خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٤
لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٢٥
قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٦
ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ
٢٧
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٨
فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ
٢٩
-النحل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه -: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} حكاية لبعض ما كان يدور بين أولئك المستكبرين، وبين غيرهم من أسئلة واستفسارات حول القرآن الكريم.
والأساطير: جمع أسطورة، كأعاجيب وأعجوبة، وأحاديث وأحدوثة.
والمراد بها: الأكاذيب والترهات التى لا أصل لها، والتى كانت مبثوثة فى كتب الأولين.
والمعنى: وإذا قال قائل لهؤلاء الكافرين المستكبرين، أى شئ أنزل ربكم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا له على سبيل الجحود للحق: لم ينزل عليه شئ، وإنما هذا القرآن الذين يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم على أتباعه، هو من أساطير الكهنة الأولين، نقله من كتبهم ثم قرأه على من يستمع إليه.
روى ابن أبى حاتم عن السدى قال: "اجتمعت قريش فقالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل حلو اللسان إذا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظرو أناسا من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم فى كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاءه يريده ردوه عنه.
فخرج ناس فى كل طريق، فكان إذا أقبل الرجل وافدا لقومه ينظر ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ووصل إليهم، قال أحدهم: أنا فلان بن فلان، فيعرفه نسبه، ثم يقول للوافد: أنا أخبرك عن محمد صلى الله عليه وسلم إنه رجل كذاب لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيهم، وأما شيوخ قومه وخيارهم فمفارقون له، فيرجع الوافد. فذلك قوله - تعالى - {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}.
فإن كان الوافد ممن عزم الله له الرشاد، فقالوا له مثل ذلك قال: بئس الوافد لقومى أنا، إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم - من مكة - رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل، وأنظر ما يقول، وآتى قومى ببيان أمره. فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين فيسألهم: ماذا يقول محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون خيرا ..".
وعبر - سبحانه - بالفعل {قيل} المبنى للمجهول، للإِشارة إلى أن هذا القول الذى تفوه به عتاة الكافرين، كانوا يقولونه لكل من يسألهم عن القرآن الكريم، لكى يصدوه عن الدخول فى الإِسلام. وجملة {مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} نائب فاعل لقيل.
وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - {أساطير الأولين} خبر لمبتدأ محذوف.
أى: قالوا هو أساطير الأولين أو المسئول عنه: أساطير الأولين.
ولقد حكى القرآن قولهم الباطل هذا، ورد عليه بما يدحضه فى آيات كثيرة، ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } }. ثم بين - سبحانه - عاقبة كفرهم، ونطقهم بالباطل، فقال - تعالى -: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ...}.
واللام فى قوله - {ليحملوا} هى التى تسمى بلام العاقبة، وذلك لأنهم لما وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، كانت عاقبتهم تلك العاقبة السيئة.
والأوزار جمع وزر - بكسر الواو وسكون الزاى - بمعنى الشئ الثقيل.
المراد بها الذنوب والآثام التى يثقل حملها على صاحبها يوم القيامة، كما قال - تعالى -:
{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } }. والمعنى: قالوا ذلك فى القرآن الكريم، لتكون عاقبتهم أن يحملوا أوزارهم كاملة غير منقوصة يوم القيامة.
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله {ليحملوا} متعلق - بقالوا - كما هو الظاهر .. واللام للعاقبة، لأن الحمل مترتب على قولهم وليس باعثا ولا غرضا لهم.
وعن ابن عطية: أنها تحتمل أن تكون لام التعليل ومتعلقة بفعل مقدر لا بقالوا، أى: قدر صدور ذلك منهم ليحملوا ...
وقال - سبحانه - {كاملة} لتأكيد أنه لا يرفع عنهم شئ من ذنوبهم، بل سيعاقبون عليها جميعها دون أن ينقص منها شئ.
قال الفخر الرازى: وهذا يدل على أن الله - تعالى - قد يسقط بعض العقاب على المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلا فى حق الكل، لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل معنى ...
وقال بعض العلماء: "ويصور التعبير هذه الذنوب بكونها أحمالا ذات ثقل - وساءت أحمالا وأثقالا -، فهى توقر النفوس كما توقر الأحمال الظهور، وهى تثقل القلوب، كما تثقل الأحمال العواتق، وهى تتعب وتشقى كما تتعب الأثقال حاملها، بل هى أدهى وأنكى".
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله فى صورة أقبح ما خلق الله وجها، وأنتنه ريحا، فيجلس إلى جنبه كلما أفزعه شئ زاده فزعا، وكلما تخوف من شئ زاده خوفا. فيقول له بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فيقول له وما تعرفنى؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك كان قبيحا فلذلك ترانى قبيحا، وكان منتنا فلذلك ترانى منتنا. طأطئ إلى أركبك، فطالما ركبتنى فى الدنيا، فيركبه، وهو قوله - تعالى - {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ..}.
وقوله: {وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} بيان لأثقال أخرى يحملونها فوق أثقالهم.
أى: أن أولئك المستكبرين، قالوا فى القرآن إنه أساطير الأولين، فكانت عاقبة قولهم الباطل أن حملوا آثامهم الخاصة، وأن حملوا فوقها جانبا من آثام من كانوا سببا فى ضلالهم.
قال ابن كثير: أى يصير عليهم خطيئة ضلالهم فى أنفسهم، وخطيئة إغوائهم لغيرهم، واقتداء أولئك بهم، كما جاء فى الحديث:
"من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" .
كما قال - تعالى -: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } }. فهذه الآية وأمثالها، لا تعارض بينها وبين قوله - تعالى - { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } }. لأن هؤلاء المستكبرين لم يكتفوا بضلالهم فى أنفسهم، بل تسببوا فى إضلال غيرهم، فعوقبوا على هذا التسبب السيئ، الذى هو فعل من أفعالهم القبيحة.
وقوله {بغير علم} فى موضع الحال من الضمير المنصوب فى قوله {يضلونهم}.
أى: يضلون ناسا لا علم عندهم، فهم كالأنعام بل هم أضل، وفى ذلك ما فيه من مدح أهل العلم والتفكير، لأن الآية الكريمة قد بينت أن أئمة الكفر، يستطيعون إضلال من لا علم عنده، أما أصحاب العقول السليمة فلن يستطيعوا إضلالهم.
قالوا: واستدل بالآية على أن المقلد يجب عليه أن يبحث، وأن يميز بين الحق والباطل، ولا يعذر بسبب جهله.
وقيل: إن قوله {بغير علم} فى موضع الحال من الضمير المرفوع فى قوله {يضلونهم}.
أى: هم يضلون غيرهم حالة كونهم غير عالمين بما يترتب على ذلك من آثام وعقاب، إذ لو علموا ذلك لما أقدموا على هذا الإِضلال لغيرهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}. قال الجمل: و{ساء} فعل ماض لإِنشاء الذم بمعنى بئس، و"ما" تمييز بمعنى شيئا، أو فاعل بساء و{يزرون} صفة لما والعائد محذوف، أو "ما" اسم موصول، وقوله {يزرون} صلة الموصول، والعائد محذوف أى: يزرونه، والمخصوص بالذم محذوف.
والتقدير: بئس شيئا يزرونه ويحملونه نتيجة كفرهم وكذبهم وإضلالهم لغيرهم؛ وافتتحت الجملة الكريمة بأداة الاستفتاح "ألا" للاهتمام بما تضمنه التحذير، حتى يقلعوا عن كفرهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويحترسوا عن الوقوع فى الباطل من القول.
ثم سلى الله - تعالى - نبيه والمؤمنين، فبين لهم أن هؤلاء المستكبرين الذين قالوا فى القرآن: إنه أساطير الأولين، سيحيق بهم مكرهم السيئ، كما حاق بالذين من قبهلم، فقال - تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}.
وقوله - سبحانه - {مكر} من المكر، وهو التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلته، وهو مذموم إن تحرى به الماكر الشر والباطل، ومحمود إن تحرى به الخير والحق.
والمراد به هنا النوع الأول.
والمراد بالذين من قبلهم: الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة، كقوم نوح وهود وصالح.
وقوله: {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ..} أى: أهلكهم، كما فى قوله - تعالى -
{ ... فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ .. } }. ويقال: أتى فلان من مأمنه أى: نزل به الهلاك من جهة أمنه. وأتى عليه الدهر. أى: أهلكه وأفناه. ومنه الأتوّ. وهو الموت والبلاء.
يقال: أتى على فلان أُتوّ، أى موت أو بلاء يصيبه.
والقواعد: جمع قاعدة. وهى أساس البناء، وبها يكون ثباته واستقراره.
والمعنى: لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما يقوله المستكبرون من قومك فى شأن القرآن الكريم لكى يصرفوا الناس عن الدخول فى الإِسلام، فقد مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم، فكانت عاقبة مكرهم أن أتى الله بنيانهم من القواعد، بأن اجتث هذا البنيان من أصله؛ واقتلعه من أساسه {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} أى: فسقط عليهم سقف بنيانهم فأهلكهم {وأتاهم العذاب} المبير المدمر {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} ولا يحتسبون بأنه سيأتيهم من هذه الجهة، بل كانوا يتوقعون أن ما شيدوه سيحميهم من المهالك.
فالآية الكريمة تصور بأسلوب بديع معجز، كيف أن هؤلاء الماكرين، قد حصنوا أنفسهم بالبناء المحكم المتين، ليتقوا ما يؤذيهم، إلا أن جميع هذه التحصينات قد هوت وتساقطت على رءوسهم، أمام قوة الله - تعالى - التى لا ترد، فإذا بالبناء الذى بنوه ليحتموا به، قد صار مقبرة لهم.
وصدق الله إذ يقول:
{ وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } }. وقال - سبحانه -: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ} مع أن السقف لا يكون إلا من فوق، لتأكيد الكلام وتقويته.
وقال القرطبى: قال ابن الأعرابى: وكد ليعلمك أنهم كانوا حالين تحته، والعرب تقول خر علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه وإن لم يكن وقع عليه. فجاء بقوله: {من فوقهم} ليخرج هذا الشك الذى فى كلام العرب، فقال: {من فوقهم} أى: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفلتوا ...
هذا ومن المفسرين الذين رجحوا أن الآية مسوقة على سبيل التمثيل، الفخر الرازى فقد قال: وفى قوله - سبحانه - {فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} قولان:
الأول: أن هذا محض التمثيل.
والمعنى أنهم رتبوا حيلا ليمكروا بها على أنبياء الله، فجعل الله - تعالى - حالهم فى تلك الحيل، مثل حال قوم بنوا بنيانا وعموده بالأساطين، فانهدم ذلك البناء، وضعفت تلك الأساطين، فسقط السقف عليهم، ونظيره قولهم: من حفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيه.
- ووجه الشبه أن ما عدوه سبب بقائهم، صار سبب استئصالهم وفنائهم.
الثانى: أن المراد منه ما دل عليه الظاهر، وهو أن الله - تعالى - أسقط عليهم السقف وأماتهم تحته.
والأول أقرب إلى المعنى.
ومن المفسرين الذين رجحوا أن الكلام على حقيقته، الإِمام ابن جرير فقد قال - بعد أن سرد بعض الأقوال -: وأولى الأقوال بتأويل الآية قول من قال: معنى ذلك، تساقطت عليهم سقوف بيوتهم، إذ أتى على أصولها وقواعدها أمر الله، فانكفأت بهم منازلهم، لأن ذلك هو الكلام المعروف من قواعد البنيان وخرّ السقف.
وتوجيه معانى كلام الله إلى الأشهر الأعرف منها، أولى من توجيهها إلى غير ذلك ما وجد إليه سبيل".
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير -رحمه الله - أولى بالقبول، لأنه ما دام اللفظ صالحا للحمل على الحقيقة، فلا داعى لصرفه عن ذلك.
وقد حكى لنا القرآن الكريم صنوفا من العذاب الذى أنزله الله - تعالى - بالظالمين، ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } }. ثم بين - سبحانه - مصيرهم فى الآخرة، بعد أن بين عاقبة مكرهم فى الدنيا فقال - تعالى -: {ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ..}.
أى: هذا هو مصير هؤلاء المستكبرين فى الدنيا، أما مصيرهم فى الآخرة فإن الله - تعالى - يذلهم ويهينهم ويفضحهم على رؤوس الأشهاد، ويقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين شركائى فى العبادة والطاعة، الذين كنتم تعادون وتخاصمون المؤمنين فى شأنهم، قائلين لهم: إنكم لا بد لكم من إشراكهم معى فى العبادة.
وجئ بثم المفيدة للترتيب النسبى، للإِشارة إلى ما بين الجزاءين من تفاوت فإن خزى الآخرة أشد وأعظم مما نزل بهم من دمار فى الدنيا.
والاستفهام فى قوله {أين شركائى ..} للتهكم بهم وبمعبوداتهم الباطلة التى كانوا يعبدونها فى الدنيا، فانهم كانوا يقولون للمؤمنين إن صح ما تقولونه من العذاب فى الآخرة، فان الأصنام ستشفع لنا.
أى: أين هؤلاء الشركاء ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من خزى وذلة وعذاب مهين؟! وأضاف - سبحانه - الشركاء إليه، لزيادة توبيخهم، لأنهم فى هذا اليوم العظيم، يعلمون علم اليقين أنه لا شركاء له - سبحانه - وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } }. قال الجمل ما ملخصه: وقوله {تشاقون} من المشاقة وهى عبارة عن كون كل واحد من الخصمين فى شق غير شق صاحبه.
وقرأ نافع {تشاقون} بكسر النون خفيفه، وقرأ الباقون بفتح النون، ومفعوله محذوف. أى: تشاقون المؤمنين، أو تشاقون الله، بدليل القراءة الأولى ...".
ثم حكى - سبحانه - ما يقوله أولو العلم فى هذا الموقف الهائل الشديد فقال - تعالى -: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}.
والمراد بالذين أوتوا العلم، كل من اهتدى إلى الحق فى الدنيا؛ وأخلص لله - تعالى - العبادة والطاعة.
أى: قال الذين هداهم الله - تعالى - إلى صراطه المستقيم، فى هذا اليوم العصيب، إن الخزى الكامل، فى هذا اليوم، والسوء الذى ليس بعده سوء، على هؤلاء الكافرين، أصحاب القلوب المنكرة للحق، والنفوس الجاحدة لليوم الآخر وما فيه من حساب.
وجئ بجمله {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} غير معطوفة على ما قبلها، لأنها واقعة موقع الجواب لقوله - سبحانه - {أين شركائى ...} وللتنبيه على أن الذين أوتوا العلم سارعوا بالجواب بعد أن وجم المستكبرون، وعجزوا عن الإِجابة.
وقولهم هذا يدل على شماتتهم بأعداء الله - تعالى -، وتوبيخهم لهم على كفرهم، واستكبارهم عن الإستماع إلى كلمة الحق.
وقال - سبحانه -: {قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ...} بلفظ الماضى، مع أن هذا القول سيكون فى الآخرة، للإشارة إلى تحقق وقوعه، وأنه كائن لا محالة.
ثم صور - سبحانه - أحوال هؤلاء الكافرين ساعة انتزاع أرواحهم من أجسادهم وساعة وقوفهم للحساب، فقال - تعالى -، {ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ......}.
قال الآلوسى: "وفى الموصول أوجه الإِعراب الثلاثة: الجر على أنه صفة للكافرين، أو بدل منه، أو بيان له، والنصب والرفع على القطع للذم. وجوز بعضهم كونه مرتفعا بالابتداء، وجملة {فألقوا} خبره ..".
والمراد بالملائكة: عزرائيل ومن معه من الملائكة.
والمراد بظلمهم لأنفسهم: إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة.
أى: إن أشد أنواع الخزى والعذاب يوم القيامة على الكافرين، الذين تنتزع الملائكة أرواحهم من أجسادهم وهم ما زالوا باقين على الكفر والشرك دون أن يتوبوا منهما، أو يقلعوا عنهما. وقوله: {ظالمى أنفسهم} حال من مفعول تتوفاهم.
وفى وصف هؤلاء الكافرين بكونهم {ظالمى أنفسهم} إشعار إلى أن الملائكة تنتزع أرواحهم من جنوبهم بغلظة وقسوة، ويشهد لذلك قوله - تعالى -:
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ... } }. وقوله {فألقوا السلم} بيان لما صار إليه هؤلاء المستكبرون من ذل وخضوع فى الآخرة، بعد أن كانوا مغترين متجبرين فى الدنيا.
وأصل الإِلقاء يكون فى الأجسام والمحسات فاستعير هنا لإِظهار كمال الخضوع والطاعة، حيث شبهوا بمن ألقى سلاحه أمام الأقوى منه، بدون أية مقاومة أو حركة.
والمراد بالسلم: الاستسلام والاستكانة. أى: أنهم عندما عاينوا الموت، وتجلت لهم الحقائق يوم القيامة، خضعوا واستكانوا واستسلموا وانقادوا، وقالوا: ما كنا فى الدنيا نعمل عملا سيئا، توهما منهم أن هذا القول ينفعهم.
وقد حكى الله - تعالى - عنهم فى آيات أخرى ما يشبه هذا القول، ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } }. وقوله - سبحانه - {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تكذيب لهم فى دعواهم أنهم ما كانوا يعملون السوء لأن لفظ {بلى} لإِبطال ما نفوه.
أى: بلى كنتم تعملون السوء، لأن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، وسيجازيكم عنها بما تستحقون وهذا التكذيب لهم قد يكون من الملائكة بأمر الله - تعالى - وقد يكون من قبله - سبحانه -.
وقوله - سبحانه -: {فَٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ...} بيان لما انتهى إليه أمرهم من عذاب مهين.
وأبواب جهنم قد ذكر - سبحانه - عددها فى قوله - تعالى -:
{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } }. أى: فادخلوا - أيها الكافرون - من أبواب جهنم، حالة كونكم خالدين فيها خلوداً أبدياً {فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ} أى فلبئس مقام المتعاظمين عن الإِيمان بالله جهنم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة. قد بينت بأسلوب مؤثر، مصير المستكبرين الذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين، والذين جادلوا المؤمنين بالباطل ليدحضوا به الحق.
وبعد أن بين - سبحانه - أقوال المستكبرين، وأحوالهم، وسوء عاقبتهم أتبع ذلك ببيان أحوال المتقين، وببيان ما أعده لهم من خيرات فقال - تعالى -: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ...}.