خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً
٨٣
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً
٨٤
فَأَتْبَعَ سَبَباً
٨٥
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
٨٦
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً
٨٧
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً
٨٨
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
٨٩
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً
٩٠
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً
٩١
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً
٩٢
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً
٩٣
قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً
٩٤
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
٩٥
آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً
٩٦
فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً
٩٧
قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً
٩٨
-الكهف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه -: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ ..} معطوف على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة.
قال البقاعى: كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم، وكانت قصة ذى القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين ...
والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف. أن اليهود قالوا لوفد قريش: سلوه - أى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاث نأمركم بهن .. سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من أمرهم .. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها .. وسلوه عن الروح.
وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة الماضية، أو للدلالة على أنهم استمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التى ترد عليهم.
أما ذو القرنين، فقد اختلفت فى شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله: وذكر أبو الريحان البيرونى فى كتابه المسمى "بالآثار الباقية عن القرون الخالية"، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى، وهو الذى: افتخر به تبع اليمنى حيث قال:

قد كان ذو القرنين جدى مسلما ملكا علا فى الأرض غير مفند
بلغ المغارب والمشارق يبتغى أسباب ملك من حكيم مرشد

ثم قال أبو الريجان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذى. كذى نواس، وذى يزن. إلخ..
ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا: ليس هو الإِسكندر المقدونى الملقب بذى القرنين. تلميذ أرسطو، فإن الإِسكندر هذا كان وثنيا .. بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن، فإنه كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب.
والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا، ولم يكن نبيا.
ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام -، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم فى قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص.
وسمى بذى القرنين - على الراجح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس من أقصى المشرق والمغرب.
والمعنى: ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى القرنين وشأنه.
{قل} لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك. {سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً}.
والضمير فى "منه" يعود على ذى القرنين و"من" للتبعيض.
أى: قل لهم: سأتلو عليكم من خبره - وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذى أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون.
ثم بين - سبحانه - ما أعطاه الله لذى القرنين من نعم فقال: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً}.
وقوله: {مكنا} من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التى جعلته صاحب نفوذ وسلطان فى أقطار الأرض المختلفة. والمفعول محذوف، أى: إنا مكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء. بأن أعطيناه سلطانا وطيد الدعائم، وآتيناه من كل شئ أراده فى دنياه لتقوية ملكه {سببا} أى سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده، كآلات السير، وكثرة الجند، ووسائل البناء والعمران.
وهذه الأسباب التى أعطاها الله إياه، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم، ملكه، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لا قيمة لها.
والفاء فى قوله {فأتبع سببا} فصيحة. أى: فأراد أن يزيد فى تدعيم ملكه، فسلك طريقا لكى يوصله إلى المكان الذى تغرب فيه الشمس.
{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ} أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المغرب.
{وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أى: رآها فى نظره عند غروبها، كأنها تغرب فى عين مظلمة، وإن لم تكن هى فى الحقيقة كذلك.
وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء فإنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه، كما أن الذى يكون فى أرض ملساء واسعة، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها.
وحمئة: أى: ذات حمأة وهى الطين الأسود. يقال: حمأَتِ البئر تَحمأُ حَمأً، إذا صارت فيها الحمأَة وهى الطينة السوداء.
وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائى: {وجدها تغرب في عين حامية} أى: حارة. اسم فاعل من حَمِى يَحْمَى حَمْياً.
{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً} أى: ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما.
الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله - تعالى - وحده، فيهم من آمن وفيهم من كفر، فخيره الله - تعالى - فيهم فقال: {قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً}.
أى: قال الله - تعالى - له عن طريق الالهام، أو على لسان ملك أخبره بذلك: يا ذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره، وإما أن تتخذ فيهم أمراً ذا حسن، أو أمرا حسنا، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية.
ثم حكى الله - تعالى - عنه فى الجواب ما يدل على سلامة تفكيره، فقال: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ ..} أى: قال ذو القرنين فى الرد على تخيير ربه له فى شأن هؤلاء القوم، يا رب: أما من ظلم نفسه بالإِصرار على الكفر والفسوق والعصيان {فسوف نعذبه} فى هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه. ثم يرد هذا الظالم نفسه إلى ربه - سبحانه - فيعذبه فى الآخرة عذابا {نكرا} أى: عذابا فظيعا عظيما منكرا وهو عذاب جهنم.
{وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} يقتضيه إيمانه {فله} فى الدارين {جزاء الحسنى} أى: فله المثوبة الحسنى، أو الفعلة الحسنى وهى الجنة.
{وسنقول له} أى لمن آمن وعمل صالحا {من أمرنا} أى مما نأمره به قولا {يسرا} لا صعوبة فيه ولا مشقة ولا عسر.
فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد اتبع فى حكمه الطريق القويم، والأسلوب الحكيم، الذى يدل على قوة الإِيمان، وصدق اليقين، وطهارة النفس.
إنه بالنسبة للظالمين، يعذب، ويقتص، ويرهب النفوس المنحرفة، حتى تعود إلى رشدها، وتقف عند حدودها.
وبالنسبة للمؤمنين الصالحين، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح واستقامتهم بالتكريم والقول الطيب، والجزاء الحسن.
وهكذا الحاكم الصالح فى كل زمان ومكان: الظالمون والمعتدون .. يجدون منه كل شدة تردعهم وتزجرهم وتوقفهم عند حدودهم.
والمؤمنون والمصلحون يجدون منه كل تكريم وإحسان واحترام وقول طيب.
وقوله: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس.
أى: وبعد أن بلغ مغرب الشمس، ونال مقصده، كر راجعا من جهة غروب الشمس إلى جهة شروقها.
{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ} أى: حتى إذا كر راجعا وبلغ منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المشرق.
{وجدها} أى الشمس {تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً} أى: لم نجعل لهم من دون الشمس ما يستترون به من البناء أو اللباس، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف فى نهاية المعمورة من جهة المشرق.
وقوله: {كذلك} خبر لمبتدأ محذوف، أى: أمر ذى القرنين كذلك من حيث إنه آتاه الله من كل شئ سببا، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها.
وقوله {وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} بيان لشمول علم الله - تعالى - بأحوال ذى القرنين الظاهرة والباطنة، ولأحوال غيره.
أى: كذلك كان شأن ذى القرنين. وقد أحطنا إحاطة تامة وعلمنا علما لا يعزب عنه شئ، بما كان لدى ذى القرنين من جنود وقوة وآلات ... وغير ذلك من أسباب الملك والسلطان.
وقوله - سبحانه -: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً} بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها.
أى: ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها ... سار فى طريق ثالث معترض بين المشرق والمغرب، آخذا فيه {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ} فى مسيره ذلك {بين السدين} أى: الجبلين، وسمى الجبل سدا، لأنه سد فجا من الأرض.
قالوا: والسدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان، وقيل هما فى نهاية أرض الترك مما يلى المشرق:
{وَجَدَ مِن دُونِهِمَا} أى: من دون السدين ومن ورائهما {قوما} أى: أمة من الناس لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس، ولذا قال - سبحانه -.
{لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} أى: لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو يقرءون ما يقوله الناس لهم، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم، ولا يعرف الناس - أيضا - ما يقوله هؤلاء القوم لهم، لشدة عجمتهم.
{قالوا} أى: هؤلاء القوم لذى القرنين: {يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ}.
ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، قيل: مأخوذان من الأوجة وهى الاختلاط أو شدة الحر: وقيل: من الأوج وهو سرعة الجرى.
واختلف فى نسبهم، فقيل: هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم. وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الديلم.
أى: قال هؤلاء القوم - الذين لا يكادون يفقهون قولا - لذى القرنين، بعد أن توسموا فيه القوة والصلاح .. يا ذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب.
وفى الصحيحين من حديث زينب بنت جحش - رضى الله عنها - قالت:
"استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق - بين أصابعه - قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث" .
وقوله - تعالى - {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذى القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدبهم معه، حيث خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه.
والخَرْج: اسم لما يخرجه الإِنسان من ماله لغيره. وقرأ حمزة والكسائى خراجا: وهما بمعنى واحد، وقيل الخرجة: الجزية. والخراج: اسم لما يخرجه عن الأرض.
أى: فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر، لكى تقيم بيننا وبين قبيلة يأجوج ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا. ويحول بيننا وبينهم؟
وهنا يرد عليهم ذو القرنين - كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه وحرصه على إحقاق الحق وإبطال الباطل. فيقول {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ...}.
أى: قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا: إن ما بسطه الله - تعالى - لى من الرزق والمال والقوة .. خير من خرجكم ومالكم الذى تريدون أن تجعلوه لى فى إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج، فوفروا عليكم أموالكم، وقفو إلى جانبى {فأعينونى} بسواعدكم وبآلات البناء {بقوة} أى: بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد، لكى {أجعل بينكم} وبين يأجوج ومأجوج {ردما}.
أى: حاجزاً حصينا. وجدارا متينا، يحول بينكم وبينهم.
والردم: الشئ الذى يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق. يقال: ثوب مردم، أى: فيه رقاع فوق رقاع. وسحاب مردم، أى: متكاتف بعضه فوق بعض. ويقال: ردمت الحفرة، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض.
قال ابن عباس: الردم أشد الحجاب.
وجملة {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً} جواب الأمر فى قوله: {فأعينونى بقوة}.
ثم شرع فى تنفيذ ما راموه منه من عون فقال: {آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ..}.
والزبرَ - كالغُرَف - جمع زُبره - كغرفة - وهى القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر. الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله. ويقال: زبرت الكتاب أى كتبته وجمعت حروفه.
أى: أحضروا لى الكثير من قطع الحديد الكبيرة، فأحضروا له ما أراد {حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ} أى بين جانبى الجبلين. وسمى كل واحد من الجانبين صدفا. لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر، مأخوذ من قولهم صادفت الرجل: أى: قابلته ولاقيته، ولذا لا يقال للمفرد صدف حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج.
وقوله: {قالوا انفخوا} أى النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين الصدفين.
وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً} أى: حتى إذا صارت قطع الحديد الكبيرة كالنار فى احمرارها وشدة توهجها {قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} أى: نحاسا أو رصاصا مذابا، وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما يقطر الماء.
أى: قال لهم أحضروا لى قطع الحديد الكبيرة، فلما أحضروها له، أخذ يبنى شيئا فشيئا حتى إذا ساوى بين جانبى الجبلين بقطع الحديد، قال لهم: أوقدوا النار وانفخوا فيها بالكيران وما يشبهها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها، ففعلوا ما أمرهم به، حتى صارت تلك القطع تشبه النار فى حرارتها وهيئتها، قال أحضروا لى نحاسا مذابا، لكى أفرغه على تلك القطع من الحديد لتزداد صلابة ومتانة وقوة.
وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم فى بناء السد. وبناه لهم بطريقة محكمة سليمة، اهتدى بها العقلاء فى تقوية الحديد والمبانى فى العصر الحديث.
وكان الداعى له لهذا العمل الضخم، الحيلولة بين هؤلاء القوم، وبين يأجوج ومأجوج الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون.
ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاجزين أمام هذا السد الضخم المحكم فقال: {فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً}.
أى: فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد، أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا - أيضاً - أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته.
ووقف ذو القرنين أمام هذا العمل العظيم، مظهرا الشكر لله - تعالى -، والعجز أمام قدرته - عز وجل - شأن الحكام الصادقين فى إيمانهم، الشاكرين لخالقهم توفيقه إياهم لكل خير.
وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه ..: {هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
أى: هذا الذى فعلته من بناء السد وغيره، أثر من آثار رحمة ربى التى وسعت كل شئ.
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي} الذى حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها، أو الذى حدده لخروجهم منه {جعله دكاء} أى: جعل هذا السد أرضا مستوية، وصيره مدكوكا أى: بمساواة الأرض. ومنه قولهم: ناقة دكاء أى: لا سنام لها.
{وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً} أى: وكان كل ما وعد الله - تعالى - به عباده من ثواب وعقاب وغيرهما، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل، كما قال - سبحانه -:
{ وَعْدَ ٱللَّهِ لاَ يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } }. وبذلك نرى فى قصة ذى القرنين ما نرى من الدروس والعبر والعظات، التى من أبرزها. أن التمكين فى الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده. وأن السير فى الأرض لإِحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين، وأن الحاكم العادل من صفاته: ردع الظالمين عن ظلمهم، والإِحسان إلى المستقيمين المقسطين، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة وفضلا، وأن من معالم الخلق الكريم، أن يعين الإِنسان المحتاج إلى عونه، وأن يقدم له ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين، وأن من الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله - تعالى -. وألا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته.
كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين: أنهم ينسبون كل فضل إلى الله - تعالى - وإلى قدرته النافذة، وأنهم يزدادون شكرا وحمداً له - تعالى - كلما زادهم من فضله، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذى القرنين بقوله - تعالى -: {قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً}.
ثم تسوق السورة الكريمة بعد قصة ذى القرنين آيات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة، لعلهم يتوبون ويتذكرون.
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور ذلك فتقول: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً ...}.