خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٥
وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً
٨٦
إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً
٨٧
قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
٨٨
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً
٨٩
-الإسراء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ} روايات منها: ما أخرجه الشيخان "عن عبد الله بن مسعود قال: بينما أنا أمشى مع النبى صلى الله عليه وسلم فى حرث وهو متوكئ على عسيب - أى على عصا - إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: يا محمد ما لروح, فأمسك النبى صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئاً، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ..." .
قال الإِمام ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية وغيرها: وهذا السياق يقتضى فيما يظهر بادى الرأى، أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية.
وقد يجاب عن هذا بأنه قد تكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. أو أنه نزل عليه الوحى بأنه يجيبهم عما سألوه بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهى هذه الآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ...}". ومما يدل على نزول هذه الآية بمكة ما أخرجه الإِمام أحمد عن ابن عباس قال: "قالت قريش ليهود. أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل؟ فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ويسألونك عن الروح .. الآية".
وكلمة الروح تطلق فى القرآن الكريم على أمور منها:
الوحى، كما فى قوله - تعالى -:
{ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ... } }. ومنها: القوة والثبات كما فى قوله - تعالى -: { أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ ... } }. ومنها: جبريل، كما فى قوله - تعالى -: { نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ ... } }. ومنها: القرآن كما فى قوله - سبحانه -: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ... } }. ومنها: عيسى ابن مريم، كما فى قوله - تعالى -: { إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ... } }. وجمهور العلماء على أن المراد بالروح فى قوله - تعالى -: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ ...} ما يحيا به بدن الإِنسان، وبه تكون حياته، وبمفارقته للجسد يموت الإِنسان، وأن السؤال إنما هو عن حقيقة الروح، إذ معرفة حقيقة الشئ. تسبق معرفة أحواله.
وقيل المراد بالروح هنا: القرآن الكريم، وقيل: جبريل، وقيل: عيسى إلى غير ذلك من الأقوال التى أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال.
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين، أولى بالاتباع، لأن قوله - تعالى - بعد ذلك: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} يؤيد هذا الاتجاه.
قال الآلوسى: "الظاهر عند المنصف، أن السؤال كان عن حقيقة الروح الذى هو مدار البدن الإِنسانى، ومبدأ حياته، لأن ذلك من أدق الأمور التى لا يسع أحداً إنكارها، ويشرئب الجميع إلى معرفتها، وتتوافر دواعى العقلاء إليها، وَتَكِلُّ الأذهان عنها، ولا تكاد تعلم إلا بوحى ..".
و{من} فى قوله: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} بيانية. والمراد بالأمر هنا. الشأن.
والمعنى: ويسألك بعض الناس - أيها الرسول - عن حقيقة الروح، قل لهم على سبيل الإِرشاد والزجر: الروح شئ من جنس الأشياء التى استأثر الله - تعالى - وحده بعلم حقيقتها وجوهرها.
وقال - سبحانه -: {قل الروح} بالإِظهار، لكمال العناية بشأن المسئول عنه.
وإضافة كلمة {أمر} إلى لفظ الرب - عز وجل -، من باب الاختصاص العلمى، إذ الرب وحده هو العليم بشأنها، وليس من باب الاختصاص الوجودى، لأن الروح وغيرها من مخلوقات الله - تعالى -.
وفى هذه الإِضافة ما فيها من تشريف المضاف، حيث أضيف هذا الأمر إلى الله - تعالى - وحده.
قال القرطبى: وقوله - تعالى - {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} دليل على خلق الروح، أى: هو أمر عظيم، وشأن كبير من أمر الله - تعالى -، مبهماً له وتاركاً تفصيله، ليعرف الإِنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها. وإذا كان الإِنسان فى معرفة نفسه هكذا، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى. وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز.
وقوله: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} من جملة الجواب الذى أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد به على السائلين عن حقيقة الروح.
أى: وما أوتيتم - أيها السائلون عن الروح - من العلم إلا علماً قليلاً، بالنسبة إلى علمه - تعالى - الذى وسع كل شئ، ولا يخفى عليه شئ.
وإن علمكم مهما كثر فإنه لا يمكنه أن يتعلق بحقيقة الروح وأحوالها، لأن ذلك شئ استأثر الله - تعالى - به وحده، واقتضت حكمته - عز وجل - أن يجعله فوق مستوى عقولكم.
قال صاحب الظلال عند تفسيره لهذه الآية: والمنهج الذى سار عليه القرآن - وهو المنهج الأقوم - أن يجيب الناس عما هم فى حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشرى بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التى وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وفى غير مجالها الذى تملك وسائله، وبعضهم عندما سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الروح، أمره الله أن يجيبهم بأن الروح من أمره- سبحانه - ...
وليس فى هذا حجر على العقل البشرى أن يعمل، ولكن فيه توجيهاً لهذا العقل أن يعمل فى حدوده، وفى مجاله الذى يدركه.
والروح غيب من غيب الله لا يدركه سواه .. ولقد أبدع الإِنسان فى هذه الأرض ما أبدع، ولكنه وقف حسيرا أمام ذلك السر اللطيف - الروح - لا يدرى ما هو؟ ولا كيف جاء؟ ولا كيف يذهب؟ ولا أين كان ولا أين يكون، إلا ما يخبر به العليم الخبير فى التنزيل".
وقال بعض العلماء: وفى هذه الآية ما يزجر الخائضين فى شأن الروح، المتكلفين لبيان ماهيته، وإيضاح حقيقته، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال فى هذا البحث، بما لا يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذى لا يأتى بنفع فى دين أو دنيا ..
فقد استأثر الله - تعالى - بعلم الروح، ولم يطلع عليه أنبياءه، ولم يأذن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلاً عن أممهم المقتدين بهم ...".
ثم بين - سبحانه - مظهراً من مظاهر قدرته، بعد أن بين أن الروح من أمره، فقال - تعالى -: {وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً}.
واللام فى قوله {ولئن شئنا ...} موطئة لقسم محذوف، جوابه {لنذهبن}.
أى: والله لئن شئنا لنذهبن بهذا القرآن الذى أوحيناه إليك - أيها الرسول الكريم -، بحيث نزيله عن صدرك، ومن صدور أتباعك، ونمحوه من الصحف حتى لا يبقى له أثر إذ أن قدرتنا لا يعجزها، ولا يحول دون تنفيذ ما نريده حائل ..
ثم لا تجد لك بعد ذلك من يكون وكيلاً عنا فى رد القرآن إليك بعد ذهابه ومحوه، ومن يتعهد بإعادته بعد رفعه وإزالته.
قال الآلوسى: "وعبر عن القرآن بالموصول فى قوله {بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}، تفخيماً لشأنه، ووصفا له بما فى حيز الصلة ابتداء، إعلاماً بحاله من أول الأمر، وبأنه ليس من قبيل كلام المخلوق ...".
وقوله: {إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} استثناء واستدراك على قوله: {لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ..}.
أى: والله إن شئنا إذهاب القرآن من صدرك لأذهبناه، دون أن تجد أحداً يرده عليك، لكننا لم نشأ ذلك بل أبقيناه فى صدرك رحمة من ربك.
قال الجمل: وفى هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه استثناء متصل: لأن الرحمة تندرج فى قوله {وكيلا}.
أى: إلا رحمة منا فإنها إن نالتك فلعلها تسترده عليك والثانى: أنه منقطع، فيتقدر بلكن أو ببل، و{من ربك} يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لرحمة - أى لكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به.
وقوله {إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً} بيان لما امتن الله به على نبيه صلى الله عليه وسلم.
أى: إن فضله كان عليك كبيراً، حيث أنزل القرآن عليك، وأبقاه فى صدرك دون أن يزيله منه، وجعلك سيد ولد آدم، وخاتم رسله، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: "وهذا امتنان عظيم من الله - تعالى - ببقاء القرآن محفوظاً، بعد المنة العظيمة فى تنزيله وتحفيظه. فعلى كل ذى علم أن لا يغفل عن هاتين المنتين والقيام بشكرهما. وهما منة الله عليه بحفظه العلم، ورسوخه فى صدره، ومنته عليه فى بقاء المحفوظ".
ثم أمر الله - تعالى - نبيه أن يتحدى المشركين بهذا القرآن فقال - تعالى -: {قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين قالوا - كما حكى الله عنهم -
{ لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } قل لهم على سبيل التحدى والتعجيز: والله لئن اجتمعت الإِنس والجن، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، الذى أنزله الله - تعالى - من عنده على قلبى .. لا يستطيعون ذلك. ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ومعيناً ومناصراً، فى تحقيق ما يتمنونه من الإِتيان بمثله.
وخص - سبحانه - {الإِنس والجن} بالذكر، لأن المنكر كون القرآن من عند الله، من جنسهما لا من جنس غيرهما كالملائكة - مثلاً -، فإنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولأن التحدى إنما هو للإِنس والجن الذين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم، لهدايتهم إلى الصراط المستقيم.
وقال - سبحانه -: {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} فأظهر فى مقام الإِضمار، ولم يكتف بأن يقول: لا يأتون به، لدفع توهم أن يتبادر إلى الذهن أن له مثلاً معيناً، وللإِشعار بأن المقصود نفى المثل على أى صفة كانت هذه المثلية، سواء أكانت فى بلاغته، أم فى حسن نظمه، أم فى إخباره عن المغيبات، أم فى غير ذلك من وجوه إعجازه.
وقوله: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} معطوف على مقدر، أى: لا يستطيعون الإِتيان بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض، ولو كان بعضهم ظهيرا ونصيرا لبعض لما استطاعوا أيضاً.
والمقصود أنهم لا يستطيعون الإِتيان بمثله على أية حال من الأحوال؛ وبأية صورة من الصور، لأنه متى انتفى إتيانهم بمثله مع المظاهرة والمعاونة، انتفى من باب الأولى الإِتيان بمثله مع عدمهما. وقوله: {لبعض} متعلق بقوله {ظهيرا}.
ولقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى أنهم لن يستطيعوا الإِتيان بعشر سور من مثله، بل بسورة واحدة من مثله.
قال - تعالى -:
{ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } }. وقال - سبحانه -: { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } }. ومع عجز المشركين عن الإِتيان بسورة من مثل القرآن الكريم إلا أنهم استمروا فى طغيانهم يعمهون، وأبوا التذكر والتدبر، ولقد صور - سبحانه - أحوالهم أكمل تصوير فقال: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً}.
أى: ولقد صرفنا وكررنا ونوعنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل، أى: من كل معنى بديع، هو كالمثل فى بلاغته، وإقناعه للنفوس، وشرحه للصدور، واشتماله على الفوائد الجمة ...
ومفعول: {صرفنا} محذوف، والتقدير: ولقد صرفنا الهدايات والعبر بوجوه متعددة ..
وقوله - سبحانه -: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} بيان لموقف الفاسقين عن أمر ربهم من هدايات القرآن الكريم وتوجيهاته، وأوامره ونواهيه.
أى: فأبى أكثر الناس الاستجابة لهديه، وامتنعوا عن الإِيمان بأنه من عند الله - تعالى - وجحدوا آياته وإرشاداته، وعموا وصموا عن الحق الذى جاءهم به من نُزِّل عليه القرآن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال - سبحانه -: {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ} بالإِظهار فى مقام الإِضمار، للتأكيد والتوضيح.
والمراد بأكثر الناس: أولئك الذين بلغهم القرآن الكريم، واستمعوا إلى آياته وتوجيهاته وتشريعاته وآدابه، ولكنهم استحبوا الكفر على الإِيمان، وآثروا الضلالة على الهداية.
وعبر - سبحانه - بالأكثر، إنصافاً للقلة المؤمنة التى فتحت صدورها للقرآن، فآمنت به، وعملت بما فيه من أوامر ونواه ..
قال الجمل: فإن قيل: كيف جاز قوله {فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً} حيث وقع الاستثناء المفرغ فى الإِثبات. مع أنه لا يصح، إذ لا يصح أن تقول: ضربت إلا زبدا.
فالجواب: أن لفظة {أبى} تفيد النفى، فكأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلمه، وفضله على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى الناس، وعلى أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً.
ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التى طلبها المشركون من النبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً ...}.