خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا
١
قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً
٢
مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً
٣
وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً
٤
مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً
٦
إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً
٧
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً
٨
-الكهف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

سورة الكهف هى إحدى السور الخمس، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام، هو الله رب العالمين.
والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: {الحمد لله} هى: الفاتحة، والأنعام، وسبأ، وفاطر.
وقد بينا عند تفسيرنا لسورة الأنعام، أن هذه السورة وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده.
وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شئ، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.
وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: "أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.
وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإِنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإِنعام، سواء أكان ذلك الإِنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.
وكان قوله {الحمد لله} تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم ..، .
وقوله: {ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ..} بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله.
والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون استعمالا فى المعانى، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.
أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون استعمالا فى الأعيان تقول: هذا حائط فيه عوج.
وقوله: {قيما} أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا وقيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله {قيما} منصوبا بفعل محذوف أى: جعله قيما.
والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم، لله - تعالى - وحده، الذى أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإِحكام.
وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإِنزال الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلم لأن فى هذا الكتاب من الهدايات ما يخرجهم من الظلمات إلى النور، وما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.
وفى التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد، مضافا إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته "فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين بعدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا".
والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى: أنزل - سبحانه - على عبده محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب الكامل فى بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق باختصاص هذا الاسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب.
والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وما هو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالكل تحقيقا للنزول للجميع.
وجاء لفظ {عوجا} بصيغة التنكير، ليشمل النهى جميع أنواع الميل والعوج، إذ النكرة فى سياق النفى تعم، أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شئ من العوج. وقوله: {قيما} تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -: {وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} لأنه قد يكون الشئ مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن اعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين نفى العوج، وإثبات الاستقامة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما فائدة الجمع بين نفى العوج وإثبات الاستقامة، وفى أحدهما غنى عن الآخر؟
قلت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح، وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع.
وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -:
{ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } }. وقوله - سبحانه -. { إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ .. } }. وقوله - عز وجل: { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } }. وقوله - تعالى -: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } }. ثم شرع - سبحانه - فى بيان وظيفة القرآن الكريم، بعد أن وصفه بالاستقامة والإِحكام، فقال: {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ ...}.
والإِنذار: الإِعلام المقترن بتخويف وتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارا.
واللام فى قوله {لينذر} متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر، ومفعوله الأول محذوف.
والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل له عوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذين كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى -.
والتعبير بقوله {من لدنه} يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنه من عند الله تعالى - القاهر فوق عباده.
أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: {وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً}.
أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات، أن لهم من خالقهم - عز وجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، {مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً} أى: مقيمين فيه إقامة باقية دائمة لا انتهاء لها، فالضمير فى قوله {فيه} يعود إلى الأجر الذى يراد به الجنة.
قال - تعالى -:
{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } }. ثم خص - سبحانه - بالإِنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى - ما هو منزه عنه، فقال: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}.
فقوله - سبحانه - هنا: {وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً ..} معطوف على قوله قبل ذلك {لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ} من باب عطف الخاص على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد.
والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى -
{ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } }. وقال - سبحانه -: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } }. قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا .. كما قال فى شأن المؤمنين: ويبشر المؤمنين الذين .. للإِيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه. وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق.
وقوله - تعالى -: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ} توبيخ لهم على تفوههم بكلام يدل على إيغالهم فى الجهل والبهتان.
أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى -، كما قال - عز وجل -:
{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } }. و"من" فى قوله: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} مزيدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و"لهم" خبر مقدم، و{من علم} مبتدأ مؤخر، وقوله {ولا لآبائهم} معطوف على الخبر.
أى: ما لهم بذلك شئ من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم.
قال الكرخى: فإن قيل: اتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ؟} فالجواب أن انتفاء العلم بالشئ قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -:
{ وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } }. وقوله - تعالى -: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم.
وكبر: فعل ماض لإِنشاء الذم، فهو من باب نعم وبئس، وفاعله ضمير محذوف، مفسّر بالنكرة بعده وهى قوله {كلمة} المنصوبة على أنها تمييز، والمخصوص بالذم محذوف.
والتقدير: كبرت هى كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على الله - تعالى - ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب.
وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم.
قال صاحب الكشاف: قوله {كبرت كلمة} قرئ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز، والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.
وقوله {تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا به ألسنتهم، بل يكظمون عليه تشوُّراً من إظهاره؛ فكيف بهذا المنكر؟
فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى {كبرت}؟ قلت: إلى قولهم اتخذ الله ولدا. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها.
وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبحٍ قوله - تعالى -:
{ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } }. ثم ساق - سبحانه - ما يسلى الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً}.
قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة {لعل} تكون للترجى فى المحبوب، وللإِشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن {لعل} هنا للإِشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم.
وقال بعضهم إن {لعل} هنا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى -:
{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .. } }. وقوله {باخع} من البخع، وأصله أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح. يقال: بخع فلان نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: {على آثارهم} أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك، وقوله {أسفا} أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله.
والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك
{ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } و { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ } }. قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم، برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم.
وقوله - تعالى -: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} تعليل للنهى المقصود من الترجى فى قوله: {فلعلك باخع ...} وزيادة فى تسليته صلى الله عليه وسلم عما أصابه من غم وحزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.
أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان .. زينة لها ولأهلها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } أى: لنختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة للأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأبعد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإنا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليهم من هذه الزينة فى الوقت الذى نريده لنهاية هذه الدنيا، {صعيدا}، أى: ترابا {جرزا} أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت، أو كان بها نبات ثم زال.
ويقال: جُرِزَت الأرض: إذا ذهب نباتها بسبب القحط، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } }. والمقصود من الآيتين: الزيادة فى تثبيت قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم.
فكأنه - سبحانه - يقول له: امض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أوحيناه إليك، ولا تبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع ابتلاء واختبار للناس، ليتميز المحسن من المسئ، كما اقتضت حكمتنا - أيضاً أن نصير ما على هذه الأرض عند انقضاء عمر الدنيا ترابا قاحلا لا نبات فيه، ويعقب ذلك الجزاء على الأعمال، وسننتقم لك من أعدائك
{ فَٱصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } }. وفى التعبير عما على الأرض بالزينة، إشارة إلى أن ما عليها مهما حسن شكله، وعظم ثمنه .. فهو إلى زوال، شأنه فى ذلك شأن ما يتزين به الرجال والنساء من ملابس وغيرها، يتزينون بها لوقت ما ثم يتركونها وتتركهم.
وقوله {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً} تعليل لما اقتضته حكمته من جعل ما على الأرض زينة لها.
أى: فعلنا ذلك لنختبر الناس على ألسنة رسلنا، أيهم أحسن عملا، بحيث يكون عمله مطابقا لما جئت به - أيها الرسول الكريم -، وخالصا لوجهنا، ومبنيا على أساس الإِيمان والعقيدة الصحيحة.
قال تعالى:
{ تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } }. وفى الحديث الشريف: "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، واتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت فى النساء" .
وقوله - سبحانه -: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} زيادة فى التزهيد فى زينتها، حيث إن مصيرها إلى الزوال، وحض على التزود من العمل الصالح الذى يؤدى بالإِنسان إلى السعادة الباقية الدائمة.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد قررت أن الثناء الكامل إنما هو لله - عز وجل -، وأن الكتاب الذى أنزله على عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم لا عوج فيه ولا ميل، وأن وظيفة هذا الكتاب إنذار الكافرين بالعقاب، وتبشير المؤمنين بالثواب، كما أن من وظيفته تثبيت قلبه صلى الله عليه وسلم وتسليته عما أصابه من أعدائه، ببيان أن الله - تعالى - قد جعل هذه الدنيا بما فيها من زينة، دار اختبار وامتحان ليتبين المحسن من المسئ، وليجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة أصحاب الكهف، وبين أن قصتهم ليست عجيبة بالنسبة لقدرته - عز وجل - فقد أوجد - سبحانه - ما هو أعجب وأعظم من ذلك، فقال - تعالى -: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ...}.