خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٤٩
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ
٥٠
وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
٥١
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
٥٢
قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ
٥٣
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ
٥٤
قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ
٥٥
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ
٥٦
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ
٥٧
قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ
٥٨
إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
٥٩
إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ
٦٠
-الحجر

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والخطاب فى قوله - تعالى -: {نبئ عبادى ..} للرسول صلى الله عليه وسلم والنبأ: الخبر العظيم. والمراد بـ {عبادي}: المؤمنون منهم، والإِضافة للتشريف.
أى: أخبر - أيها الرسول الكريم - عبادى المؤمنين أنى أنا الله - تعالى - الكثير المغفرة لذنوبهم، الواسع الرحمة لمسيئهم، وأخبرهم - أيضاً - أن عذابى هو العذاب الشديد الإِيلام، فعليهم أن يقدموا القول الطيب، والعمل الصالح، لكى يظفروا بمغفرتى ورحمتى، وينجو من عذابى ونقمتى.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع فى هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب، وبين الرحمة والانتقام، وبين الوعد والوعيد، لبيان سنته - سبحانه - فى خلقه، ولكى يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، ولا يقصر فى أداء ما كلفه - سبحانه - به.
وقدم - سبحانه - نبأ الغفران والرحمة، على نبأ العذاب والانتقام، جريا على الأصل الذى ارتضته مشيئته، وهو أن رحمته سبقت غضبه، ومغفرته سبقت انتقامه.
والضمير "أنا" و"هو" فى الآيتين الكريمتين، للفصل؛ لإِفادة تأكيد الخبر.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: وفى الآيتين لطائف:
إحداها: أنه أضاف - سبحانه - العباد إلى نفسه بقوله {عبادى} وهذا تشريف عظيم لهم ...
وثانيها. أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ فى التأكيد بألفاظ ثلاثة: أولها: قوله {أنى} وثانيها قوله {أنا}، وثالثها. إدخال حرف الألف واللام على قوله {الغفور الرحيم}، ولما ذكر العذاب لم يقل: إنى أنا المعذب، بل قال {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ}.
وثالثها: أنه أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهده على نفسه فى التزام المغفرة والرحمة.
ورابعها: أنه لما قال {نبئ عبادى} كان معناه نبئ كل من كان معترفاً بعبوديتى، وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع. فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصى، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله - تعالى -.
وقال الآلوسى: وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله - تعالى - خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذى عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله - تعالى - من العذاب، لم يأمن من النار" .
وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال فى الآية: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم العبد قدر عفو الله - تعالى - لما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه" .
وقوله - سبحانه - {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ...} معطوف على قوله قبل ذلك {نبئ عبادى ...}.
قال الجمل: وأصل الضيف: الميل، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه. والضيف من مال إليك نزولاً بك، وصارت الضيافة فى القرى وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع فى غالب كلامهم. وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف ....
والمراد بضيف إبراهيم هنا: الملائكة الذين نزلوا عنده ضيوفاً فى صورة بشرية، وبشروه بغلام عليم، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإِهلاكهم ...
ثم فصل - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وضيوفه فقال: {إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً ..}.
والظرف "إذ" منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر.
أى: ونبئهم - أيضاً - أيها الرسول الكريم - عن ضيف إبراهيم، وقت أن دخلوا عليه، فقالوا له على سبيل الدعاء أو التحية {سلاما} أى: سلمت سلاما. أو سلمنا سلاما.
فلفظ {سلاما} منصوب بفعل محذوف.
وقوله - سبحانه - {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} بيان لما رد به إبراهيم - عليه السلام - على الملائكة.
و{وجلون} جمع وجل، والوجل: اضطراب يعترى النفس لتوقع حدوث مكروه. يقال: وجل الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف.
أى: قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه وبادروه بالتحية إنا منكم خائفون.
وقال {إنا منكم ...} بصيغة الجمع، لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو، واعترى أهله معه.
وكان من أسباب خوفه منهم، أنهم دخلوا عليه بدون إذن، وفى غير وقت الزيارة وبدون معرفة سابقة لهم، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذى قدمه إليهم ..
هذا، وقد ذكر - سبحانه فى سورة الذاريات أنه رد عليهم السلام فقال - تعالى -
{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } }. كما بين - سبحانه - فى سورة هود أن من أسباب خوفه منهم، عدم أكلهم من طعامه. قال - تعالى -: { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ... } }. أى خاف إبراهيم لما رأى أيدى الضيف لا تصل إلى طعامه.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكة لإِدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال - تعالى -: {قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ}.
أى: قالت الملائكة لإِبراهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور على قلبه: لا تخف منا يا إبراهيم، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذى علم كثير بشريعة الله - تعالى - وبأوامره ونواهيه، وهو إسحق - عليه السلام -.
وجملة {إنا نبشرك ..} مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل.
وقد حكى - سبحانه - هنا أن البشارة كانت له، وفى سورة هود أن البشارة كانت لامرأته، ومعنى ذلك أنها كانت لهما معاً، إما فى وقت واحد، وإما فى وقتين متقاربين بأن بشروه هو أولاً، ثم جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضاً، ويشهد لذلك قوله - تعالى -
{ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ... } }. ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم، فقال - تعالى - {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}.
والاستفهام للتعجب. كأنه عجب من أن يرزقه الله - تعالى - بغلام عليم بعد أن مسه الكبر، وبلغ سن الشيخوخة.
و{على} بمعنى مع، والمس: اتصال شئ بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة.
أى: قال إبراهيم للملائكة، بعد أن بشروه بالولد، أبشرتمونى بذلك مع أن الكبر قد أصابنى، والشيخوخة قد اعترتنى فبأى شىء عجيب قد بشرتمونى.
وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله - تعالى - ونفاذ أمره، حيث وهبه هذا الغلام فى تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامرأته، والتى جرت العادة أن لا يكون معها إنجاب الأولاد.
وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم فى قوله - تعالى -
{ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ .. } }. قال الإِمام الرازى ما ملخصه: والسبب فى هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة ...
وهناك جواب آخر، وهو أن الإِنسان إذا كان عظيم الرغبة فى شىء، وفاته الوقت الذى يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره، ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى، طلبا للالتذاذ بسماعها ....
وقوله - سبحانه - {قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَانِطِينَ}.
أى: قال الملائكة لإِبراهيم لزيادة اطمئنانه، ولتأكيد بشارته بالغلام العليم:
يا إبراهيم إنا بشرناك بالأمر المحقق الوقوع، وباليقين الذى لا خلف معه، وهو أن الله - تعالى - سيهبك الولد مع تقدم سنك وسن زوجك، فلا تكن من الآيسين من رحمة الله - تعالى - فإن قدرته - عز وجل - لا يعجزها شىء.
وهنا دفع إبراهيم - عليه السلام - عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله. فقال على سبيل الإِنكار والنفى {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ} أى: أنا ليس بى قنوط أو يأس من رحمة الله، لأنه لا ييأس من رحمة الله - تعالى - إلا القوم الضالون عن طريق الحق والصواب، الذين لا يعرفون سعة رحمته - تعالى - ونفاذ قدرته، ولكن هذه البشارة العظيمة - مع تقدم سنى وسن زوجى - هى التى جعلتنى - من شدة الفرح والسرور - أعجب من كمال قدرة الله - تعالى -، ومن جزيل عطائه، ومن سابغ مننه، حيث رزقنى الولد فى هذه السن التى جرت العادة بأن لا يكون معها إنجاب أو ولادة.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة، بعد أن اطمأن إليهم، فقال: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}.
والخطب: مصدر خطب يخطب، ومنه قولهم: هذا خطب يسير، وخطب جلل، وجمعه خطوب، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب ويخطب له.
أى: قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن سبب مجيئهم: فما شأنكم الخطير الذى من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة. وكأنه قد فهم أن مجيئهم إليه ليس لمجرد البشارة، بل من وراء البشارة أمر آخر جاءوا من أجله.
وهنا بادره الملائكة بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - {قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}. أى: قالوا له إنا أرسلنا - بأمر الله - تعالى - إلى قوم شأنهم الإِجرام، ودأبهم الفجور، والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا يسكنون مدينة "سدوم" بمنطقة وادى الأردن وقوله {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} استثناء من القوم المجرمين الذين أرسل الملائكة لإِهلاكهم.
والمراد بآل لوط: أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه. ولم يشاركوا قومهم فى كفرهم وشذوذهم.
أى: إنا أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوهم أجمعين.
وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت: قوله - تعالى - {إِلاَّ آلَ لُوطٍ} استثناء متصل أم منقطع؟
قلت: لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعاً، لأن القوم موصوفون بالإِجرام فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثناء من الضمير فى {مجرمين} فيكون متصلاً، كأنه قيل: قد أرسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم، كما قال:
{ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } }. فإن قلت: فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين؟ قلت: نعم، وذلك أن آل لوط مخرجون فى المنقطع من حكم الإِرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلاً ... كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين، ولكن آل لوط أنجيناهم.
وأما فى المتصل، فهم داخلون فى حكم الإِرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعاً ليهلكوا هؤلاء، وينجوا هؤلاء، فلا يكون الإِرسال مخلصاً بمعنى الإِهلاك والتعذيب كما فى الوجه الأول ...
وقوله - سبحانه - {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ} استثناء من الضمير فى {لمنجوهم}، إخراجا لها من التنجية. أى: إلا امرأة لوط - عليه السلام - فليست ممن سننجيه، بل هى ممن سنهلكه مع القوم المجرمين.
ومعنى {قدرنا}: قضينا وحكمنا.
والغابر: الباقى، يقال غبر الشىء غبوراً إذا بقى وأصله من الغبرة وهى بقية اللبن فى الضرع. وقد يستعمل فى الماضى فيكون هذا اللفظ من الأضداد.
ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ ...} مع أنه فعل الله - تعالى - لما لهم من الزلفى عنده - سبحانه -، ولأنهم ما أرسلوا لإِهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره.
قال الآلوسى ما ملخصه: والظاهر أن قوله - تعالى - {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ ...} من كلام الملائكة، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم - وهو فعل الله - سبحانه - لما لهم من القرب والاختصاص، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان: أمرنا بكذا .. والآمر فى الحقيقة هو السلطان. وقيل - ولا يخفى بعده -: هو من كلام الله - تعالى - فلا يحتاج إلى تأويل، وكذا لا يحتاج إلى تأويل إذا أريد بالتقدير العلم.
قال بعض العلماء: وفى هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء، لأنه - تعالى - استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله {إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله {إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ}.
وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوب بليغ حكيم، ما دار بين إبراهيم وبين الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم، وإخباره بإهلاك القوم المجرمين، وهم قوم لوط - عليه السلام - ..
ثم حكت السورة بعد ذلك ما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - بعد أن جاءوا إليه، وما دار بين لوط - عليه السلام - وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات، وما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها .. فقال - تعالى -: {فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ}.