خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً
٤٢
وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً
٤٣
هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً
٤٤
-الكهف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها. فصار يقلب كفيه ظهراً لبطن أسفا وندما، على ما أنفق فى عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء، ومن جهد كبير ذهب سدى.
وقوله - سبحانه -: {وأحيط بثمره} معطوف على مقدر محذوف لدلالة السباق والسياق عليه.
وأصل الإِحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإِهلاكه واستئصاله.
والمعنى: فحدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور {وأحيط بثمره} بأن هلكت أمواله وثماره كلها.
وجاء الفعل {أحيط} مبنيا للمجهول، للإِشعار بأن فاعله متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى: وأحاط العذاب بجنته.
وقوله: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} تصوير بديع لما اعتراه من غم وهم وحسرة وندامة. وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى، أو أن يبدى ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا، وأيَّامَّا كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة، والندم العظيم.
"وهى" أى الجنة التى أنفق فيها ما أنفق {خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} أى: ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها.
وأصل الخواء السقوط والتهدم. يقال: خوى البيت إذا سقط. كما يطلق على الخلاء من الشئ. يقال: خوى بطن فلان من الطعام أى: خلا منه، وخوت الدار إذا خلت من سكانها.
والعروش جمع عرش، وهو سقف البيت.
والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه، صارت حطاما وهشيما تذروه الرياح.
وجملة: {وَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} معطوفة على جملة {يقلب كفيه ..}.
أى: صار يقلب كفيه حسرة وندامة لهلاك جنته، ويقول زيادة فى الحسرة والندامة: يا ليتنى اتبعت نصيحة صاحبى فلم أشرك مع ربى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة.
وهكذا حال أكثر الناس، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن، وينسونه عند السراء والعافية.
والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصويرا واقعيا بديعا.
فقد جرت عادة الإِنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه. أن يعجز عن النطق فى أول وهلة. فإذا ما أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام.
وهذا ما حدث من ذلك الرجل - كما صوره القرآن الكريم - فإنه عندما رأى جنته وقد تحطمت أخذ يقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول: يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا.
فيا له من تصوير بديع. يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدرته ونفاذ إرادته فقال.
{وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}.
أى: ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها، عشيرة، أو أعوان ينصرونه، أو يدفعون عنه ما حل به، وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده، وما كان هذا الرجل الذى جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه، بسبب إيثاره الغى على الرشد، والكفر على الإِيمان.
فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح، عجز كل قوة عن نصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - عز وجل -، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد انتقام الله - تعالى - منه.
وقوله - سبحانه -: {هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ..} تقرير وتأكيد للآية السابقة. ولفظ هنالك ظرف مكان.
وكلمة {الولاية} قرأها الجمهور بفتح الواو، بمعنى الموالاة والصلة والنصرة كما قرأ الجمهور كلمة {الحق} بالجر على أنها نعت للفظ الجلالة.
فيكون المعنى: فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة والصلة - من كل الناس، لله - تعالى - وحده إذ الكافر عندما يرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه -
{ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } }. ويجوز أن يكون المعنى: فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله - تعالى - وحده. فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم. كما قال - سبحانه - { ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ } }. وقرأ حمزة والكسائى: {الولاية} بكسر الواو، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ {الحق} بالرفع على أنه نعت للولاية.
فيكون المعنى: فى ذلك المقام تكون الولاية الحق، والسلطان الحق، لله رب العالمين، كما قال - سبحانه -:
{ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً } }. قال بعض العلماء: وقوله {هنالك} يرى بعضهم أنه متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله {وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً}.
ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله.
فعلى القول الأول يكون الظرف {هنالك} عامله ما بعده أى: الولاية كائنة لله هنالك.
وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف اسم الفاعل الذى هو {منتصرا}. أى: لم يكن انتصاره واقعا هنالك.
وقوله - سبحانه -: {هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً} أى: هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء لأوليائه، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.
وعاقبة الأمر: آخره وما يصير إليه منتهاه. و{ثوابا} و{عقبا} منصوبان على التمييز، بعد صيغة التفضيل {خير} التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك -رحمه الله -:

وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر

وبذلك نرى أن هذه القصة التى ضربها الله - تعالى - مثلا للأخيار والأشرار قد بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين؛ وحسن عاقبة الشاكرين المتواضعين، كما بينت لنا الآثار الطيبة التى تترتب على الإِيمان والعمل الصالح، والآثار السيئة التى يفضى إليها الكفر وسوء العمل، كما بينت لنا أنّ المتفرد بالولاية والقدرة هو الله - عز وجل - فلا قوة إلا قوته، ولا نصر إلا نصره، ولا مستحق للعبادة أحد سواه، ولا ثواب أفضل من ثوابه ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التى يقدرها لهم، وصدق - سبحانه - حيث يقول: {هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً}.
ثم تنتقل السورة الكريمة من ضرب المثل الجزئى الشخصى، إلى ضرب مثال آخر عام كلى، فبينت أن الحياة الدنيا فى قصرها وذهاب زينتها .. كتلك الجنة التى أصبحت حطاما، بعد اخضرارها وكثرة ثمرها، كما بينت أن هناك زينة فانية، وأن هنالك أعمالا صالحة باقية قال - تعالى -: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً}.