بدليل الحديث الصحيح الذى يقول فيه النبى صلى الله عليه وسلم:
"خلقت الملائكة من نور. وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم مما وصف لكم" والآية الكريمة - وهى قوله - تعالى - { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } صريحة فى أنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة.
ومع هذا فإن الأمر بالسجود يشمله، بدليل قوله - تعالى -
{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ... } }. فهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن الله - تعالى - قد أمر إبليس بالسجود لآدم ...
ووجود إبليس مع الملائكة لا يستلزم أن يكون منهم، ومثل ذلك كمثل أن تقول: حضر بنو فلان إلا محمدا، ومحمد ليس من بنى فلان هؤلاء، وإنما هو معهم بالمجاورة أو المصاحبة أو غير ذلك.
هذا ما نختاره ونميل إليه، إستنادًا إلى ظاهر الآيات وظاهر الأحاديث، والله - تعالى - أعلم.
وقوله - سبحانه -: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} بيان لما وبخ الله - تعالى - به إبليس، ولرد إبليس - لعنه الله - على خالقه - عز وجل -.
أى: قال الله - تعالى - لإِبليس على سبيل التوبيخ والزجر: أى سبب حملك على مخالفة أمرى، وجعلك تمتنع عن السجود لمن أمرتك بالسجود له؟
فكان رد إبليس: ما كان ليليق بشأنى ومنزلتى أن أسجد مع الساجدين لبشر خلقته - أيها الخالق العظيم - من صلصال من حمأ مسنون.
ومقصود إبليس بهذا الرد إثبات أنه خير من آدم، كما حكى عنه - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى -
{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } }. وهذا الرد منه يدل على عصيانه لأمر ربه، وعدم الرضا بحكمه، وسوء أدبه مع خالقه - سبحانه -.
قال الآلوسى: وقد أخطأ اللعين حيث ظن أن الفضل كله باعتبار المادة، وما درى أنه يكون باعتبار الفاعل، وباعتبار الصورة، وباعتبار الغاية، بل إن ملاك الفضل والكمال هو التخلى عن الملكات الردية، والتحلى بالمعارف الربانية.

فشمال والكأس فيها يمين ويمين لا كأس فيها شمال

وقوله - سبحانه -: {قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} بيان للحكم العادل الذى أصدره الله - تعالى - على إبليس.
والضمير فى قوله: {منها} يعود إلى السماء لأنها مسكن الطائعين الأخيار، أو إلى الجنة لأنها لا يسكنها إلا من أطاع الله - تعالى -، أو إلى المنزلة التى كان فيها قبل طرده من رحمة الله .. أى: قال الله - تعالى - لإِبليس على سبيل الزجر والتحقير: فاخرج من جنتى ومن سمائى فإنك {رجيم} مطرود من كل خير وكرامة، وإن عليك اللعنة والإِبعاد من رحمتى إلى يوم الدين، وهو يوم الحساب والجزاء.
وليس المراد أن تنقطع عنه اللعنة يوم الدين، بل المراد أن هذه اللعنة مستمرة عليه إلى يوم الدين، فإذا ما جاء هذا اليوم استمرت هذه اللعنة، وأضيف إليها العذاب الدائم المستمر الباقى، بسبب عصيانه لأمر ربه، فذكر يوم الدين، إنما هو للمبالغة فى طول مدة هذه اللعنة ودوامها ما دامت الحياة الدنيا.
وعبر - سبحانه - بعلى فى قوله {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ} للإشعار بتمكنها منه، واستعلائها عليه، حتى لكأن اللعنة فوقه يحملها دون أن تفارقه فى لحظة من اللحظات.
ثم حكى - سبحانه - ما طلبه إبليس من ربه، ومارد الله به عليه، فقال - تعالى - {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}.
والفاء فى قوله {فأنظرنى} للتفريع وهى متعلقة بمحذوف يدل عليه سياق الكلام.
والإِنظار: التأخير والإِمهال ومنه قوله - تعالى -
{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ } } .. أى: قال إبليس لربه. عز وجل: ما دمت قد أخرجتنى من جنتك ومن سمائك، وجعلتنى مرجوماً ملعوناً إلى يوم الدين، فأخر موتى إلى يوم يبعث آدم وذريته للحساب وخاطب الله - تعالى - بصفة الربوبية تخضعا وتذللا لكى يجاب طلبه.
وقد أجاب الله - تعالى - له طلبه فقال: {فإنك} يا إبليس من جملة {المنظرين} أى الذين أخرت موتهم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} وهو يوم القيامة الذى استأثرت بعلم وقته، والذى وصفت أحواله للناس، كى يستعدوا له بالإِيمان والعمل الصالح.
ويصح أن يكون المراد بالوقت المعلوم: وقت النفخة الأولى حين يموت كل الخلائق ويموت هو معهم.
قال ابن كثير: أجابه الله - تعالى - إلى ما سأل، لما له فى ذلك من الحكمة والإِرادة والمشيئة التى لا تخالف. ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.
وقال بعض العلماء: وهذا الإِنظار رمز إلهى على أن ناموس الشر لا ينقضى من عالم الحياة الدنيا، وأن نظامها قائم على التصارع بين الخير والشر، وبين الأخيار والأشرار.
قال - تعالى -:
{ بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ... } }. ولذلك لم يستغن نظام العالم عن إقامة قوانين العدل والصلاح، وإيداعها إلى الكفاة لتنفيذها والذود عنها.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملت إبليس على طلب تأخير موته إلى يوم القيامة، والتى من أهمها الانتقام من آدم وذريته فقال - تعالى -: {قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}.
والباء فى قوله {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ..} للسببية أو للقسم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: الباء ههنا بمعنى السبب، أى: بسبب كونى غاويا لأزينن لهم كقول القائل: أقسم فلان بمعصيته ليدخلن النار، وبطاعته ليدخلن الجنة.
أو للقسم وما مصدرية وجواب القسم لأزينن لهم. والمعنى أقسم بإغوائك لى لأزينن لهم. ونظيره قوله - تعالى -
{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } }. وقوله {أغويتنى} من الإِغواء، وهو خلق الغى فى القلوب. وأصل الغى الفساد، ومنه غوى الفصيل - كرضى - إذا بشم من اللبن ففسدت معدته. أو منع من الرضاع فهزل وكاد يهلك، ثم استعمل فى الضلال. يقال: غوى فلان يغوى غيا وغواية فهو غاو إذا ضل عن الطريق المستقيم. وأغواه غيره وغواه: أضله.
وقوله {لأزينن لهم} من التزيين بمعنى التحسين والتجميل، وهو تصيير الشى زينًا، أى: حسنًا حتى ترغب النفوس فيه وتقبل عليه.
والضمير فى {لهم} يعود على ذرية آدم، وهو مفهوم من السياق وإن لم يجر لهم ذكر، وقد جاء ذلك صريحًا فى قوله - تعالى - فى آية أخرى:
{ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً } }. وحذف مفعول {لأزينن} لدلالة المقام عليه.
أى: لأزينن لهم المعاصى والسيئات، بأن أحسن لهم القبيح. وأزين لهم المنكر. وأحبب الشهوات إلى نفوسهم حتى يتبعوها، وأبذل نهاية جهدى فى صرفهم عن طاعتك ... وقال - سبحانه - {فى الأرض} لتحديد مكان إغوائه، إذ هى المكان الذى صار مستقرًا له ولآدم وذريته، كما قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا } - أى الجنة - فأخرجهما - أى آدم وحواء - مما كانا فيه، { وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } }. وقوله {ولأغوينهم أجمعين} مؤكدًا لما قبله.
أى: والله لأغوينهم جميعًا مادمت قادرًا على ذلك، ولأعملن على إضلالهم بدون فتور أو يأس، كما قال - تعالى - فى آية أخرى:
{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } }. قال القرطبى: وروى ابن لهيعة عبد الله عن دراج أبى السمح، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن إبليس قال يارب وعزتك وجلالك لا أزال أغوى بنى آدم ما دامت أرواحهم فى أجسامهم، فقال الرب: وعزتى وجلالى لا أزال أغفر لهم ما استغفرونى" .
وقوله - سبحانه - {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} اعتراف من إبليس بأن من عباد الله - تعالى - قومًا لا يستطيع أن يغويهم، ولا يقدر على إضلالهم.
وكلمة {المخلصين} قرأها نافع وحمزة وعاصم والكسائى - بفتح اللام -، فيكون المعنى: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك الذين استخلصتهم لطاعتك، وصنتهم عن اقتراف ما نهيتهم عنه.
وقرأها ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو - بكسر اللام -، فيكون المعنى: لأضلنهم جميعًا، إلا عبادك الذين أخلصوا لك العمل، وابتعدوا عن الرياء فى أقوالهم وأفعالهم.
وهذا الاستثناء الذى اعترف به إبليس بعد أن أدرك أنه لا محيص له عنه - هو سنة الله - تعالى - فى خلقه، فقد جرت سنته التى لا تغيير ولا تبديل لها، بأن يستخلص لذاته من يخلص له قلبه، وأن يرعى من يرعى حدوده، ويحفظ من يحفظ تكاليفه، ولذا كان جوابه - سبحانه - على إبليس، هو قوله - تعالى - {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}.
واسم الإشارة {هذا} يعود إلى الاستثناء السابق وهو قوله {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}.
وقد اختار هذا الرأى الإِمام الآلوسى فقال: قال الله - تعالى - {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ} أى: حق لابد أن أراعيه {مستقيم} لا انحراف فيه فلا يعدل عنه إلى غيره.
والإِشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه وكلمة على تستعمل فى الوجوب. والمعتزلة يقولون به حقيقة لقولهم بوجوب الأصلح عليه - تعالى -.
وقال أهل السنة، إن ذلك وإن كان تفضلاً منه - سبحانه - إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه، بمقتضى وعده - عز وجل -، فجئ بعلىَّ لذلك.
ثم قال: وقرأ الضحاك ومجاهد ويعقوب .. {هذا صراط عَلِيٌّ} - بكسر اللام وضم الياء المشددة وتنوينها - أى: عال لارتفاع شأنه.
وقد اختار صاحب الكشاف عودة اسم الإِشارة إلى ما بعده فقال: قال الله - تعالى - {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} أى هذا طريق حق على أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على عبادى، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته.
ويرى ابن جرير أن على هنا بمعنى إلى، فقد قال -رحمه الله - قوله - تعالى - {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} بمعنى هذا طريق إلى مستقيم.
فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلى، فأجازى كلا بأعمالهم، كما قال - تعالى -
{ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك على وأنا على طريقك، فكذلك قوله {هذا صراط} معناه: هذا طريق علىّ وهذا طريق إلى ... .
ويبدوا لنا أن الآية الكريمة مسوقة لبيان المنهاج القويم الذى كتبه الله - تعالى - على نفسه فضلاً منه وكرمًا، والميزان العادل الذى وضعه - سبحانه - لتمييز الخبيث من الطيب.
فكأنه - سبحانه - يقول فى الرد على إبليس الذى اعترف بعجزه عن إغواء المخلصين من عباد الله: يا إبليس، إن عدم قدرتك على إغواء عبادى المخلصين منهج قويم من مناهجى التى اقتضتها حكمتى وعدالتى ورحمتى، وسنة من سننى التى آليت على نفسى أن ألتزم بها مع خلقى. إن عبادى المخلصين لا قوة ولا قدرة لك على إغوائهم، لأنهم حتى إذا مسهم طائف منك. أسرعوا بالتوبة الصادقة إلى، فقبلتها منهم. وغفرت لهم زلتهم ... ولكنك تستطيع إغواء أتباعك الذين استحوذت عليهم؛ فانقادوا لك ...
وفى هاتين الآيتين ما فيهما من التنويه بشأن عباد الله المخلصين، ومن المديح لهم بقوة الإِيمان، وعلو المنزلة، وصدق العزيمة؛ وضبط النفس ...
قال - تعالى -:
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً } }. قال الآلوسى وقوله: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ... } أى تصرف وتسلط، والمراد بالعباد؛ المشار إليهم بالمخلصين، فالإِضافة للعهد والاستثناء على هذا فى قوله {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} منقطع.
واختار هذا غير واحد ... وجوز أن يكون بالعباد العموم والاستثناء متصل، والكلام كالتقرير لقوله إلا عبادك منهم المخلصين، ولذا لم يعطف على ما قبله، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين، بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء ....
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المتبعين لإِبليس فقال: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}.
والضمير فى قوله {لموعدهم} يعود إلى الغاوين، أو إلى {من اتبعك} والموعد: مكان الوعد.
والمراد به هنا المكان الذى سينتهون إليه حتمًا بعد أن كانوا غافلين عنها فى الدنيا، وهو جهنم أى وإن جهنم لمكان محتوم لهؤلاء الذين أغواهم إبليس دون أن يفلت أحد من سعيرها.
وجملة {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها.
وجملة {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} صفة لأبواب، وضمير {منهم} يعود إلى الغاوين أتباع إبليس.
والمقسوم: من القَسْمِ وهو إفراز النصيب عن غيره تقول: قسمت كذا قسماً وقسمة إذا ميزت كل قسم عن سواه.
والمعنى: إن لجهنم سبعة أبواب، لكل باب منها، فريق معين من الغاوين يدخلون منه، على حسب تفاوتهم فى الغواية وفى متابعة إبليس ويرى كثير من المفسرين أن المراد بالأبواب هنا الأطباق والدركات.
أى لجهنم سبعة أطباق أو دركات بعضها فوق بعض، ينزلها الغاوون، بحسب أصنافهم وتفاوت مراتبهم فى الغى والضلال.
قال الإِمام ابن كثير: قوله - تعالى {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} أى: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس، يدخلونه لا محيد لهم عنه - أجارنا الله منها - وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر فى درك بقدر فعله .... ثم قال: وعن عمرة بن جندب - رضى الله عنه - عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} قال:
"إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه ..." .
وبعد: فهذه قصة خلق الإِنسان، وقصة خلق الجان - كما بينتها هذه السورة الكريمة - ومن الدروس والعظات التى نأخذها منها:
1- دلالتها على كمال قدرة الله - تعالى -، وبديع خلقه، وبليغ حكمته، حيث خلق - سبحانه - الإِنسان من مادة تختلف عن المادة التى خلق منها الجان، وحيث كرم الإِنسان بخاصية أخرى أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى -
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي .. } }. وهذه الخاصية هى التى تجعل من هذا الإِنسان، إنسانًا ينفرد بخصائصه عن كل الأحياء الأخرى التى تشاركه فى هذه الحياة ..
2- أن خلق الجان سابق على خلق الإِنسان، بدليل قوله - تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}.
3- إن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم بمجرد أن أمرهم الله - تعالى - بالسجود لآدم، سجدوا جميعًا دون أن يشذ منهم أحد.
4- أن الإِصرار على معصية الله - تعالى - يؤدى إلى الطرد من رحمته - سبحانه - ومن الخروج من رضوانه ومغفرته.
5- أن التكبر والغرور والحسد، من أبرز الصفات الذميمة التى حملت إبليس على الامتناع عن السجود لآدم، وعلى مخالفة أمر ربه - عز وجل -.
6- أن إجابته - سبحانه - لطلب إبليس فى تأخير موته، لم يكن لكرامة له عنده - عز وجل -، وإنما كان استدراجاً له وإمهالاً، وابتلاء لبنى آدم ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه.
7- أن العداوة بين إبليس وقبيله، وبين آدم وذريته، باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن إبليس وجنوده لم ولن يتركوا باب من أبواب الشر إلا وزينوه وجملوه لبنى آدم، وحرضوهم على الدخول فيه، ليكتسبوا السيئات التى نهاهم الله - تعالى - عنها.
قال - تعالى -
{ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } }. 8- أن عدالة الله - تعالى - ورحمته قد اقتضت أن يحمى عباده المخلصين من تسلط الشيطان عليهم، لأنهم منه فى حمى، ولأن مداخله إلى نفوسهم مغلقة، إذ أنهم خافوا مقام ربهم ونهوا أنفسهم عن الهوى ..
أما الذين يستطيع الشيطان التسلط عليهم، والتأثير فيهم، فهم أولئك الذين انقادوا لوساوسه، واستجابوا لنزعاته، وصاروا مطية له يسخرها كما يشاء ...
وهؤلاء هم الذين تنتظرهم جهنم بأبوابها السبعة ..
قال - تعالى -: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}.
هذه هى عاقبة الغاوين أتباع إبليس، أما عاقبة المخلصين الذين أخلصوا نفوسهم لله - تعالى - وأطاعوه فى السر والعلن، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ..}.