خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً
٥٨
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً
٥٩
إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً
٦٠
جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً
٦١
لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً
٦٢
تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً
٦٣
-مريم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

واسم الإشارة فى قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم...} يعود إلى الأنبياء المذكورين فى هذه السورة. وهم عشرة أولهم فى الذكر زكريا وآخرهم إدريس.
قال القرطبى: " قوله - تعالى - {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ} يريد إدريس وحده {وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} يريد إبراهيم وحده {وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ} يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب {وَ} من ذرية {إِسْرَائِيلَ} يريد موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى فكان لإدريس ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح، ولإسماعيل وإسحاق ويعقوب، شرف القرب من إبراهيم".
وقوله: {وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ} معطوف على قوله {مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ} ومن للتبعيض.
أى: ومن جملة من أنعم الله عليهم، أولئك الذين هديناهم إلى طريق الحق واجتبيناهم واخترناهم لحمل رسالتنا ووحينا.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع لهؤلاء المنعم عليهم جملة من المزايا منها: أعمالهم الصالحة، ومناقبهم الحميدة التى سبق الحديث عنها، ومنها: كونهم من تسل هؤلاء المصطفين الأخيار، ومنها أنهم ممن هداهم الله - تعالى - واصطفاهم لحمل رسالته.
وقد بين - سبحانه - فى سورة النساء من أنعم عليهم بصورة أكثر شمولاً فقال:
{ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } وقوله - تعالى -: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} بيان لرقة مشاعرهم، وشدة تأثرهم عند سماع آيات الله - تعالى -.
فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان عظم خشيتهم من الله - تعالى - أو هى خبر لاسم الإشارة {أُولَـٰئِكَ} و {سُجَّداً وَبُكِيّاً} جمع ساجد وباك.
أى: أولئك الذين أنعم الله - تعالى - عليهم، من صفاتهم أنهم إذا تتلى عليهم آيات الرحمن، المتضمنة لتمجيده وتعظيمه وحججه .. خروا على جباههم ساجدين وباكين. وسقطوا خاضعين خاشعين خوفاً ورجاء، وتعظيماً وتمجيداً لله رب العالمين.
وجمع - سبحانه - بين السجود والبكاء بالنسبة لهم، للإشعار بأنهم مع تعظيمهم الشديد لمقام ربهم، فهم أصحاب قلوب رقيقة، وعواطف جياشة بالخوف من الله - تعالى -.
وفى معنى هذه الجملة الكريمة وردت آيات كثيرة، منه قوله - تعالى -:
{ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً } وقوله - سبحانه -: { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ } فهذه الآيات الكريمة تدل على أن من صفات المؤمنين الصادقين، أنهم يتأثرون تأثراً عظيماً عند سماعهم لكلام الله - تعالى -، تأثراً يجعلهم يبكون ويسجدون وتقشعر جلودهم، وتوجل قلوبهم، وتلين نفوسهم.
قال ابن كثير -رحمه الله -: "قوله - تعالى -: {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً} أى: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعاً واستكانة وشكراً على ما هم فيه من نعم .. فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم، واتباعاً لمنوالهم وقرأ عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - هذه الآية فسجد وقال: هذا السجود فأين البكاء".
ثم بين - سبحانه - ما حدث من الذين جاءوا بعد هؤلاء المنعم عليهم فقال: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً}.
ولفظ (الخلف) بسكون اللام - الأولاد، والواحد والجمع فيه سواء، وأكثر ما يطلق على الأشرار والطالحين، ومنه المثل السائر: "سكت ألفا ونطق خلفا" وقوله الشاعر:

ذهب الذين نعيش فى أكنافهموبقيت فى خلف كجلد الأجرب

والمراد بهذا اللفظ فى الآية: اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين الذين جاءوا بعد أبنيائهم، ولكنهم خالفوا شريعتهم، وأهملوا ما أمروهم به وما نهوهم عنه.
أما لفظ "الخلف" بفتح اللام - فيطلق على البدل ولدا كان أو غير ولد وأكثر استعمالاته فى المدح، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -:
"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله.." .
والمعنى: فخلف من بعد أولئك الأخيار الذين أنعم الله عليهم، خلف سوء وشر، ومن الأدلة على سوئهم وفجورهم أنهم {أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ} بأن تركوها، أو لم يؤدوها على وجهها المشروع {وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ} التى جعلتهم ينهمكون فى المعاصى، ويسارعون فى اقتراف المنكرات.
وقوله {فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} بيان لسوء عاقبتهم، أى: فسوف يلقى هؤلاء المضيعون للصلاة، المتبعون للشهوات، خسراناً وشراً فى دنياهم وآخرتهم، بسبب ضلالهم وتنكيهم الصراط المستقيم.
فالمراد بالغىِّ: الخسران والضلال. يقال: غوى فلان يغوى إذ ضل. والاسم الغواية.
وقيل: المراد بالغى هنا: وادى فى جهنم تستعيذ من حره أوديتها. وقيل: هو نهر فى أسفل جهنم يسيل فيه صديد أهلها.
ثم فتح - سبحانه - للتائبين باب الرحمة فقال: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً...}.
أى: هذا العقاب الشديد للمضيعين للصلاة، وللمتبعين للشهوات، لكن من تاب منهم توبة نصوحاً، وآمن بالله - تعالى - حق الإيمان، وعمل فى دنياه الأعمال الصالحة.
{فَأُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح {يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} بفضله - تعالى - ورحمته {وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً} أى: ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئاً.
وقوله {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ}. بدل من الجنة فى قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ}.
أى: هؤلاء التائبون المؤمنون العاملون للصالحات يدخلهم الله - تعالى - جنات عدن، أى: الجنات الدائمة التى وعدهم الرحمن بدخولها، وكان هذا الوعد فى الدنيا قبل أن يشاهدوها أو يروها.
فقوله: {بِٱلْغَيْبِ} حال من المفعول وهو {عِبَادَهُ} أى: وعدهم بها حالة كونهم غائبين عنها، لا يرونها، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد إخباره - سبحانه - لهم بذلك.
وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم فى الدنيا بقوله: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أى: إنه - تعالى - كان وما زال ما وعد به عباده وهو الجنة {مَأْتِيّاً} أى: يأتيه ويصل إليه من وعده الله - تعالى - به، لأنه - سبحانه - لا يخلف وعده.
فقوله: {مَأْتِيّاً} اسم مفعول من أتاه الشىء بمعنى جاءه، وقيل: هو اسم مفعول بمعنى فاعل، أى: إن وعده - سبحانه - لعباده كان آتياً لا ريب فيه.
ثم وصف - سبحانه - الجنات وأهلها بما يحمل العقلاء على العمل الصالح الذى يوصلهم إليها بفضله - تعالى - وكرمه فقال: {لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً..}.
واللغو: هو فضول الكلام، وما لا قيمة له منه، ويدخل فيه الكلام الباطل.
وقوله {إِلاَّ سَلاَماً} الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه.
أى: لا يسمعون فيها كلاماً لغوا، لكنهم يسمعون فيها سلاماً. أى: تسليماً من الملائكة عليهم، كما قال - تعالى -:
{ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ .. } أو يسمعون فيها تسليماً وتحية من بعضهم على بعض، كما قال - تعالى -: { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } قال الآلوسى: قوله إلا سلاما، استثناء منقطع، والسلام إما بمعناه المعروف.
أى: لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص، أى: لكن يسمعون كلاماً سالماً من العيب والنقص.
وجوز أن يكون استثناء متصلاً، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الدم، كما فة قوله:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب

وهو يفيد نفى سماع اللغو بالطريق البرهانى الأقوى. والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير، ولولا ذلك لم يقع موقعه من الحسن والمبالغة".
وقوله - تعالى -: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} بيان لدوام رزقهم فيها بدون انقطاع، إذ ليس فى الجنة نهار ولا ليل، ولا بكرة ولا عشى...
قال القرطبى ما ملخصه قوله {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} أى: لهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا، أى: فى قدر هذين الوقتين، إذ لا بكرة ثم - أى هناك - ولا عشيا.. وقيل: رزقهم فيها غير منقطع...
وخرج الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبى قلابة قالا:
"قال رجل يا رسول الله، هل فى الجنة من ليل؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: وما هيجك على هذا؟ قال: سمعت الله - تعالى - يذكر فى الكتاب: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً} فقلت: الليل بين البكرة والعشى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التى كانوا يصلون فيها فى الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة" .
ثم قال الإمام القرطبى: "وهذا فى غاية البيان لمعنى الآية...".
ثم أضاف - سبحانه - إلى تعظيمه لشأن الجنة تعظيماً آخر فقال: {تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً}.
فاسم الإشارة {تِلْكَ} يعود إلى ما تقدم من قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ...} وقوله {جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُ بِٱلْغَيْبِ..}.
أى: تلك هى الجنة العظيمة الشأن، العالية القدر، التى نجعلها ميراثاً للمؤمنين الصادقين المتقين من عبادنا، كما قال - تعالى -:
{ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وكما قال - سبحانه -: { وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } قال صاحب الكشاف: قوله {نُورِثُ}.. أى: نبقى عليه الجنة كما نبقى على الوارث مال المورث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة وقد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهى الجنة، فإذا أدخلهم - سبحانه - الجنة، فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى..".
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وشمول علمه، فقال - تعالى -: {وَمَا نَتَنَزَّلُ...}.