خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ
١٠١
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ
١٠٢
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ
١٠٣
إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠٤
إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٠٥
-النحل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - تعالى -: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ...} التبديل رفع الشئ مع وضع غيره مكانه. فتبديل الآية رفعها بآية أخرى.
وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا: الآية القرآنية. وعلى أن المراد بتبديلها نسخها.
قال صاحب الكشاف: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله - تعالى - ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح، وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة. والله - تعالى - عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء، وينسخ ما يشاء بحكمته ...
وقال الجمل: قوله - تعالى - {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ...} وذلك أن المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء نفسه، فأنزل الله - تعالى -: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ...} والمعنى: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر.
وقال الآلوسى: قوله - تعالى -: {وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} أى: وإذا نزلنا آية من القرآن مكان آية منه. وجعلناها بدلا منها بأن نسخناها بها ...
ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا "الآية الكونية" أى المعجزة التى أتى بها كل نبى لقومه وأن المراد بتبديلها: الإِتيان بمعجزة أخرى سواها.
قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية: وذهب قوم إلى أن المعنى تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين. كآية موسى وعيسى وغيرهما من الآيات الكونية الآفاقية، بآية أخرى نفسية علمية، وهى كون المنزل هدى ورحمة وبشارة يدركها العقل.
فبدلت تلك - وهى الآيات الكونية - بآية هو كتاب العلم والهدى من نبى أمى صلى الله عليه وسلم.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ ...} يدل دلالة واضحة على أن المراد بالآية، الآية القرآنية.
وقوله - سبحانه -: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} جملة معترضة بين الشرط وجوابه للمسارعة إلى توبيخ المشركين وتجهيلهم.
أى: والله - تعالى - أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده، وبما ينزله من آيات، وبما يغير ويبدل من أحكام، فكل من الناسخ والمنسوخ منزل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة،
{ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } }. وقوله - تعالى -: {قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} جواب الشرط، وهو حكاية لما تفوهوا به من باطل وبهتان: وقوله {مفتر} من الافتراء وهو أشنع أنواع الكذب.
أى: قال المشركون للنبى صلى الله عليه وسلم عند تبديل آية مكان آية: إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك، وتفتريه من إنشائك واختراعك ..
وقوله - تعالى -: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم.
أى: لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما قاله هؤلاء المشركون فى شأنك وفى شأن القرآن الكريم، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء، لا يعلمون ما فى تبديلنا للآيات من حكمة، ولا يفقهون من أمر الدين الحق شيئا.
وقال - سبحانه - {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} للإِشارة إلى أن هناك قلة منهم تعرف الحق وتدركه، ولكنها تنكره عنادا وجحودا وحسدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله.
ثم لقن الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم الرد الذى يقذفه على باطلهم فيزهقه فقال:
{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام -، والإِضافة فيه إضافة الموصوف إلى الصفة. أى: الروح المقدس. ووصف بالقدس لطهارته وبركته. وسمى روحا لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منهما مادة الحياة للبشر، فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإِلهية تحيا به القلوب، والروح تحيا به الأجسام.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين، إن هذا القرآن الذى تزعمون أننى افتريته، قد نزل به الروح الأمين على قلبى من عند ربى، نزولا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، ليزيد المؤمنين ثباتا فى إيمانهم، وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين.
وفى قوله {من ربك} تكريم وتشريف للرسول صلى الله عليه وسلم حيث اختص - سبحانه - هذا النبى الكريم بإنزال القرآن عليه، بعد أن رباه برعايته، وتولاه بعنايته.
وقوله {بالحق} فى موضع الحال، أى: نزله إنزالا ملتبسا بالحكمة المقتضية له، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه.
وقوله: {لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} بيان للوظيفة التى من أجلها نزل القرآن الكريم، وهى وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم، أما الكافرون فهم بعيدون عنها.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...}.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: يقول - تعالى - مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء: إن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه هذا الذى يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان النبى صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشئ، وذاك كان أعجمى اللسان لا يعرف إلا اليسير من العربية.
وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل "يعيش"، وعن ابن عباس كان اسمه "بلعام"، وكان أعجمى اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية.
والمعنى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - علما مستمرا لا يعزب عنه شئ مما يقوله المشركون فى شأنك، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر.
قال الآلوسى: وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه - عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل فى ظهور كذبهم، للإِيذان بأن مدار خطئهم، ليس بنسبته صلى الله عليه وسلم إلى التعلم من شخص معين، بل من البشر كائنا من كان، مع كونه صلى الله عليه وسلم معدنا لعلوم الأولين والآخرين.
وقوله - تعالى -: {لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} رد عليهم فيما زعموه وافتروه.
والمراد باللسان هنا: الكلام الذى يتكلم به الشخص، واللغة التى ينطق بها.
وقوله: {يلحدون} من الإِلحاد بمعنى الميل. يقال لحد وألحد، إذا مال عن القصد، وسمى الملحد بذلك، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها.
والأعجمى: نسبة إلى الأعجم: وهو الذى لا يفصح فى كلامه سواء أكان من العرب أم من العجم. وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد.
والمعنى: لقد كذبتم - أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا، حيث زعمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه القرآن بشر، مع أن لغة هذا الإِنسان الذى زعمتم أنه يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم لغة أعجمية، ولغة هذا القرآن لغة عربية فى أعلى درجات البلاغة والفصاحة، فقد أعجزكم بفصاحته وبلاغته، وتحداكم وأنتم أهل اللسن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله.
فخبرونى بربكم، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل وما حواه من العلوم، فضلا عن أن ينطق به، فضلا عن أن يكون معلما له !!.
ثم هدد - سبحانه - المعرضين عن آياته بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على وحدانيته - سبحانه - وعلى صدق نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عنه.
{لاَ يَهْدِيهِمُ ٱللَّهُ} إلى طريق الحق فى الدنيا، بسبب زيغهم وعنادهم وإيثارهم الغى على الرشد. {ولهم} فى الآخرة عذاب أليم جزاء إصرارهم على الباطل، وإعراضهم عن الآيات التى لو تأملوها واستجابوا لها لاهتدوا إلى الصراط المستقيم.
ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن الرسول الأمين، وإنما يصدر عن الكافرين فقال - تعالى -: {إِنَّمَا يَفْتَرِي ٱلْكَذِبَ} أى: يختلقه ويخترعه {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له، وعلى صدق رسله، وعلى صحة البعث يوم القيامة، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا، ولا يرجون ثوابا. {وأولئك} الكافرون بما يجب الإِيمان به {هم الكاذبون} فى قولهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يعلمه بشر، وفى قولهم {إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ} وفى غير ذلك من أقوالهم الباطلة، التى حاربوا بها دعوة الحق.
قال بعض العلماء: ولا يخفى ما فى الحصر بعد القصر من العناية بمقامه - صلوات الله عليه -، وقد كان أصدق الناس وأبرهم .. بحيث كانوا يلقبونه بالصادق الأمين.
ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له - من بين ما قال -: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله - تعالى -.
وفى هذه الآية دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر، وأفحش الفواحش. والدليل عليه أن كلمة "إنما" للحصر.
"وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم قرأ هذه الآية" .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حكم من أكره على النطق بكلمة الكفر، وحكم من استحب الكفر على الإِيمان فقال - تعالى -: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ...}.